كذا عبَّر في «الوجيز»، والمرادُ به: تطهيرُ موارد الأنجاس الحكميَّة.
(لَا يَجُوزُ إِزَالَتُهَا بِغَيْرِ الْمَاءِ)، هذا هو المذهب؛ لما روت أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع؟ قال: «تحتُّه، ثمَّ تقرصه بالماء، ثمَّ تنضحه، ثمَّ تصلِّي فيه» متَّفق عليه (^١)، وأمر بصبِّ ذَنوب من ماء فأُهَريق على بول الأعرابي (^٢)، ولأنَّها طهارة مشترطة، أشبهت طهارة الحدث.
فعلى هذا: لا بدَّ من كونه طَهورًا، فتكون اللام فيه للعهد، فلا تُزَال بطاهر ولا مباح (^٣) على الأصحِّ (^٤).
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ مَائِعٍ (^٥) طَاهِرٍ مُزِيلٍ؛ كَالْخَلِّ)، اختارهُ ابن عَقِيل والشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّين (^٦)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أطلق الغَسل في حديثِ الوُلوغ (^٧)، فتقييدُه بالماء يفتقِر إلى دليلٍ، ولأنَّه مائع (^٨) طاهر مزيل أشبه الماء، (وَنَحْوِهِ)؛ كماء الوَرْد، والشجَر.
وقيل: يُزال بماءٍ طاهِرٍ، لا بِخَلٍّ ونحوه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).
(٢) سبق تخريجه ١/ ٣١ حاشية (٣).
(٣) كتب على هامش الأصل: (لعله: غير).
(٤) كتب على هامش الأصل: (مراد المصنف والله أعلم بقوله: "أنَّه لا تزال النَّجاسة لا بطاهر ولا غير مباح" يعني: لا بطهور مباح، انتهى).
(٥) قوله: (مائع) سقط من (أ).
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٧٥، الاختيارات ص ٣٨.
(٧) سيأتي ذكره قريبًا.
(٨) قوله: (مائع) سقط من (ب) و(و).
[ ١ / ٣٤٧ ]
واختار ابن حَمْدانَ: أنَّا إن قُلْنا: لا يَنْجُسُ كثيرُ خَلٍّ وماءِ وَرْدٍ ونحوِهما بدون تغيُّره بنجاسة تلاقيه؛ جازت إزالتها به، وإلَّا فلا.
وذكر جماعةٌ: أنَّه يجوزُ استعمال خلٍّ ونحوِه في الإزالة تخفيفًا (^١)، وإن لم يطهُر.
وظاهره: أنَّ ما لا يزيل؛ كالمَرَق واللَّبن؛ أنَّها لا تُزال به، وهو كذلك.
ولا بطعامٍ وشرابٍ (^٢)؛ لإفْساد المال.
وأنَّه لا يُعتبر لها النِّيَّة. وقيل: بلى. وقيل: في بَدَنٍ.
وفي «الانتصار»: في طهارته بِصَوبِ الغَمام وفِعْل مجنونٍ وطِفلٍ احتمالان.
ولا يُعقَل للنَّجاسة معنًى، ذكره ابن عقيل وغيره.
(وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) ومتولِّدٍ من أحدهما؛ لما رَوى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا ولَغ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سَبْعًا» متَّفق عليه، ولمسلمٍ: «فليُرِقْه، ثمَّ ليغسله سبعَ مرار»، وله أيضًا: «طُهور إناء أحدكم إذا ولَغ الكلبُ فيه أن يغسله سبْع مرات، أولاهنَّ بالتراب» (^٣)، ولو كان سُؤرُه طاهِرًا؛ لم تَجُز (^٤) إراقتُه، ولا وجب غسله، والأصل وجوبه عن نجاسة، ولم يُعْهَد التعبد إلَّا في غسل البدن، والطهور لا يكون إلَّا في محلِّ الطَّهارة، ولأنَّه لو كان تعبُّدًا؛ لما اختص الغسل بموضع الولوغ؛ لعموم اللَّفظ في الإناء كله.
وعنه: طهارة شعرٍ، اختاره أبو بكر والشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٥).
_________________
(١) في (و): تحقيقًا.
(٢) في (و): ولا بشراب.
(٣) أخرجه البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩).
(٤) في (أ) و(و): يجز.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٣٨، الاختيارات ص ٣٨.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وعنه: طهارة سؤرهما، واحتجَّ بعضهم على طهارته بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المَائدة: ٤]، ولم يأمر بغسل أثَرِ فَمِه.
وجوابُه: أنَّ الله تعالى أمر بأكله، ورسوله ﵇ أمر بغسِله، فيُعمل بأمرهما، وإن سلَّمنا أنَّه لا يجب غسله؛ فلأنَّه يشقُّ، فعُفِيَ عنه.
(سَبْعًا) مُنقِيةً إذا كانت على غير الأرض؛ لما ذكرنا (^١).
وعنه: يغسل ثمانيًا بترابٍ؛ لما روى عبد الله بن مغفل، مرفوعًا: «فاغسلوه سَبْعًا، وعفِّروه الثَّامِنةَ بالترابِ» رواهُ مسلمٌ (^٢)، وحُمل على أنَّه عدَّ الترابَ ثامِنَةً لكونه (^٣) جِنسًا آخَرَ.
وعنه: اختصاص العدد بالولوغ.
وعنه: لا يجب العددُ في غير الآنية.
وإذا ثبت هذا في الكلبِ، فالخنزيرُ شرٌّ منه؛ لنصِّ الشارِع على تحريمه وحرمةِ اقتنائِه، فثبت الحكمُ فيه بطريق التَّنبيه، وإنَّما لم يَنُصَّ الشَّارعُ عليه؛ لأنَّهم لم يكونوا يعتادونه.
ولم يذكر أحمد في الخنزير عددًا.
وعنه: لا يُعتبَر فيهما عدد، ذكره القاضي في «شرح المذهب».
(إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ)؛ أي: يجعله في أيِّ غسلة شاء، والأَوْلى جَعله في الأُولى؛ للخبر، وليأتيَ الماء بعده فينظِّفه. وعنه: في الأخيرة. وعنه: إنْ غسله ثمانيًا. وعنه: سواءٌ.
وظاهره: يجب الترابُ، وهو كذلك. وفيه وجهٍ: في الآنِية فقط. وعنه: يُستحبُّ مطلقًا، ويُعتبر كونُه طَهورًا، وقيل: أو طاهرًا.
_________________
(١) في (أ): ذكر.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٠).
(٣) في (و): لكونها.
[ ١ / ٣٤٩ ]
ولا يكفي ذرُّه على المحلِّ، بل لا بدَّ من مائع يُوصِلُه إليه، وظاهِرُ كلامِ جماعة: يكفي (^١)، ويُتْبِعُه الماءَ، قال في «الفروع»: وهو أظهر.
(فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشْنَانًا أَوْ نَحْوَهُ)؛ كصابُون ونُخالة، قال بعضهم: أو غَسَله غسلةً زائدةً؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما، - وهو المذهب -: يجزئه؛ لأنَّ نصَّه على التُّراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التَّنظيف.
والثَّاني: لا (^٢)؛ للنَّصِّ عليه، فلم يقم غيرُه مقامَه؛ كالتَّيمُّم.
وفي ثالثٍ: إِنْ عَدِمَه أو انْضَرَّ (^٣) المغسولُ به؛ أجزأه، وإلَّا فلا.
وفي رابعٍ: يجزئ بغير الغسلة الزَّائدة؛ لأنَّ الأمر بالتُّراب معونةٌ للماء في قطع النَّجاسة، أو للتَّعبد، ولا يحصل بالماء وحده، وهو اختيار المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح».
تنبيه: إذا ولغ في الإناء كلابٌ (^٤)، أو أصاب المحلَّ نجاساتٌ متساويةٌ في الحكم؛ فهي كنجاسة واحدة، وإلَّا فالحكم لأغلظها، فلو ولغ فيه فغسل دون السَّبع، ثمَّ ولغ فيه مرَّة أخرى؛ غُسِل (^٥)، ويغسل ما نجُس ببعض الغسلات ما بقي بعد تلك الغسلة؛ لأنَّ المنفصل كالبلَل الباقي، وهو يطهر بباقي العدد، كذلك هنا.
ثمَّ إن كانتِ انفصلتْ عن محلٍّ غُسل بالتُّراب؛ غسل محلّها بغير تراب، وإلَّا غسل به (^٦)، وظاهر الخِرَقيِّ، واختاره ابن حامِدٍ: أنَّه يغسل سبْعًا بتراب؛
_________________
(١) زاد في (و): ذره.
(٢) زاد في (و): يجزئه.
(٣) قوله: (عدمه أو انضر) هو في (و): أبصر.
(٤) في (أ): كلب.
(٥) زاد في (ب) و(و): سبعًا.
(٦) على حاشية (و): (هذا اختيار القاضي، قال في الشرح: وهو أصح إن شاء الله تعالى).
[ ١ / ٣٥٠ ]
لأنَّها نجاسة كلب.
ويعتبر استيعاب المحلِّ به إلَّا فيما يَضُرُّ، فيكفي مُسمَّاهُ في الأشْهَر.
(وَفِي سَائِرِ)؛ أي: باقي (النَّجَاسَاتِ) حتَّى محلِّ الاِستنجاء؛ (ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ):
(إِحْدَاهُنَّ: يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا)، نقله واختاره الأكثر؛ لقول ابن عمر: «أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبْعًا» (^١)، فينصرف إلى أمره ﷺ وقد أمر به في نجاسة الكلب، فيَلحَق به سائر النَّجاسات؛ لأنَّها في معناها، والحُكْم لا يختص بمَورد النَّصِّ، بدليل إلحاق البدن والثَّوب به، والعَرَقِ والبَولِ للرِّيق.
(وَهَلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»:
أحدهما: يُشتَرَط، اختاره الخِرَقي؛ لأنَّها مقيسة (^٢)، والفرع يأخذ حكم الأصل.
