قال الواحِديُّ: (القِبلة: الوِجهة، وهي الفِعلة من المقابلة، والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة، إذا لم يهتد (^١) لجهة أمره) (^٢).
وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجِلسة للحال التي يجلس عليها، إلاَّ أنَّها الآن صارت كالعَلَم للجهة التي يستقبلها المصلِّي، وسمِّيت قبلة لإقبال النَّاس عليها. وقيل: لأنَّه يقابلها، وهي تقابله.
(وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]، قال علي: «شطره قِبَلَه» (^٣)، وقال ابن عمر: «بينما النَّاسُ بقباء في صلاةِ الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أُنْزِلَ عليه قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبلَ القبلةَ، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشَّامِ، فاستداروا إلى الكعبةِ» متفق عليه (^٤).
واختُلف: هل كانت شرعة التوجُّه إلى بيت المقدس بالمدينة بالسُّنَّة أو القرآن؟ على قولين ذكرهما القاضي، وذكر ابن الجوزي عن الحسن وأبي العالية والربيع وعكرمة: أنَّه كان برأيه واجتهاده.
قال في «الفروع»: (ولم يصرِّحوا بصلاته قبل الهجرة، وسئل عنها
_________________
(١) في (و): يعتد.
(٢) ينظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد ١/ ٢٢٤.
(٣) زاد في (د) و(و): (والاستقبال لا يجب في غير الصلاة؛ فتعين فيها، وهو بالصدر لا بالوجه). وأثر علي ﵁ أخرجه ابن جرير في التفسير (٢/ ٦٦٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٣٦٣)، والدينوري في المجالسة (١٤٦١)، والحاكم (٣٠٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٢١٩٥)، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦).
[ ٢ / ١٢١ ]
ابن عقيل فقال: الجواب: ذكر ابن أبي خَيثمة (^١) في «تاريخه» أنَّه قيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى إلى الكعبة قبل الهجرة، وصلَّى إلى بيت المقدس بالمدينة (^٢).
(إِلاَّ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْه)؛ كالمربوط إلى غير القبلة، والمصلوب ونحوهما؛ لأنَّه شرط عجز عنه، فسقط؛ كالقيام، ومنه: إذا اشتدَّ الخوف عند التحام الحرب، ويأتي.
(وَالنَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ)، هو عبارة عن قطع المسافة، وجمعه: أسفار، يسمَّى بذلك؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق الرِّجال، قاله ثعلب (^٣).
(الطَّوِيلِ)، قال ابن عبد البَرِّ: (أجمعوا على أنَّه جائز لكل من سافر سفَرًا تُقصر (^٤) فيه الصَّلاة أن يتطوَّع على دابَّته حيثما توجَّهت به) (^٥).
(وَالْقَصِيرِ)، هو مغنٍ عن الأوَّل؛ لأنَّه إذا جاز في القصير (^٦) جاز في الطَّويل من باب أولى، وجزم به الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥]، قال ابن عمر: «نزلت في التَّطوُّع خاصَّة» (^٧)، ولما روى هو: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يسبِّحُ على ظهرِ راحلتِهِ حيث
_________________
(١) هو أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد أبو بكر نسائي الأصل، أخذ عن الإمام أحمد، وكان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس، راوية للأدب، له التاريخ الكبير، توفي سنة ٢٧٩ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٤٤، المقصد الأرشد ١/ ١٠٦.
(٢) ينظر كلام ابن أبي خيثمة في تاريخه ١/ ٣٨٣.
(٣) ينظر: المطلع ص ٨٥.
(٤) في (و): يقصر.
(٥) ينظر: التمهيد ١٧/ ٧٢.
(٦) كتب على هامش (و): (قلت: لكنه لا يستغنى عن اللفظين معًا؛ لأنه لو اقتصر على القصير لظُنَّ تقييد الموصوف به).
(٧) أخرجه الدارقطني (١٠٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٢٤٣)، بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم (٧٠٠) بمعناه.
[ ٢ / ١٢٢ ]
كان وجهُهُ، يُومئُ برأسِهِ، وكان ابنُ عمر يفعلُهُ» متفق عليه، وللبخاري: «إلاَّ الفرائض» (^١)، ولم يفرِّق بين طويل السَّفر وقصيره، ولأنَّ ذلك تخفيف في التَّطوُّع، لئلاَّ (^٢) يؤدِّي إلى تقليله (^٣) لو قطعه، فاستويا فيه إذا كان مباحًا.
زاد في «التَّلخيص» وابن تميم وغيرهما: إذا كان يقصد جهة معيَّنة، لا من ركب (^٤) التعاسيف (^٥)، ويومئ (^٦) بالرُّكوع والسُّجود، وهو أخفض من ركوعه، هذا إذا كان الرَّاكب يحفظ نفسه بفخذيه وساقيه؛ كراحلة القتَب (^٧).
فأمَّا إذا كان في الهَودج والعمارية (^٨)؛ فإن أمكنه الاستقبال في جميعها والرُّكوع والسُّجود؛ لزمه كراكب السَّفينة؛ لأنَّه ممكن غير مشقٍّ، وإن قدر على الاستقبال دونهما؛ لزمه وأومأ بهما، نَصَّ عليه (^٩).
وقال أبو الحسن التَّميمي: لا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الرُّخصة العامَّة مستوٍ (^١٠) فيها (^١١) من وجدت فيه المشقَّة وغيره؛ كالقصر والجمع، ولعلَّه موافق لظاهر كلامه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٠٥)، ومسلم (٧٠٠)، واستثناء الفرائض عند البخاري (١٠٩٧).
(٢) في (د) و(و): كيلا.
(٣) في (د) و(و): تعليله.
(٤) في (أ): راب.
(٥) راكب التعاسيف: هو الذي ليس له مقصد معلوم، من عسفت الطريق إذا سلكته على غير قصد. ينظر: المصباح المنير ١/ ٢٣٦.
(٦) في (د): ونوى.
(٧) القتب: -بالتحريك- للجَمل، كالإِكاف لِغَيْرِهِ. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ١١، والمصباح المنير ٢/ ٤٨٩.
