هو في اللُّغةِ: الإعلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التّوبَة: ٣]؛ أي: إعلام، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحَجّ: ٢٧]؛ أي: أعلمهم، يقال: أذَّن بالشَّيء، يُؤَذِّن أذانًا، وتأذينًا، وأذينًا على وزن رَغيف: إذا أعلم به.
وهو اسم وُضع موضع المصدر، وأصله من الأَذَن، وهو الاستماع، كأنَّه يُلقي في آذان النَّاس ما يُعلِمهم به.
وفي الشَّرع: الإعلامُ بدخول وقت الصَّلاة أو قربِه، بذكرٍ مخصوصٍ.
والإقامة هي في الأصل: مصدر أقام، وحقيقته: إقامة القاعد.
وفي الشَّرع: الإعلام بالقيام إليها بذكرٍ مخصوصٍ؛ كأنَّ المؤذِّن أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم.
إعلامٌ: الأذانُ فيه فضل عظيم؛ لقوله ﵇: «المؤذِّنونَ أطولُ النَّاسِ أعناقًا يومَ القيامةِ» رواه مسلمٌ من حديث مُعاوية (^١)، ولقوله: «الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذِّن مؤتمَنٌ، اللَّهمَّ أرشدِ الأئمَّةَ، واغفر للمؤذِّنين» رواه أحمد وغيره (^٢)، ولقوله: «مَنْ أذَّنَ سبعَ سنينَ محتسبًا؛ كتبَ اللهُ له براءةً مِنَ النَّارِ (^٣)» رواه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨٧).
(٢) أخرجه أحمد (٧٨١٨)، وأبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وابن خزيمة (١٥٢٨)، من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وعند أبي داود (٥١٧) من طريق الأعمش عن رجل عن أبي صالح، وفي بعض الطرق قال الأعمش: (نبئت عن أبي صالح)، وأعلَّ ابنُ معين والبيهقيُّ هذا الحديث بالانقطاع بين الأعمش وبين أبي صالح، وأجاب آخرون بأن الأعمش سمعه من رجل ثم سمعه من أبي صالح. ينظر: العلل المتناهية لابن الجوزي ١/ ٤٣٧، التلخيص الحبير ١/ ٥١٢، الإرواء ١/ ٢٣١.
(٣) زاد في (أ): يوم القيامة.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ابن ماجه من حديث ابن عباس (^١).
وهو أفضل من الإقامة (^٢) في الأصحِّ، ومن الإمامة (^٣) في قول الأكثر.
وعنه: فضَّلها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ تولَّاها بنفسه.
وأجيب عنه: بأنَّ عدم مواظَبته عليه إمَّا خوفَ تغيير صيغته، أو توهُّم سامع أنَّ ثمَّ غيره موصوفًا بذلك، أو لضيق الوقت عنه، واقتصر عليه في «المغني» و«الشَّرح».
وقيل: إنَّما تركه لأنَّه لو أذَّن لزم إجابتُه، ولم (^٤) يكن لأحدٍ التخلُّف عن دعوته، مع أنه ورد «أن النبي ﷺ أذَّن مرة واحدة على راحلته في مطر وبلة» خرَّجه التِّرمذي وغيره (^٥).
وله الجمع بينهما، وذكر أبو المعالي أنَّه أفضل.
(وَهُمَا مَشْرُوعَانِ) بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المَائدة: ٥٨]، وبالسُّنَّة، وهي كثيرةٌ؛ منها: حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: لمَّا أمر (^٦) رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقوسِ يُعمَلُ لِيُضرَبَ للنَّاسِ به (^٧) لجَمْعِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٦)، وابن ماجه (٧٢٧)، وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف جدًّا. ينظر: الضعيفة للألباني (٨٥٠).
(٢) في (و): الإمامة.
(٣) في (و): الإقامة.
(٤) في (و): وإن لم.
(٥) من قوله: (مع أنه ورد أن النبي ﷺ إلى هنا سقط من (أ) و(ب). والحديث أخرجه الترمذي (٤١١)، من طريق عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، وعمرو ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: (لا يُعرف حاله)، قال ابن حجر في التقريب: (مستور)، وأبوه مجهول قاله ابن القطان وابن حجر، قال الترمذي: (هذا حديث غريب)، وصحح إسناده الإشبيلي، وحسن النووي إسناده، وضعفه البيهقي وابن القطان والألباني. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥٢٢، السلسلة الضعيفة (٦٤٣٤).
(٦) في (أ): أمرنا رسول الله.
(٧) في (و): به الناس.
[ ١ / ٤٦٠ ]
الصَّلاة؛ طافَ بي - وأنا نائمٌ - رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يدِهِ، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ! أتبيعُ النَّاقوسَ؟ فقالَ: وما تصنَعُ به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصَّلاة، قالَ (^١): أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ مِنْ ذلك؟ فقلتُ: بلى، قال: فقالَ: تقولُ: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، اللهُ أكبر اللهُ أكبر (^٢)، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاحِ، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله، قال (^٣): ثمَّ استأخرَ عنِّي غيرَ بعيدٍ، ثمَّ قالَ: تقولُ إذا قمتَ إلى الصَّلاة: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاحِ، قد قامتِ الصَّلاة، قد قامتِ الصَّلاة، اللهُ أكبر الله أكبر (^٤)، لا إلهَ إلَّا الله (^٥)، فلمَّا أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرتُهُ بما رأيتُ، فقالَ: «إنَّها لرُؤيا حقٍّ إن شاءَ اللهُ، فقمْ مع بلال فألقِ عليه ما رأيتَ، فليؤذِّنْ به، فإنَّه أندى صوتًا منك»، فقمتُ مع بلال فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذِّنُ به، قال: فسمعَ ذلك (^٦) عمرُ بن الخطَّابِ وهو في بيتِهِ، فخرجَ يجرُّ رداءَهُ يقول: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولَ الله، لقد رأيتُ مثلَ الَّذي رأى، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «فللَّهِ (^٧) الحمدُ» رواه أحمد وأبو داود ولفظه له، وابن ماجه، والتِّرمذيُّ بعضَه وصحَّحه، ومَدارُ هذا الحديث عندهم على ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتَّحديث فقال: حدَّثني محمَّد بن إبراهيم
_________________
(١) في (أ): فقال.
(٢) في (أ) ذكر التكبير مرتين فقط.
(٣) قوله: (قال) سقط من (أ).
(٤) في (أ): ذكر التكبير مرة واحدة.
(٥) قوله: (ثم استأخر عني غير بعيد) إلى هنا سقط من (و). ومن هنا سقط من النسخة (د).
(٦) في (و): بذلك.
(٧) في (و): ففيه.
[ ١ / ٤٦١ ]
التَّيمي (^١)، عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه فذكره، قال (^٢) التِّرمذي: سألت البخاري عن هذا فقال: (هو عندي حديث صحيح) (^٣).
(لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ)، وفي «الفروع»: (والجمعةِ)، ولا يُحتاج إليه؛ لدخولها في الخمس، (دُونَ غَيْرِهَا) من فائتةٍ ومنذورة. وقيل: بلى.
والفرق ظاهر بين المفروضات وغيرها؛ لأنَّ المقصود منه الإعلام بوقت الصَّلاة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها، وكذا عيد وكسوف واستسقاء، بل يُنادَى لذلك، وألحق القاضي بذلك التَّراويح، والمنصوص: أنَّه لا ينادى لها (^٤)؛ كالجنازة على المعروف.
فرعٌ: يسن (^٥) أذان في أُذن مولود حين يولد، وفي «الرِّعاية» وغيرها: ويُقيم في اليسرى.
(لِلرِّجَالِ) بشرط الإسلام والعقل، وأمَّا العدالة فستأتي (^٦).
(دُونَ النِّسَاءِ)؛ لما روي عن أسماءَ بنتِ يزيدَ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامةٌ» رواه النجاد (^٧)،
_________________
(١) في (أ): التميمي.
(٢) في (أ): فقال.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٤٧٧)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، وابن خزيمة (٣٧١)، وابن حبان (١٦٧٩)، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وتصريح ابن إسحاق بالسماع جاء في روايةٍ لأحمد (١٦٤٧٨)، وعند أبي داود وغيرهما، والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان، ونقل البيهقي سؤال الترمذي للبخاري في السنن الكبرى. ينظر: السنن الكبرى (١٨٣٧).
(٤) من رواية أبي طالب. ينظر: الفروع ٢/ ١١.
(٥) قوله: (يسنُّ) سقط من (أ).
(٦) في (و): فسيأتي.
(٧) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٢١)، وفي سنده الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو كذَّاب، يروي أحاديث موضوعة، قاله أحمد وغيره من الأئمة، وذكر ابن الجوزي أنه لم يقف عليه مرفوعًا، وأنه روي عن جماعة من التابعين منهم: الحسن وإبراهيم والشعبي وغيرهم. ينظر: التحقيق ١/ ٣١٣، ميزان الاعتدال ١/ ٥٧٢، نصب الراية ٢/ ٣٢. وجاء في هامش (و): (رواه ابن عدي والبيهقي أيضًا، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي وهو ضعيف، قال ابن الجوزي: لا يعرف مرفوعًا انتهى).
[ ١ / ٤٦٢ ]
ورُوي عن عمر (^١) وأنس (^٢)، ولا نعلم عن غيرهم خلافه، لأنَّ الأذان يُشرع له رفع الصَّوت، ولا يُشرع لها، وكذا الإقامة؛ لأنَّ من لا يُشرع له الأذان لا تُشرع له الإقامة؛ كالمسبوق.
وعنه: يسنُّ لهنَّ؛ لفعل عائشة: «أنَّها كانتْ تؤذِّنُ وتقيمُ» رواه ابن المنذر (^٣).
وعنه: مع خفض الصَّوت.
والخنثى كامرأةٍ.
(وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) على المذهب؛ لقول رسول الله ﷺ: «إذا حضرَتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لكم أحدُكُمْ، وليؤمَّكُمْ أكبرُكُمْ» متفق عليه (^٤)، والأمر
_________________
(١) هكذا في النسخ الخطية، والذي في المغني والشرح الكبير وشرح العمدة: (ابن عمر)، ولعله الصواب. أخرجه عبد الرزاق (٥٠٢٢)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٢٢٣)، وابن وهب في الجامع (٤٧٨)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٩٢٠)، عن ابن عمر ﵄ قال: «ليس على النساء أذان ولا إقامة»، وفيه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، وقد صحح إسناده ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ٤٢٠، وابن حجر في التلخيص ١/ ٥٢١.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣١٧)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٢٢١)، عن سليمان التيمي قال: كنا نسأل أنسًا، هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: «لا، وإن فعلن فهو ذكر»، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١٢١٨)، وأخرجه عبد الرزاق (٥٠١٦)، وابن أبي شيبة (٢٣٢٣)، والحاكم (٧٣١)، والبيهقي في الكبرى (١٩٢٢)، من طرق عن عائشة: «أنها كانت تؤذن وتقيم»، ومداره على ليث بن سليم، وهو ضعيف.
(٤) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
[ ١ / ٤٦٣ ]
يقتضي الوجوب، وعن أبي الدرداء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما مِنْ ثلاثةٍ لا يؤذَّن (^١) ولا تُقامُ (^٢) فيهم الصَّلاةُ إلَّا استحوذَ عليهم الشَّيطانُ» رواه أحمد والطبراني (^٣)، ولأنَّهما من شعائر الإسلام الظَّاهرة، فكان واجبًا كالجهاد.
فعلى هذا (^٤)؛ تجب على جماعة الرِّجال.
وعنه: على كلِّ رجلٍ عاقِلٍ يريد الصَّلاة وحده، قدَّمه في «الرِّعاية».
حضَرًا. وعنه: وسفرًا، وهو أظهر؛ لأنَّه ﵇ كان يُؤذَّنُ له ويُقام فيهما (^٥).
وحكى القاضي عن أبي بكر: أنَّهما فرض كفاية على أهل المصر، سُنَّتان على المسافرين، اختاره المجْد وكثير من أصحابنا، وهو مفهوم كلام أحمد على ما ذكره ابن هبيرة.
وقال السَّامَرِّيُّ: الصحيح أنه (^٦) لا فرق بين المصر والقُرى، ولا بين الحاضرين والمسافرين، والواحد والجماعة، سواء قلنا: هما واجبان أو مسنونان.
وعنه: هما سنَّة، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه دعاء إلى الصَّلاة، أشبه قوله: الصَّلاة جامعة.
وفي «الرَّوضة»: هو فرض، وهي سنَّة.
_________________
(١) قوله: (ثلاثة لا يؤذن) هو في (ب): جماعة لا يؤذن.
(٢) في (و): يقام.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٧١٠)، وأبو داود (٥٤٧)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، وابن حبان (٢١٠)، وصححه النووي وابن الملقن، وحسنه الألباني، ولم نقف عليه عند الطبراني. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٧٧، البدر المنير ٤/ ٣٨٦، صحيح أبي داود ٣/ ٥٨.
(٤) قوله: (كالجهاد فعلى هذا) هو في (و): كالظهار وفعل هذا.
(٥) وهو أمر متواتر مشهور، ومنه في البخاري (٥٩٥)، (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧).
(٦) قوله: (الصحيح أنه) سقط من (أ) و(ب).
[ ١ / ٤٦٤ ]
فعلى المذهب، وقيل: وعلى (^١) أنَّهما سنَّة: (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا (^٢)؛ قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ)؛ لأنَّهما من أعلام الدِّين الظَّاهرة، فقوتلوا على الترك؛ كصلاة العيد.
والمراد بالإمام: الخليفة ومن يجري مجراه كنائبه.
ومقتضاه: أنَّه إذا قام بهما من يحصل به (^٣) الإعلام غالبًا؛ أجزأ عن الكلِّ وإن كان واحدًا، نَصَّ عليه (^٤)، وأطلقه جماعة، وقيَّده بعضهم بالبلد الصَّغير أو المحلَّة الكبيرة إذا كان يُسمِعُهم جميعَهم؛ لأنَّ الغرض إسماعهم.
وفي «المستوعب»: متى أذَّن واحد (^٥)؛ سقط عمَّن صلَّى معه مطلقًا خاصَّةً.
وقيل: يستحبُّ اثنان، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ في الفجر فقط؛ كبِلال وابن أمِّ مكتوم، ولا تستحبُّ الزِّيادة عليهما. وقال القاضي: على أربعة؛ لفعل (^٦) عثمان (^٧)، إلَّا من حاجة.
والأَولى أن يؤذِّن واحدٌ بعد واحد، ويقيم من أذَّن أوَّلًا.
وإن لم يحصل الإعلام بواحد زِيد بقدر الحاجة، كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدهم، والمراد بلا حاجة، فإن تشاحُّوا أُقرع).
_________________
(١) قوله: (وعلى) سقط من (و).
(٢) في (و): تركها.
(٣) قوله: (به) سقط من (أ).
(٤) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٤٢.
(٥) في (و): واحد أذن.
(٦) في (و): كفعل.
(٧) قال الحافظ في التلخيص ١/ ٥٢٢: (هذا الأثر ذكره جماعة من فقهاء أصحابنا؛ منهم صاحب المهذب، وبيَّض له المنذري والنووي، ولا يعرف له أصل)، وبنحوه قال ابن الملقن، وأشار إليه البيهقي. ينظر: معرفة السنن ٢/ ٢٦٩، البدر المنير ٣/ ٤٢٤.
[ ١ / ٤٦٥ ]
وعُلِم منه: أنَّ الصَّلاة تصحُّ بدونهما؛ «لأنَّ ابن مسعود صلَّى بعلقمة والأسود بلا أذان ولا إقامة»، واحتجَّ به أحمد (^١)، لكن يُكره، ذكره الخِرَقِيُّ وغيره.
وذكر جماعة: إلَّا بمسجد قد صُلِّي فيه، ونصُّه: أو (^٢) اقتصر مسافر ومنفرد على الإقامة (^٣).
وهما أفضل لكلِّ مصلٍّ إلَّا لكلِّ واحد ممَّن في المسجد؛ فلا يُشرع، بل حصل (^٤) لهم الفضيلة؛ كقراءة الإمام للمأموم.
وهل صلاة من أذَّن لصلاته بنفسه أفضل؛ لأنَّه وُجد منه فضلٌ يختصُّ الصَّلاة، أم يحتمل أنَّها (^٥) وصلاة من أُذِّن له سواء؛ لحصول سنَّة الأذان؟ ذكر القاضي أنَّ أحمد توقَّف، نقله الأثرم (^٦).
(وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعثمان بن أبي (^٧) العاص: «واتَّخِذْ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجْرًا» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وحسَّنه، وقال: (العمل على هذا عند أهل العلم)، وقال: (وكرهوا أن يأخذ على أذانه أجرًا) (^٨)، ولأنَّه يقع قُرْبةً لفاعله أشبه الإمامة.
_________________
(١) ينظر: مسائل حرب ١/ ٤٨٦. والأثر: أخرجه مسلم (٥٣٤)، عن الأسود وعلقمة قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: «أصلى هؤلاء خلفكم؟»، فقلنا: لا، قال: «فقوموا فصلوا»، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. الحديث.
(٢) في (و): إذا.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٠٤، مختصر ابن تميم ٢/ ٤١.
(٤) في (أ) و(و): جعل. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ٧.
(٥) في (أ): أنهما.
(٦) ينظر: الفروع ٢/ ٧.
(٧) قوله: (أبي) سقط من (أ).
(٨) أخرجه أحمد (١٦٢٧٠)، وأبو داود (٥٣١)، والترمذي (٢٠٩)، وابن خزيمة (٤٢٣)، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده جيد)، وصححه الألباني، وأصله في مسلم (٤٦٨)، من غير ذكر زيادة اتخاذ المؤذن. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ١٨٣، الإرواء ٥/ ٣١٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
والثانية: يجوز؛ لأنَّ فعله معلوم يجوز أخذ الرِّزق عليه، فجاز أخذ الأجرة؛ كسائر الأعمال.
والأولى أصحُّ، وخطَّأ ابن حامد من أجازه؛ لأنَّه قياس مع وجود النَّصِّ.
والإقامة كالأذان معنى وحكمًا.
(فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ (^١)؛ رَزَقَ (^٢) الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا)؛ لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرِّزق عليه، قاله في «المغني» و«الشَّرح»؛ لأنَّ بالمسلمين حاجة إليه، ونُقل عنه المنع، لكن قال في «الرِّعاية»: هو (^٣) ضعيف.
وعلى ما ذكره: يرزقه (^٤) الإمام من الفيء؛ لأنَّه المُعَدُّ للمصالح، فهو كأرزاق القُضاة والغُزاة.
وروى ابن المنذر عن الشافعي: أنَّه من خمُس الخمُس سهم النَّبيِّ ﷺ (^٥).
وظاهره: أنَّه إذا وُجد متطوِّعٌ به؛ لم يُعطَ غيره منه؛ لعدم الحاجة إليه.
(وَيَنْبَغِي)؛ أي (^٦): ويستحب (أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا)؛ أي: رفيع الصوت؛ لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد: «قُمْ مع بلال فألقِهِ عليه؛ فإنَّه أندى صوتًا منك» (^٧)، واختار أبا مَحذورة للأذان لكونه صيِّتًا، ولأنَّه أبلغ في الإعلام.
_________________
(١) زاد في (و): (بهما).
(٢) قوله: (رَزَقَ) هو في (أ): بِطرق.
(٣) في (و): وهو.
(٤) في (و): رزقه.
(٥) ينظر: الأوسط ٣/ ٦٣.
(٦) في (أ): أن.
(٧) هو جزء من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في صفة بدء الأذان، وسبق تخريجه ١/ ٤٦٢ حاشية (٣).
[ ١ / ٤٦٧ ]
زاد في «المغني» وغيره: وأن يكون حسن الصَّوت؛ لأنَّه أرقُّ لسامعه.
(أَمِينًا)؛ أي: عدلًا؛ لما روى أبو محذورة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أمناءُ النَّاسِ على صلاتِهم وسُحورهم المؤذِّنون» رواه البيهقي (^١)، وفيه يحيى بن عبد الحميد (^٢)، وفيه كلام (^٣)، ولأنَّه مؤتمن يُرجع إليه في الصَّلاة وغيرها، ولا يؤمن (^٤) أن يغرَّهم بأذانه إذا لم يكن كذلك، ولأنِّه يؤذِّن على موضع عال، ولا يؤمن منه النَّظر إلى العورات.
(عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ)؛ ليتحرَّاها فيؤذِّنَ في أوَّلها، وإذا لم يكن عالِمًا بها؛ لا يؤمن منه الخطأ.
واشترطه أبو المعالي؛ كالذُّكورية والعقل والإسلام.
ويستحب أن يكون بصيرًا، قاله في «المغني» و«الشَّرح»؛ لأنَّ الأعمى لا يعرف الوقت، فربَّما غلِط.
_________________
(١) كتب في هامش (و): (قلت: وله شاهد عند ابن ماجه من حديث ابن عمر: «خصلتان متعلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين، صلواتهم وصيامهم» وفي إسناده مروان بن سالم وهو ضعيف).
(٢) كتب في هامش (و): (قال ابن عدي في يحيى: لم أر في مسنده حديثًا منكرًا).
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٩٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٧٤٣)، وفي سنده يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال ابن حجر: (حافظ إلا أنه اتهموه بسرقة الحديث)، والجمهور على تضعيف حديثه، وأخرجه ابن ماجه (٧١٢)، من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا بلفظ: «خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين، صلاتهم وصيامهم»، وفيه مروان بن سالم الشامي الجزري، قال في التقريب: (متروك، ورماه الساجي وغيره بالوضع)، وأخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٣٣)، وابن خزيمة (١٥٣١)، من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ وله علة، وحسَّن الحديث الألباني. ينظر: علل الدارقطني ٨/ ٢٥١، التلخيص الحبير ١/ ٤٦٧، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٤٣، الإرواء ١/ ٢٣٩. أخرجه البيهقي في الكبرى (١٩٩٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٧٤٣)، وفي سنده يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال ابن حجر: (حافظ إلا أنه اتهموه بسرقة الحديث)، والجمهور على تضعيف حديثه، وأخرجه ابن ماجه (٧١٢)، من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا بلفظ: «خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين، صلاتهم وصيامهم»، وفيه مروان بن سالم الشامي الجزري، قال في التقريب: (متروك، ورماه الساجي وغيره بالوضع)، وأخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٣٣)، وابن خزيمة (١٥٣١)، من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ وله علة، وحسَّن الحديث الألباني. ينظر: علل الدارقطني ٨/ ٢٥١، التلخيص الحبير ١/ ٤٦٧، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٤٣، الإرواء ١/ ٢٣٩.
(٤) قوله: (ولا يؤمن) سقط من (أ).
[ ١ / ٤٦٨ ]
وكره ابن مسعود وابن الزُّبير أذانه (^١)، وكره ابن عباس إقامته (^٢).
قال ابن تميم: (فإن كان له من يعرِّفه الوقت لم يُكره، نَصَّ عليه (^٣)؛ لفعل ابن أم مكتوم (^٤).
وتستحَبُّ حرِّيَّته، حكاه ابن هُبَيرة اتِّفاقًا، وظاهر كلام جماعة: لا فرق، قال أبو المعالي: ويستأذن سيِّده.
(فَإِنْ تَشَاحَّ) - تفاعُلٌ من الشُّح، وهو البخل مع حِرص- (فِيهِ اثْنَانِ) لا يريدان أن يفوتهما؛ (قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ)؛ أي: في الخصال المذكورة؛ لأنَّه ﵇ قدَّم بِلالًا على عبد الله لكونه أندى صوتًا منه (^٥)، وقِسْنا بقيةَ الخِصال عليه (^٦).
_________________
(١) أثر ابن مسعود ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٨١٨)، وابن أبي شيبة (٢٢٥٢)، والطبراني في الكبير (٩٢٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (١٢٠٢)، عن ابن مسعود أنه قال: «ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم، - حسبته قال: ولا قراءكم -»، وإسناده صحيح، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢: (رجاله ثقات). وأثر ابن الزبير ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٥٤)، والدولابي في الكنى (١٢٧٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٢٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٠٥)، من طريق أبي عروبة: «أن ابن الزبير، كان يكره أن يؤذن المؤذن وهو أعمى». وأبو عروبة، هو والد سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران، ولم نقف على من وثقه غير ابن حبان في الثقات ٥/ ٤٤٢، ولم يرو عنه فيما نعلم إلا مالك بن دينار، فهو مجهول، ثم إن في سماعه من ابن الزبير شكًّا، قال عباس الدوري كما في الكنى للدولابي: (قلت ليحيى: سمع أبو عروبة من ابن الزبير؟ قال: لا أدري).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٥٣)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٢٠١)، عن ابن عباس ﵄: «أنه كره إقامة الأعمى»، ورواه ابن معين في تاريخه برواية ابن محرز (٢/ ٥٧)، بلفظ: «أن ابن عباس كره أن يكون المؤذن أعمى»، وإسناده صحيح.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٨.
(٤) أخرجه البخاري (٦١٧)، من حديث ابن عمر ﵄، وفيه: «وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت».
(٥) سبق تخريجه ١/ ٤٦٢ حاشية (٣).
(٦) قوله: (عليه) سقط من (أ).
[ ١ / ٤٦٩ ]
فإن استَوَوْا فيها فقال: (ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ)؛ لما روى ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليؤذِّنْ لكم خيارُكم، وليؤمَّكم قرَّاؤُكم» رواه أبو داود وغيره (^١)، ولأنَّه إذا قُدِّم بالأفضلية في الصَّوت؛ ففي الأفضلية في (^٢) ذلك بطريق الأَوْلى، ولأنَّ مراعاتهما أولى من مراعاة الصَّوت؛ لأنَّ الضَّرر بفَقدهما أشدُّ.
(ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ)، كذا في «الفروع» و«الشَّرح»؛ لأنَّ الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنَّهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعفُّ عن النَّظر، وحكم أكثرهم كالكلِّ، وذكر في «الكافي» هذا روايةً.
(فَإِنِ اسْتَوَيَا (^٣) أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لقول رسول الله ﷺ: «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأوَّل، ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا» متفق عليه (^٤)، وتَشاحَّ الناسُ في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد (^٥)؛ لأنَّها
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٩٠)، وابن ماجه (٧٢٦)، وفي سنده الحسين بن عيسى الحنفي، وهو ضعيف وحديثه منكر، قاله البخاري. ينظر: تهذيب الكمال ٦/ ٤٦٣.
(٢) في (أ): من.
(٣) في (أ): استووا.
(٤) أخرجه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه عبد الله بن أحمد وإسماعيل بن سعيد عن أحمد، كما في فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، وسعيد بن منصور كما في الفتح لابن حجر (٢/ ٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٠١٣)، من طرق عن هشيم، ثنا ابن شبرمة. وعلقه البخاري بصيغة التمريض (١/ ١٢٦)، قال الحافظ في تغليق التعليق ٢/ ٢٦٦: (وهذا منقطع، ولذلك مرَّضه)، وبنحوه قال ابن رجب، وذلك أن ابن شبرمة لم يدرك القادسية. قال الحافظ في الفتح: (وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح، والطبري من طريقه)، ذكره الطبري في تاريخه (٣/ ٥٦٦)، عن سيف، عن شبرمة، عن شقيق. قال الذهبي في المغني ١/ ٢٩٢، عن سيف: (متروك باتفاق). وقد احتج به الإمام أحمد في رواية أبي داود وعبد الله وإسماعيل بن سعيد وأبي طالب، وعمل بمقتضاه. ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٣، الطرق الحكمية ص ٢٧١، فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٧٦.
[ ١ / ٤٧٠ ]
تزيل الإبهام، وتجعل (^١) من خرجت له كالمستحِقِّ المتعيِّنِ.
وعنه: تُقدَّم القرعة على من يختاره الجيران، نقله الجماعة (^٢)، وقدَّمها في «الكافي» و«التَّلخيص» و«البلغة».
وقيل: يُقدَّم الأَدْيَن (^٣) الأفضل فيه، ثمَّ القرعة، جزم به في «الوجيز».
وذكر القاضي والسَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»: أنَّهما مع الاستواء يُقدَّم من له مزيَّة في عمارة المسجد، أو التقدُّم بالأذان فيه.
وفي «الرِّعاية»: يُقدَّم من له التَّقديم، ثمَّ الأعقل، ثمَّ الأدين، ثمَّ الأفضل فيه، ثمَّ الأخبر بالوقت، ثمَّ الأعمر للمسجد المراعِي له، ثمَّ الأقدم تأذينًا فيه، وقيل: أو أبوه، ثمَّ من قرع مع التَّساوي، وعنه: بل من رضيه الجيران.
(وَالْأَذَانُ) المختارُ: (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ (^٤)، وَالْإِقَامَةُ: إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً)، هذا هو المشهور؛ لحديث عبد الله بن زيد، وكان بلال يؤذِّن كذلك، ويقيم حضرًا وسفرًا مع النبي ﷺ إلى أن مات (^٥)، وعليه عمل أهل المدينة، قال أحمد: (هو آخر (^٦) الأمرين وكان بالمدينة، قيل له: إنَّ أبا محذورة بعد حديث عبد الله؛ لأنَّ حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، فقال: أليس قد رجع النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة وأقرَّ بِلالًا على أذان عبد الله؟!) (^٧).
_________________
(١) في (أ): ويجعل.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١١٤.
(٣) في (و): الأدفن.
(٤) في (و): فيها.
(٥) سبق تخريجه ١/ ٤٦٢ حاشية (٣).
(٦) في (أ): أخير.
(٧) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٤٠، زاد المسافر ٢/ ٩٧.
[ ١ / ٤٧١ ]
ويعضُده: حديث أنس قال: «أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» متفق عليه، زاد البخاري: «إلَّا الإقامة» (^١)، وحديث ابن عمر قال: «إنَّما كان الأذانُ على عهد رسول الله ﷺ مرَّتين مرَّتين (^٢)، والإقامة مرَّةً مرَّةً، غير أنَّه يقول: قد قامت الصَّلاة، قد قامت الصَّلاة» رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة، وصححه (^٣).
فائدة: قوله: (الله أكبر)؛ أي: من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير.
وقوله: (أشهد)؛ أي: أعلم.
وقوله: (حيَّ على الصَّلاة)؛ أي: أقبلوا إليها، وقيل: أسرعوا.
و(الفلاح): الفوز والبقاء؛ لأنَّ المصلِّي يدخل الجنَّة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد، وقيل: هو الرُّشْد والخير، وطالبهما مُفلِحٌ؛ لأنَّه يصير إلى الفلاح، ومعناه: هلمُّوا إلى سبب ذلك.
