الآنِية هي (^١) الأوعِية: جمع إناء؛ كسِقاء وأسقية، وجمع الآنية: أواني، والأصل أآني، أبدلت الهمزة الثَّانية واوًا؛ كراهة اجتماع همزتين؛ كآدم وأوادم - وهو مشتق من الأدمة، أو من أديم الأرض، أي: وجهها - (^٢)، وهي ظُروف الماء، فلمَّا (^٣) ذكر الماء ذكر ظرفه.
(كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ)؛ كالخشب (^٤) والجلود والصُّفْر والحديد، ويستثنى منه: جلد الآدمي وعَظْمه؛ لحُرمته، (وَلَوْ كَانَ) الإناء (ثَمِينًا؛ كَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ)؛ كبِلَّور (^٥) وياقُوت وزُمُرُّد، وهذا قول عامَّة العلماء من غير كراهة، إلَّا ما رُوي عن عبد الله بن عمر أنَّه كره الوضوء في الصُّفْر والنُّحاس والرَّصاص (^٦)، واختاره أبو الفرَج المَقْدِسي (^٧)؛ لأنَّ الماء يتغيَّر
_________________
(١) في (ب) و(ز): من.
(٢) قوله: (وهو مشتق من الأدمة، أو من أديم الأرض، أي: وجهها) سقط من (أ) و(ز).
(٣) في (و) و(ز): لأنَّه لمَّا.
(٤) في (أ): والخشب.
(٥) قال في المصباح المنير ١/ ٦٠: (البلور: حجر معروف، وأحسنه ما يجلب من جزائر الزنج، وفيه لغتان: كسر الباء مع فتح اللام؛ مثل: سنور، وفتح الباء مع ضم اللام وهي مشددة فيهما؛ مثل: تنور).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٠٢)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢٤٥)، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان لا يشرب في قدح من صُفْر ويتوضأ فيه»، وإسناده صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (١٧١)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤٤)، من طريق آخر: أن عبد الله بن عمر كان يكره أن يتوضأ في النحاس. وإسناده صحيح أيضًا، قال الحافظ في الفتح ١/ ٣٠٣: (ثبت ذلك عن ابن عمر).
(٧) هو أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الأنصاري، الشيرازي الأصل، الحراني المولد، الدمشقي المقر، وكان يعرف في العراق بالمقدسي، تفقه ببغداد على القاضي أبي يعلى مدة، ثم قدم الشام فسكن ببيت المقدس، ونشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، توفي سنة ٤٨٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٥١، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٧.
[ ١ / ٧٧ ]
فيها، وروي: «أنَّ الملائكة تكره ريح النُّحاس» (^١).
والأوَّل أوْلى؛ لما روى عبد الله بن زيد قال: «أتانا رسول الله ﷺ، فأخرجنا له ماءً في تَور من صُفْر، فتوضَّأ» رواه البخاري (^٢)، وقد ورد (^٣): «أنَّه توضَّأ من جَفْنة» (^٤)، و«من تَور حجارة» (^٥)، و«من إداوة» (^٦)، و«من قِربة»، (^٧) فثبت الحكم فيها لفعله، وما في معناه قياسًا؛ لأنَّه مثله، ولأنَّ العلَّة المحرِّمة للنَّقدين مفقودة في الثَّمين؛ لكونه لا يعرفه إلَّا خواصُّ النَّاس، فلا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٨٨٢)، ومسند الشاميين (٩١٠)، عن عبد الله بن عمر قال: مر النبي ﷺ بصنم من نحاس، فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: «خاب وخسر من عبدك من دون الله»، ثم أتى النبي ﷺ جبريل، ومعه ملك فتنحى الملك، فقال النبي ﷺ: «ما شأنه تنحى؟» قال: «إنه وجد منك ريح نحاس وإنا لا نستطيع ريح النحاس». وقد تفرد به يزيد بن يوسف الرحبي، قال عنه الذهبي في الكشاف ٢/ ٣٩١: (واهٍ) وأخرجه الروياني في مسنده (١/ ٧٤)، من حديث بريدة ﵁، قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف؛ لضعف صالح بن حيان). ينظر: إتحاف الخيرة ٢/ ٥٦.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٧).
(٣) في (و): روي.
(٤) أخرجه أبو داود (٦٨) والترمذي (٦٥)، من حديث ابن عباس ﵁، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها … الحديث.
(٥) أخرجه البخاري (١٩٥)، من حديث أنس ﵁ قال: «حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأُتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم» الحديث.
(٦) أخرجه البخاري (٢٠٣)، ومسلم (٢٧٤)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي، فتوضأ ومسح على خفيه».
(٧) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣)، من حديث ابن عباس ﵄ في نومه عند خالته ميمونة ﵂، وفيه قال: «فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا» والشن القربة.
[ ١ / ٧٨ ]
يؤدِّي (^١) إلى الخُيَلاء وكسر قلوب الفقراء، ولأنَّ إباحته لا تفضي إلى استعماله لقلَّته (^٢)، بخلاف النَّقدين؛ فإنَّهما في مظنَّة الكثرة، فيفضي إلى الاستعمال.
وكثرة أثمانها لا تَصلح (^٣) فارِقًا كما في الثياب؛ فإنَّه يحرم الحرير وإن قلَّ ثمنه، بخلاف غيره وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فصُّ الخاتم جوهرةً ولو بلَغ ثمنُها مهما بلغ، ويحرم ذهبًا ولو كان يسيرًا.
(إِلَّا آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) حتَّى المِيلَ ونحوَه، (وَالْمُضَبَّبَ بِهِمَا)؛ لأنَّ علَّة تحريم النَّقدين هي الخُيَلاء وكسْر قلوب الفقراء، وهي موجودة في المضبَّب بهما، ويأتي حُكمها، (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا)، ذكر في «الشرح» عن شيخه أنَّه قال: (لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتِّخاذ آنية الذَّهب والفضَّة).
وليس كذلك، بل الخلاف فيه مشهور، فذكر ابن تميم وصاحب «المحرر» رواية، وبعضهم حكاه وجهًا: أنَّه لا يحرم الاتِّخاذ وش (^٤)؛ لأنَّه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتِّخاذ، كما لو اتَّخذ الرَّجل ثياب الحرير.
وقال أبو الحسن التَّميمي: إذا اتَّخذ مِسْعَطًا، أو قِنديلًا، أو نَعْلَين، أو مِجْمرة، أو مِدخنة من النَّقدين؛ كُره ولم يحرم.