(٨) الهودج: مركب من مراكب النساء عليه قبة. والعمارية: محمل كبير مظلل يجعل على البعير من الجانبين كليهما. ينظر: النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب ١/ ١٨٣.
(٩) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٤١، المغني ١/ ٣١٦.
(١٠) في (أ) و(ب) و(د): يستوي.
(١١) في (أ) و(ب) و(د): فيه.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ويعتبر طهارة محلِّه، نحو سرْج وركاب.
ولا فرق في المركوب بين أن يكون بعيرًا أو غيره.
وظاهره: أنَّه لا يجوز في الحضر على المذهب؛ لأنَّه لم ينقل عنه ﵇.
وعنه: يجوز للسَّائر الرَّاكب خارج المصر، فعله أنس (^١)؛ لأنَّه راكب أشبه المسافر.
(وَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي) في السَّفر سائرًا؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٢):
إحداهما: لا يجوز، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ و«الوجيز»؛ لأنَّ الرُّخصة وردت في الرَّاكب، والماشي بخلافه؛ لأنَّه يأتي في الصَّلاة بمشي متتابع وعمل كثير، فلم (^٣) يصحَّ الإلحاق.
والثَّانية، نقلها المثنَّى بن جامع (^٤): يجوز، اختاره القاضي، وجزم به ابن الجوزي، وقدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه ابن تميم.
وفي «الفروع»: (لأنَّ الصَّلاة أبيحت للرَّاكب لئلاَّ (^٥) ينقطع عن النَّافلة في السَّفر، وهو موجود في الماشي) (^٦).
_________________
(١) ذكره في الفروع (٢/ ١٢٠)، ولم نقف على التصريح في كون أنس ﵁ فعله في الحضر، وأخرج ابن المنذر في الأوسط (٢٨٠٥)، عن حميد عن أنس، أنه صلى على حمار تطوعًا لغير القبلة، يومئ إيماء. وإسناده صحيح، ولم يحدد فيه أن ذلك في الحضر، والمشهور من فعل أنس ﵁ أنه في السفر، فقد أخرج البخاري (١١٠٠)، ومسلم (٧٠٢)، عن أنس بن سيرين، قال: استقبلنا أنس بن مالك حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر فرأيته يصلي على حمار، ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة، فقال: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعله لم أفعله».
(٢) كتب المصنف على هامش الأصل: (الصحيح الجواز).
(٣) في (و): فلا.
(٤) كتب على هامش (د): (وهو المذهب). وينظر: الشرح الكبير ٣/ ٣٢٥، الإنصاف ٣/ ٣٢٤.
(٥) في (د) و(و): كيلا.
(٦) لم نجده في الفروع، وهو في المغني ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ١٢٤ ]
فعلى هذا؛ يلزمه أن يفتتحها إلى القبلة إذا أمكنه روايةً واحدةً، ويركع ويسجد بالأرض إليها (^١)؛ لأنَّه ممكن، ويفعل ما سوى ذلك ماشيًا إلى جهة سيره.
وقيل: يومئ (^٢) بهما إلى جهة سيره.
وقيل: ما سوى القيام يفعله إلى القبلة غير ماشٍ.
(فَإِنْ أَمْكَنَهُ)؛ أي: الرَّاكب (افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ)؛ أي: بالإحرام (إِلَى الْقِبْلَةِ)، بالدَّابَّة أو بنفسه كراكب راحلة منفرِدة تُطيعه؛ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يلزمه بلا مشقَّة (^٣)، جزم به في «الوجيز»، ونقله واختاره الأكثر، وذكره (^٤) أبو المعالي وغيره المَذْهب؛ لما رَوى أنسٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سافرَ وأرادَ أن يتطوَّعَ؛ استقبل (^٥) بناقتِهِ القِبلة، فكبَّر ثمَّ صلَّى حيث كان وِجهةُ رِكابِهِ» رواه أحمد، وأبو داود وهذا لفظه، وهو حديث حسن (^٦)، ولأنَّه أمكنه ابتداء الصَّلاة إلى القبلة فلزمه، وكراكب السَّفينة.
والثَّانية: لا يلزمه، اختاره أبو بكر، ورجَّحه في «المغني» وغيره؛ لما فيه من المشقَّة، ولحديث ابن عمر (^٧)، ولأنَّه جزء من الصَّلاة أشبه سائرها، ويُحمل الخبر الأوَّل على الاستحباب.
_________________
(١) في (أ) و(ب): إليهما.
(٢) قوله: (يومئ) سقط من (أ).
(٣) كتب المصنف على هامش الأصل: (الصحيح يلزمه).
(٤) في (و): ونقله.
(٥) قوله: (استقبل) سقط من (أ).
(٦) أخرجه أحمد (١٣١٠٩)، وأبو داود (١٢٢٥)، والضياء في المختارة (١٨٤٠)، وقال: (إسناده صحيح)، وصححه ابن السكن، وقال ابن الملقن: (إسناده صحيح)، وحسنه النووي وابن حجر والألباني، ينظر: البدر المنير ٣/ ٤٣٧، صحيح أبي داود ٤/ ٣٨٥.
(٧) تقدَّم تخريجه ٢/ ١٢٣ حاشية (١).
[ ٢ / ١٢٥ ]
وعُلم منه: أنَّه إذا لم يمكنه استقبالها به؛ كراكب راحلة لا تطيعه، أو جمل مقطور (^١) لا يمكنه إدارته؛ لم يلزمه؛ لأنَّه عاجز عنه (^٢)، أشبه الخائف، وقال القاضي: يحتمل أن يلزمه.
ولم يتعرَّض لذكر الرُّكوع والسُّجود، والمذهب: أنَّه يلزمه إذا أمكنه من غير مشقَّة، نَصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه كسفينة، قاله جماعة، فدلَّ أنَّه وفاق.
وقيل: لا يلزمه، وذكره في «الرِّعاية» روايةً؛ للتَّساوي في الرُّخص العامَّة، فدلَّ أنَّ السَّفينة كذلك كالمحفَّة.