وختم ب (لا إله إلا الله) ليختِم بالتوحيد وباسم الله تعالى كما بدأ به، وشُرعت المرَّة؛ إشارة إلى وحدانية المعبود سبحانه.
(فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ؛ فَلَا بَأْسَ)؛ أي: هو جائزٌ، نَصَّ عليه في رواية حنبل، فقال: (أذان أبي محذورة أعجب إليَّ، وعليه عمل أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٥)، ومسلم (٣٧٨).
(٢) قوله: (مرتين) سقطت من (أ) و(ب).
(٣) أخرجه أحمد (٥٥٦٩)، وأبو داود (٥١٠)، والنسائي (٦٢٨)، وابن خزيمة (٣٧٤)، والحاكم (٧٠٩)، وصححه، وقال النووي: (إسناده صحيح أو حسن)، وصححه ابن الملقن، وحسنه الألباني، وإنما نزل الحديث عن رتبة الصحيح؛ لأن في سنده محمد بن إبراهيم بن مسلم بن المثنى وقد تُكُلِّم فيه، وقال الذهبي: (صدوق لينه ابن مهدي)، وقال ابن حجر في التقريب: (صدوق يخطئ). ينظر: الخلاصة ١/ ٢٨٢، المغني في الضعفاء ٢/ ٦٣٣، البدر المنير ٣/ ٣٢٨، صحيح أبي داود ٢/ ٤٣٧.
[ ١ / ٤٧٢ ]
مكة إلى اليوم) (^١)، وهو مُرَجَّع (^٢)، فيعيد الشَّهادتين - بعد ذكرهما خفضًا - بصوت أرفع من الصوت الأول، وعن أبي محذورة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه الأذان تِسعَ عشرةَ كلمةً، والإقامةَ سبعَ عشرةَ كلمةً» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذي وابن خزيمة وابن حبان (^٣).
والحكمة: أن يأتي بهما بتدبُّرٍ وإخلاص؛ لكونهما المنجيتَين من الكفر المدخلتَين في الإسلام، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه رجع إلى الرَّفع بعد أن (^٤) تركه، أو إلى (^٥) الشَّهادتين بعد ذكرهما.
والمراد بالخفض: أن يُسمِع (^٦) من بقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفًا والمسجد متوسِّط الخِطِّ (^٧).
والتَّرجيع: اسم للمجموع من السِّرِّ والعلانية.
وعنه: لا يعتبر التَّرجيع فيه، وأجاب في «الشَّرح»: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أمر
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ٩.
(٢) في (أ): يرجع.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٣٨١)، وأبو داود (٥٠٢)، والترمذي (١٩٢)، وابن خزيمة (٣٧٧)، وابن حبان (١٦٨١)، وصححه النووي، وابن الملقن، وأصله في مسلم (٣٧٩) من غير ذكر التكبير في أوله أربعًا، وإنما يكون الأذان تسع عشرة كلمة إذا كان التكبير في أوله أربعًا، وحقَّق ابن القطان أنه في بعض روايات مسلم بذكر تربيع التكبير في أوله. ينظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ٦٠٢، الخلاصة ١/ ٢٨٣، البدر المنير ٣/ ٣٤٨، صحيح أبي داود ٢/ ٤١٥.
(٤) قوله: (الرفع بعد أن) هو في (و): الرفع بعد أمن.
(٥) في (و): وإلى.
(٦) في (و): أسمع.
(٧) قال في المصباح المنير ١/ ١٧٣: (الخطة: بالكسر أرض يختطها الرجل لم تكن لأحد قبله، وحذف الهاء لغة فيها). وقال الرملي في نهاية المحتاج ١/ ٤٠٩: (والمراد بالإسرار بهما: أن يُسمِع من بقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفًا عليهم والمسجد متوسط الخطة).
[ ١ / ٤٧٣ ]
أبا محذورة بذكر الشَّهادتين سرًّا؛ ليحصل له (^١) الإخلاص بهما؛ فإنَّه (^٢) في الإسرار أبلغ، وخصَّ أبا محذورة بذلك؛ لأنَّه لم يكن مُقِرًّا بهما حينئذٍ؛ فإنَّ (^٣) في الخبر: أنَّه كان مستهزئًا يحكي أذان مؤذِّن النَّبيِّ ﷺ، فسمعه، فدعاه فأمره بالأذان (^٤)، وقصد نطقه بهما ليُسلم بذلك، وهذا لا يوجد في غيره، بدليل أنَّه لم يأمر به بلالًا ولا غيره ممَّن هو ثابتُ الإسلام).
ويعضُده: أنَّ خبر أبي محذورة متروكٌ بالإجماع؛ لعدم عمل ش (^٥) به في الإقامة، هـ (^٦) في الأذان.
وعنه: هما سواءٌ، وقاله إسحاق؛ لصحَّة الرِّواية بهما.
وأمَّا تثنية (^٧) الإقامة فهي كالأذان؛ لأنَّ في حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه أقام مثل أذانه» رواه أبو داود (^٨)،
_________________
(١) قوله: (له) سقط من (و).
(٢) في (أ): لأنه.
(٣) زيد في (و): له.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٧٩)، ومن طريقه أحمد (١٥٣٧٦)، وأبو داود (٥٠١)، والطبراني (٦٧٣٤)، والدارقطني (٩٠٤)، ولفظه عندهم عدا أبا داود: «خرجت في عشرة فتيان مع النبي ﷺ إلى حُنين وهو أبغض الناس إلينا، فأذنوا وقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال النبي ﷺ: «ائتوني بهؤلاء الفتيان؟» فقال: «أَذِّنوا»، فأذنوا وكنت آخرهم، فقال النبي ﷺ: «نعم، هذا الذي سمعت صوته، اذهب فأذِّن لأهل مكة» الحديث، وفي سنده: عثمان بن السائب، ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال ابن القطان: (لا يعرف)، وقال ابن حجر: (مقبول)، وهو يروي عن أبيه السائب مولى أبي محذورة، قال ابن حجر عنه في التقريب: (مقبول)، ويرويه أيضًا عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، وهي كذلك غير معلومة الحال، ولكن أصل الحديث ثابت من وجوهٍ أخرى. ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ١١٧، صحيح أبي داود ٢/ ٤١٣.
(٥) ينظر: الحاوي ٢/ ٤٠، المهذب ١/ ١١.
(٦) ينظر: المبسوط ١/ ١٢٨، بدائع الصنائع ١/ ١٤٧.
(٧) في (و): بقية.
(٨) أخرجه أحمد (٢٢٠٢٧)، وأبو داود (٥٠٦، ٥٠٧)، والدارقطني (٩٣٦)، من طرق عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁، وفيه: «فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة»، ولفظ أحمد: «فأذن مثنى مثنى، ثم جلس، ثم أقام، فقال: مثنى مثنى»، ووقع اختلاف في طرق هذا الحديث، فرُوي بهذا الوجه، وروي من طريق ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، كما عند الترمذي (١٩٤)، ومن أوجهٍ أخرى ساقها ابن خزيمة وحكم عليها بالاضطراب (٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢)، وأعله الترمذي وابن خزيمة والبيهقي بالانقطاع؛ لأن ابن أبي ليلى لم يدرك عبد الله بن زيد، ولا معاذًا، وكذا قال الدارقطني، ورجح إرساله. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٦١٨، التلخيص الحبير ٢/ ٤١.
[ ١ / ٤٧٤ ]
ولا تكره (^١) تثنيتها.
(وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ) بعد الحَيعلتَين: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ (^٢)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لأبي محذورة: «فإذا كان أذانُ الفجر فقل: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتينِ» رواه أحمد وأبو داود (^٣)، وفي (^٤) رواية: «أنَّ بلالًا جاء ذات يومٍ فأراد أن يدعو رسول الله ﷺ، فقيل له: إنَّه نائِمٌ، قال: فصرخ بأعلى صوته: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتين» (^٥)، قال ابن المسيَّب: فأُدخلت هذه الكلمة في التَّأذين إلى صلاة الفجر.
وقيل: يجب، وجزم به (^٦) في «الرَّوضة».
ويسمَّى هذا التَّثويب؛ لأنَّه مِنْ ثاب - بالمثلَّثة - إذا رجَع؛ لأنَّ المؤذِّن دعا إلى الصَّلاة بالحيعلتين، ثمَّ عاد إليها، وقيل: سمِّي به لما فيه من الدعاء.
وظاهره: أنَّه يقوله ولو أذَّن قبل الفجر، وأنَّه يكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة؛ لقول بلالٍ: «أمرني رسول الله ﷺ أن أثوِّبَ في الفجر،
_________________
(١) في (و): يكره.
(٢) قوله: (مرتين) سقط من (و).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٣٧٦)، وأبو داود (٥٠٠)، وانظر ما سبق في تخريجه ١/ ٤٧٤ حاشية (٤).
(٤) في (ب) و(و): في.
(٥) سبق تخريجه ١/ ٤٦٢ حاشية (٣)، وهو جزء من حديث عبد الله بن زيد في صفة بدء الأذان.
(٦) قوله: (به) سقط من (و).
[ ١ / ٤٧٥ ]
ونهاني أن أثوِّبَ في العشاء» رواه أحمد وغيره (^١)، واختصَّت بذلك لأنَّه وقتٌ ينام النَّاس فيه غالبًا، فشُرع ذلك للحاجة.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ)؛ أي: يتمهَّل ويتأنَّى، من قولهم: جاء فلان على رِسْله، (فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرَ)؛ أي: يُسْرِع (الْإِقَامَةَ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبلال: «يا بلال! إذا أذَّنتَ فترسَّلْ، وإذا أقمتَ فاحدُر» رواه التِّرمذي، وقال: (لا نعرفه إلَّا من حديث عبد المنعم صاحب السِّقاء، وهو إسناد مجهول)، ورواه الحاكم في «مستدركه» (^٢)، وعن عمرَ معناه، رواه أبو عبيد (^٣)، ولأنَّه إعلام الغائبين، فالتَّثبُّت فيه أبلغ، والإقامة إعلام الحاضرين، فلا حاجة إليه فيها.