والأوَّل هو المشهور عند العلماء وفي المذهب؛ لأنَّ ما حَرُم استعمالُه مطلقًا حَرُم اتِّخاذه على هيئة الاستعمال، كالملاهي (^٥)، وأمَّا ثياب الحرير فإنَّها لا تحرم مطلقًا؛ لأنَّها تباح للنِّساء، وتباح التِّجارة فيها.
(وَاسْتِعْمَالُهَا)، هذا ممَّا اتُّفِق على تحريمه؛ لما روى حذيفة قال: سمعت
_________________
(١) في (و): تؤدي.
(٢) في (أ) و(ز): لعلته.
(٣) في (و): يصلح.
(٤) ينظر: الحاوي الكبير ١/ ٧١، المجموع ١/ ٤٤.
(٥) في (أ) و(ب) و(ز): والملاهي.
[ ١ / ٧٩ ]
رسول الله ﷺ يقول: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافها؛ فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» (^١)، وروت أمُّ سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم» متَّفق عليهما (^٢)، فتُوُعِّد (^٣) عليه بالنَّار، فدلَّ على تحريمه، والجَرجَرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف.
وغير الأكل والشرب في معناه؛ لأنَّ ذكرهما قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك لا يتقيَّد الحكم به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٨٣].
(عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)؛ لعموم الأخبار، والمعنى فيهما: أنَّ كلًّا من الجنسين مكلَّف، ولم يكن دليل مخصِّص، وإنَّما أبيح التَّحلِّي للنِّساء لحاجتهنَّ إليه لأجل التَّزيُّن للزَّوج.
(فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا)، وفيها، وإليها، وفي إناء مغصوب، أو ثمنُه؛ (فَهَلْ تَصِحُّ (^٤) طَهَارَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما: يصحُّ، صحَّحه في «المغني» و«الشرح»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ الإناء ليس بشرط ولا ركن للعبادة، فلم يؤثِّر لأنَّه أجنبي.
والثَّاني: لا يصحُّ (^٥)، اختاره أبو بكر والقاضي وابنُه أبو الحسين؛ لإتيانه بالعبادة على وجه محرَّم، أشبه الصَّلاة في الأرض المغصوبة، وفرَّق بينهما في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، وليس عند البخاري ذكر الذهب، وتفرد بذكر الذهب وكذا الأكل عليُ بن مسهرٍ عن عبيد الله بن عمر، قال مسلم: (وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر). ينظر: الإرواء (١/ ٦٩).
(٣) في (أ): متوعد.
(٤) في (و) و(ز): يصح.
(٥) في (أ): تصح.
[ ١ / ٨٠ ]
«المغني» و«الشرح» بأنَّ الأفعال في الدَّار المغصوبة محرَّم بخلاف مسألتنا.
وقيل: في صحة الوضوء (^١) والغسل روايتان، وجزم في «الوجيز» بالصِّحَّة (^٢) مع الكراهة منه، وبه، وفيه، وصرَّح بهما الخِرَقِي، والأشهر على أنَّ مراده بالكراهة التَّحريم.
فعلى عدم الصِّحَّة: إن جعلها مَصبًّا للماء؛ صحَّ، ذكره في «المغني» و«الشرح»؛ لأنَّ المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث، فلم يَزُل ذلك بوقوعه فيه.
وذكر ابن عقيل: أنَّه لا يصحُّ؛ لوجود الفخر والخُيَلاء.
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ (^٣) الضَّبَّةُ يَسِيرَةً) عُرفًا (مِنَ الْفِضَّةِ؛ كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ (^٤)، فَلَا بَأْسَ بِهَا)؛ لما روى البخاري عن أنس: «أنَّ قَدَح النَّبيِّ ﷺ انكسر، فاتَّخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضَّة» (^٥)، ولأنَّه ليس فيه سَرَف (^٦) ولا خُيَلاء.
وظاهره: أنَّ المضبَّب بذهب حرام مطلقًا؛ لقوله ﵇: «لا يصلح من الذَّهب ولا خَرْبَصِيصَةٌ (^٧)» (^٨)، وفيه وجه.
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: (فائدة: الوضوء في آنية الذهب وفي الفضة كالوضوء منها، ولو جعلها مصبًا لفضل طهارته؛ فهو كالوضوء منها على الصحيح من المذهب والروايتين، قاله في الفروع وغيره. من الإنصاف).
(٢) بداية سقط من (ز).
(٣) في (و): يكون.
(٤) في (و): القدس.
(٥) أخرجه البخاري (٣١٠٩).
(٦) في (أ) و(و): شرف.
(٧) قال في النهاية ٢/ ١٩ عن الخربصيصة: (هي الهنة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة)، وفي التحقيق لابن الجوزي ١/ ١١٣: (والخربصيصة: الشيء الحقير من الحلي).
(٨) أخرجه أحمد (٢٧٥٦٤)، من حديث أسماء بنت يزيد ﵂، وفي سنده: داود بن يزيد الأودي ضعفه ابن معين، وأحمد، وأبو داود، وجماعة. وفيه أيضًا: شهر بن حوشب تكلم فيه جماعة من الأئمة، وهو صدوق كثير الأوهام والإرسال. تنظر ترجمتهما في: تهذيب الكمال ٨/ ٤٦٧، ١٢/ ٥٧٨.
[ ١ / ٨١ ]
وكذا المضبَّب بفضَّة؛ سواء كانت كبيرة لحاجة أو لغيرها، وهو أحد الوجوه؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب في (^١) إناء ذهب أو فضَّة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنَّما يُجرجر في بطنه نار جهنَّم» رواه الدَّارقطني (^٢).
فمقتضى هذا: تحريم المضبَّب مطلَقًا، تُرِك العمل به فيما ضبَّته يسيرة؛ للنَّص السَّابق، فيبقى ما عداه على مقتضاه.
والحاجة (^٣) غير مشترطة في اليسيرة، وصرَّح به في «المغني» و«الشرح»، وحكياه عن القاضي؛ لأنَّه لا سَرَف (^٤) فيه، ولا خُيَلاء، أشبه الصُّفْر، إلَّا أنَّه كره الحلقة؛ لأنَّها تستعمل.
وقال أبو الخطاب: لا تباح إلَّا لحاجة، وجزم به الشيخان (^٥)، وفي «الوجيز»: لأنَّ الرُّخصة وردت في الحاجة، فيجب قصر الحكم عليها، فعلى هذا تباح وفاقًا (^٦)، وقيل: تكره (^٧).
_________________
(١) في (ب): من.