تذنيب: إذا نذر الصَّلاة عليها؛ جاز. وذكر القاضي قولًا: لا، فيتوجَّه مثله (^٤) من نذر الصَّلاة في الكعبة.
فرع: إذا عذر من عدلت به دابَّته عن جهة سيره، أو عدل هو إلى غير القبلة وطال؛ بطلت. وقيل: لا، فيسجد للسَّهو؛ لأنَّه مغلوب كساهٍ.
وإن لم يعذر (^٥)؛ بأن عدلت دابَّته وأمكنه ردُّها، أو عدل إلى غيرها مع علمه؛ بطلت.
وكذا إن انحرف عن جهة سيره، فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، إلاَّ أن يكون ما انحرف إليه جهة القبلة، ذكره القاضي.
وإن وقفت دابته تعبًا، أو منتظِرًا رُفقةً، أو لم يسر كسيرهم، أو نوى النُّزول ببلد دخله؛ استقبل القبلة.
_________________
(١) قال في جمهرة العرب ٢/ ٧٥٨: (بعير مقطور إلى آخر، وهو القطار من الإبل)، والمراد والله أعلم: البعير الذي يسير في قطار الإبل.
(٢) قوله: (ولأنه جزء من الصَّلاة أشبه سائرها) إلى هنا سقط من (و).
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٤١.
(٤) قوله: (مثله) سقط من (د) و(و).
(٥) في (أ) و(ب): يعذر.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وإن نزل في أثنائها؛ نزل مستقبلًا وأتمَّها، نَصَّ عليه (^١).
وإن أقام في أثنائها؛ أتمَّ صلاة مقيم، وإن ركب ماش فيها؛ أتمَّها، والمقدَّم بطلانها.
(وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ؛ إِصَابَةُ الْعَيْنِ)؛ أي: عين الكعبة (لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا)، وهو من كان معاينًا لها، أو ناشئًا بمكة، أو كثُر (^٢) مقامُه فيها، فيلزمه بحيث لا يخرج شيء من بدنه عنها، نَصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه قادر على التوجُّه إلى عينها قطعًا، فلم يجز العدول عنه والتوجُّه إليها ظنًّا.
فعلى هذا: لو خرج ببعض بدنه عن مُسامَتِها (^٤)؛ لم تصحَّ (^٥)، وقيل: بلى.
فإن كان ثمَّ حائل أصليٌّ من جبل ونحوه، وتعذَّر عليه اليقين؛ اجتهد إلى عينها، وعنه: أو إلى جهتها، وذكر جماعة: إن تعذَّر فكبعيد.
ولا يضرُّ علُوٌّ عليها، ولا نزول عنها إذا أخرجه ذلك عن بنائها ولم يخرج عن موضعها؛ لأنَّ الواجب استقبالها.
تنبيه: حكم من كان بالمدينة في استقبال قبلة النَّبيِّ ﷺ؛ حكم من كان بمكة (^٦)؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ.
وقال صاحب «النَّظم»: وكذا مسجد الكوفة؛ لاتِّفاق الصَّحابة عليه.
لكن قال في «الشَّرح»: (في قول الأصحاب نظَرٌ، فإنَّ صلاة الصَّف
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٥٧.
(٢) في (و): أكثر.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٢٨.
(٤) في (أ): مسامتتها.
(٥) في (د) و(و): يصح.
(٦) كتب على هامش (و): (ظاهر شرح ابن المنجى عدم إلحاقه. هـ خ).
[ ٢ / ١٢٧ ]
المستطيل في مسجده ﵇ صحيحةٌ، مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة؛ لكون الصَّف أطول منها، وقولهم: "إنَّه لا يُقَرُّ على الخطأ" صحيح، لكن إنَّما الواجب عليه استقبال الجهة، وقد فعله).
(وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا)، جزم به في «الكافي» و«الوجيز»، وقدَّمه في «التَّلخيص» (^١) و«المحرر» و«الفروع»، وهو المذهب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما بينَ المشرقِ والمغربِ قِبلةٌ» رواه ابن ماجه، والتِّرمذي وصحَّحه (^٢)، وحكاه عن عمر (^٣) وابنه (^٤) وعلي (^٥) وابن عباس (^٦)، ولأنَّ الإجماع انعقد على صحَّة صلاة الاثنين المتباعدَين يستقبلان قِبلةً واحدةً، وعلى صحَّة صلاة الصَّف الطَّويل على خطٍّ مُستَوٍ.
لا يقال: مع البعد يتَّسع المحاذي (^٧)؛ لأنَّه إنَّما يتَّسع (^٨) مع التَّقوُّس، أمَّا مع عدمه فلا.
فعلى هذا؛ لا يضرُّ التَّيامن والتَّياسر في الجهة.
_________________
(١) هنا ينتهي السقط من النسخة (ز).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٤)، وابن ماجه (١٠١١)، ورجح أبو زرعة والدارقطني وقفه على ابن عمر، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه الألباني. ينظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٧٣، علل الدارقطني ٢/ ٣١، الإرواء ١/ ٣٢٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٣٣)، وابن أبي شيبة (٧٤٣١)، والبيهقي في الكبرى (٢٢٣٢)، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٣٦)، وابن أبي شيبة (٧٤٣٣)، وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٩)، وفيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، ضعفه أحمد وغيره.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٣٦)، وفيه عبد الأعلى الثعلبي، وهو ضعيف، وأخرجه وكيع في أخبار القضاة (٣/ ٥٤)، وفيه من لم نقف على ترجمته.
(٧) في (و): المجاري.
(٨) في (ز): يتبع.
[ ٢ / ١٢٨ ]
والبعيد هنا: من لم يقدر على المعايَنة، ولا على من يخبره عن علم.
وعنه: يلزمه إصابة عينها، اختاره أبو الخَطَّاب، وذكر أبو المعالي: أنَّه المشهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]، وقياسًا على القريب، والخبر الأوَّل لا يُمكن حمله على عموم الأمكنة، بل هو خاصٌّ بالمدينة وما شابهها، فعلى هذا: إن تيامن أو تياسر بطلت.