ويسنُّ أذانُه أوَّل الوقت، وأن يقف على كلِّ جملة، قال جماعة: هما مجزومان، وحكي عن أهل اللغة، قال إبراهيم النَّخَعي: (شيْئان مجزومان كانوا لا يُعربونهما: الأذانُ والإقامةُ) (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٣٩١٤)، والترمذي (١٩٨)، وابن ماجه (٧١٥)، من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال ﵁، وفي سنده أبو إسماعيل الملائي، قال ابن حجر: (هو ضعيف)، وهو أيضًا منقطع بين ابن أبي ليلى وبلال، وقال ابن السكن: (لا يصح إسناده)، وقد ثبت التثويب في أذان الفجر من طرق أخرى. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥٠٢.
(٢) أخرجه الترمذي (١٩٥)، والحاكم (٧٣٢)، وفي سنده عبد المنعم بن نعيم الأسواري وهو متروك، وضعَّف الحديث الترمذي والحاكم والبيهقي. ينظر: السنن الكبرى (٢٠٠٨)، الإرواء ١/ ٢٤٦.
(٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ١٤٥)، وأخرجه أبو نعيم في الصلاة (٢٢٨)، وابن أبي شيبة (٢٢٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٢١٤)، والدارقطني (٩١٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٠١٠)، عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس: جاءنا عمر بن الخطاب، فقال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم»، وفي لفظ: «فاحدر»، وفيه عبد العزيز العطار وهو مجهول الحال، وقد حسن إسناده الحافظ في نتائج الأفكار ١/ ٣٣٣، وأشار الألباني إلى تضعيفه في الإرواء ١/ ٢٤٦.
(٤) ينظر: المغني ١/ ٢٩٦.
[ ١ / ٤٧٦ ]
(وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا)؛ لما روى أبو قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبلالٍ: «قم فأذِّن» (^١)، وكان مؤذِّنوه ﵇ يؤذِّنون قيامًا، قال ابن المنذر: (أجمع كلُّ من نحفظ عنه أنَّه من السُّنَّة) (^٢)؛ لأنَّه أبلغ في الاستماع.
وظاهره: أنَّه إذا أذَّن قاعدًا أنَّه يصحُّ لكن مع الكراهة، صرَّح به في «الشَّرح» وغيره؛ كالخُطبة قاعدًا.
وعنه: لا يعجبني، وبعَّده ابن حامد.
فإن كان لعذر؛ جاز.
ولم يذكروا الاضطجاع، ويتوجَّه (^٣) الجوازُ، لكن يكره لمخالفة السُّنَّة.
والماشي كالراكب، وظاهره: الكراهة، وهو رواية. وعنه: لا (^٤). وعنه: يكره حضَرًا.
وقال ابن حامد: إن أذَّن قاعدًا أو مشى فيه كثيرًا بطل، وهو رواية (^٥) في الثانية.
وأمَّا الإقامة؛ فتكره ماشيًا أو راكبًا، نَصَّ عليه (^٦). وعنه: لا. وقال في «الرِّعاية»: يباحان للمسافر حال مشيه وركوبه في رواية.
(مُتَطَهِّرًا) من الحدَثين الأصغرِ والأكبرِ؛ لقول رسول الله ﷺ: «لا يؤذِّن إلَّا متوضِّئٌ» رواه التِّرمذي والبيهقي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وموقوفًا عليه، وقالا: هو أصحُّ (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٥) بهذا اللفظ: «قُمْ فَأَذِّنْ»، ومسلم (٦٨١) بمعناه.
(٢) ينظر: الأوسط ٣/ ٤٦.
(٣) زيد في (و): له.
(٤) قوله: (وعنه: لا) سقط من (أ). والمثبت موافق لما في الفروع.
(٥) قوله: (وعنه: لا. وعنه: يكره حضرًا) إلى هنا سقط من (و).
(٦) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٨٥، مسائل أبي داود ص ٤٤.
(٧) أخرجه الترمذي (٢٠٠)، والبيهقي في الكبرى (١٨٥٨)، من طريق معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ومعاوية بن يحيى هو الصدفي، ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢١٩٥)، من طريق الأوزاعي، والترمذي (٢٠١)، من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن الزهري، موقوفًا على أبي هريرة ﵁، ورجح الترمذي والبيهقي الموقوف، وقال الترمذي: (والزهري لم يسمع من أبي هريرة)، وضعف النووي والألباني الموقوف أيضًا. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٨٠، الإرواء ١/ ٢٤٠.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وحكم الإقامة كذلك.
فإن أذَّن أو أقام محدثًا؛ فظاهر كلام جماعة، وصرَّح به في «الشَّرح»: أنَّه يصحُّ مع الكراهة.
وقدَّم ابن تميم والجَدُّ: عدمها، نَصَّ عليه (^١)، وهو المذهب؛ كقراءة القرآن.
وفي «الرِّعاية»، وهو ظاهر ابن تميم: أنَّها تكره الإقامة قولًا واحدًا؛ للفصل بينها وبين الصَّلاة.
فإن كان جُنبًا؛ فإنَّه يصحُّ على الأصحِّ مع الكراهة؛ لأنَّه أحد الحدَثين، فلم يمنع صحَّته كالآخر.
والثاني (^٢): لا، اختاره الخِرَقِيُّ، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ؛ لأنَّه ذكرٌ مشروعٌ للصلاة أشبه القراءة.
وعلى الصِّحَّة: إن أذَّن في مسجد مع جواز لُبثه فيه؛ صحَّ، ومع تحريمه فهو كالأذان في مكان غصب، وفيه روايتان:
أصحُّهما: الصِّحَّة؛ لعدم اشتراط البقعة له، لكن مع الإثم، قاله ابن تميم.
وعدمها، وهو اختيار ابن عقيل، ومقتضى قول ابن عبدوس؛ فإنَّه قطع باشتراط الطَّهارة له.
وفي «الرِّعاية»: يسنُّ أن يؤذِّن متطهِّرًا من نجاسة بدنه وثوبه، وربَّما
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٥٨.
(٢) في (أ) و(و): والثانية.
[ ١ / ٤٧٨ ]
يحتمله (^١) كلام المؤلِّف.
(عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ)؛ أي: مرتفِع؛ كالمنارة ونحوها؛ لحديثٍ رواه أبو داود (^٢)، ولأنَّه أبلغ في الإعلام، فلو خالف؛ صحَّ وكُره؛ كالخُطبة.
(مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ)؛ لما روى أبو داود مرسلًا: «أنَّ الذي رآه عبد الله بن زيد استقبل وأذَّن» (^٣)، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّه من السُّنَّة (^٤)، ولأنها أشرف الجهات، فلو خالف فكالذي قبله.
(فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ) وهي كلمة مولَّدة ليست من كلام العرب، كما يقال: بَسْمل، وسَبْحل، وهَيْلل ونحوها (^٥)؛ (الْتَفَتَ) برأسه وعنقه وصدره، وظاهر «المحرَّر»: أنَّه لا يلتفت بصدره، (يَمِينًا وَشِمَالًا)؛ فيقول يمينًا: حيَّ على
_________________
(١) في (أ): يحمله.
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٩)، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى …» الحديث، وبوَّب عليه أبو داود بقوله: (باب الأذان فوق المنارة)، وفي سنده ابن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعنه. وورد من طريق أخرى عند ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٢٠)، وفيه بيان اسم المرأة وهي: النوار أم زيد بن ثابت بنحوه، وحسنه ابن دقيق العيد والألباني. ينظر: نصب الراية ١/ ٢٨٧، الإرواء ١/ ٢٤٦.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٢٤)، وأبو داود (٥٠٧)، من طريق المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁، ولفظه عند أبي داود: «قال: فجاء عبد الله بن زيد، رجل من الأنصار، وقال فيه: فاستقبل القبلة، قال: الله أكبر الله أكبر …» الحديث، وفي سنده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وهو صدوق اختلط قبل موته، وروى عنه يزيد بن هارون وروايته بعد الاختلاط، وهو أيضًا منقطع؛ لأن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل ﵁، وله طرق أخرى، وصححه ابن دقيق العيد والألباني. ينظر: صحيح ابن خزيمة (٣٨٤)، التلخيص الحبير ٢/ ١٠٩، صحيح أبي داود ٢/ ٤٢٥.
(٤) ينظر: الإجماع ص ٣٨.
(٥) قوله: (ونحوها) سقط من (أ).
[ ١ / ٤٧٩ ]
الصَّلاة، ثمَّ يعيده يسارًا، ثمَّ كذلك حيَّ على الفلاح.
وقيل: يقول يمينًا: حيَّ على الصَّلاة، ثمَّ يسارًا: حيَّ على الفلاح، ثمَّ كذلك ثانيةً، وهو سهو.
والأَوْلى أن يقول يمينًا: حيَّ على الصَّلاة مرَّتَين، ويسارًا: حيَّ على الفلاح مرَّتينِ.
(وَلَمْ يَسْتَدِرْ)؛ أي: لا يزيل قدميه، قدَّمه جماعة، وهو ظاهر الخِرَقي، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو جُحَيفةَ قال: «أتيت النَّبيَّ ﷺ وهو في قبَّة حمراء من أَدَمٍ، فخرج وتوضَّأ، فأذَّن بلالٌ، فجعلتُ أتَتَبَّع فاهُ ههنا وههنا، يقول يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ» متَّفقٌ عليه (^١)، ورواه أبو داود، وفيه: «فلمَّا بلغ حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الفلاحِ؛ لَوَى عنقَه يمينًا وشمالًا، ولم يَستَدِرْ» (^٢).
وظاهره: لا فرق فيه (^٣) بين المنارة وغيرها، وهو المشهور، وكأنَّه لم يعجبه الدَّوَران في المنارة، وكما لو كان على وجه الأرض.
وعنه: يُزيل قدمَيه في المنارة ونحوها، نصره في «الخلاف»، واختاره المجْد، وجزم به في «الرَّوضة»؛ لأنَّه لا يحصل المقصود بدون ذلك، زاد أبو المعالي: مع كِبَر البلد؛ للحاجة.
وظاهره: أنَّه لا يلتفت في الإقامة، وهو وجه، قاله أبو المعالي (^٤)، وجزم به الآجُرِّي وغيره.
والثَّاني: يلتفت فيها في الحَيعلة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣)، ولفظه لمسلم.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٠). أخرجه أبو داود (٥٢٠).
(٣) قوله: (فيه) سقط من (أ).
(٤) قوله: (مع كبر البلد للحاجة) إلى هنا سقط من (و).