(٢) أخرجه الدارقطني (٩٦)، وقال: "إسناده حسن"، ورجح البيهقي وقفه، وضعفه ابن القطان، وابن تيمية، والذهبي. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٤٣)، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٩، بيان الوهم والإيهام ٤/ ٦٠٧٦٠٨، مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢١/ ٨٥، ميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٦.
(٣) قوله: (والحاجة) هو في (ز): وظاهره: أن الحاجة.
(٤) في (أ): لا شرف.
(٥) قوله: (الشيخان) هو في (و): في «المحرر».
(٦) ينظر: بدائع الصنائع ٥/ ١٣٢، مواهب الجليل ١/ ١٢٩، الحاوي الكبير ١/ ٧٨، الفروع ١/ ١٠٤.
(٧) في (أ) و(ب) و(ز): يكره.
[ ١ / ٨٢ ]
(إِذَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالاِسْتِعْمَالِ)؛ لئلَّا يكون مباشرًا للفضَّة التي جاء الوعيد في استعمالها، وظاهره: أنَّه يكره إذا باشرها بالاستعمال، قدَّمه في «الرعاية».
والمذهب: أنَّه يباح مباشرتها مع الحاجة وبدونها.
فظاهر كلامه: أنَّه يحرم، وقيل: يكره، وقيل: يباح.
والكثير: ما كثر في العُرف. وقيل: ما لَاح على بُعْد. وقيل: ما استَوعَب أحدَ جوانبِه.
والحاجة: أن يتعلَّق به غرض غير الزِّينة في ظاهر كلام بعضهم، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (مرادهم: أن يحتاج إلى تلك الصورة (^١)، لا إلى كونها من ذهب أو فضَّة؛ فإنَّ هذه ضرورة، وهي تبيح المنفرد) (^٢).
فرع: المَطْلِيُّ والمُطَعَّم ونحوُهما بأحدهما؛ كالمُصْمَت. وقيل: لا. وقيل: لو حُلَّ واجتمع منه شيءٌ حرُم، وإلَّا فلا.
(وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ؛ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاِسْتِعْمَالِ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا)، وجملته أنَّ الكفَّار على ضربين: أهلِ كتاب وغيرِهم.
فالأوَّل: يباح أكلُ طعامهم وشرابهم، واستعمال أوانيهم بشرطه، قال ابن عقيل: لا تختلف الرواية في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المَائدة: ٥]، «وتوضَّأ عمر من جرَّة نصرانيَّة» (^٣)، وروى أحمد: «أنَّ
_________________
(١) قوله: (الصورة) سقط من (و).
(٢) مجموع الفتاوى ٢١/ ٨١، الاختيارات ص ١٥.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٢١، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢٣٧)، والبيهقي في الكبرى (١٢٩)، أخبرنا سفيان - يعني ابن عيينة -، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر. وعلقه البخاري مجزومًا (١/ ٥٠)، وظاهر إسناده الصحة، إلا أنه منقطع، فإن ابن عيينة لم يسمعه من زيد بن أسلم، فقد رواه الدارقطني (٦٣)، والبيهقي في الكبرى (١٣٠)، عن سفيان بن عيينة، قال: حدثونا عن زيد بن أسلم - ولم أسمعه -، عن أبيه، وذكره في قصة. وبيَّن ابن حجر أن الذي روى عنه سفيان هو أحد أبناء زيد بن أسلم، فقال في فتح الباري ١/ ٢٩٩: (ورواه الإسماعيلي من وجه آخر عنه بإثبات الواسطة، فقال: عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه به. وأولاد زيد هم: عبد الله وأسامة وعبد الرحمن، وأوثقهم وأكبرهم عبد الله، وأظنه هو الذي سمع بن عيينة منه ذلك، ولهذا جزم به البخاري). وقد علقه البخاري بصيغة الجزم ١/ ٥٠، قال: (وتوضأ عمر بالحميم، ومن بيت نصرانية).
[ ١ / ٨٣ ]
النَّبيَّ ﷺ أضافه يهودي بخبز شعير، وإهالَةٍ سَنِخَةٍ (^١)» (^٢)، وفي كراهة استعمال أوانيهم روايتان.
وأمَّا ثيابهم: فما علا منه؛ كالعِمامة ونحوه، فلا بأس به، وما وَلِيَ عوراتِهم؛ كالسَّراويل، قال (^٣) أحمد: (أحبُّ أن يعيد الصَّلاة فيه) (^٤)، وهو قول القاضي، وقال أبو الخطاب: لا يعيد؛ لأنَّ الأصل الطَّهارة، فلا تزول بالشَّك.
وأمَّا غيرهم: فحكمهم حكم أهل الذِّمَّة في ظاهر ما ذكره المؤلف، وقاله أبو الحسين والآمِدي، ونصَّ عليه أحمدُ، «لأنَّ (^٥) النَّبيَّ ﷺ توضَّأ من مزادة مشركة» متَّفق عليه (^٦)، وعملًا بالأصل.
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: (من الغريبين: الإهالة: الدسم ما كان، والسنخة: المتغيرة، يقال: سنخ الطعام وزنخ: تغير) انتهى. ينظر: الغريبين في القرآن والحديث للهروي ٣/ ٩٣٨.
(٢) أخرجه أحمد (١٣٢٠١) بهذا اللفظ، وأصله في البخاري (٢٠٦٩).
(٣) في (و): وقال.
(٤) نقل بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي: (أحب إليَّ أن يعيد صلاته كلها). ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٧٧.
(٥) في (أ) و(ز): فإن.
(٦) هذا حديث مشهور بهذا اللفظ في كتب الفقه، ومرادهم حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل في قصة نومهم من صلاة الفجر، وذكر فيها مزادتي المرأة المشركة، أخرجها البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، وفيه أنه: «أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك»، قال النووي: (وليس فيه أن النبي ﷺ توضأ منه صريحًا، لكن الظاهر أنه ﷺ توضأ منه؛ لأن الماء كان كثيرًا، وإن لم يكن توضأ فقد أعطى الجنب ما يغتسل به، وبهذا يحصل المقصود وهو طهارة إناء المشرك)، المجموع ١/ ٢٦٣، وعند البيهقي في السنن الكبرى (١٠٤٦): «… فمضمض في الماء فأعاده في أفواه المزادتين …».
[ ١ / ٨٤ ]
وعنه: المنعُ من الثِّياب والأواني مطلقًا؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، ولأنَّهم لا يتورَّعون عن النَّجاسة.
وعنه: الكراهة، وعليها يحمل النَّهي في (^١) حديث أبي ثعلبة، ولقوله ﷺ: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» رواه النَّسائي (^٢).