وفي «الرِّعاية»: عليها: إن رفع رأسه نحو السَّماء فخرج بوجهه عن القبلة؛ منع، وكذا ذكره ابن عبدوس، وجعلاه فائدة الخلاف، وفيه نظَرٌ، بل إنَّما يظهر في صورة يخرج فيها المصلي عن استقبال العين إلى استقبال الجهة، وهذا لم يخرج عن العين إلى الجهة، وإنَّما خرج وجهه خاصَّة.
(فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ)؛ أي: معرفة القِبلة (بِخَبَرِ ثِقَةٍ) عدْلٍ ظاهرًا وباطنًا، وقيل: أو مستور أو مميِّز، (عَنْ يَقِينٍ)؛ أي: عن علم؛ لزمه تقليده في الأصحِّ، وليس له (^١) الاجتهاد؛ كالحاكم يقبل النَّصَّ من الثِّقة، ولا يجتهد.
وقال في «التَّلخيص»: القادِر على معرفة القِبلة ليس له متابَعة المخبِر. وظاهره: أنَّه لا يقبل خبر فاسق، لكن يصحُّ التوجُّه إلى قِبلته في بيته، فلو شكَّ في حاله؛ قُبِلَ قوله في الأصحِّ، وإن شكَّ في إسلامه فلا.
وأنَّه إذا أخبره عن اجتهاد؛ أنَّه لا يجوز تقليده في الأصحِّ.
وقيل: مع ضيق الوقت، ذكره القاضي ظاهر كلام أحمد، واختاره جماعة.
وقيل: إن كان أعلم منه قلَّده.
وفي «التَّمهيد»: يصلِّيها على حسب حاله، ثمَّ يعيد إذا قدر، فلا (^٢)
_________________
(١) قوله: (وليس له) هو في (أ): (ولأن)، وفي (ز): (وليس).
(٢) في (أ): ولا.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ضرورة إلى التَّقليد؛ كعادم الطَّهورين يصلِّي ويعيد.
ويلزمه السُّؤال، فظاهره: يقصد المنزل في اللَّيل ليستخبِر (^١).
(أَوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبَ)، واحدها: محراب، وهو صدر المجلس، ومنه: محراب المسجد، وهو الغرفة، وقال المُبَرِّد: لا يكون محرابًا إلاَّ أن يُرتقى إليه بدرج، (لِلْمُسْلِمِينَ (^٢)، عدولًا كانوا أو فُسَّاقًا؛ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إذا علمها لهم؛ لأنَّ اتِّفاقهم عليها مع تكرُّر الأعصار إجماع عليها، ولا يجوز مخالفتها.
وعنه: يجتهد، فإن أخطأ فوجهان، وعنه: ولو بالمدينة.
والمذهب الأوَّل.
ولا ينحرِف؛ لأنَّ دوام التَّوجُّه إليه كالقطع؛ كالحرمين.
(وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ) ببلدٍ خرابٍ (لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا؛ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا)؛ لأنَّه لا دلالة فيها؛ لاحتمال كونها لغير المسلمين، وإن كان عليها آثار الإسلام، لجواز أن يكون الباني مشركًا (^٣) عملها ليغرَّ بها المسلمين.
وعُلم منه: أنه (^٤) إذا علم أنَّها للكفَّار؛ لا يجوز له التَّقليد؛ لأنَّ قولهم لا يُرجع إليه، فمحاريبهم (^٥) أَوْلى.
وفي «المغني»: (إذا عُلمت قبلتهم؛ كالنَّصارى إذا رأى محاريبهم (^٦) في
_________________
(١) في (د): فيستخبر. والمثبت موافق لما في الفروع، والذي في (د) موافق لما في كشاف القناع.
(٢) في (ز): المسلمين.
(٣) في (أ): يشترط.
(٤) قوله: (أنه) سقط من (أ).
(٥) في (و): فمحاربهم.
(٦) في (و): محاربهم.
[ ٢ / ١٣٠ ]
كنائسهم؛ علم (^١) أنَّها مستقبلة للمشرق).
(وَإِنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ)، ولم يمكنه معرفتُها؛ (اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا)؛ لأنَّ ما وجب اتِّباعه عند وجوده؛ وجب الاستدلال عليه عند خَفائه؛ كالحكم في الحادثة.
والمجتهد في القِبلة: هو العالِم بأدلَّتها؛ لأنَّ من علم أدلَّة شيء كان مجتهِدًا فيه، والجاهل الذي لا يعرف أدلَّتها وإن كان فقيهًا، وكذا الأعمى؛ فهذان فرضهما التَّقليد.
ويجب على من يريد السَّفر تعلُّم ذلك.
ومنعه قوم؛ لأنَّ جهة القِبلة ممَّا يندر التباسه، والمكلَّف يجب عليه تعلُّم ما يعمُّ لا ما يَندُر.
(بِالدَّلَائِلِ) جمع دليل، وهو أمور؛ منها: النجوم، قال الله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النّحل: ١٦]، (وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ)؛ لأنَّه لا يزول عن مكانه إلاَّ قليلًا، ويمكن كل أحد معرفته، قال جماعةٌ: وأصحُّها وأقواها القطب، بتثليث القاف، حكاه ابن سِيدَهْ (^٢)، وهو نجم خفِيٌّ شماليٌّ، وذكر السَّامَرِّيُّ: أنَّه الجَدْيُ، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرَّحى، في أحد طرفيها الجدْي، والآخر الفَرقدان، وبين ذلك ثلاثة أنجم من فوق، وثلاثة (^٣) من أسفل، تدور هذه الفراشة حول القطب دوران فراشة الرَّحى حول سفُّودها في كل يوم وليلة دورة، وعليه تدور (^٤) بنات نعش، وهي سبعة أنجُم متفرِّقة (^٥) مضيئة ممَّا يلي
_________________
(١) في (د): على.
(٢) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٢٨٩.
(٣) زاد في (أ): أنجم.
(٤) في (د) و(و): يدور.
(٥) في (د) و(و): مفرَّقة.