[ ١ / ٤٨٠ ]
ويرفع صوتَه مقدار طاقته، ولا يُجهِد نفسَه؛ لئلَّا ينضرَّ (^١)، ما لم يؤذِّن لنفسه أو لجماعة حاضرين، وتُكرَه الزِّيادة، وعنه: التَّوسُّط أفضل.
(وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ)؛ أي: سبَّابتَيه (فِي أُذُنَيْهِ)، هذا هو المذهب، قال التِّرمذي: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم)؛ لما روى أبو جُحَيفةَ: «أنَّ بلالًا وضع أصبعَيه في أذنَيه» رواه أحمد والتِّرمذي وصحَّحه، وأمر ﵇ بلالًا بذلك، وقال: «إنَّه أرفَعُ لصوتِك» رواه ابن ماجه (^٢).
وعنه: يَضُمُّ أصابعَه إلى راحتَيه، ويجعلهما على أذنيه، وهو اختيارُ ابن عبدوس وابن البنَّاء وصاحب «البُلغة» فيها، رواه أحمد عن أبي محذورة (^٣)، وعن ابن عمر: «أنَّه أمر مؤذِّنًا بذلك» رواه أبو حفص (^٤).
وعنه: يبسُط أصابعَه مضمومةً على أذنيه، جزم به في «التَّلخيص»، زاد السَّامَرِّيُّ عليها: دون الإبهام والرَّاحة، وقدَّمه في «الرِّعاية».
_________________
(١) في (و): يتضرر.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٧٥٩)، والترمذي (١٩٧)، وابن ماجه (٧١٠)، وهو حديث صحيح، وزيادة ابن ماجه ضعيفة، فيها عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، وهو ضعيف كما في التقريب. ينظر: الإرواء ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) لم نقف عليه، وقال في المغني ١/ ٣٠٧: (روى أبو طالب عن أحمد أنه قال: أحب إليَّ أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة. وضمَّ أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وحكى أبو حفص عن ابن بطة، قال: سألت أبا القاسم الخرقي عن صفة ذلك؟ فأرانيه بيديه جميعًا، فضم أصابعه على راحتيه، ووضعهما على أذنيه)، وقال الزركشي في شرح الخرقي ١/ ٥١٢: (يروى عن أبي محذورة، حكاه عنه أحمد)، مما يشعر بعدم وقوفه عليه.
(٤) لم نقف عليه مسندًا، وقد ذكره في المغني ١/ ٣٠٧، قال: (روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر، أنه كان إذا بعث مؤذنًا يقول له: «اضمم أصابعك مع كفيك، واجعلها مضمومة على أذنيك»). وقد روي عن ابن عمر ﵄ خلاف ذلك: أخرج عبد الرزاق (١٨١٦)، وابن أبي شيبة (٢١٨٥)، عن الثوري عن نسير بن ذعلوق قال: «رأيت ابن عمر يؤذن وهو راكب. قال: قلت له: أواضع إصبعيه في أذنيه؟ قال: لا»، ولا بأس بإسناده.
[ ١ / ٤٨١ ]
قال في «الشَّرح»: (والأوَّل أصحُّ؛ لصحَّة الخبر وشهرته وعمل أهل العلم به)؛ ليجتمع الصَّوْتُ، ويَستدِلَّ الأصمُّ على كونه أذانًا، وأيَّهما فَعَل فحسنٌ.
ويرفع وجهَه (^١) إلى السَّماء فيه كلِّه، نَصَّ عليه في رواية حنبلٍ (^٢)؛ لأنَّه حقيقة التَّوحيد، وفي «المستوعب»: عند (^٣) كلمة الإخلاص، وقيل: والشَّهادتين، قاله في «الرَّعاية».
(وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا)؛ لما في حديث [زياد] (^٤) بن الحارث الصُّدائي حين أذَّن قال: فأراد بلالٌ أن يقيمَ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «يُقِيم أخو صُداء، فإنَّ من أذَّن فهو يُقِيم» رواه أحمد وأبو داود، وقال التِّرمذي: (إنَّما نعرفه من حديث (^٥) الإفريقيِّ، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (^٦)؛ ولأنَّهما ذِكرانِ يتقدَّمانِ الصَّلاة، فسُنَّ أن (^٧) يتولَّاهما واحد؛ كالخُطبتين.
وعنه: لا فرق بينه وبين غيره، ذكره أبو الحسين؛ لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد: «ألقِهِ على بلال»، فألقاه عليه، فأذَّن، ثمَّ قال له: «أقم أنت» رواه أبو داود (^٨)،
_________________
(١) في (و): صوته.
(٢) ينظر: الاختيارات ٥٨، الفروع ٢/ ١٣.
(٣) في (و): إلى.
(٤) في النسخ الخطية: (يزيد)، والمثبت موافق لاسم الصحابي. وقوله: (حديث) سقط من (أ).
(٥) في (و): طريق.
(٦) أخرجه أحمد (١٧٥٣٨)، وأبو داود (٥١٤)، والترمذي (١٩٩)، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف.
(٧) قوله: (فسن أن) هو في (أ) و(ب): فحسن أن.
(٨) أخرجه أحمد (١٦٤٧٤)، وأبو داود (٥١٢)، وفيه محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري الواقفي، ضعيف كما في التقريب، وقد وقع اضطراب في تعيين اسمه، وبين ابن حجر والألباني الصواب في ذلك، وله طرق أخرى لا تخلو من مقال. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥١٧، ضعيف أبي داود ١/ ١٧٧.
[ ١ / ٤٨٢ ]
ولأنَّه يحصل (^١) المقصود منه، أشبه ما لو تولَّاهما (^٢) واحد، وهو محمول على الجواز، والأول على الاستحباب.
ولو سُبق المؤذِّنُ بالأذان، فأراد المؤذِّنُ أن يقيم؛ فقال أحمد: (لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة) (^٣)، فإن أقام من (^٤) غير إعادة؛ فلا بأس.
(وَيُقِيمُ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ)؛ لقول بلال للنَّبيِّ ﷺ: «لا تَسبِقني بآمين» (^٥)؛ لأنَّه لو كان يقيم في المسجد لما خاف أن يسبقه بها، كذا استنبطه الإمام أحمد (^٦)، ولقول ابن عمر: «كنَّا إذا سمعنا الإقامة توضَّأنا ثمَّ خرجنا إلى الصَّلاة» (^٧)، ولأنَّه أبلغ في الإعلام كالخطبة الثَّانية.
(إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ)؛ مثل أن يؤذِّن في منارةٍ أو مكانٍ بعيدٍ من المسجد، فإنَّه يقيم في غير موضع أذانه؛ لئلَّا يفوته بعض الصَّلاة؛ لا مكان صلاته،
_________________
(١) هنا ينتهي النقص من النسخة (د).
(٢) في (د): توالاهما.
(٣) ينظر: مسائل حرب ص ٤٩٢.
(٤) في (و): في.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٨٨٣)، وأبو داود (٩٣٧)، من طريق أبي عثمان النهدي عن بلال ﵁ به، ورجح إرساله أبو حاتم والدارقطني، وأن الصواب في لفظه: «أن بلال قال لرسول الله ﷺ»، وأشار إلى ذلك ابن خزيمة (٥٧٣) بقوله: (حدثنا محمد بن حسان الأزرق بخبر غريب إن كان حفظ اتصال الإسناد)، ثم قال: (والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد عن أبي عثمان: أن بلالًا قال للنبي ﷺ. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٣١٤)، فتح الباري لابن رجب ٧/ ٩٢، ضعيف أبي داود ١/ ٣٥٦.
(٦) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٨٥.
(٧) أخرجه أحمد (٥٥٦٩)، وأبو داود (٥١٠)، والنسائي (٦٦٨)، وابن خزيمة (٣٧٤)، وابن حبان (١٦٧٤)، والحاكم (٧٠٩)، وصححه، وصححه النووي، وقال ابن الجوزي: (إسناده صحيح)، وحسنه المنذري والألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٨٢، صحيح أبي داود ٢/ ٤٣٧.
[ ١ / ٤٨٣ ]
لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام؛ لفعل بلال (^١).
(وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا)؛ لأنَّه ذكر معتدٌّ به، فلا يجوز الإخلال بنظمه؛ كأركان الصَّلاة.
(مُتَوَالِيًا) عُرْفًا؛ لأنَّه لا يحصل المقصود منه - وهو الإعلام بدخول الوقت - بغير موالاة، وشُرع في الأصل كذلك، بدليل أنَّه ﵇ عَلَّم أبا محذورة مرتَّبًا متواليًا (^٢).
(فَإِنْ نَكَّسَهُ) لم يصحَّ؛ لما ذكرنا.
(أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أَوْ مُحرَّمٍ؛ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ)؛ إذا طال بين جُمَله، إمَّا بالسُّكوت الطَّويل أو الكلام المباح الكثير؛ بطل؛ لإخلاله بالموالاة المشترَطة.
ومثله نومٌ كثيرٌ أو إغماءٌ أو جنونٌ.
وظاهره: أنَّ السُّكوت والكلام المباح اليسير لا يبطلانه، بل هو جائز؛ «لأنَّ سليمان بن صُرَدٍ - وله صحبةٌ - كان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه» (^٣).
ويردُّ (^٤) السَّلام، لكن يُكره ذلك إذا كان لغير حاجة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٦)، من حديث عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر؛ قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة»، وفي حديث ابن عباس عند البخاري (٧٢٦)، في قصة نومه عند خالته ميمونة، وفيه: «فصلى ورقد، فجاءه المؤذن، فقام وصلى ولم يتوضأ»، وعند مسلم (٦٣٩)، من حديث ابن عمر: «ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة».
(٢) سبق تخريجه ١/ ٤٧٣ حاشية (٣).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الصلاة (٢١٢)، وابن أبي شيبة (٢١٩٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣٥٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٢٠٥)، والبيهقي في الكبرى (١٨٦٥)، وصحح الحافظ إسناده في الفتح ٢/ ٩٨.
(٤) في (ب) و(د) و(و): وكره.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فإن كان التَّفريق بالمحرَّم؛ كالسَّبِّ والقذْف؛ لم يعتدَّ به؛ لأنَّه فعل يخرجه عن أهلية الأذان؛ كالرِّدَّة، وظاهره: وإن كان يسيرًا، وجزم به في «المحرَّر» و«الوجيز»، وعلَّله المجْد: بأنَّه قد يظنُّ (^١) سامعه متلاعبًا، أشبه المستهزئ، وعلَّله المؤلِّف: بأنَّه محرَّم فيه، زاد بعضهم: كالرِّدَّة، فدلَّ أنَّ كلَّ محرَّمٍ سواء.