والثَّاني: لا، وهو اختيار المجْد؛ قصرًا له على مَورد النَّصِّ، أو لأنَّ ذلك لِلُزُوجَةٍ في ولوغ الكلب، قال في «الشَّرح»: (وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه غير موجود في نجاسة الكلب غير الولوغ، وقد قالوا بوجوب التُّراب فيه).
(وَالثَّانِيَةُ: ثلاثًا) مُنقية، اختارها المؤلِّف، وقدَّمها ابن تميم، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه ﵇ أمر القائم من نوم اللَّيل أن يغسل يديه ثلاثًا؛ معلِّلًا بوهْم النَّجاسة، ولا يزيل وَهْم النَّجاسة إلَّا ما يزيل نفسَها، ولأنَّه إذا اكتفى بثلاثة أحجار في الاستجمار، فالاجتزاء بثلاث غسلات أولى؛ لأنَّه أبلغ، وعليها: إذا غسله زائدًا على الثَّلاث، فالزَّائد طَهور في الأصحِّ.
_________________
(١) قال الألباني: (لم أجده بهذا اللفظ)، وأخرج أحمد (٥٨٨٤)، وأبو داود (٢٤٧)، عن ابن عمر أنه قال: «كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة». وضعفه ابن الجوزي والذهبي. ينظر: الإرواء ١/ ١٨٦.
(٢) زيد في (و): على الأصحِّ.
[ ١ / ٣٥١ ]
(وَالثَّالِثَةُ: تُكَاثَرُ بِالمَاءِ) حتَّى تزول العَين (مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ)، اختارها في «المغني» (^١)، و«الطَّريق الأقرب» (^٢)، وجزم بها في «الوجيز» في محلِّ الاستِنجاء؛ لقوله ﵇ في دم الحيضة: «فلتقرُصه (^٣)، ثمَّ لتنضَحْه بالماء» (^٤)، وقال في آنية المجوس: «إن لم تجدوا غيرَها فاغسلوها بالماء» (^٥) ولم يَذكُرْ عددًا، ولو كان واجبًا لذكره في جواب السَّائل عن التَّطهير؛ لأنَّه وقت حاجة.
فعلى الأشهر: يغسل محل الاستنجاء سبْعًا كغيره، صرَّح به القاضِي والشِّيرازيُّ وابن عَقيل، ونصَّ عليه أحمد في رواية صالح (^٦).
لكنْ نصَّ في رواية أبي داود (^٧)، واختاره في «المغني»: أنَّه لا يجب فيه عددٌ؛ اعتِمادًا على أنَّه لم يصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك، لا من قوله ولا من فعله، ويؤيِّده: أنَّه لا يشترط فيه تراب، وبه قطع المؤلِّف وابن تميم وغيرهما.
وعنه: لا عدد في بدن.
وعنه: يجب في السَّبيل من نجاسة ثلاثًا، وفي غيره سَبْعًا.
(كَالنَّجَاسَاتِ كُلِّهَا)، سواءٌ كانتْ بَولًا أو خمرًا أو نجاسة كلب وخنزير،
_________________
(١) زاد في (و): (وهذا مذهب الشافعي). وينظر: الحاوي الكبير ١/ ٣١٣، البيان ١/ ٣٤٨.
(٢) هو كتاب ليوسف بن عبد الرحمن، ابن الجوزي، ولد أبي الفرج ابن الجوزي، له من المصنفات أيضًا: المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد، وهذان الكتابان من مصادر المرداوي في الإنصاف، توفي سنة ٦٥٦ هـ بسيف التتار. ينظر: ذيل الطبقات ٤/ ٢٠، المقصد الأرشد ٣/ ١٣٧.
(٣) في (و): فليقرضه.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٣٤٧ حاشية (١).
(٥) ورد ذكر المجوس في حديث أبي ثعلبة ﵁ عند أحمد (٦٧٢٥)، وأبي داود (٢٨٥٧)، والترمذي (١٥٦٠)، وصححه الألباني، وأصله في البخاري (٥٤٨٧)، ومسلم (١٩٣٠) بلفظ: (أهل كتاب)، وليس فيه ذكر المجوس.
(٦) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٦٤.
(٧) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠.
[ ١ / ٣٥٢ ]
(إِذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ)، وما اتَّصل بها من الحِيطان والأحواض؛ فالواجب مكاثرتها بالماء؛ لما روى أنس قال: جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النَّبيُّ ﷺ: «دعوه، وأريقوا على بَوله سَجْلًا من ماء، أو ذَنوبًا من ماء» متَّفق عليه (^١)، ولو لم يَطهُر بذلك لكان تكثيرًا للنَّجاسة، ولأنَّ الأرضَ مَصابُّ الفضَلات، ومطارِحُ الأقذار، فلم يُعتبر فيه عددٌ؛ دفْعًا للحرَج والمشقَّة.
والمراد بالمكاثرة: صبُّ الماء على النَّجاسة حتَّى يغمرها بحيث يذهب لونها وريحها، فإن لم يذهبا لم تطهر (^٢)، وإن كان ممَّا لا يُزال إلَّا بمشقَّة سقط؛ كالثوب، ذكره في «الشرح».
وكذا حكمها إذا غُمرت بماء المطر والسيول؛ لأنَّ تطهير النَّجاسة لا تُعتبر (^٣) فيه النِّيَّة، فاستوى ما صبَّه الآدمي وغيره.
تذنيب:
يجب الحتُّ والقَرص، قال في «التَّلخيص» وغيرِه: إن لم يتضرَّر المحلُّ بهما.
ولا يَضرّ بقاء لونٍ أو ريحٍ، أو هما عَجْزًا في الأصحِّ، ويَطْهر، بلْ بقاءُ طعمِها في الأصحِّ.
وقال القاضي: بقاء أثر النَّجاسة بعد استيفاء العدَد معفوٌّ عنه.
ويُعتَبَرُ العَصر في كلِّ غسلة مع إمكانه فيما يتشرَّب (^٤) النَّجاسة، أو دَقه وتقليبه (^٥)، أو تثقيله.
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ٣١ حاشية (٣).
(٢) في (أ) و(و): يطهر.
(٣) في (و): يعتبر.
(٤) في (و): يشرب.
(٥) في (أ): تنقيله.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وجفافُه كعصره في الأصحِّ.
وغمسه (^١) في ماء كثير راكِد؛ لم يطهر حتَّى ينفصل عنه ويعاد إليه العدد المعتبر، وقيل: يكفي تحريكه وخَضْخضتُه فيه.
وفي «المغني» و«الشَّرح»: أن تمرَّ (^٢) عليه أجزاء لم تُلاقِه؛ كما لو مرَّت عليه جَرَيات في الماء الجاري.
وإن عصَر ثوبًا في ماء ولم يَرفعْه منه، فغسله (^٣)؛ ينبني (^٤) عليها، ويطهر.
وإذا غمس ثوبًا نجِسًا في ماءٍ قليلٍ؛ نجَّس الماء ولم يطهر، ولا يعتدُّ بها غسلة، وإن وضعه فيه، ثمَّ صب عليه الماء فغمره، ثمَّ عصره مِرارًا معتبرة طهُر، نصَّ عليه (^٥)؛ لأنَّه وارِد؛ كصبِّه عليه في غير الإناء (^٦).
(وَلَا تَطْهُرَ الْأَرْضُ النَّجِسَةِ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ) ولا جفاف؛ لأنَّه ﵇ أمر بغسل بول الأعرابي (^٧)، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به، ولأنَّ الأرض محلٌّ نجَسٌ، فلم يطهر بالجفاف؛ كالثِّياب.
واختار المجْد وغيره: يطهر إذا ذهب أثر النَّجاسة.
وقيل: وغيرها، ونصَّ عليه في حبل غسيل (^٨)، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٩).
_________________
(١) في (و): وغسله.
(٢) في (و): يمر.
(٣) زيد في (و): منه.
(٤) في (أ): بُني.
(٥) ينظر: مسائل عبد الله ص ١١.
(٦) قوله: (في غير الإناء) هو في (أ): من غير إناء.
(٧) سبق تخريجه ١/ ٣١ حاشية (٣).
(٨) ينظر: الفروع ١/ ٣٢٤.
(٩) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٧٩، الاختيارات ص ٣٩.
[ ١ / ٣٥٤ ]
لا يقال: جَفاف الأرض طُهورها، مستدلِّين بحديث ابن عمر: «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك» رواه أحمد وأبو داود بإسناد على شرط البخاريِّ؛ لأنَّه (^١) في البخاريِّ تعليقًا، وليس فيه «تبول» (^٢)، مع أنَّه يحتمل (^٣) أنَّها كانت تبول ثمَّ تقبل وتدبر في المسجد، فيكون إقبالها وإدبارها بعد بولها.
(وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالاِسْتِحَالَةِ)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن أكل الجَلَّالةِ وألبانِها» (^٤)؛ لأكلها النَّجاسة، ولو طهر بالاِستحالة لم ينه عنه (^٥)، فعلى هذا: إذا (^٦) وقع كلب في ملَّاحة فصار ملحًا، أو أُحرق السِّرجين النَّجِس فصار رَمادًا؛ فهو نجِس.
وعنه: يطهر، وذكرها في «الشَّرح» تخريجًا؛ قياسًا على جلود الميْتة إذا دبغت، فحيوان متولِّد من نجاسة؛ كدود الجروح والقروح، وصراصر الكَنيف؛ طاهر، لا مطلقًا، نصَّ عليه (^٧).
_________________
(١) في (و): ولأنه.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا (١٧٤)، وأحمد (٥٣٨٩)، وأبو داود (٣٨٢)، وابن خزيمة (٣٠٠)، وابن حبان (١٦٥٦)، قال ابن حجر: (وهذه اللفظة الزائدة ليست في شيء من نسخ الصحيح، لكن ذكر الأصيلي أن في رواية إبراهيم بن معقل النسفي: «تبول وتقبل وتدبر»). ينظر: تحفة الأشراف للمزي ٥/ ٣٤٠، فتح الباري ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، تغليق التعليق ٢/ ١٠٩.