[ ٢ / ١٣١ ]
الفرقدين، وهو خفيٌّ جدًّا يراه حَدِيد النظر إذا لم يكن القمرُ طالعًا، (فَإِذَا (^١) جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا (^٢) للْقِبْلَةِ (^٣) بالشَّام والعراق والجزيرة؛ لأنَّه قد أخبر بذلك ثقاتٌ عن يقين.
وقيل: ينحرف في الشَّام إلى الشَّرق قليلًا، وبالعراق يجعله حِذاء أذنه اليمنى على علوها، ذكره المؤلِّف.
وذكر ابن تميم: أنَّه إذا جعل القطب أو الجَدي أو الفَرقدَين أو بنات نَعْش وراءه؛ فقد استقبلها فيما ذكرنا.
وفيه وجْهٌ: لا يَجتهد، وعليه أن يصلِّي إلى أربع جهات.
(وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا وَيُقَارِبُهَا؛ وَكُلُّهَا (^٤) تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ (^٥)، وَتَغْرُبُ فِي المَغْرِبِ (^٦) عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي)، وذلك معلوم، لكن الشَّمس تختلِف مطالِعها ومغاربها على حسَب اختلاف منازلها، فتطلع قرب الجنوب شتاءً، وقرب الصَّبا صَيفًا، وهي في الطُّلوع والغروب كما ذكره.
والقمر يبدو أول ليلة هلالًا في المغرب عن يمين المصلِّي، ثمَّ يتأخَّر كل ليلة منزلًا، حتَّى يكون في السَّابع وقت المغرب في قِبلة المصلِّي مائلًا عنها قليلًا إلى المغرب، ثمَّ يطلع ليلة الرَّابع عشر (^٧) من المشرق قبل غروب الشَّمس بدْرًا، فيكون مراده عند التَّكامل، وليلة إحدى وعشرين يكون في قِبلة
_________________
(١) في (ب) و(ز): إذا.
(٢) في (أ) و(ز): مستقبل.
(٣) في (أ) و(ب): القبلة.
(٤) قوله: (وكلها) هو في (د) و(و): ويقارنها وكلها.
(٥) في (أ) و(ب) و(د): الشرق.
(٦) في (أ) و(ب) و(د): الغرب.
(٧) قوله: (عشر) سقط من (أ). والمثبت موافق لما في المغني ١/ ٣٢١.
[ ٢ / ١٣٢ ]
المصلِّي أو قريبًا منها وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق.
وتختلِف مطالعه بحسب اختلاف منازله، وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلًا، ينزل في كل ليلة واحدًا منها، والشَّمس تنزل (^١) في كل منزل منها ثلاثة عشر يومًا، فيكون عَودُها إلى المنزل الذي نزلت فيه عند تمام حول كامل من أحوال السَّنة الشَّمسية.
والمنازل (^٢) منها ما بين طلوعها إلى غروبها؛ أربعة عشر منزلًا، ومن غروبها إلى طلوعها كذلك، فوقت الفجر منها منزلان، والمغرب منزل، وهو نصف (^٣) سواد اللَّيل، وسواد اللَّيل اثنا عشر منزلًا.
(وَالرِّيَاحُ)، وأمَّهاتُها أربعٌ (^٤)، لكن قال أبو المعالي: الاستدلال بها ضعيف: (الْجَنُوبُ (^٥) تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً لِبَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إِلَى يَمِينِهِ) في الزَّاوية التي بين المشرق والقِبلة، فإذا استقبلها المصلِّي كانت القبلة بالعراق عن يمينه، والمشرق على (^٦) يساره، وفي الشَّام من مطلع سُهَيل إلى مطلع الشَّمس في الشِّتاء.
(وَالشَّمَالُ مُقَابِلُهَا (^٧) تهبُّ من ظهر المصلِّي؛ لأنَّ مهبَّها من القطب إلى
_________________
(١) في (أ): تزول.
(٢) في (د) و(و): فالمنازل.
(٣) كتب على حاشية (ز): (يصف سواد الليل، كذا في المغني). قلنا: الذي في المغني ١/ ٣٢٠: (وهو نصف سدس سواد الليل).
(٤) قوله: (وأمهاتها أربع) هو في (د): (ومهابها الأربع)، وفي (و): (أمهاتها الأربع).
(٥) في (و): والجنوب.
(٦) في (ز): عن.
(٧) في (أ): مقابلتها.
[ ٢ / ١٣٣ ]
مغرب الشَّمس في الصَّيف، (تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ)، فإذا استقبلها تكون على يمينه، والمغرب على يساره (^١).
(وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) من (^٢) الزَّاوية التي بين القبلة والمغرب، فإذا استقبلها يكون القطب على يساره، والمشرق على يمينه.
(وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا (^٣) تَهُبُّ إِلَى مَهَبِّهَا)؛ فهي تهبُّ يَسْرَةَ المتوجِّه إلى قِبلة الشَّام؛ لأنَّ مهبَّها من مطلع الشَّمس في الصَّيف إلى مطلع العَيُّوق، فإذا استقبلها كانت القبلة بالعراق على يساره، والمغرب على يمينه.
وتُسمَّى (^٤) القبَول؛ لأنَّ باب الكعبة وعادة أثواب القرب (^٥) إلى مطلع الشمس فتقابلهم، وبقيَّة الرِّياح عن جنوبهم وشمائلهم ومن ورائهم.
فوائد: قال جماعة من أصحابنا: يستدلُّ بالأنهار الكبار غير المجدَّدة، فكلُّها بخلقة الأصل تجري من مهبِّ الشَّمال من يَمنة المصلِّي إلى يَسرته على انحراف (^٦) قليل، إلاَّ نهرين؛ أحدهما (^٧): بخُراسان، ويُسمَّى المقلوب، والآخر (^٨) بالشَّام، ويسمَّى العاصي، فإنَّهما يجريان عكس ذلك.
_________________
(١) قوله: (على يمينه والمغرب على يساره) هو في (و): القطب على يساره والمشرق على يمينه.
(٢) في (أ) و(د) و(و): في.
(٣) في (ز): مقابلها.