(وَعَنْهُ: مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاوِيلِ) - هو أعجمي مفرد ممنوع من الصَّرف؛ لشبهه بمفاعيل - ونحوه؛ كالتُّبَّان والقميص؛ لا يصلَّى فيه؛ عملًا بالظَّاهر، وقد تقدَّم قول أحمد فيه.
(وَعَنْهُ: أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ)؛ كالمجوس وعَبَدَة الأوثان؛ (لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ إِلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ)؛ لحديث أبي ثَعْلبة قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا بأرضِ قومٍ أهل كتاب، أفنأكل من آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن وَجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها؛ فاغسلوها بالماء، وكلوا فيها» متَّفق عليه (^٣)، ووجهُه: أنَّه إذا مُنِع في (^٤) أهل الكتاب، ونهي عن استعمال أوانيهم بدون غسلها، ففي غيرهم أولى، ولأنَّ ذبائحهم مَيْتَةٌ، فنجاسة الآنية بها متيقَّنة، وعليها يمنع في (^٥) الثِّياب أيضًا؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّهم لا يتوقَّونها في الثِّياب، فتكون نجسة.
وقيل: تغسل آنية من يستحلُّ الميتة والنَّجاسة؛ كالمجوس وبعض
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ز): من.
(٢) تقدم تخريجه ١/ ٤٠ حاشية (٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٨٧)، ومسلم (١٩٣٠).
(٤) في (و): امتنع في.
(٥) في (ب) و(و): من.
[ ١ / ٨٥ ]
النصارى، وطهارة غيرها، قدَّمه في «الكافي».
واعلم أنَّ الخلاف في ذلك كلِّه قبل الغسل، وعدم تحقُّق النَّجاسة، فأمَّا بعد غسلها فلا خلاف في طهارتها وجواز استعمالها، ومع تحقُّق النَّجاسة؛ فلا خلاف في المنع.
وكذا حكم ما صبغوه، قيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول، فقال: (المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، فإن علمت فلا تصلِّ فيه حتى تغسله) (^١).
(وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا)؛ لأنَّ النَّجاسةَ بعيدةٌ منها، لأنَّها لا تخالطها، وملاقاة رطب النَّجاسة لها غير متيقَّن، والأصل الطَّهارة.
فرع: إذا شَكَّ في استعماله؛ فهو طاهر في ظاهر المذهب؛ لأنَّه الأصل. وقيل: يغسل إن كان لمجوسي، وإن كان لكتابيٍّ؛ كُره. وعنه: لا يكره (^٢). وقيل: لا بد من غسل قِدر النصراني.
وما نسجه الكفَّارُ؛ فهو مباحُ اللُّبس؛ لأنَّه ﷺ وأصحابه كانت ثيابهم من نسج الكفَّار، وذكر ابن أبي موسى في «الإرشاد» روايتين، أصحُّهما: لا يجب غسلها.
وذكر أيضا في «الإرشاد»: أنَّ المسلم إذا داوم شرب الخمر؛ أنَّه في آنيته وثيابه وسُؤْره كالمجوس.
وفي كراهة ثوب المرضِع والحائض والصَّغير روايتان، ذكر في «الشرح» الإباحة، ثم ذكر عن أصحابنا أنَّ التَّوقِّيَ لذلك أولى؛ لاحتمال النَّجاسة فيه.
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ)؛ أي (^٣): نَجُس بموتها (بِالدِّبَاغِ)، نقله
_________________
(١) نص عليه في مسائل حنبل. ينظر: الفروع ١/ ١٠٨، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٧٤.
(٢) في (و): وعنه يكره. وهو موافق لما في الكافي ١/ ٤٨.
(٣) زاد في (و) و(ز): الذي.
[ ١ / ٨٦ ]
الجماعة (^١)، وهو ظاهر المذهب، وقول عمر (^٢)، وابنه (^٣)، وعائشة (^٤)، وعمران بن حصين (^٥)؛ لما روى عبد الله بن عُكَيم قال: «أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» رواه الخمسة (^٦)، ولم يذكر التَّوقيت غير أبي داود، وأحمد، وقال (^٧): (ما أصلح إسناده) (^٨)، وقال أيضًا: (حديث ابن عُكَيم أصحُّها (^٩) (^١٠)، ورواه عن
_________________
(١) منهم: صالح في مسائله ٢/ ٣١٤، وعبد الله في مسائله ص ١٢، وابن هانئ في مسائله ١٠٩، وأبو داود في مسائله ص ٦١، وغيرهم.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٤٧)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٩٣٩٠)، عن زيد بن وهب، قال: أتاهم كتاب عمر بن الخطاب ﵁ وهم في بعض المغازي: «بلغني أنكم في أرض تأكلون طعامًا يقال له الجبن، فانظروا ما حلاله من حرامه، وتلبسون الفراء، فانظروا ذَكِيَّه من ميِّته»، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧٦٥) عن مجاهد، قال: أبْصَر ابنُ عمر على رجل فروًا فأعجبه لِينه، فقال: «لو أعلم هذا ذُكِّيَ، لسرَّني أن يكون لي منه ثوب»، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٩٩)، عن القاسم بن محمد: أن محمد بن الأشعث كلَّم عائشة في أن يتخذ لها لحافًا من الفراء، فقالت: «إنه ميتة، ولست بلابسة شيئًا من الميتة» قال: فنحن نصنع لك لحافًا ندبغ، وكرهت أن تلبس من الميتة. وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٨٥٠)، عن الأشعث، عن محمد، قال: «كان ممن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيًا عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن جابر».
(٦) أخرجه أحمد (١٨٧٨٠)، وأبو داود (٤١٢٧) والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٤٢٤٩)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وقال أحمد: (إسناده جيد)، وحسنه الترمذي؛ وروى أنَّ أحمدَ رجع عن تصحيحه، قال ابن عبد الهادي: (هكذا روى الترمذي عن أحمد، وهو خلاف المشهور المستفيض عنه)، وضعَّف الحديثَ الخطابيُّ، والبيهقيُّ، وابنُ عبد البر. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ١٠٤، البدر المنير ١/ ٥٨٩ - ٥٩٠.
(٧) في (و): قال.
(٨) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٣، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ١٠٤.
(٩) في (و): أصحهما.
(١٠) ينظر: مسائل أحمد رواية صالح (١٤١٦).
[ ١ / ٨٧ ]
يحيى بن سعيد الأنصاري، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله، وفي رواية الطَّبراني والدَّارقطني: «كنت رخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب» (^١)، وهو دالٌّ على سبق الرُّخصة، وأنَّه متأخِّر، وإنَّما يؤخذ بالآخِر من أمره ﵇.