والثَّاني: يعتدُّ (^٢) به؛ لأنَّه لم يخلَّ بالمقصود، أشبه المباح.
وظاهره: أنَّه إذا ارتدَّ بعد فراغه أنَّه لا يبطل، وهو الصَّحيح، بخلاف الطَّهارة؛ فإنَّ حكمَها باقٍ.
وقال (^٣) القاضي: يبطُل؛ قياسًا عليها.
وحكم الإقامة كذلك، قال أبو داود: (قلت لأحمد: الرَّجل يتكلَّم في أذانه؟ قال: نعم، قلت له (^٤): يتكلَّم في الإقامة؟ قال: لا) (^٥)، ولأنَّه يستحبُّ حدرُها.
ويعتبر معهما: النِّيَّة، واتِّحاد المؤذِّن، فلو أتى واحدٌ ببعضه وآخر ببقيَّته؛ لم (^٦) يصحَّ؛ كالصَّلاة.
مسألة: لا تُعتَبر موالاةٌ بين الإقامة والصَّلاة إذا أقام عند إرادة الدُّخول في الصَّلاة، ويجوز الكلام بينهما (^٧)، وكذا بعد الإقامة قبل الدُّخول فيها، رُوي
_________________
(١) هكذا كتبت في النسخ الخطية. وفي الفروع والكشاف وغيرهما: (يظنه).
(٢) في (أ): معتد.
(٣) في (د): فقال.
(٤) قوله: (له) سقط من (أ).
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٤.
(٦) في (و): ولم.
(٧) أي: بين الأذان والإقامة. كما في الشرح الكبير ٣/ ٨٧.
[ ١ / ٤٨٥ ]
عن عمر ﵁ (^١).
(وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يَصحُّ (إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ)؛ لما رَوى مالك بن الحُوَيْرِثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا حضرت الصَّلاة؛ فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم»، متَّفق عليه (^٢)، ولأنَّه شُرِع للإعلام بدخول الوقت، وهو حثٌّ على الصَّلاة، فلم يصحَّ في وقت لا تصحُّ (^٣) فيه؛ كالإقامة.
وفي «الرِّعاية» رواية بالكراهة، وفيه نظرٌ؛ للإجماع على خلافها (^٤).
والمستحبُّ أن يكون في أوَّل الوقت؛ لفعل بلالٍ، رواه ابن ماجه (^٥).
وظاهره: أنَّه يجوز مطلقًا ما دام الوقتُ باقيًا، والمنعُ منه فيما بعده.
ويتوجَّه بسقوط مشروعيته بفعل الصَّلاة.
(إِلَّا الْفَجْرَ)؛ فإنَّه يجوز قبل الوقت، نَصَّ عليه (^٦)، وصحَّحه جماعة؛ لقول النبي ﷺ: «إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابنُ أمِّ مكتومٍ» متَّفقٌ عليه، زاد البخاريُّ: «وكان رجلًا أعمى لا يُنادِي حتَّى يقال له:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤١٧٧)، عن أبي مجلز قال: «أقيمت الصلاة، وصفَّت الصفوف، فابتدر - وفي نسخة: فاندرأ - رجل لعمر، فكلمه، فأطالا القيام حتى ألقيا إلى الأرض، والقوم صفوف»، أبو مجلز هو لاحق بن حميد، قال أبو زرعة: (حديثه عن عمر مرسل). ينظر: جامع التحصيل ص ٢٩٦. وأخرج ابن أبي شيبة (٤١٧٦)، عن أبي عثمان قال: «إن كان عمر ليقاوم الرجل بعدما تقام الصلاة»، إسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤).
(٣) في (و): يصح.
(٤) في (أ) و(ب): خلافه.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٧١٣) بلفظ: «كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئًا»، وأخرجه مسلم (٦٠٦)، عن جابر بن سمرة ﵁ بلفظ: «كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه».
(٦) ينظر: مسائل عبد الله ص ٥٨، مسائل ابن منصور ٢/ ٤٩١.
[ ١ / ٤٨٦ ]
أصبحتَ أصبحتَ» (^١)، ولأنَّ وقتها يدخل على الناس وفيهم الجُنب والنَّائم، فاستُحبَّ تقديم أذانه حتَّى يتهيَّؤوا لها، فيدركوا فضيلة (^٢) أوَّل الوقت.
وذكر في «المغني» و«الشَّرح»: أنَّه لا يجوز أن يَتقدَّم على الوقت كثيرًا؛ لما في الصحيح من حديث عائشة، قال القاسم: «ولم يكن بين أذانهما إلَّا أن يَنزِل (^٣) ذا، ويَرقَى ذا» (^٤).
قال البَيْهَقِي: (مجموع ما رُوي في تقدم (^٥) الأذان قبل الفجر إنَّما هو بزمنٍ يسيرٍ، وأمَّا ما يُفعل في زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير، فخلاف السُّنَّة إن سُلم جوازه) (^٦)، وفيه نَظَرٌ.
وعنه: لا يصحُّ قبل الوقت لها؛ كغيرها.
ثمَّ نبَّه على وقت الجواز فقال (^٧): (فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)، كذا في «المحرَّر» و«الوجيز»؛ لأنَّ (^٨) مُعظَمَه قد ذهب وقرُب الأذان، وبذلك يخرج وقت العشاء المختار، ويدخل وقت الدَّفْع من مُزدلِفة، ورميِ جمرة العقبة، روى الأثْرَم قال: (كان مؤذِّن دِمشْق يؤذِّن لصلاة الصُّبح في السَّحَر بمقدار ما يسير الرَّاكب ستة أميال، فلا ينكره مكحول).
وقيَّده في «الكافي» و«الشَّرح»: بأن يجعله في وقت واحد في اللَّيالي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) في (د): أفضلية.
(٣) في (و): يترك.
(٤) أخرجه البخاري (١٩١٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) في (و): تقديم.
(٦) لم نجده في شيء من كتب البيهقي، وهو من كلام الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير للذهبي ١/ ٣٧٥، حيث قال: (قلت: مجموع ما ورد في تقديم الأذان …) إلى آخر كلامه.
(٧) قوله: (فقال) سقط من (أ). قوله: (فقال) سقط من (أ).
(٨) قوله: (لأن) سقط من (و).
[ ١ / ٤٨٧ ]
كلِّها، فلا يتقدَّم ولا يتأخَّر؛ لئلَّا يغترَّ (^١) النَّاس.
وظاهره: الاِعتِداد به، وأنَّه (^٢) لا فرق فيه بين رمضان وغيره، وصحَّحه في «الشَّرح» في حقِّ من عرف (^٣) له عادةٌ بالأذان فيه، واختاره جماعةٌ، وعليه العمل، لكن نصَّ أحمد (^٤)، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يُكرَه قبل الفجر فيه لئلَّا يغترَّ النَّاس فيَترُكوا سُحورَهم.
ويستحبُّ لمن أذَّن قبله أن يكون معه من يؤذِّن في الوقت؛ للخبر، واشترطه طائفة من علماء الحديث.
وألحق الشِّيرازِيُّ الجمعةَ به، فأجازه قبل الوقت؛ ليدركها من بَعُدَ منزله، واستثنى ابن عبدوس مع الفجر: الصَّلاة المجموعة، وفيه نظر؛ لأنَّ وقتهما كالواحد (^٥).
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يُقِيمَ)، كذا في «الوجيز»؛ لما روى تَمَّامٌ في «فوائده» بإسناده عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «جلوس المؤذِّن بين الأذان والإقامة في المغرب؛ سُنَّة» (^٦)، وقيَّده في «المحرَّر» وغيره بقدر ركعتَين، قال بعضهم: خفيفتَين، وقيل: والوضوء، وقد روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبِلالٍ: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدْر ما يَفرغ (^٧) الآكِل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء
_________________
(١) في (د): يغر.
(٢) في (و): ولأنه.
(٣) قوله: (عرف) سقط من (أ).
(٤) في رواية الجماعة. ينظر: المغني ١/ ٢٩٨.
(٥) في (أ) و(ب): واحد.
(٦) أخرجه تمام في فوائده (١٤٠١)، وفي سنده إسحاق بن عبد الله أبو يعقوب البوقي، ذكره الذهبي في الضعفاء ونقل عن ابن منده أنه قال: (له مناكير). ينظر: المغني في الضعفاء ١/ ٧٢، السلسلة الضعيفة (١١٩٦).
(٧) في (أ): يدع.
[ ١ / ٤٨٨ ]
حاجته» رواه أبو داود والتِّرمذي (^١). وقيل: بقدر الوضوء والسَّعي، وفي «التَّبصرة»: بقدر حاجته ووضوئه، زاد الحَلْوانِيُّ: وصلاة ركعتين، وهذا كلُّه إذا سُنَّ تعجيلها، ولأنَّ الأذان شُرِع للإعلام، فيسنُّ تأخير الإقامة للإدراك، كما يستحبُّ تأخيرها في غيرها، وكذا كل صلاة، فيسنُّ تقديمها؛ لعموم النَّص.
وظاهره: أنَّه لا تُستَحَبُّ الرَّكعتان قبلها في الظَّاهر عنه، ولا يُكرَه فعلُهما قبلها في المنصوص (^٢).
وعنه: يسنُّ؛ للحديث الصحيح (^٣).
وعنه: بين كل أذانين صلاة، قاله ابن هُبَيرة في غير المغرب.
(وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ)، سواءً كان جمع تقديمٍ أو تأخيرٍ (^٤)، (أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ؛ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا)، جزم به أكثر الأصحاب؛ لما رَوى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين الظُّهر والعصر بعرَفةَ، وبين المغرب والعشاء بمُزدَلِفةَ، بأذانٍ وإقامتَين» رواه مسلم (^٥).
وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يؤذِّن لكلِّ واحدة منهما ويقيم، قال في «الشَّرح»: وهو مخالِف (^٦) للسُّنَّة الصَّحيحة.
وعنه: إن جمع بينهما بإقامة فلا بأس، وهو الذي في «الشَّرح»، وخصَّه
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ٤٦٢ حاشية (٣).