(٤) في (و): ويسمى.
(٥) هكذا بخط المصنف وفي (أ). وفي (ب): أبواب العرب. وهو الموافق لما في الفروع ٢/ ١٢٦، والإنصاف ٣/ ٣٤٢.
(٦) في (أ): الانحراف.
(٧) قوله: (أحدهما) سقط من (أ).
(٨) قوله: (والآخر) سقط من (أ).
[ ٢ / ١٣٤ ]
قال في «المغني»: (وهذا لا ينضبط؛ لأنَّ الأردن بالشَّام يجري نحو القِبلة، وكثير منها يجري نحو البحر يصبُّ فيه).
وبالجبال، فإنَّ غالب وجوهها إلى القبلة خلقة (^١) يعرفه أهله.
وبالمجرَّة في السَّماء، وهي أول اللَّيل ممتدَّة على كتِف المصلِّي الأيسر إلى القِبلة، وفي آخره على الأيمن في الصَّيف، وفي الاستدلال بها فيه نَظَر، ولهذا لم يذكرها الأكثر، منهم المؤلِّف.
مسألة: يُستحبُّ أن يتعلَّم أدلَّة القِبلة والوقت، ويتوجَّه وجوبُه، فإن دخل الوقت وخفيت (^٢) عليه؛ لزمه قولًا واحدًا؛ لقصر زمنه، ويقلِّد لضيق الوقت؛ لأنَّ القبلة يجوز تركها للضَّرورة، وهي شدَّة الخوف، ولا يعيد، بخلاف الطَّهارة.
والأعمى يقلِّد فيه، وله العمل (^٣) بلمس محراب ونحوه.
فإن قلَّد غيره، ثمَّ أبصر في الصَّلاة، وفرضه قبول الخبر؛ أتمَّها، وكذا إن كان فرضه الاجتهاد ورأى ما يدلُّ على صوابه، وإن (^٤) لم يرَ شيئًا، أو كان قلَّد غيره لعَماه؛ بطلت في الأشهر.
ومن صلَّى باجتهاد أو بيقين (^٥)، ثمَّ عَمِيَ فيها؛ بنى فقط.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ؛ لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)؛ لأنَّ فرض كل واحد ما يؤدِّي إليه اجتهاده، فلا يجوز له تقليد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالِمَين يختلفان في الحادثة.
_________________
(١) في (أ) و(د) و(و): خلفه.
(٢) في (أ): وجبت.
(٣) في (أ) و(ز): العلم.
(٤) في (أ): فإن.
(٥) في (أ) و(ز): تيقن. وفي (ب) و(و): وبيقين.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وظاهره: لا فرق بين اختلافهما في جهتين أو جهة، والأول المذهب، والثَّاني قُوَيل.
ولا يصحُّ اقتداؤه به - نَصَّ عليه (^١)، لظنِّه خطأه - بإجماع.
وذكر في «المغني»: أنَّ قياس المذهب صحَّة الاقتداء مع اختلافهما في جهتين، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأنَّ كلًّا منهما يعتقد صحَّة صلاة الآخَر، وأنَّ فرضه التوجُّه إلى ما توجَّه إليه، فلم يمنع الاقتداء به؛ كالمصلِّين (^٢) حول الكعبة.
وقيل: تبطل صلاة المأموم فقط.
وظاهر كلامهم: يصحُّ ائتمامه به إذا لم يعلم حاله.
فإن (^٣) كان اختلافهما في جهة، فتيامن (^٤) أحدهما وتياسَر (^٥) الآخَر؛ وفي (^٦) صحَّة اقتداء أحدهما بالآخر وجهان، ذكرهما القاضي.
وذكر في «الشَّرح»: أنَّه لا يختلف المذهب في صحَّة الاقتداء؛ لاتِّفاقهما في الجهة (^٧) الواجب استقبالها.
وظاهره: ولو ضاق الوقت؛ كالحاكم ليس له تقليده (^٨) غيره، وكما لو كان متَّسعًا.
وفيه وجه، وهو الذي في «التَّلخيص»، وذكره القاضي ظاهر كلام أحمد؛
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ١٢٧.
(٢) في (ب) و(د): كالمصلي.
(٣) في (أ) و(ب) و(ز): وإن.
(٤) في (د): فيتيامن.
(٥) في (د): ويتياسر.
(٦) في (ب) و(ز): ففي.
(٧) في (أ) و(د) و(ز): جهة.
(٨) هكذا في الأصل، وفي (أ) و(ب) و(د) و(ز): تقليد.
[ ٢ / ١٣٦ ]
لأنَّه قال فيمن هو في مدينة فتحرَّى فصلَّى لغير القبلة في بيت: يعيد؛ لأنَّ عليه أن يسأل (^١).
وردَّه المؤلِّف: بأنَّ مقتضاه المنع من (^٢) الاجتهاد في المصر؛ لأنَّه يمكنه التَّوصُّل بطريق الخبر عن يقين.
فإن اتَّفق اجتهادهما فائتمَّ أحدهما بالآخَر، فمن بان له الخطأ؛ انحرف وأتمَّ، وينوي (^٣) المأموم المفارقة للعذر ويُتِمُّ، ويتبعه من قلَّده في الأصحِّ.
تنبيه: إذا صلَّى بلا اجتهاد ولا تقليد، أو ظنَّ جهةً باجتهاده فخالفها؛ أعاد، وإن تعذَّر الأمران لخفاء الأدلَّة، أو عدم من يقلِّده لجهله (^٤)؛ صحَّت صلاته بتحرٍّ في الأشهر.
وإن صلَّى بلا تحرٍّ؛ أعاد.
وعنه: يعيد إن تعذَّر التحرِّي.
وقيل: ويعيد في الكلِّ إن أخطأ، وإلاَّ فلا.
(وَيَتْبَعُ الْجَاهِلُ وَالْأَعْمَى) وجوبًا (أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ)، ذكره السَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه ابن تميم، والمراد به: أعلمهما عنده، وأصدقهما قولًا، وأشدُّهما تحرِّيًا لدينه؛ لأنَّ الصَّواب إليه أقرب.