لا يقال: هو مرسل لكونه من كتاب لا يعرف حامله؛ لأنَّ كتابه ﵇ كلفظه (^٢)، ولهذا كان يبعث كتبه إلى النَّواحي بتبليغ الأحكام.
فإن قلت: الإهاب اسم للجلد قبل الدَّبغ، وقاله النَّضر بن شميل (^٣).
وأجيب: بمنع ذلك كما قاله طائفة من أهل اللغة، يؤيده أنه لم يُعلم أن النبي ﷺ رخص في الانتفاع به (^٤) قبل الدَّبغ، ولا هو من عادة النَّاس.
(وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ)؛ احترز به عن المائِعات؛ فإنَّ كثيرًا من الأصحاب منعوا ذلك، وذكروه روايةً واحدةً، قال ابن عَقِيل: ولو لم ينجُس الماء بأن كانت تَسع قُلَّتين؛ لأنَّها نجسة العين، وجوَّزه الشَّيخ تقي الدِّين إذا لم ينجس الماء (^٥)، (بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في ابن تَمِيم، وفي «المغني» و«الشرح»، وخَصَّاه بجلد طاهر حال الحياة، وبعضهم حكاهما
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (١٠٤)، وفي إسناده فضالة بن مفضل بن فضالة المصري، قال أبو حاتم: (لم يكن بأهل أن يكتب عنه العلم)، وقال العقيلي: (في حديثه نظر). ينظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٩، ولم نقف عليه عند الدارقطني في سننه ولا في العلل.
(٢) في (أ): لفظه.
(٣) هو النضر بن شميل بن خرشة بن زيد بن كلثوم التميمي المازني، النحوي، البصري، الشاعر، من أصحاب الخليل بن أحمد، من مصنفاته: كتاب الصفات، وغريب الحديث والمعاني، توفي سنة ٢٠٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٣٩٧، سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٢٨.
(٤) قوله: (به) سقط من (و).
(٥) ينظر: شرح الزركشي ١/ ١٥٣، الإنصاف ١/ ١٦٦.
[ ١ / ٨٨ ]
قبله وإن كان جلد كلب أو خنزير؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» رواه الدَّارقطني بإسناد جيد (^١).
والثَّانية: يجوز، وهي الأصحُّ؛ لما روى ابن عبَّاس قال: تُصدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: «هلَّا استمْتعتم بإهابها، فدبغتموه فانتفعتم به» رواه مسلم (^٢)، ولأنَّ الصَّحابة لمَّا فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم، وذبائحُهم ميتةٌ، ونجاستُه لا تمنع الانتفاع به؛ كالاصطياد بالكلب.
وإذا جاز استعمالُه جاز دبغُه، وإلَّا احتمل التَّحريم واحتمل الإباحة؛ كغَسل نجاسة بمائع (^٣) وماء مستعمل وإن لم يطهر، قاله القاضي، وكلام غيره خلافه، قال في «الفروع»: وهو أظهر.
فرع: اختلف قول أحمد في جواز الخَرْز بشعر الخنزير، وفي كراهته (^٤) روايتان. وقيل: لا يجوز الخَرْز برَطْبه، وفي يابسه الخلاف، فإن خُرِز برطبه؛ وجبَ غسلُه.
مسألة: يجوز اتِّخاذ مُنْخُل من شَعر نجِس، نصَّ عليه (^٥)، وقال ابن حمدان: يُكره.
_________________
(١) لم نقف عليه عند الدارقطني في سننه ولا في العلل، وقد أخرجه ابن وهب كما في موطأه (٤)، ومن طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٦٩٢)، وفي سنده زمعة بن صالح، وهو ضعيف. ينظر: الضعيفة للألباني (١١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٣٦٣)، بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري من غير لفظ الدباغ (١٤٩٢)، وأعلَّ الإمام أحمد ذكر الدباغ فيه. ينظر: مسائل أحمد رواية صالح (١٤١٦).
(٣) في (أ) و(ز): مائع.
(٤) في (و): كراهيته.
(٥) جاء في مسائل ابن منصور ٨/ ٣٩٨٧: (صوف الميتة أو الشعر؟ قال: يغسل ولا بأس به). وينظر: الفروع ١/ ١٢١.
[ ١ / ٨٩ ]
(وَعَنْهُ: يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ)، قال ابن حمدان: وهي أولى، ونقل جماعة أنَّها آخر قولي أحمد؛ لما روى ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طهُر» رواه مسلم (^١)، وهو (^٢) يتناول المأكول وغيره، فيخرج منه ما كان نجسًا في الحياة؛ لكون الدَّبغ إنَّما يؤثِّر في رفع (^٣) نجاسةٍ حادِثةٍ بالموت، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم.
وعنه: يطهر جلد ما هو مأكول اللحم، واختارها (^٤) جماعة، وهي قول الأوزاعي وأبي ثور؛ لقوله ﵇: «ذكاةُ الأدِيم دباغُه» رواه أحمد (^٥)؛ لأنَّه شبَّه الدِّباغ بالذكاة، وهي إنَّما تعمل في مأكول اللحم، فلم تؤثِّر (^٦) في غير مأكولٍ كالذَّبح، والأوَّل ظاهر كلام أحمد؛ لعموم لفظه في ذلك.
وعلى هذا: هل الدِّباغ يصيِّره كالحياة؟ وهي اختيار المؤلف وصاحب «التلخيص»، فلا يطهُر منها إلَّا ما كان طاهِرًا في الحياة؛ كالهرِّ، أو كالذكاة، وهي اختيار المجد، قال بعضهم: وهي أصحُّ، فلا يطهر إلَّا ما تطهِّره الذكاة؟
وقد يخرَّج عليهما: جلد الآدمي؛ فإنَّ في طهارته - إن قيل بنجاسته -
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٦)، وأبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، واللفظ له.
(٢) في (و): وهذا.
(٣) قوله: (رفع) سقطت من (أ).
(٤) في (أ) و(ز): واختاره.
(٥) أخرجه أحمد (١٥٩٠٨) واللفظ له، وأبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (٤٢٤٣)، وصححه ابن حبان (٤٥٢٢)، وفي سنده جون بن قتادة، قال أبو طالب: (سألت أحمد بن حنبل عن جون بن قتادة، فقال: لا يعرف، قلت: يروي غير هذا الحديث؟ قال: لا، يعني حديث الدباغ)، وقال ابن المديني عن الحديث: (رواه قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة، وجون معروف، وجون لم يرو عنه غير الحسن إلا أنه معروف)، وللحديث شواهد من حديث ابن عباس وغيره. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ١١٣ - ١١٤.