(٣) كتب على حاشية (و): (قلت: هذا الاحتمال فيه بُعْد؛ إذ كل أحد يعلم أن الكلاب كانت تبول قبل دخولها المسجد).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٧٨٥، ٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٤، ١٨٢٥)، من حديث ابن عمر وابن عباس ﵃، ووقع اختلاف في بعض طرقه، وصححه الترمذي، وابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، وغيرهم. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٦٧٠، التلخيص الحبير ٤/ ٣٨٣، الإرواء ٨/ ١٤٩.
(٥) في (و): فعنه.
(٦) في (أ) و(ب): لو.
(٧) ينظر: الفروع ١/ ٣٢٤.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وذكر بعضهم روايتين في نجاسةِ وجهِ تَنُّورٍ سُجِر بنجاسة (^١)، ونقل الأكثر: (يغسل) (^٢)، ونقل ابن أبي حرب (^٣): (لا بأس) (^٤).
وعليهما يخرَّج عمل زيت نجس صابونًا، وتراب جبل بروث حمار، فإن لم يستحِلْ؛ عُفِي عن يسيره في رواية.
وذكر الأزَجي: إن نجس التنور بذلك؛ طهر بمسحه بيابس، وإن (^٥) مسح برطب؛ تعيَّن الغسل، وحمل القاضي قول أحمد: يسجر التَّنور مرَّة أخرى، على ذلك.
فرعٌ: القصرمل (^٦) ودخان النَّجاسة وغبارها نجس على الأوَّل لا الثَّاني، وكذا ما تصاعد من بخار الماء النَّجس إلى الجسم الصَّقيل، ثمَّ عاد فقطر، فإنَّه نجس على الأوَّل؛ لأنَّه نفس الرُّطوبة المتصاعدة، وإنَّما يتصاعد في الهواء كما يتصاعد بخار الحمَّامات، وبخار الحمَّامات طَهور.
(إِلَّا الْخَمْرَةَ)، هي مأخوذة من خَمَر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل شيء غطَّى شيئًا فقد خمَّره، ومنه: «خمِّروا آنيتكم» (^٧)، والخمر (^٨) يخمِّر
_________________
(١) في (و): بنجاسته.
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ١٣٦.
(٣) هو محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي. قال الخلال: كان أحمد يكاتبه ويعرف قدره، عنده عن أبي عبد الله مسائل مشبعة كنت سمعتها منه. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٣١، المقصد الأرشد ٢/ ٥٢٨.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٣٢٥.
(٥) في (و): فإن.
(٦) القصرمل: ما ينتج عن مزج الرماد مع التراب ويستخدم في بناء الجدران. ينظر: قراءة معمارية في السجلات العثمانية (ر).
(٧) أخرجه البخاري (٥٦٢٣)، ومسلم (٢٠١٢)، من حديث جابر ﵁.
(٨) زيد في (ب): ما.
[ ١ / ٣٥٦ ]
العقل؛ أي: يغطِّيه ويستره، وهي نجِسةٌ إجماعًا، لكن خالف فيه اللَّيْث وربيعة وداود (^١)، وحكاه القرطبي عن المزني، فقالوا بطهارتها (^٢).
واحتجَّ بعضهم للنَّجاسة: بأنَّه لو كانت طاهرة لفات الامتنان بكون شراب الجنَّة طَهورًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسَان: ٢١]؛ أي: طاهرًا، وعلَّله في «الشَّرح»: بأنَّه يحرم تناولها من غير ضرر؛ أشبه الدم.
(إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا) فإنَّها تطهر في المنصوص (^٣)، وفي «الشَّرح»: (لا نعلم (^٤) فيه خلافًا؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتها المُسكِرة، وقد زالت من غير نجاسة خلَفتها (^٥)، فوجب أن تطهر (^٦) كالماء).
لا يقال: حكم سائر النَّجاسات كذلك؛ أي: تطهر (^٧) بالاِستحالة؛ لأنَّ نجاستها لِعَينِها، والخمرة نجاستها لأمر زال بالاِنقلاب.
والنَّبيذ كذلك، وخالف القاضي فيه؛ لأنَّ فيه (^٨) ماءً نجِسًا.
ودنُّها (^٩) مثلها، قاله الأصحاب.
(وإنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ) في ظاهِر المذهب؛ لما رَوى التِّرمذيُّ: أنَّ أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمْرًا، فقال: «أهرقها»، قال: أفلا
_________________
(١) زيد في (و): (فعلى هذا؛ لا تكون نجسة إجماعًا مع وجود الخلاف، إلا أن يريد بالإجماع إجماع أهل المذاهب الأربعة).
(٢) ينظر: تفسير القرطبي ٦/ ٢٨٨، المغني ٩/ ١٧١، المجموع ٢/ ٥٦٣.
(٣) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٢٩، مسائل عبد الله ص ٤٣٣.
(٤) في (و): يعلم.
(٥) في (و): خلفها.
(٦) في (و): يطهر.
(٧) في (ب) و(و): يطهر.
(٨) قوله: (لأنَّ) سقط من (ب) و(و).
(٩) في (أ): ودونها.
[ ١ / ٣٥٧ ]
أخلِّلها؟ قال: «لا» (^١)، ولو جاز التَّخليلُ لم ينْهَه عنه، ولم يُبِحْ إراقته، وعلى هذا يحرم تَخليلها فلا تَحلُّ (^٢).
ففي النَّقل أو التَّفريغ (^٣) من محلٍّ إلى آخَرَ، أو إلقاء جامد فيها؛ وجهان.
(وَقِيلَ: تَطْهُرُ)، وهو (^٤) رواية؛ لأنَّ علَّة التَّحريم زالت، فعلى هذا يجوز، وعنه: يكره، وعليهما تَطْهُر، وفي «المستوعب»: يُكرَه، وأنَّ عليها لا تطهر على الأصحِّ.
وفي إمساك خمر ليصير خلًّا بنفسه أوجُهٌ، ثالثُها: يجوز في خمرةِ خلَّال، وهو أظهر، فتترك (^٥) حينئذ، فعلى هذا تصير هذه الخمرة محترمة، وعلى المنع تطهر على الأصحِّ.
وإن اتخذ عصيرًا للخمر فلم يتخمَّر وتخلَّل بنفسه؛ ففي حلِّه الخلاف.
واقتضى ذلك: أنَّ الحشِيشة المسكرة طاهرة (^٦). وقيل: نجسة. وقيل: إن أُميعت.
فائدة: الخَلُّ المباح: أن يصبَّ على العنب أو العصير خلٌّ قبل غلَيانه حتَّى لا يَغلِيَ، نقله الجماعة، قيل له: صُبَّ عليه خَلٌّ فغلى، قال: يُهراق (^٧).
تنبيه: لا يطهر إناء (^٨) تَشَرَّب نجاسةً بغسله، نصَّ عليه. وقيل: بلى، إن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٨٣)، والترمذي (١٢٩٤)، من غير ذكر خبر أبي طلحة والأيتام، وأخرجه بسياق المصنف أحمد في مسنده (١٣٧٣٢).
(٢) قوله: (تخليلها فلا تحل) هو في (أ): التخليل فلا تحل.
(٣) في (أ): والتفريغ.
(٤) في (أ): وهي.
(٥) في (و): فيترك.
(٦) زاد في (ب): (وفاقًا للشافعي). ينظر: مغني المحتاج ١/ ٢٢٥.
(٧) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٤٧، مسائل صالح ٢/ ١٤٢.
(٨) قوله: (إناء) سقط من (و).
[ ١ / ٣٥٨ ]
لم يبقَ للنَّجاسة أثَر. وقيل: بل ظاهره (^١).
ومثله سكِّين سقيت ماء نجِسًا.
ولا يطهر باطن حَبٍّ نُقِع في نجاسة بغسله، نصَّ عليه (^٢)، وقيل: بلى، كظاهره (^٣)، فينقع ويجفَّف مرارًا كعجين. وقيل: كلُّ مرَّة أكثر من مدَّة إقامته في الماء النَّجس (^٤).
وإن طُبخ لحمٌ بماء نجِس؛ طهر ظاهره بغسله. وعنه: وباطنه، فيُغْلَى في ماءٍ طَهور كثير، ويجفَّف مِرارًا. وقيل: إن تشرَّبه اللَّحم لم يَطْهُر بحال.
ولا يطهر جسم صقيل بمسحه على الأصحِّ.
وعنه: تطهر سِكِّينٌ من دم الذَّبيحة فقط.
(وَلَا تَطْهُرُ الْأَدْهَانُ النَّجِسَةُ) بغسلها في ظاهِر المذهب (^٥)؛ لأنَّه لا يتحقَّق وصول الماء إلى جميع أجزائه، ولو تحقَّق ذلك لم يأمر النَّبيُّ ﷺ بإراقة السَّمْن الذي وقعت فيه الفأرة (^٦).
واستثنى ابنُ عَقيل: الزِّئْبَقَ؛ لأنَّه لقُوَّته وتماسُكه يجري مجرى الجامِد، وبعَّده ابن حمدان.
_________________
(١) في (و): كظاهره.
(٢) في المغني ١/ ٢٩: (قيل لأحمد في سمسم نقع في تيغار، فوقعت فيه فأرة، فماتت؟ قال: لا ينتفع بشيء منه. قيل: أفيغسل مرارًا حتى يذهب ذلك الماء؟ قال: أليس قد ابتل من ذلك الماء؛ لا ينقى منه وإن غسل). والتيغار: عامي، وعاء من خزف. ينظر: معجم متن اللغة ١/ ٣٩٨.
(٣) قوله: (ومثله سكين) إلى قوله: (وقيل: بلى، كظاهره) سقط من (و).