وظاهره: أنَّه إذا قلَّد المفضول لا يصحُّ، وهو ظاهر «الخِرَقي» وغيره؛ لأنَّه يترك ما يغلب على ظنِّه أنَّه الصَّواب، فلم يجز؛ كالمجتهد ترك اجتهاده.
وقيل: يستحبُّ، فعلى هذا: له تقليد من شاء منهما، ذكر في «الشَّرح»:
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٨.
(٢) في (ب) و(ز): في.
(٣) في (أ): ونوى.
(٤) في (أ) و(ز): لجهة.
[ ٢ / ١٣٧ ]
أنَّه الأَوْلى كما لو استويا، وكعاميٍّ في الفُتيا على الأصحِّ.
وعلى الأوَّل: لا عِبرة بظنِّه، فلو غلب على ظنِّه إصابةُ المفضولِ؛ لم يَمنعْه من تقليد الفاضِلِ.
فإن (^١) كان أحدُهما أَدْينَ، والآخَرُ أعلمَ؛ فوجْهانِ، فلو تَساوَيا؛ فمَن شاء.
وقال أبو الوَفاء: إن اختَلَفا فإلى الجِهتَين.
تذنيب: إذا قلَّد اثْنَين؛ لم يَرجِع برجوع أحدِهما؛ لأنَّه دخل فيها بظاهِرٍ، فلا يَزول إلاَّ بمثله.
والمقلِّد إذا أخبر فيها بالخطأ عن يَقِينٍ؛ لزِمه الرجوعُ إليه؛ لأنَّه لو أَخبر بذلك المجتهد الذي قلَّده؛ فالجاهل والأعمى أَوْلى.
وإن كان عن اجتهاد، أو لم (^٢) يتبيَّن له؛ لم يلزمْه؛ لأنَّه شرع فيها بدليلٍ يقينًا، فلا يزول عنه بالشَّكِّ.
وذكر في «الشَّرح»: (أنَّ الثَّانيَ إنْ كان أَوْثقَ من الأوَّل، وقلنا: يلزمه تقليد الأفضل؛ فإنَّه يَرجِع إلى قوله؛ كالمجتهِد إذا تغيَّر (^٣) اجتهاده في أثنائها).
(وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ (^٤) فَأَخْطَأَ)؛ أعاد، ذَكَرَه معظَمُهم، وجزم به في «المحرَّر»، وصحَّحه ابنُ تميمٍ؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلاَّ لتَفريطٍ؛ لأنَّ الحضَرَ ليْس بمحلٍّ (^٥) للاجتهاد؛ لقدرةِ (^٦) مَنْ فيه على الاستدلال بمحاريبِ المسلمين.
_________________
(١) في (أ) و(و): وإن.
(٢) في (د): ولم.
(٣) في (و): تعين.
(٤) في (ز): الحضر.
(٥) في (أ): محَلًّا.
(٦) في (ز): ولقدرة.
[ ٢ / ١٣٨ ]
ولا فرق في ظاهر كلامهم بين أن يصلِّي باجتهادٍ أو غيره.
وعنه: لا إعادةَ عليه إذا (^١) صلَّى باجتهادٍ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ «المستوعِب»؛ لأنَّه أتى بما أُمر به، فخرج عن العُهدة كالمُصِيب، واحتجَّ أحمدُ بقضيَّة أهلِ قُباءَ (^٢).
وفي ثالِثةٍ: ما لم يُخْطِ جزمًا.
وظاهره: أنَّ المَكِّيَّ كغيره، وهو ظاهِرٌ في رواية صالح (^٣).
وأنَّه لا يعيد مع الإصابة؛ لأنَّه مأمورٌ بها إلى القِبلة، وقد وجدت.
وقيل: يعيد؛ لأنَّه ترك فرضَه وهو السُّؤال.
فإذا أخبره ثقةٌ عدلٌ في الحضر بالقِبلة فصلَّى إليها، وبان خطؤه؛ أعاد، ذكره في «المغني» و«الشَّرح» وغيرهما؛ لأنَّه قد تبيَّن أنَّ خبره ليس بدليل.
ويُستثنى من كلامه: ما إذا كان محبوسًا فيه، ولا (^٤) يَجِد من يخبره (^٥)؛ فإنَّه يصلِّي بالتَّحرِّي، ولا يعيد، قاله أبو الحسن التَّميميُّ؛ أشبه المسافِر.
(أَوْ صَلَّى الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ؛ أَعَادَا)؛ كترْكه الواجِبَ عليه؛ لأنَّه في الحضر بمنزلة البصير؛ لقدرته على الاستدلال بالخبر (^٦) ولمس المحاريب، ويَعلم أيضًا بأنَّ (^٧) باب المسجد إلى المغرب وغيره.
وظاهره: أنَّه يعيد ولو أصاب؛ لأنَّه ترك فرضه مع أنَّه يغلِب على ظنِّه عدم إصابته.
_________________
(١) في (أ) و(و): إن.
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ١٣٠.
(٣) لم نجده في مسائل صالح، وينظر: الفروع ٢/ ١٣٠.
(٤) في (أ): ولم.
(٥) زيد في (ب) و(ز): به.
(٦) في (أ): الخبر.
(٧) في (أ) و(د): أن.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وفيه وجه: أنَّه يعيد مع الخطأ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْمَى) والمقلِّد في السَّفَر (مَنْ يُقَلِّدُهُ)؛ تحرَّى، فإن صلَّى بدونه مع القدرة عليه؛ قضى. وقيل: إن أخطأ.
فإن عُدِم التَّحرِّي؛ (صَلَّى) على حسَب حاله، قاله أبو بكر؛ لأنَّه لو لم يصلِّ لأدَّى إلى خلوِّ الوقت عن صلاة في الجملة، وهو غير جائز؛ كعادِم الطَّهورين.
(وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ)، وقيل: روايتان، حكاهما في «الشَّرح» وغيرِه:
إحداهما: يعيد مطلقًا، وهو ظاهر الخِرَقي؛ لأنَّه صلَّى بغير دليل.