(٦) في (و): يؤثر.
[ ١ / ٩٠ ]
وجهان، والأشهر عدمه، وحكى ابن حزم الإجماع على أنَّه يحرم استعمال جلده وسلخه (^١).
والمذهب الأوَّل عند الأصحاب؛ لعدم رفع التواتر (^٢) بالآحاد.
وخالف الشَّيخ تقي الدِّين (^٣) وغيره، ونقل الجماعة (^٤): أنَّه لا يقنت في الوتر إلَّا في النِّصف الأخير من رمضان، ونقل خطاب ابن بشر (^٥) عنه أنَّه قال: كنت أذهب إليه، ثم رأيت السَّنة كلَّها (^٦)، وهو المذهب عند الأصحاب؛ فرفعنا (^٧) المتواتر بالآحاد لما بينهما من الفرق.
مسائل:
لا يفتقر الدَّبغ إلى فعل آدمي، فلو وقع في مَدبَغة؛ طهُر؛ لأنَّها إزالة نجاسة، فهو كالمطر يطهِّر الأرض النَّجسة.
ولا يحصل بتشميسه، وقيل: بلى. وهما في تتريبه (^٨) أو ريح.
قال في «المغني»: ويَفتقِر ما يدبغ به أن يكون مُنَشِّفًا للخبث، قال في
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع ص ٢٣.
(٢) قوله: (لعدم رفع التواتر) هو في (و): لعموم رفع المتواتر.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ١١٠. وفي الاختيارات للبعلي ص ٤٢: (ويطهر جلد الميتة الطاهرة حال الحياة بالدباغ، وهو رواية عن أحمد والشافعي. ورجح في الفتاوى المصرية: طهارة جلد ما يؤكل لحمه بالذكاة، وهو رواية عن أحمد).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٧٩٨، مسائل صالح ١/ ٢٨٢، مسائل عبد الله ص ٩٩، مسائل أبي داود ص ٩٥، وأبو طالب وأبو الحارث كما في الروايتين والوجهين ١/ ١٦٣.
(٥) هو خطاب بن بشر بن مطر أبو عمر البغدادي، قال أبو بكر الخلال: كان رجلًا صالحًا، وكان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان صالحة. توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٥٢.
(٦) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٦٣.
(٧) قوله: (عند الأصحاب فرفعنا) هو في (أ) و(ز): عند الأصحاب في معنى.
(٨) في (أ): (ولا في تتريبه).
[ ١ / ٩١ ]
«الرعاية»: ولا بدَّ فيه من زوال (^١) الرَّائحة الخبيثة.
ولا يحصل بنجس كالاستجمار، وفي «الرعاية»: بلى، ويُغسل بعده، وينتفع بما طُهِّر، وقيل: وبأكل المأكول.
وما طهر بدبغه؛ جاز بيعه وإجارته، ذكره في «الشرح» وغيره.
وعنه: لا، كما لو لم يطهر.
وقال أبو الخطاب: يجوز بيعه مع نجاسته؛ كثوب نجس، قال في «الفروع»: فيتوجَّه منه بيع نجاسةٍ (^٢) يجوز الانتفاع بها، ولا فرق ولا إجماع، فأمَّا قبل الدَّبغ فلا.
ويغسل المدبوغُ في وجه، قال في «المغني»: وهو أولى؛ لقوله ﵇: «جلد الشَّاة الميتة يطهِّره الماء والقَرَظ» رواه أبو داود (^٣)، ولأنَّ ما يدبغ به ينجس بملاقاة (^٤) الجلد، فإذا اندبغ بقِيَت الآلة نجسة، فلا تزول (^٥) إلَّا بالغسل.
وفي آخر: يطهر؛ لقوله ﵇: «أيُّما إهاب دُبغ فقد طهُر»، ولأنَّه طهر بانقلابه (^٦)، فلم يفتقر إلى غسل؛ كالخَمْرة.
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ بِالذَّكَاةِ)؛ نصَّ عليه (^٧)؛ لما روى أبو المَليح بن أسامة، عن أبيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن جلود السِّباع» رواه
_________________
(١) زاد في (أ): أثر.
(٢) في (أ): منع نجاسة.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٤٨)، من حديث ميمونة ﵂، وصححه ابن حبان، وابن السكن، وحسنه المنذري. ينظر: البدر المنير ١/ ٦٠٥، والصحيحة (٢١٦٣).
(٤) في (أ): بما لاقاه.
(٥) في (و): يزول.
(٦) في (أ): انقلابه.
(٧) ينظر: مسائل صالح ١/ ٦١، الروايتين والوجهين ١/ ٦٦.
[ ١ / ٩٢ ]
أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم، ورواه التِّرمذي، وزاد: «وأن يُفْترَش» (^١)، ولأنَّه ذبحٌ غير مشروع، فلم يُفِدْ طهارة الجلد؛ كذبح المُحْرِم الصَّيد؛ لأنَّ عندنا: كلُّ ذبح لا يفيد إباحة اللحم؛ لا يفيد طهارة المذبوح.
قال (^٢) القاضي: جلود السِّباع لا يجوز الانتفاع بها قبل الدَّبغ ولا بعده.
وهل يُباح لُبس جلد الثَّعلب والصَّلاة فيه أو لَا، أو يباح لُبسه فقط، أو يباحان مع كراهة الصَّلاة فيه؟ روايات، قال أبو بكر: لا يختلف قوله: إنَّه يلبس إذا دبغ بعد تذكيته.
(وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا)؛ بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة، ذكره الجوهري، ويقال أيضًا: مِنفحة، (نَجِسَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، هذا هو المنصور عند أصحابنا؛ لما روى سعيد بن منصور: ثنا سفيانُ عن ابن أبي نَجِيح: أنَّ ابن عبَّاس سئل عن الجبن يصنع (^٣) فيه أنافِح الميتة، فقال: «لا تأكلوه» (^٤)،
_________________
(١) في (أ) و(ز): يفرش. ورواية الترمذي: (وأن تُفترش). والحديث أخرجه أحمد (٢٠٧٠٦)، وأبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، عن أبيه، قال الترمذي: (ولا نعلم أحدًا قال: عن أبي المليح، عن أبيه، غير سعيد بن أبي عروبة)، ثم أخرجه (١٧٧١) من طريق شعبة، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٦٤٢١)، والبزار (٢٣٣٠) من طريق ابن علية، كلاهما - شعبة وابن علية - عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، مرسلًا، وقال الترمذي: (هذا أصح)، وسأل الترمذي شيخه البخاري عنه كما في العلل الكبير (٥٣٤ - ٥٣٥)، وتوقف فيه، وقد أخرج البزار في مسنده (٢٣٣٢ - ٢٣٣٣) متابعتين بأسانيد صحيحة، تقوي رواية الوصل، وصحح إسناد الحديث الحافظ المقدسي في المختارة (١٣٩٤)، والنووي كما في خلاصة الاحكام (٥٧)، والألباني في الصحيحة (١٠١١).