(٤) زيد في (و): وفاقًا للشافعي.
(٥) زيد في (و): وفاقًا للأئمة الثلاثة.
(٦) أخرجه البخاري (٥٥٣٨)، عن ميمونة ﵂: أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوه».
[ ١ / ٣٥٩ ]
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ مِنْهَا بِالْغَسْلِ مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ)؛ كزَيت ونحوه؛ لأنَّ غسله ممكِنٌ؛ لكون الماء يختلط بجميع أجزائه، فطهر به كالجامد، والخَبر السَّابق واردٌ في السَّمن، وهو لا يمكن غسله؛ لأنَّه يجمد.
وطريق تطهيره: أن يجعل في ماء كثير، ويحرك حتَّى يصيب جميع أجزائه، ثمَّ يترك حتَّى يعلوَ على الماء فيؤخذ، وإن تركه في جَرَّة وصَبَّ عليه ماءً، وحرَّكه فيه، وجعل لها بزالًا يخرج منه الماء؛ جاز.
فرع: إذا ماتت الفأْرة ونحوها في جامد؛ أُلقيت وما حولها، والباقي طاهر، نصَّ عليه (^١)؛ لحديث أبي هريرة رواه أحمد وأبو داود (^٢).
والجامد: ما لا تَسْرِي إليه النَّجاسة غالبًا.
وقال ابن عقيل: ما لو فُتِح وِعاؤه لم تَسِلْ أجزاؤه. قال في «الشَّرح»: (والظَّاهِرُ خلافُه؛ لأنَّ سَمْن الحجاز لا يكاد يبلغه).
فإن اختلط ولم ينضبط (^٣)؛ حرم، نصَّ عليه (^٤).
وإن خَرجتْ منه حيَّةٌ؛ فطاهِر، نصَّ عليه؛ لانضمام دبره (^٥).
ولا يكره سُؤْره في اختيار الأكثر.
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦، مسائل ابن منصور ٨/ ٣٩٩٧
(٢) أخرجه أحمد (٧١٧٧)، وأبو داود (٣٨٤٢)، وابن الجارود (٨٧١)، وابن حبان (١٣٩٣)، من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، مرفوعًا ولفظه: «إن كان جامدًا، فخذوها وما حولها، ثم كلوا ما بقي، وإن كان مائعًا، فلا تأكلوه»، وجمهور الأئمة على أنه حديث غير محفوظ سندًا ومتنًا، وأن ذكر التفصيل فيه خطأ، قال الترمذي في السنن (١٧٩٨)، (وهو حديث غير محفوظ)، ونقل عن البخاري أنه قال: (هذا خطأ، أخطأ فيه معمر)، وكذا قال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني، وصححه الذهلي، وابن حبان. ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ٨، السلسلة الضعيفة للألباني (١٥٣٢).
(٣) أي: اختلط النجس بالطاهر.
(٤) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٣٣٧.
(٥) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٣٣٦.
[ ١ / ٣٦٠ ]
(وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ) في بدَن أو ثوب أو بُقعة يمكن غسلها، وأراد الصَّلاة؛ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إِزَالَتَهَا)؛ لأنَّه اشتبه الطَّاهر بالنَّجس، فوجب عليه اجتناب الجميع حتَّى يتيقَّن الطَّهارة بالغسل؛ كما لو خفي المُذكَّى بالميِّت، ولأنَّ النَّجاسة متيقَّنة، فلا تزول (^١) إلَّا بيقين الطَّهارة (^٢).
فإن لم يعلم جهتَها من الثَّوب؛ غسله كلَّه، وإن علمها في أحد كُمَّيه ولا يعرفه؛ غسلهما.
وإن رآها في بدنه أو ثوبه الذي عليه؛ غسل ما يقع نظره عليه.
وعنه: يكفي الظَّن في مَذْيٍ، وعند الشَّيخ تقِيِّ الدِّين: وفي غيره (^٣).
وظاهره: أنَّها إذا خفيت في فضاء واسع؛ أنَّه لا يلزمه غسل (^٤)، وهو كذلك، بل يصلِّي حيث شاء، زاد بعضهم: بلا تَحَرٍّ.
(وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ؛ النَّضْحُ)، ويطهر به؛ لما روت أم قَيْسٍ بنت مِحْصَنٍ: «أنَّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطَّعام إلى النَّبيِّ ﷺ، فأجلسه في حَجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله» متَّفق عليه (^٥).
ومعنى النَّضْح: غَمْره بالماء وإن لم يَزُل (^٦) عنه، ولا يحتاج إلى مَرْس وعَصْر.
وهو نَجِسٌ، صرَّح به الجمهور.
_________________
(١) في (أ): تزال، وفي (و): يجوز.
(٢) زيد في (و): بالغسل.
(٣) ينظر: الاختيارات ص ٤١.
(٤) زاد في (و): لأنه يشق.
(٥) أخرجه البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).
(٦) في (و): ينزل.
[ ١ / ٣٦١ ]
وظاهر كلام الخِرَقِيِّ وأبي إسحاق بن شاقْلا: أنَّه طاهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لوجب غسله كسائر النَّجاسات.
قلنا: اكتفى فيه بالرش (^١) تَيْسيرًا وتخفيفًا.
وقوله: «لم يأكل الطَّعام»؛ أي: بشهوة واختيار، لا عدم أكله بالكلِّيَّة؛ لأنَّه يُسقى الأدوية والسُّكَّر، ويحنَّك حين الولادة، فإن أكله بنفسه؛ غسل؛ لأنَّ الرُّخصة إنَّما وردت فيمن لم يطعم الطَّعام، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل.
وتخصيصه الغلام بالحكم المذكور؛ مُخْرِجٌ للخُنثى والأنثى، وقد صرَّح به في «الوجيز»، وقد روى أحمد وغيره عن عليٍّ: أنَّ النبي ﷺ قال: «يُنضَح بولُ الغلام، ويُغسل بول الجارية»، قال قتادة: (هذا إذا لم يطعما، فإذا طعما غُسِلا جميعًا) (^٢).
والحكمة فيه: أنَّ بول الغلام يخرج بقوَّة فينتشر (^٣)، أو أنَّه (^٤) يكثر حمله على الأيدي فتعظم المشقَّة بغسله، أو أنَّ مزاجه حارٌّ، فبوله رقيق، بخلاف الجارية (^٥).
لكنْ قال الشَّافعي: لم يتبيَّن لي فرق من السُّنَّة بينهما.
_________________
(١) قوله: (بالرش) سقط من (أ).
(٢) قوله: (غسلا جميعًا) هو في (ب) و(و): غسل بولهما. أخرجه أحمد (٧٥٧)، وأبو داود (٣٧٧)، والترمذي (٦١٠) وحسنه، وابن خزيمة (٢٨٤)، وابن حبان (١٣٧٥)، قال ابن حجر: (إسناده صحيح، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) في (و): وينتشر.
(٤) في (أ): لأنه.
(٥) زاد في (ب): فإن بولها أثخن وألصق بالمحل.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وذكر بعضهم: أنَّ الغلام أصله من الماء والتُّراب، والجارية من اللَّحم والدَّم، وقد أفاده ابن ماجه في سننه (^١)، وهو غريب.
فرع: لعابُهما طاهِرٌ. وقيل: إن نجُس فم أحدهما؛ طهر بريقه بعد ساعة. وقيل: لا، بل يُعفى عنه.
(وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْ الْحِذَاءِ (^٢) بالمشي، وظاهر كلام ابنِ عَقيل: أو طَرَفُه؛ (وَجَبَ غَسْلُهُ)، نقله واختاره الأكثر (^٣)، وكالثَّوب والبدن (^٤).
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ) حتَّى تزولَ عين النَّجاسة، وتباح الصَّلاة فيه، قدَّمه في «الكافي»، وفي «الشَّرح»: (أنَّه الْأَوْلَى)؛ لما رَوى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا وَطِئ (^٥) الأذى بخفَّيه؛ فطَهورهما التُّراب» رواه أحمد وأبو داود من رواية محمَّد بن عَجْلان، وهو ثقة روى له مسلم (^٦)، ولأنَّه ﷺ هو وأصحابه كانوا يصلُّون في نِعالهم (^٧)، والظَّاهر أنَّها لا تسلم من
_________________
(١) ذكره ابن ماجه عن الشافعي. ينظر: سنن ابن ماجه ١/ ١٧٤.
(٢) في (أ): والحذاء.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٢٧، مسائل صالح ١/ ١٦٩، مسائل عبد الله ص ١٠.
(٤) قوله: (وكالثوب والبدن) هو في (ب) و(و): كالثوب وكالبدن.
(٥) زاد في (ب): أحدكم.
(٦) أخرجه أحمد (١١١٥٣)، من حديث أبي سعيد في قصة خلع الرسول ﷺ نعله، وسيأتي تخريجه قريبًا، وأخرجه أبو داود (٣٨٦)، وابن خزيمة (٢٩٢)، وابن حبان (١٤٠٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفي سنده محمد بن كثير الصنعاني، وهو صدوق كثير الغلط، قال ابن عبد البر: (وهو حديث مضطرب الإسناد لا يثبت، اختلف في إسناده)، قال ابن حجر: (وهو معلول، اختلف فيه على الأوزاعي، وسنده ضعيف)، وله شواهد أخرى ضعيفة. ينظر: التمهيد ١٣/ ١٠٧، التلخيص الحبير ١/ ٦٦٠.
(٧) أخرجه أحمد (١١١٥٣)، وأبو داود (٦٥٠)، وابن خزيمة (١٠١٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم وصله، وهو حديث صحيح. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٣٣٠)، علل الدارقطني ١١/ ٣٢٨، التلخيص الحبير ١/ ٦٦٢، صحيح أبي داود للألباني ٣/ ٣٢١. وأخرجه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٥٥٥)، عن سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: «نعم».