والثَّانية: لا؛ لأنَّه أتى بما أُمر به، وعادِمٌ للدَّليل.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْطَأَ أَعَادَ)؛ لفوات الشَّرط، وهو عدم الإصابة والصَّلاة بغير دليل.
(وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما: لا يعيد؛ لأنَّه استقبل القِبلة فيها، وهو (^١) إن كان فرضه السُّؤال؛ فقد سقط بعدم المسؤول.
والثَّاني: بلى؛ لأنَّها وقعت في الوقت على نوع من الخلَل؛ استدراكًا لما حصل.
(وَمَنْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ)، ثمَّ شكَّ في اجتهاده؛ لم يلتفِت وبنَى (^٢)، لأنه (^٣) دخل فيها بظاهر، فلا يزول عنه (^٤) بالشَّكِّ، وكذا إن زال ظنُّه، ولم يبن (^٥) له
_________________
(١) قوله: (وهو) سقط من (و).
(٢) سقط من (و).
(٣) في (أ): لا.
(٤) قوله: (عنه) سقط من (و).
(٥) في (أ) و(ب) و(ز): يُبيَّن.
[ ٢ / ١٤٠ ]
الخطأُ، ولا ظهر له جهة أخرى، (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ؛ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لما رَوى عامِر بن ربيعة قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ في (^١) ليلةٍ مُظلِمةِ، فلم نَدرِ أين القِبلةُ؛ فصلَّى كلُّ رجلٍ منَّا على حِياله، فلمَّا أصبحنا فذكرنا ذلك للنَّبيِّ ﷺ؛ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١١٥]» رواه ابن ماجَهْ، والتِّرمذيُّ وقال: (لَيس إسنادُه بِذاك) (^٢)، ولأنَّه شرْط عجز عنه، أشبه (^٣) سائر الشُّروط.
ولا فرق بين كون الأدلَّة ظاهِرةً فاشتبهتْ عليه، أو مستورةً بِغَيمٍ أو ما يسترها عنه، وكذا إذا قلَّد فأخطأ مقلَّدُه.
(فَإِنْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى؛ اجْتَهَدَ لَهَا)؛ لأنَّها واقِعةٌ متجدِّدةٌ، فتَستدعِي (^٤) طلَبًا جديدًا؛ كطلَب الماء في التَّيمُّم، وكالحادثة في الأصحِّ فيها؛ كمُفْتٍ ومُستَفْتٍ، وألزمه (^٥) فيها أبو الخَطَّاب وأبو الوفاء إن لم يَذكُر طريقَ الاجتهاد.
(فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ؛ عَمِلَ بِالثَّانِي)؛ أي: بالآخِر؛ لأنَّه تَرجَّح في ظنِّه، والعملُ به واجبٌ.
وظاهِرُه (^٦): ولو كان في صلاةٍ؛ فإنَّهُ يَبنِي، نقله الجماعةُ، وهو الأصحُّ
_________________
(١) قوله: (سفر في) سقط من (أ).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي (١٢٤١)، والترمذي (٣٤٥)، وابن ماجه (١٠٢٠)، وفي سنده أشعث بن سعيد البصري، أبو الربيع السمان، وهو متروك، وشيخه: عاصم بن عبيد الله بن عاصم القرشي، ضعيف، قال العقيلي: (حديث عامر بن ربيعة فليس يروى متنه من وجه يثبت)، وله شاهد من حديث جابر، حسنه الألباني. ينظر: الضعفاء للعقيلي ١/ ٣٠، الإرواء ١/ ٣٢٣.
(٣) في (و): لشبه.
(٤) في (و): فيستدعي.
(٥) في (د): والتزمه.
(٦) في (ب) و(و): فظاهره.
[ ٢ / ١٤١ ]
ش (^١)؛ لقصَّة أهل قُباءَ، والصَّلاةُ تَتَّسِعُ لاجتهادَين لطولها، بخلاف حكم الحاكِم.
وعنه: تَبطُل (^٢).
وقال ابن أبي موسى: يلزمه جهته (^٣) الأولة؛ لئلاَّ يُنقض الاجتهادُ بالاجتهاد.
(وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ)؛ لأنَّها لو وجبت الإعادةُ لكان نقضًا للاجتهاد بمثله (^٤)، وذلك غير جائزٍ؛ لعدم تناهيه، وكالحاكم بغير خلاف نعلمه (^٥).
فرع: إذا ظنَّ الخطأَ فيها؛ بطَلتْ، وقال أبو المعالي: إن بان له صحَّةُ ما كان عليه، ولم يَطُل زمنُه؛ استمرَّ وصحَّت.
وإن بان له الخطأُ فيها؛ بنى، نَصَّ عليه (^٦)؛ لأنَّه مجتهِدٌ أدَّاه اجتهادُه إلى جهةٍ أخرى فلم يَجُز له تركُها، ولأنَّ ما مضى منها كان صحيحًا، فجاز البناءُ عليه.
ومن أخبر فيها بالخطأ يقينًا؛ لزِمه قَبولُه، وإلاَّ لم يَجُز، وذكر جماعةٌ: إلاَّ أن يكونَ الثَّاني يَلزَمُه تقليدُه؛ فكمَنْ تغيَّر اجتهادُه.
وخرَّج أبو الخطَّاب وغيرُه على منصوصه في الثِّيابِ المشْتبِهةِ: وجوبَ الصَّلاةِ إلى أَربَعِ جِهاتٍ، وهو رِوايةٌ، واللهُ أعلمُ.
_________________
(١) ينظر: المجموع ٣/ ٢٢٥، مغني المحتاج ١/ ٣٣٩.
(٢) في (و): يبطل.
(٣) قوله: (جهته) سقطت من (أ).
(٤) في (د) و(و): مثله.
(٥) ينظر: المغني ١/ ٣٢٢، شرح الزركشي ٧/ ٢٦١. وكتب على هامش (د): (وظاهره: لو صلَّى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد؛ فلا قضاء عليه؛ لأن كل واجب مؤداه بالاجتهاد؛ ولم يتعين فيها الخطأ).
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٣٩.
[ ٢ / ١٤٢ ]