(٢) في (أ): وقال.
(٣) في (ب) و(و): يضع.
(٤) أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث ١/ ٢٩٤، عن مجاهد: «سئل ابن عباس فقيل: يصنعون فيه أنافح الميتة قال: لا تأكلوه إذًا»، وإسناده صحيح. وأخرج عبد الرزاق (٨٧٨٩)، عن أبي معبد قال: كان ابن عباس ﵄: «لا يرى بالجبن الذي تصنعه اليهود والنصارى بأسًا»، وإسناده صحيح أيضًا.
[ ١ / ٩٣ ]
وقال ابن مسعود: «لا تأكلوا من الجبن إلَّا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب» رواه البيهقي (^١)، وروي عن عمر وابنه مثله (^٢)، ولأنَّه مائِع في وعاء نجس، أشبه ما لو حُلب في إناء نجِس.
والثَّانية: أنَّهما طاهران؛ لأنَّ الصَّحابة فتحوا بلاد المجوس، وأكلوا من جبنهم مع علمهم بنجاسة ذبائحهم (^٣)؛ لأنَّ الجبن إنَّما يصنع بها، واللبن لا ينجس بالموت؛ إذ لا حياة فيه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٦٩٢)، ورواه ابن أبي شيبة (٢٤٤١٤)، عن قيس بن سكن، عن ابن مسعود قال: «لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب»، وإسناده حسن، فيه عبيد بن أبي الجعد وهو صدوق، وباقي رجاله ثقات.
(٢) أما أثر عمر ﵁: فأخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٦٩٠، ١٩٦٩١)، عن ثور بن قدامة، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ «أن لا تأكلوا من الجبن إلا ما صنع أهل الكتاب»، وفيه إبراهيم العقيلي وهو مجهول، وسيأتي أن الثابت عن عمر ﵁ خلافه. وأما أثر ابن عمر ﵄: فأخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٦٩٣)، عن علي البارقي، أنه سأل ابن عمر عن الجبن، فقال: «كل ما صنع المسلمون وأهل الكتاب»، وإسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٨٧٩١)، عن البارقي قال: سألت ابن عمر عن الجبن؟ فقال: «عن أي بَالِه تسألني؟» قال: قلت: يجعلون فيه - أو إنا نخاف أن يجعلوا فيه - أنافح الميتة، قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، ولا بأس بإسناده، وقد روي عن ابن عمر من وجوه أخرى ثابتة عند عبد الرزاق (٨٧٩٢، ٨٧٨٥).
(٣) ورد ذلك عن عمر ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٤١٩)، عن أبي وائل وإبراهيم، قالا: لما قدم المسلمون أصابوا من أطعمة المجوس من جبنهم وخبزهم، فأكلوا ولم يسألوا عن ذلك، ووُصِف الجبن لعمر، فقال: «اذكروا اسم الله عليه وكلوه»، وإسناده صحيح، وأبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - قد أدرك عمر وصلى خلفه كما ثبت ذلك عند ابن أبي شيبة (٣٠٤٨)، وأما إبراهيم النخعي فكما قال علي بن المديني: (لم يلق أحدًا من أصحاب النبي ﷺ، إلا أن مراسيل النخعي من أحسن المراسيل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: مجموع الفتاوى ٣١/ ٣٥٣. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٤٢٢)، عن عمرو بن شرحبيل، قال: ذكرنا الجبن عند عمر، فقلنا له: إنه يصنع فيه أنافيح الميتة، فقال: «سموا عليه وكلوه»، وإسناده صحيح. وقد سئل الإمام أحمد عن الجبن الذي يصنعه المجوس؟ فقال: (ما أدري، إلا أن أصحَّ حديثٍ فيه حديثُ الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل) وذكره. ينظر: المغني لابن قدامة ٩/ ٤٣٠.
[ ١ / ٩٤ ]
والأوَّل أولى؛ لأنَّ في صحَّة ما نقل عن الصَّحابة نظرًا، ولو سُلِّم صِحَّتُه، فكان بينهم يهود ونصارى يذبحون لهم، فلا يتحقَّق القول بالنَّجاسة.
وفي «الكافي» و«الشرح»: أنَّ الجُبْن نجِس، والخلاف في الإنفَحة، والأشهر: أنَّ الخلاف فيهما (^١)، وقيل: هما في محلِّهما نجسان، وبعد أخذهما طاهران.
فرع: إذا صلُب قشر بيضة؛ فطاهرة (^٢)؛ لأنَّه لا يصل إليها شيء من النَّجاسات، أشبه ما لو غُمِست (^٣) في ماء نجِس.
وإن لم تكمُل البيضة، فقال بعض أصحابنا: ما كان قشرها أبيض؛ فهو طاهر، وإلَّا فهو نجس؛ لأنَّ الحاجز غير حصين.
وقال ابن عقيل: لا ينجس؛ لأنَّ جمودها وغشاءها الذي هو كالجلد مع لينه يمنع نفوذ النَّجاسة إليها.
والأوَّل أشهر، فعلى النَّجاسة إن صارت فرخًا؛ فهو طاهر.
(وَعَظْمُهَا، وَقَرْنُهَا، وَظُفُرُهَا)، وسِنُّها، وحافرها، وعصَبها؛ (نَجِسٌ) نصَّ على ذلك (^٤)، من مأكول أو غيره كالفيل؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المَائدة: ٣]، والعظم من جملتها، فيكون محرَّمًا.
وعنه: طاهر وه (^٥)؛ لأنَّ الموت لا يحلُّها، فلا تنجس بالموت كالشَّعر،
_________________
(١) قوله: (فيهما) سقطت من (أ).
(٢) في (أ) و(ب) و(ز): فطاهر.
(٣) في (أ) و(ز): غمسه.
(٤) ينظر: مسائل عبد الله ص ١٣.
(٥) ينظر: البناية شرح الهداية ١/ ٤٢٣، درر الحكام ١/ ٢٤.
[ ١ / ٩٥ ]
وقد روى أبو داود بإسناده عن ثوبان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اشترِ لفاطمة قِلادة من عصَب، وسِوارين من عاج» (^١)، والعاج: هو عظم الفيل.