[ ١ / ٣٦٣ ]
نجاسة تصيبها، فلولا أنَّ دلكها (^١) يجزئ؛ لما صحَّت الصَّلاة فيها، ولأنَّه محلٌّ تتكرَّر إصابة النَّجاسة له، فأجزأ فيه المسح كالسَّبيلَين.
ويحكم بطهارة المحل به في وجْهٍ، هو ظاهر كلام أحمد، واختاره ابن حامد، وجزم به في «الوجيز». وذهب أصحابُنا المتأخِّرون إلى خلافه.
فرع: حَكُّه بخرقة (^٢) أو خشبة؛ حُكْمُ دَلْكِه.
(وَعَنْهُ: يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ)؛ لفُحشهما وتغليظ نجاستهما، (وَيُدْلَكُ مِنْ غَيْرِهِمَا)؛ لما ذكرنا، وقاله إسحاق.
ولا يشترط للدَّلك جَفافُ النَّجاسة؛ لظاهر الخبر، وشرطه القاضي.
وظاهره: أنَّ النَّجاسة إذا أصابت غير أسفلهما؛ أنَّه يُغسَل، وهو كذلك، نصَّ عليه، وعزاه بعضهم إلى الرِّجل وذيل المرأة.
ونقل إسماعيل بن سعيد: يطهر بمروره على طاهر يُزيلُها، واختاره (^٣) الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (^٤) لظاهر خبر أم سلمة، رواه أحمد وغيره، وفيه جهالة (^٥).
_________________
(١) في (أ): ذلك.
(٢) قوله: (بخرقة) هو في (أ): في.
(٣) في (و): واختارها.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٣٣٢.
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٤٨٨)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أُطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ: «يطهره ما بعده»، وفيه جهالة كما ذكر المصنف فإن أم ولد إبراهيم مجهولة، وقيل: اسمها حميدة، ذكره الذهبي وابن حجر، وللحديث شاهد من حديث امرأة من بني عبد الأشهل، أخرجه أبو داود (٣٨٤)، قال العقيلي: (هذا إسناد صالح جيد)، وصححه ابن العربي، والألباني. ينظر: الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٦١، ميزان الاعتدال ٤/ ٦٠٦، تهذيب التهذيب ١٢/ ٤١٢، صحيح أبي داود ٢/ ٢٣٤.
[ ١ / ٣٦٤ ]
(وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدَّثِّر: ٤]، والأحاديث مستفيضة بذلك، (إِلَّا الدَّمَ) فإنَّه يُعفى عن يسيره في الصَّلاة دون المائعات والمطعومات، فإنَّ الإنسان غالِبًا لا يسلم منه، وهو قول جماعة من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدَهم، ولقول عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوب تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فمَصَعته (^١) بظفرها» (^٢)، وهذا يدلُّ على العفو عنه؛ لأنَّ الرِّيق لا يُطَهِّر، ويتنجَّس به ظفرها، وهو إخبار عن دوام الفعل، ومثله لا يخفى عنه ﷺ، فلا (^٣) يصدر إلَّا عن أمره، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يخرج من يديه دم في الصَّلاة من شقاق كان بهما» (^٤)، «وعصَر بثرة، فخرج منها دم، فمسحه (^٥)، ولم يغسله» (^٦)، ولأنَّه (^٧) يشقُّ التَّحرُّز منه، فعُفِي عنه؛ كأثَر الاستجمار.
وقيل: يَختصُّ بدم نفسه.
واليسير: الذي لم ينقض الوضوء، والكثير (^٨): ما نقض الوضوء.
والدَّم المعفُو عنه: ما كان من آدمي أو حيوان طاهر، لا الكلب والخنزير.
_________________
(١) في (و): فمضغته. وقولها: «فمصعته»، بالصاد والعين المهملتين المفتوحتين، أي: حكته وفركته بظفرها، ورواه أبو داود بالقاف بدل الميم، والقصع: الدلك. ينظر: فتح الباري ١/ ٤١٣.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٢).
(٣) في (و): ولا.
(٤) أخرجه الأثرم في السنن (١١٣)، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يسجد فيخرج يديه، فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق كان في يديه»، وإسناده صحيح.
(٥) زاد في (ب): بيديه وصلى.
(٦) تقدم تخريجه ١/ ٢٢٣ حاشية (٤).
(٧) في (و): ولا.
(٨) قوله: (والكثير) سقط من (أ).
[ ١ / ٣٦٥ ]
بقي ههنا (^١) صُوَرٌ:
منها: دمُ ما لا نفس له سائلة؛ كالبَقِّ والقمل والبراغيث؛ طاهر في ظاهر (^٢) المذهب.
وعنه: نجس، ويعفى عن يسيره، قال في دم البراغيث: (إنِّي لأفزع منه إذا كثر) (^٣)، قال في «الشَّرح»: ليس فيه تصريح بنجاسته، بل هو دليل التَّوقُّف.
ومنها: دم السَّمك، فإنَّه طاهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لتوقَّفت إباحته على إراقته بالذَّبح؛ كحَيَوان البَرِّ، ولأنَّه يستحيل ماءً. وقيل: نجس.
ومنها: دم الشَّهيد، فإنَّه نجس، وقيل: طاهر، وعليهما (^٤): يستحبُّ بقاؤه، فيُعايَا بها (^٥)، ذكره ابن عقيل. وقيل: طاهر ما دام عليه، صحَّحه ابن تميم.
ومنها: الدَّم الذي يبقى في اللَّحم وعروقه؛ طاهر، ولو غلبت حمرته في القِدر؛ لأنَّه لا يمكن التَّحرُّز منه، فهو وارِد على إطلاقه، ويدفع بالعناية.
ومنها: العَلَقة التي يُخلَق منها الآدمي أو الحيوانُ الطَّاهِرُ؛ طاهرةٌ في رواية صحَّحها ابن تميم؛ لأنَّها بدْءُ خلْقِ آدَمِيٍّ.
وعنه: نجِسةٌ، صحَّحها في «المغني»؛ كسائر الدِّماء.
(وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ (^٦) مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ)، بل العفْوُ عنهما أَوْلى؛ لاختلاف
_________________
(١) في (أ): هنا.
(٢) قوله: (ظاهر) سقط من (أ).
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦١، وليس فيه: (إذا كثر).
(٤) قال ابن نصر الله في حواشي الفروع ١/ ١٠٧: (أي: وعليهما، سواء قيل بنجاسته أو طهارته).
(٥) قال ابن نصر الله في حواشي الفروع ١/ ١٠٧: (بأن يقال: نجاسة يستحب بقاؤها عليه).
(٦) قوله: (منه) سقط من (أ).
[ ١ / ٣٦٦ ]
العلماء في نجاستهما، ولذلك قال أحمد: (هو أسهل من الدَّم) (^١)، قال في «الشَّرح»: (فعلى هذا يُعفَى عنه عن أكثر ممَّا يُعفَى عن مثله في الدَّم؛ لأنَّ هذا لا نصَّ فيه، وإنَّما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدَّم).
وعنه: طهارة قَيحٍ ومِدَّة (^٢) وصَديدٍ.
مسألتان:
الأولى: ماء القروح نجِس في ظاهر نقل الإمام (^٣)، وقال في «شرح العمدة»: (إن كان متغيِّرًا فهو كالقَيح، وإلَّا فهو طاهِرٌ كالعَرَق).
الثَّانية: إذا تفرَّق دمٌ مسفوحٌ في غير الصَّحراء؛ فإذا اجتمع لم يكن قدرَ ما يُعفى عنه؛ فكثير حُكْمًا في الأشهر، وإن نفذ من جانِبَيْ جُبَّة أو ثوب صفيق؛ فكدَمٍ واحد في الأصحِّ؛ كما لو نفذ من أحدهما، وإن لم يَنفُذْ، ولم يتَّصل بالآخَر؛ فهما نجاستان؛ إذا بلغا أو جمعا قدْرًا لا يُعفى عنه؛ لم يعفَ عنها؛ كجانبي الثَّوب.
(وَأَثَرَ الاِسْتِنْجَاءِ)؛ أي: الاستجمار، فإنَّه يُعفى عنه بعد الإنقاء واستيفاء العَدَد بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح»، واقتضى ذلك نجاسته، وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأنَّ الباقي عين النَّجاسة، فعلى هذا: عرَقه نجِسٌ، فينجس الماء اليسير بقعوده فيه. واختار ابن حامد طهارته (^٤).
(وَعَنْهُ: فِي الْمَذْيِ، وَالْقَيْءِ (^٥)، وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٣٠٨، مسائل ابن منصور ٢/ ٣٦٣.
(٢) قوله: (ومدة) سقط من (ب) و(و). المدة: القيح، وهي الغثيثة الغليظة، والرقيقة هي الصديد. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٦٦.
(٣) جاء في مسائل ابن منصور ٢/ ٣٦٥: (قلت للإمام أحمد: الدمل يخرج منه الشيء؟ قال: حتى يكثر).
(٤) قوله: (واختار ابن حامد طهارته) سقط من (و).
(٥) قوله: (والقيء) سقط من (و).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وَالطَّيْرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ؛ أَنَّهُ كَالدَّمِ. وَعَنْهُ: فِي (^١) الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ).
نقول: المذْي مختَلَف فيه (^٢)؛ لتردُّده بين البول لكونه لا يخلق منه الحيوان، والمنِيِّ لكونه ناشئًا عن الشَّهوة، والمذهبُ: نجاستُه، ويُعفَى عن يسيره في رواية جزم بها في «الوجيز»، وهو قول جماعة من التَّابعين وغيرهم (^٣)؛ لأنَّه يخرج من الشَّباب كثيرًا، فيشقُّ التحرُّز منه.
وعنه: يُكتفَى فيه بالنَّضح؛ لحديث سهل بن حُنَيف قال: قلت: يا رسول الله، كيف ما (^٤) يصيب ثوبي؟ قال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء فتنضِح به ثوبك حيث ترى أنَّه قد (^٥) أصاب منه» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وصحَّحه (^٦).
والمذهب: أنَّه لا يطهر بنضحه، ولا يعفى عن يسيره؛ لأنَّه ﵇ أمر بغسل الذَّكر منه (^٧)، ولأنَّه نجاسة خارج (^٨) من الذكر كالبول.
وهل يغسل ما أصابه، أو جميع ذكره، أو وأُنثيَيْه؟ فيه روايات.
_________________
(١) في (و): من.
(٢) قوله: (فيه) سقط من (و).
(٣) أخرج ابن أبي شيبة (٨٠١٢)، عن محمد بن عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، عن الرجل يخرج منه المذي، فكلهم قال: «أنزله بمنزلة القرحة، ما علمت منه فاغسله، وما غلبك منه فدعه».
(٤) في (و): مما.
(٥) قوله: (قد) سقط من (أ).
(٦) أخرجه أحمد (١٥٩٧٣)، وأبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن خزيمة (٢٩١)، وابن حبان (١١٠٣)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.
(٧) أخرجه البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣)، من حديث علي ﵁.
(٨) في (ب) و(و) خارجة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وعنه: طاهر كالمنِيِّ، اختاره أبو الخطَّاب في خلافه؛ لأنَّه خارج بسبب الشَّهوة.
وقيل: إن قلنا مخرجه مخرج المنِيِّ فله حكمه.
واقتضى ذلك: أنَّ الوَدْي - وهو ماء أبيض يخرج عقيب البول -؛ نجس، وأنَّه لا يعفى عنه مطلقًا، وصرَّح به الأصحاب. وعنه: هو كالمذْي.
وأمَّا القَيْء: وهو طعام استحال في الجوف إلى نَتْنٍ وفساد؛ فقال أحمد: (هو عندي بمنزلة الدَّم) (^١)، وذكره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه خارِجٌ نجِسٌ من غير السَّبيل أشبه الدَّم.
والثَّانية: عدم العفو عنه مطلقًا، قدَّمها في «الفروع»، وهي أشهر؛ لأنَّ الأصل عدم العفو عن النَّجاسة إلَّا فيما خصَّ، وقيَّده في «الوجيز» بالنَّجس احترازًا عن قيء المأكول.
وأمَّا ريق البغل والحمار وعرقهما؛ فيعفى عن يسيره إذا قيل بالنَّجاسة؛ لأنَّه يشق التَّحرُّز منه، قال في «الشَّرح»: (هو الظَّاهر عن (^٢) أحمد، قال الخلَّال: وعليه مذهبه، قال أحمد: من يَسلَم من هذا ممَّن يركب الحمير؟! إلَّا أنِّي أرجو أن يكون ما خفَّ منه أسهل).
والثَّانية: لا يعفى عنه؛ لما تقدَّم.
وريق سباع البهائم؛ كالأسد ونحوه - ما عدا الكلب والخنزير -، وريقُ سباع الطَّير؛ كالبازي ونحوه، وعَرقُها؛ فيعفى عن يسيره؛ للاختلاف في نجاستهما (^٣).
_________________
(١) ينظر: مسائل حرب ١/ ٣٢٠.
(٢) في (أ): من.
(٣) في (أ) و(ب): نجاستها.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وبول الخفَّاش - وهو واحد الخفافيش (^١)، وهو الذي يطير ليلًا -؛ يعفى عن يسيره في رواية، جزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه يشقُّ التَّحرُّز منه (^٢)؛ لكونه في المساجد كثيرًا، فلو لم يعفَ عنه؛ لم يُقَرَّ في المساجد، ولما أمكن الصلاة في بعضها.
وقدَّم في «الفروع» وغيره خلافها (^٣).
ونبيذٌ نجِسٌ، وهو المختلَف فيه، فيعفى عن يسيره في رواية جزم بها في «الوجيز»؛ لوقوع الخلاف في نجاسته.
والثَّانية: لا يعفى عنه مطلقًا، قدَّمها في «الفروع»، وصحَّحها في «شرح العمدة»، وذكر (^٤) أنَّ (^٥) المُجمَع عليه لا يعفى عن شيء منه، قال في «شرح العمدة»: (رواية واحدة).
والمنِيُّ سيأتي (^٦) الكلام عليه.
ملحقة به:
منها: بول ما يؤكل لحمه إذا قيل بنجاسته؛ فإنَّه يعفى عن يسيره في قول؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحرُّز منه.
ومنها: سؤر الجلَّالة إذا حبست وأكلت الطَّاهرات المدَّة المعتبرة؛ فهو طاهر. وقيل ذلك في (^٧) العفو عن يسيره روايتان (^٨)، وكذا عرقها.
_________________
(١) قوله: (وهو واحد الخفافيش) سقط من (و).
(٢) زيد في (و): قال في الشرح هو الظَّاهر.
(٣) في (أ): وقدَّمه في «الفروع» وغيره خلافًا.
(٤) في (أ) و(و): ودل.
(٥) في (و): على أن.
(٦) في (و): وسيأتي.
(٧) في (أ): وقيل في.
(٨) في (أ): روايات.
[ ١ / ٣٧٠ ]
ومنها: طين الشَّارع؛ فهو طاهر ما لم تعلم (^١) نجاسته. وعنه: نجس، فيعفى عن يسيره، ويسير دخان نجاسة في وجه، وأطلق أبو المعالي العفو عنه، ولم يقيِّده باليسير؛ لأنَّ التَّحرُّز لا سبيل إليه، قال في «الفروع»: وهذا متوجِّه.
(وَلَا يَنْجُسُ الآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ) على الأصحِّ؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المؤمن لا يَنجُس» متَّفق عليه (^٢)، ولمسلم معناه من حديث حذيفة (^٣)، وعن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المسلم ليس بِنجِس حيًّا ولا ميِّتًا» رواه الدَّارقطني والحاكم، وقال: (على شرطهما)، وذكره (^٤) البخاري موقوفًا على ابن عبَّاس (^٥).
وعن أحمد: بلى، ما عدا الأنبياء ﵈؛ لما روى الدَّارقطني: «أنَّ زِنجِيًّا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر بها ابن عبَّاس أن تنزح» (^٦)، ولأنَّه
_________________
(١) في (و): يعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١).
(٣) أخرجه مسلم (٣٧٢).
(٤) في (و): ذكره.
(٥) أخرجه الدارقطني (١٨١١)، والحاكم (١٤٢٢)، والضياء في المختارة (٢٤٥)، مرفوعًا، وفي سنده عبد الرحمن بن يحيى المخزومي، قال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس، صدوق)، وقال ابن الجوزي: (فيه ضعف)، وقال البيهقي: (والمعروف موقوف). وعلقه البخاري موقوفًا بصيغة الجزم (٢/ ٧٣)، ووصله ابن أبي شيبة (١١١٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٣٣)، وصحح ابن حجر إسناد الموقوف. ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٣٠٢، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٥٧، التحقيق ٢/ ٤، تغليق التعليق ٢/ ٤٦٠، الفتح ٣/ ١٢٧.
(٦) أخرجه الدارقطني (٦٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٢٦٢)، عن محمد بن سيرين عن ابن عباس. قال ابن المديني وأحمد وابن معين: (إن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس ﵁، قال شعبة وخالد الحذاء: (أحاديث محمد بن سيرين عن عبد الله بن عباس إنما سمعها من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة)، وعلى هذا تحمل هذه الرواية على الاتصال. ينظر: العلل لأحمد ١/ ٤٨٧، فتح الباري ٩/ ٥٤٥ - ٥٤٦، تهذيب التهذيب ٩/ ٢١٧. وأعله ابن عيينة والشافعي وأبو عبيد بالغرابة، قال ابن عيينة: (إنَّا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي)، وأجاب ابن التركماني والزيلعي: بأن المثبت مقدم على النافي. وللأثر شواهد أخرى عن ابن عباس، منها ما هو مرسل، ومنها ما ضعفه ينجبر. وله شاهد صحيح عن ابن الزبير عند ابن أبي شيبة (١٧٢١)، وأبي عبيد في الطهور (١٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٣). ينظر: الطهور لأبي عبيد ص ٢٤٥، معرفة السنن للبيهقي ٢/ ٩٣، الجوهر النقي ١/ ٢٦٦، نصب الراية ١/ ١٢٩.
[ ١ / ٣٧١ ]
ذو نفس سائلة، فنجُس بالموت كسائر الحيوانات.
وزاد هـ (^١): ويطهر بالغسل.
قلنا: لو نجس بالموت؛ لم يطهر بالغسل، كالحيوانات التي تنجس به، ولأنَّه آدمِيٌّ، فلم ينجُس بالموت كالشَّهيد.
وعلى الأوَّل: لا ينجس ما غيره، ذكره في «الفصول» وغيره، خلافًا ل «المستوعِب».
وظاهره: لا فرق فيه بين المسلم والكافر؛ لاستوائهما في الآدمية حال الحياة. وفي الاستدلال نظر.
وقيل: ينجس الكافر وشعره بموته؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في المسلم، ولا يقاس الكافر عليه؛ لأنَّه لا يصلَّى عليه، ولا حرمة له كالمسلم.
فرع: حكم أجزاء الآدَمِيِّ وأبْعاضِه؛ حكم جُملته، سواء انفصَلَت في حياته أو بعد موته.
وقال القاضي: هي نجسة روايةً واحدةً؛ لأنَّه لا حُرمةَ لها، بدليل: أنَّه لا يصلَّى عليها.
ونُقض بأن (^٢) لها حرمة؛ بدليل أنَّ كسر عظم الميِّت ككسره وهو حيٌّ.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٩٩، تبيين الحقائق ١/ ٢٣٥.
(٢) في (أ): فإن.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وكذا شعره مطلقًا، ويكره استعماله؛ لحرمته. وعنه: يحرم، وتصحُّ الصَّلاة معه. وعنه: نجاسة شعر كلِّ آدمِيٍّ غير النبي ﷺ.