وقال م: إن ذُكِّي الفيل فعظمه طاهر، وإلَّا فهو نجس؛ لأنَّ الفيل مأكول عنده، فعلى هذه يجوز بيعه، واختاره ابن وهب المالكي (^٢)؛ فقيل: لأنَّه لا حياة فيه (^٣)، وقيل - وهو أصحُّ -: لأنَّ (^٤) سبب التَّنجيس، وهي الرطوبة، منتفيةٌ.
والأوَّل أَولى؛ لأنَّ الحياة تحلُّه، فينجس بالموت؛ كالجلد، ودليله (^٥) قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية [يس: ٧٨] (^٦)، وبدليل الإحساس (^٧) والألم، وهو (^٨) في العظام أشدُّ منه في اللحم، والضرس يألم، ويلحقه الضَّرس (^٩)، ويحس ببرودة الماء وحرارته.
وحديث ثوبان؛ فيه حميد الشامي، وسئل عنه أحمد، وابن معين فقالا:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٣)، وأبو داود (٤٢١٣)، والطبراني في الكبير (١٤٥٣)، وإسناده ضعيف، فيه حميد الشامي وسليمان المنبهي، وهما مجهولان، وقال ابن عدي بعد أن أخرج حديثه هذا: (وحميد الشامي هذا إنما أنكر عليه هذا الحديث، وهو حديثه، ولم أعلم له غيره). ينظر: الكامل لابن عدي ٣/ ٧١.
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي بالولاء، الفقيه المالكي المصري، صحب الإمام مالك بن أنس عشرين سنة، من مصنفاته: الموطأ الكبير، والموطأ الصغير، توفي سنة ١٩٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٦، سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٣.
(٣) ينظر: الذخيرة ١/ ١٨٤، مواهب الجليل ١/ ١٠٣.
(٤) في (أ): الأصح أن.
(٥) في (أ) و(و): دليل.
(٦) قوله: (الآية) سقطت من (أ).
(٧) في (و): الاحتباس.
(٨) في (أ) و(ز): وهي.
(٩) في (أ): الضرب، وفي (ب): وتلحق الضرس.
[ ١ / ٩٦ ]
(لا نعرفه) (^١)، ولو سلم، فقال الخطابي، عن الأصمعي: (العاج الذبل) (^٢)، وقيل: هو عظم السلحفاة البحرية، وقيل: العصب كالشَّعر؛ لأنَّه ليس فيه رطوبة منجِّسة (^٣). وحكم ما ذكرنا؛ إن أخذ من مذكًّى؛ فهو طاهر، وإن أخذ من حي؛ فهو نجس؛ لقوله ﵇: «ما يقطع من البهيمة وهي حيَّةٌ فهو مَيْتَةٌ» رواه التِّرمذي، وقال: (حسن غريب) (^٤).
وكذا ما يَسقُط من قرون الوُعول في حياتها، وفي «المغني» و«الشرح» احتمال بطهارته كالشَّعر.
وأمَّا ما لا ينجس بالموت كالسمك؛ فلا بأس بعظامه.
(وَصُوفُهَا، وَشَعْرُهَا، وَرِيشُهَا؛ طَاهِرٌ)، يَعني الميتةَ الطَّاهرةَ في الحياةِ، وإلَّا فالنَّجِسة فيها لا يزيدها الموت إلَّا خبثًا، وهذا هو الأشهر عن أحمد، نقل الميموني: (صوف الميتة ما أعلم أحدًا كرهه) (^٥)، وعليه أصحابه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النّحل: ٨٠]، وهي في سياق الامتنان، فالظَّاهر شمولها لحالتي الحياة والموت، ولحديث ابن عبَّاس في شاة ميمونة.
وعن أحمد: أنَّها نجِسة، أومأ إليه في شعر الآدمي الحي، واختارها
_________________
(١) ينظر: رواية ابن طهمان عن ابن معين (١٥١)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٢.
(٢) ينظر: معالم السنن ٤/ ٢١٢.
(٣) في (و): تنجسه.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٩٠٣)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠)، وهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، واختلف في صحابيِّ الحديث؛ فقيل: ابن عمر ﵁، وقيل: أبو سعيد الخدري ﵁، ورجح إرساله أبو زرعة، والدارقطني. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٤٧٩)، علل الدارقطني ٦/ ٢٩٧، البدر المنير ١/ ٤٦٠.
(٥) ينظر: الانتصار لأبي الخطاب ١/ ١٩٦.
[ ١ / ٩٧ ]
الآجُرِّي، ومن ثَمَّ (^١) حكاية صاحب «التلخيص» الخلاف في شعر غير (^٢) الآدمي والقطع بالطَّهارة فيه؛ غريب، ولما تقدَّم من حديث عبد الله بن عُكَيم: «لا تَنْتَفِعوا من الميتة بشيء (^٣)»، ولعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المَائدة: ٣].
وجوابه: بأنَّ المراد بالآية الحياة الحيوانيَّة، ومن (^٤) خاصِّيتها الحس والحركة الإراديَّة، وهما منتفيان [في] (^٥) الشَّعْر، ووبَرٌ كشعْر.
ودخل في قولنا: (من الميتة الطَّاهرةِ في الحياة) شعر الهرَّة ونحوها، واختاره المؤلف وابن عقيل، وقيل بنجاسته بعد الموت؛ لزوال علَّة الطَّواف به (^٦).
وجعل القاضي الخلاف في المنفصل في حياته أيضًا، وألحق ابن البنَّاء بذلك سباع البهائم إذا قلنا بطهارتها.
فأمَّا أصول الشَّعر والرِّيش إذا نتف من الميتة وهو رطب؛ فهو نجِس برطوبة الميتة، وهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان.
ونقل أبو طالب: ينتفع بصوفها إذا غسل، قيل: فَريشُ الطير؟ قال: هذا أبعد (^٧).
وحرَّم (^٨) في «المستوعب» نتفَ ذلك من حيٍّ؛ لإيلامِه، وكرهه في «النهاية».
_________________
(١) قوله: (ثم) سقط من (و).
(٢) في (أ): غير شعر.
(٣) قوله: (بشيء) سقط من (أ) و(ز).
(٤) في (أ): وفي.
(٥) قوله: (في) سقطت من الأصل ومن (أ) و(و).
(٦) قوله: (به) سقط من (أ).
(٧) في (أ): فهذا أبعد. ينظر: الفروع ١/ ١٢٢.
(٨) في (و): جزم.
[ ١ / ٩٨ ]