(وَمَا (^١) لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ)؛ المراد بالنَّفْس السَّائلة: الدَّم السَّائل؛ لأنَّ العرب تسمِّي الدَّم نفسًا، ومنه قيل: للمرأة نُفَساء؛ لسيَلان دمها عند الولادة، ويقال: نُفِست المرأة إذا حاضت، (وسمِّي الدَّم نفْسًا؛ لنفاسته في البدن)، قاله ابن أبي الفتح (^٢)، وقال الزمخشري: (النَّفْس ذات الشَّيء وحقيقته، يقال: عندي كذا نفسًا، ثمَّ قيل للقلب (^٣) نفس لأنَّ النَّفس به، كقولهم: المرء بأصغريه) (^٤).
(كَالذُّبَابِ) هو هذا المعروف، وهو مفرد، وجمعه: ذُبَّان (^٥) وأذبة، ولا يقال: ذبابة، (وَغَيْرِهِ)، سواء كان من حيوان البرِّ أو البحر؛ كالعقرب والخُنفساء والعلق والسَّرطان ونحوها، فإنَّها لا تنجس بالموت.
فعلى هذا: لا ينجس الماء اليسير بموتها فيه (^٦) في قول عامة العلماء، وهو أصحُّ الرِّوايتين؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثمَّ ليطرحه؛ فإنَّ في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داء» رواه أحمد والبخاري (^٧)، والظَّاهر موته بالغمس لا سيَّما إذا كان الطعام حارًّا، فإنَّه لا يكاد يعيش غالبًا، ولو نجَّس الطَّعام لأفسده،
_________________
(١) قوله: (وما) هو في (أ): وأما ما.
(٢) ينظر: المطلع ص ٥٥.
(٣) في (ب) و(و): القلب.
(٤) تفسير الزمخشري ١/ ٥٩.
(٥) في (ب) و(و): ذباب.
(٦) في (أ): بموتهما.
(٧) أخرجه أحمد (٧١٤١)، والبخاري (٣٣٢٠).
[ ١ / ٣٧٣ ]
فيكون أمرًا بإفساد الطعام، وهو خلاف ما قصده الشَّارع؛ لأنَّه قصد بغمسه إزالة ضرره، ولأنَّه لا نفس له سائلةٌ، أشبه دود الخل إذا مات فيه.
والثَّانية: نجِس؛ لأنَّه لا يؤكل، لا (^١) لحرمته، أشبه الحمار.
وفي «الرِّعاية»: وعنه: ينجُس إن لم يؤكل، فينجس به الماء القليل في الأصحِّ إن أمكن التَّحرُّز منه غالبًا، وقلنا: ينجُس القليل بمجرَّد ملاقاة النَّجاسة دون تغيره.
فأمَّا إن كان متولِّدًا من النَّجاسة؛ كدود الحُشِّ وصراصره، فهو نجس حيًّا وميِّتًا، قال في «الشَّرح»: (إلَّا إذا قلنا إنَّ النَّجاسة تطهر بالاستحالة)، ولا يرد هذا على المتن؛ لأنَّ موته لم يؤثِّر فيه شيئًا، بل هو باقٍ على ما كان عليه.
تنبيه: ما له نفس سائلة ضربان:
نجس في الحياة، وهو ظاهر؛ إذ موته لا يزيده إلَّا خُبْثًا.
وطاهر، وهو ثلاثة أنواع:
آدميٌّ، وقد تقدَّم حكمه.
وما تباح (^٢) ميتته؛ كسمك ونحوه؛ فلا ينجس بالموت؛ لأنَّه لو نجس به (^٣) لم يبح أكله.
وعنه: نجاسة الطَّافي، وإن مات بغير فعل آدميٍّ وقلنا: يحرم الطَّافي؛ ففيه روايتان، بناءً على نجاسة دمه، فإن لم يكن له دم؛ لم يحرم على الأصحِّ.
وما لا تباح ميتته؛ كحيوان البرِّ المأكول، وحيوان البحر الذي يعيش فيه؛ كالضِّفدع والتِّمساح ونحوهما، فينجُس بالموت، وينجس الماء اليسير
_________________
(١) في (ب) و(و): إلا.
(٢) في (أ): يباح.
(٣) قوله: (به) سقط من (ب) و(و).
[ ١ / ٣٧٤ ]
بملاقاته (^١)، والكثير بتغيُّره (^٢).
وللوزَغ نفس سائلة، نصَّ عليه (^٣)؛ كالحيَّة، لا للعقرب.
وفي «الرِّعاية»: في دود القَزِّ وبَزْره وجهان.
(وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ؛ طَاهِرٌ) في المنصور (^٤) عند أصحابنا؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر العُرَنِيِّين أن يلحَقوا بإبل الصدقة؛ فيشربوا من أبوالها وألبانها» (^٥)، والنَّجِس لا يُباح شربُه، ولو أبيح للضَّرورة؛ لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصَّلاة، «وكان ﷺ يُصلِّي في مرابِض الغنم» (^٦)، «وأمر بالصَّلاة فيها» (^٧)، وطاف (^٨) على بعيره (^٩)، ولأنَّه لو كان نجِسًا لتنجَّست الحبوب التي تدوسها البقر، فإنَّها لا تسلم من أبوالها وأرواثها.
وشمِل كلامه: بول سَمَك ونحوه ممَّا لا ينجس بموته، فإنه طاهر على المذهب.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ)؛ لأنَّه رجيع من حيوان، أشبه غير المأكول.
(وَمَنِيُّ الآْدَمِيِّ طَاهِرٌ) في ظاهر المذهب؛ لقول عائشة: «كنت أفرُك المنيَّ
_________________
(١) في (أ): لملاقاته.
(٢) في (و): بتغيير.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٣٤٢.
(٤) في (أ): المنصوص. وفي مسائل عبد الله (ص ١٠): سألت أبي: ما يستنجس من الأبوال؟ فقال: (الأبوال كلها نجسة إلا ما يؤكل لحمه).
(٥) أخرجه البخاري (١٥٠١)، ومسلم (١٦٧١).
(٦) أخرجه البخاري (٢٣٤) ومسلم (٥٢٤)، عن أنس ﵁: «كان النبي ﷺ يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم».
(٧) أخرجه مسلم (٣٦٠)، من حديث جابر بن سمرة ﵁. وأحمد (١٠٦١١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) في (و): وطافه.
(٩) أخرجه البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٣٧٥ ]
من ثوب رسول الله ﷺ، ثمَّ يذهب فيصلِّي فيه» متَّفق عليه (^١)، وقال ابن عبَّاس: «امسحه عنك بإِذْخِرَةٍ أو خِرْقة؛ فإنَّما هو بمنزلة المُخاط والبُصاق»، رواه سعيد، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عنه (^٢)، ورواه الدَّارقطني مرفوعًا (^٣)، ولأنَّه لا يجب غسله إذا جفَّ، فلم يكن نجسًا؛ كالمخاط.
وظاهره: أنَّه لا فرق بين ما أوجب غسلًا أو لا، وصرَّح به في «الرِّعاية».
وهو بدء خلق آدمي؛ فكان طاهرًا كالطِّين، وبهذا فارق البول، فعلى هذا يستحب فرْك يابسه وغسل رطبه.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ)؛ لقول عائشة: «كنت أفرُك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابِسًا» رواه الدَّارقطني (^٤)، ولأنَّه مستحيل من الدَّم، أشبه القَيح، فعلى هذا: يُعفى عن يسيره.
وعنه: كالبول؛ لما في الصَّحيح عن عائشة: «أنَّها كانت تغسل المنِيَّ من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨).
(٢) أخرجه الشافعي بهذا الإسناد كما في المسند (ص ٣٤٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٤١٧٥). وأخرجه عبد الرزاق (١٤٣٧)، وابن أبي شيبة (٩٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٩٩)، وابن المنذر في الأوسط (٧٢٢)، والدارقطني (٤٤٨)، من طرق عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا. وأسانيده صحاح.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤٤٧)، وقال: (لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى، ثقة في حفظه شيء)، وإسحاق الأزرق ثقة أخرج له الجماعة، وذكر البيهقي أن وكيعًا خالفه فرواه موقوفًا، ورجح البيهقي وابن عبد الهادي وقفه، ورجح رفعه ابن الجوزي. ينظر: السنن الكبرى ٢/ ٥٨٦، التحقيق ١/ ١٠٧، تنقيح التحقيق ١/ ١٣٦.
(٤) أخرجه أبو عوانة (٥٢٧)، والدارقطني (٤٤٩)، وهو عند مسلم (٢٩٠) بلفظ: «وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري».
[ ١ / ٣٧٦ ]
ثوب رسول الله ﷺ» (^١)، ولأنَّه خارج معتاد من السَّبيل أشبه البول، فعلى هذا: لا بدَّ من غسله.
وظاهِر «المغني» و«الشَّرح»: أنَّه يُجْزئ فَرْك يابسه.
وجزم ابن عَقيل: أنَّه كالبول في منِيِّ الخَصِيِّ؛ لاختلاطه بمجرى بوله.
وقيل: وقت جِماع؛ لأنَّه لا يسلم من المَذْي، وبعَّده في «المغني».
وفي «المحرَّر» على هذه الرِّواية: أنَّه يجزئ فرك يابسه من الرَّجل، وتمسَّك بقول أحمد؛ لأنَّه ثَخِينٌ فيؤثِّر فيه الفَرْك تخفيفًا، بخلاف منِيِّ المرأة فإنَّه رقيق، ولا يبقى له جسم بعد جفافه، فلا يفيد الفرك فيه شيئًا.
فإن خفي موضع الفَرْك فيه؛ فركه كلَّه، لكن لو أمْنَى وعلى فرجه نجاسةٌ؛ نجُس منيُّه لإصابته (^٢) النَّجاسة، ولم يعفَ عن شيء منه.
فرع: حكم بقية الخارج من بدن الآدمي؛ كالعرق والرِّيق والمخاط ونحوها؛ طاهر، حتَّى البلغم، سواء كان من الرأس أو الصَّدر، ذكره القاضي.
وقال أبو الخطاب: هو نجس.
وقيل: بلغم الصَّدر؛ جزم به ابن الجوزي؛ لأنَّه استحال في المعدة أشبه القيْء.
والأوَّل أشهر؛ لأنَّه لو كان نجسًا لنجَّس الفم ونقض الوضوء، ولا نسلِّم أنَّه استحال في المعدة، بل هو منعقد من الأبخرة كالمخاط.
وما سال من الفم وقت النَّوم؛ طاهر في ظاهر كلامهم.
(وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) - وهو مسلك الذَّكر - (رِوَايَتَانِ):
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٨).
(٢) في (أ): لإصابة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
إحداهما: نجِسة؛ لأنَّها بلَل في الفرج لا يخلق منها الآدمي، أشبه المذْي.
والثَّانية - وهي الصَّحيحة، وجزم بها الأكثر -: أنَّها طاهرة؛ لأنَّ «عائشة كانت تفرُك المنيَّ من ثوبه ﵇» (^١)، وإنَّما كان من جماع؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتَلِمون، وهو يصيب الرُّطوبة، ولأنَّه لو حكمنا بنجاستها لحكمنا بنجاسة منيِّها؛ لكونه يلاقي رطوبته بخروجه منه.
وقال القاضي: ما أصاب منه في حال الجماع؛ فهو نجس؛ لأنَّه لا يسلم من المذْي.
وهو ممنوع؛ فإنَّ الشَّهوة إذا اشتدَّت خرج المنيُّ وحده؛ كالاحتلام.
(وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ، وَ) سباع (الطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ) إذا كان من الحمار الأهلي، (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ؛ نَجِسَةٌ)، نصره في «التَّحقيق»، وجزم به في (^٢) الخِرَقِيِّ و«الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأنَّه ﵇ لمَّا سئل عن الماء وما ينوبه من السِّباع والدَّواب فقال: «إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجِّسه شيءٌ» (^٣)، فمفهومه: أنَّه ينجُس (^٤) إذا لم يبلغهما، وقال يوم خيبر عن الحمر: «إنَّها رِجْس» متَّفق عليه (^٥)، والرِّجْسُ: النَّجِسُ، ولأنَّه حيَوان حَرُم أكله لخُبثه، لا لحُرمته، ويمكن التَّحرُّز منه، فكان نجِسًا، وجميع أجزائه وفضلاته كذلك.
(وَعَنْهُ: أنَّهَا طَاهِرَةٌ)، نقلها عنه إسماعيل بن سعيد (^٦)، واختارها الآجُرِّي، وقال في «المحرَّر»: (مما (^٧) عدا الكلب والخنزير)، وهو مراد؛ لما
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ٣٧٦ حاشية (١).
(٢) قوله: (في) سقط من (أ).
(٣) سبق تخريجه ١/ ٥٩ حاشية (٤).
(٤) في (و): نجس.
(٥) أخرجه البخاري (٤١٩٨)، ومسلم (١٩٤٠)، من حديث أنس ﵁.
(٦) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٦٢.
(٧) في (أ): ما.
[ ١ / ٣٧٨ ]
روى جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل: أنتوضَّأ (^١) بما أفضلت الحمر؟ والسِّباع كلها» رواه الشَّافعيُّ والبيهقِيُّ من رواية ابن أبي حبيبة، قال البخاري: (هو منكر الحديث) (^٢)، وروى ابن ماجه من حديث أبي سعيد معناه، وفيه قال: «لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَر طَهور» (^٣)، ومرَّ عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص على حوض، فقال: يا صاحب الحوض ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: «يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنَّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا»، رواه مالك (^٤)، ولأنَّه حيوان يجوز بيعه، فكان طاهرًا؛ كبهيمة الأنعام.
وعنه: طهارة البغل والحمار، اختاره المؤلِّف؛ لأنَّه ﵇ كان يركبهما (^٥)، ورُكبا في زمنه، ولأنَّه لا يمكن التَّحرُّز منهما لمُقتنيهِما، فكانا طاهرين كالسِّنَّوْر.
وأمَّا قوله: «إنَّها رِجس»؛ أراد به التَّحريم؛ كقوله في الأنصاب والأزلام: «إنَّها رجس».
وقيل: لحمها نجس.
_________________
(١) في (أ): أيتوضأ.
(٢) أخرجه الشافعي كما في المسند (٦)، والدارقطني (١٧٦،) والبيهقي (١١٧٨)، ولفظه: «سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها»، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري، وثقه أحمد والعجلي، وجمهور الأئمة على تضعيفه، بل قال بعضهم: إنه متروك، ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٧١، تهذيب الكمال ٢/ ٤٢، التلخيص الحبير ١/ ١٦٦.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٥١٩)، ولفظه: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور»، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
(٤) تقدم تخريجه ٧١/ ١ حاشية (٣).
(٥) أما ركوبه البغل؛ فكانت عنده بغلة بيضاء أهداها له ملك المقوقس، أخرجه البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢)، من حديث أبي حميد الساعدي ﵁، وأما ركوبه الحمار؛ فأخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠)، من حديث معاذ بن جبل ﵁. وأخرجه البخاري (٢٩٨٧)، من حديث أسامة بن زيد ﵁.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وعليها: حكمها حكم الآدمِيِّ، قال في «الشَّرح» وغيره: إلَّا في منيِّها، فإنَّ حكمَه حكمُ بَولها.
وذكر السَّامَرِّيُّ وغيره: أنَّ في طهارة منيِّها ولبنها وبيضها على هذه الرِّواية؛ وجهين.
وعن أحمد: أنَّهما مشكوكٌ فيهما؛ لتردُّده بين أمارة تنجيسه؛ بدليل أنَّه يحرم أكله كالكلب، وأمارة تطهيره؛ لأنَّه ذو حافر يجوز بيعه أشبه الفرس، فلا يجب غسل رأسه إذا وجد الماء المطلق.
فعلى هذه: إذا لم يجد غير سؤرهما؛ توضَّأ به (^١)، ثمَّ تيمَّم. زاد في «الرِّعاية»: ينوي الحدث والنَّجاسة.
وقال ابن عقيل: يتيمَّم، ثمَّ يصلِّي، ثمَّ يتوضَّأ ويصلِّي، ويبطل التَّيمُّم بخروج الوقت دون الوضوء، قال في «الرِّعاية»: في الأقيس فيهما.
(وَسُؤْرُ) - بضم السِّين مهموزًا، وهو بقيَّة طعام الحيوان وشرابه - (الْهِرِّ) ويسمَّى الضَّيْوَنَ بضاد معجمة وياء ونون، والسِّنَّوْرَ والقِطَّ، (وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ)؛ كابن عِرْس، والفَأرة (^٢)؛ (طَاهِرٌ) غير مكروه، نصَّ عليه في الهرِّ (^٣)، وهو قول أكثر العلماء؛ لما روى مالك، وأحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه عن أبي قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الهرِّ: «إنَّها ليست بنجِس، إنها من الطَّوافين عليكم أو الطَّوافات» (^٤)، شبَّهها بالخَدَم؛ أخذًا من قول الله
_________________
(١) في (أ): منه.
(٢) زاد في (ب) و(و): ونحو ذلك.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣١١.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢)، وأحمد (٢٢٥٢٨)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن خزيمة (١٤)، وابن حبان (١٢٩٩)، وقال الترمذي (حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، وقال الدارقطني: (رواته ثقات معروفون)، وقال الحاكم: (هذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في الموطأ، ومع ذلك فإن له شاهدًا بإسناد صحيح. ينظر: الخلاصة ١/ ١٨١، المحرر لابن عبد الهادي (١٤).
[ ١ / ٣٨٠ ]
تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النُّور: ٥٨]، ولعدم إمكان التَّحرُّز منها؛ كحَشَرات (^١) الأرض كالحيَّة، قاله القاضي، فطهارتها من النَّصِّ، وما دونها من (^٢) التَّعليل.
قال السَّامَرِّيُّ: سُؤْرُ ما دون الهرِّ؛ طاهرٌ في ظاهر المذهب، وفيه وجْهٌ، وبُعِّد.
تنبيه: إذا عُلمتْ نجاسة فم هرٍّ؛ فأوجُهٌ، ثالثها: إن غاب فطاهر، وإلَّا فلا، ورابعها: إن احتمل ولوغها في ماء كثير طَهور؛ فطاهر.
قال ابن تميم: (قال شيخنا (^٣): يُعتبر مضيُّ زمن بعد أكلها يزول فيه أثر النَّجاسة بريقها، قال: وكذا أفواه الأطفال والبهائم إذا تنجَّست)، قال ابن تميم: (فيكون الرِّيق مطهِّرًا لها).
ودلَّ أنَّه لا يُعفى عن نجاسة بيدها أو رجلها، نصَّ عليه.
ولا عن يسير نجاسة في طعام؛ خلافًا للشَّيخ تقِيِّ الدِّين (^٤)، وذكره قولًا في المذهب؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما حرَّم الدَّمَ المسفوحَ، ولفعل الصَّحابة (^٥)، ولعموم البَلوَى ببعر الفأر وغيره.
_________________
(١) في (و): فحشرات.
(٢) في (ب) و(و): في.
(٣) وهو المجد ابن تيمية. ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٦١.
(٤) ينظر: الاختيارات ص ٤٣، الفروع ١/ ٣٤٩.
(٥) قال في الفروع ١/ ٣٥٠ متمِّمًا كلام شيخ الإسلام: (وكانت أيدي الصحابة تتلوث بالجرح والدمل، ولم ينقل عنهم التحرز من المائع حتى يغسلوه). من ذلك: ما أخرجه الأثرم في السنن (١١٣)، عن ابن عمر: «أنه كان يسجد فيخرج يديه، فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق كان في يديه»، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٨١ ]