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠٤، مسائل عبد الله ص ٩٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٤٣٠.
(٣) وهو حديث عبد الله المزني ﵁، عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب»، أخرجه البخاري (١١٨٣)، وأخرج البخاري (٦٢٥) من فعل الصحابة كذلك، وبوَّب عليه: (باب: كم بين الأذان والإقامة، ومن ينتظر الإقامة).
(٤) في (و): وتأخير.
(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وهو حديث جابر ﵁ في صفة الحج.
(٦) في (و): ومخالف.
[ ١ / ٤٨٩ ]
بما إذا كان الجمع في وقت الثَّانية؛ لأنَّ الأولى مفعولةٌ في غير وقتها، فهي كالفائتة، والثَّانية مسبوقةٌ بصلاة، فلم يشرع لها؛ كالثَّانية من الفوائت، بخلاف جمع التَّقديم؛ لأنَّ الأُولى مفعولةٌ في وقتها، أشبه ما لم تجمَعْ.
وأمَّا قضاء الفوائت؛ فلما روى أبو عُبَيدةَ عن أبيه (^١) عبد الله بن مسعود: «أنَّ المشركين يوم الخندق شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتَّى ذهب من اللَّيْل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذَّن (^٢)، ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثمَّ أقام فصلَّى العصرَ، ثمَّ أقام فصلَّى المغربَ، ثمَّ أقام فصلَّى العشاءَ» رواه النَّسائي والتِّرمذي، ولفظه له، وقال: (ليس بإسناده بأس، إلَّا أنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه) (^٣).
وقيَّده في «الشَّرح»: بما إذا كان في الجماعة (^٤)، فإن كان وحده؛ كان استحباب ذلك في حقِّه أدنى؛ لأنَّ الأذان والإقامة للإعلام، ولا حاجة إليه هنا.
وعنه: لا بأس بالاكتفاء لهنَّ بإقامة واحدة إذا أذَّن.
وعنه: يقيم من غير أذان.
وكذا لو قضاها متفرِّقاتٍ من غير موالاة، فأمَّا إذا كانت واحدةً؛ فيؤذِّن لها ويقيم.
_________________
(١) زاد في (أ) و(ب): (عن).
(٢) قوله: (فأمر بلالًا فأذَّن) هي في (أ): أقام بلالًا.
(٣) أخرجه أحمد (٣٥٥٥)، والترمذي (١٧٩)، والنسائي (٦٦٢)، وهو مع انقطاعه إلا أنه محمول على الاتصال، نقل ابن رجب عن ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه قال: (هو منقطع، وهو حديث ثبت)، ونحو ذلك قال النسائي ويعقوب بن شيبة. ينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٥٤٤، النكت لابن حجر ١/ ٣٩٨.
(٤) في (أ): جماعة.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وصرَّح في «الكافي»: أنَّه يُسنُّ الأذانُ للفائتة، ثمَّ إن خاف من رفع صوته أسرَّ (^١)، وإلَّا جهر، فلو ترك الأذان لها؛ فلا بأس.
(وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ) وهو الذي يفهم الخطاب ويردُّ الجواب، ولا ينضبط بسنٍّ، بل يختلف باختلاف الأفهام، كذا قيل، والصَّواب ضبطه به، (لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
أولاهما: الصِّحَّة، نصره القاضي وغيره، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز» مع الكراهة؛ لما روى ابن المنذِر بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: «كان عمومتي يأمرونني أن أؤذِّن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس شاهد ذلك ولم ينكره» (^٢)، وهذا ممَّا يظهر ولا يخفى، فكان كالإجماع، ولأنَّه ذَكَرٌ تصحُّ (^٣) صلاته، فصحَّ أذانه كالبلَّغ.
والثَّانية: لا يصحُّ، قدَّمها في «الفروع»، واختارها جماعةٌ؛ لأنَّه لا يُقبل خبرُه، فلم يحصل الإعلام بأذانه، أو بأنَّه فرض كفاية، وفِعله نفل، وهو أولى.
قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (يتخرَّج فيه روايتان؛ كشهادته وولايته) (^٤).
وظاهره: أنَّ المراهِق يصحُّ أذانُه (^٥)، وهو كذلك، نقله حنبلٌ (^٦).
(وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ) أي: العاصي؛ لأنَّ الفِسقَ لغة: العصيان، والتَّرك لأمر الله، والخروج عن طريق الحقِّ، وشرعًا: مَنْ فَعَل كبيرةً، أو أَكْثَرَ
_________________
(١) زيد في (د): به.
(٢) علقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٤١)، ونقله عنه ابن قدامة في المغني (١/ ٣٠٠)، ولم نقف له على إسناد.
(٣) في (و): يصح.
(٤) ينظر: الاختيارات ص ٥٧.
(٥) كتب في حاشية (و): (قال القاضي: رواية واحدة).
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٩٨، الروايتين والوجهين ١/ ١١٢.
[ ١ / ٤٩١ ]
من الصغائر، والكبيرةُ: ما فيها (^١) حدٌّ في الدُّنيا أو وعيد في الآخرة، نَصَّ عليه (^٢)، (وَالْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ) الذي فيه تطريبٌ، يقال: لحَّن في قراءته، إذا طرَّب بها وغرَّد؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، وكذا في «المحرَّر»:
أحدهما: لا يصحُّ أذان الفاسق، صحَّحه في «التَّلخيص» و«الرِّعاية»، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ؛ لأنَّه لا يُقبل خبره، ولأنَّه ﵇ وصفه بالأمانة (^٣)، والفاسق غير أمين، وكامرأةٍ وخُنثى.
والثاني: صحَّته كالإمامة (^٤)؛ لأنَّه مشروع لصلاته، وهو من أهل العبادة، وجزم به في «الوجيز» مع الكراهة.
فإن كان مستورَ الحال؛ فيصحُّ بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح».
ويصحُّ في الأصحِّ أذان الملحن والملحون مع بقاء المعنى مع الكراهة، قال القاضي: كقراءة الألحان، قال أحمد: (كلُّ شيءٍ محدث أكرهه (^٥)، مثل التَّطريب) (^٦)، ولأنَّه يحصل به المقصود.
والثَّاني: لا يصحُّ؛ لما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابن عبَّاس قال: كان للنَّبيِّ ﷺ مؤذِّنٌ يُطرِّب، فقال ﵇: «الأذانُ (^٧) سَهْلٌ سَمْحٌ، فإن كان أذانُك سَهْلًا سَمْحًا، وإلَّا فلا تؤذِّن»، وذكره ابنُ الجَوْزِيِّ في «الموضوعات» (^٨).
_________________
(١) في (د): فيه.
(٢) ينظر: الفروع ٤/ ٣٨٢.
(٣) مراده حديث: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن»، وقد سبق تخريجه ١/ ٤٥٩ حاشية (٢).
(٤) في (ب): كالإقامة. والمثبت موافق لما في الهداية ص ٧٤: (ولا يعتد بأذان الفاسق في أحد الوجهين، ويعتد به في الآخر؛ بناء على صحة إمامته).
(٥) في (ب): الكراهة.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٠١.
(٧) في (د) و(و): إن الأذان.
(٨) أخرجه ابن شاهين في فضائل الأعمال (٥٦٤)، والدارقطني (٩١٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٨٧)، وفي سنده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، قال ابن عدي: (حدَّث عن جماعة من الثقات مناكير)، قال الذهبي: (هالك)، وقال في تلخيص الموضوعات عن الحديث: (باطل)، ينظر: الموضوعات لابن الجوزي ٢/ ٨٧، الكامل لابن عدي ١/ ٥٥٠، ميزان الاعتدال ١/ ٢٠٥، تلخيص الموضوعات ص ١٧٣.
[ ١ / ٤٩٢ ]
فلو أحال أحدُهما معنًى، كما لو نصب لامَ «رسول»؛ لأنَّه أخرجه عن كونه خبرًا، ومدَّ لفظةَ «أكبر»؛ لأنَّه يجعل فيها ألفًا، فتصير (^١) جمع كَبَرٍ، وهو الطَّبْل، وأسقط الهاء من اسم الله والصَّلاة؛ بطل.
وتكره لُثْغَةٌ فاحِشةٌ، وإلَّا فلا بأس؛ لأنَّه (^٢) روي: «أنَّ بلالًا كان يجعل الشِّينَ سينًا»، وفيه شيء (^٣)، والفصيح أحسن وأكمل.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)، كذا في «المحرَّر» و«الوجيز» نَصَّ عليه (^٤)، ولا نَعلَم خلافًا في استحبابه (^٥)؛ لما رَوى عمرُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا قال المؤذِّن: اللهُ أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فقال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصَّلاة، فقال: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال:
_________________
(١) في (و): فيكون.
(٢) في (و): به. مكان قوله: (لأنه).
(٣) أورده في المغني ١/ ٣١٢، والشرح الكبير ٣/ ١٠٤، ولم نقف عليه. قال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٥٣٢): (وقع لموفق الدين ابن قدامة في مغنيه، وقلَّده ابن أخيه الشيخ ابن عمر شمس الدين في شرح كتابه المقنع، وردَّ عليه الحفاظ). وقال (١/ ٢٥٨): (قال في الدرر: لم يرد في شيء من الكتب. وقال القاري: ليس له أصل. وقال البرهان السفاقسي نقلًا عن الإمام المزي: إنه اشتهر على ألسنة العوام ولم يرد في شيء من الكتب). وينظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٣٩٧.
(٤) ينظر: المغني ١/ ٣٠٩، الفروع ٢/ ٢٦.
(٥) ينظر: المغني ١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٤٩٣ ]
لا حول ولا قوَّة إلا بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إله إلا اللهُ، قال: لا إله إلا اللهُ، مخلِصًا من قلبه، دخل الجنَّة» رواه مسلم (^١)، قال الأثرم: (هذا من الأحاديث الجياد)، ولأنَّه خطاب، فإعادته عَبَثٌ، بل سبيله الطَّاعة وسؤال الحَول والقوَّة.
وتكون الإجابة عَقِيبَ كل كلمة؛ أي: لا يُقارِن، ولا يتأخَّر، وقيل: يوافقه في الحيعلة مع قول ذلك؛ ليجمع بينهما (^٢).
وقال الخِرَقِيُّ وغيرُه (^٣): يقول كما يقول؛ لما روى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا سمعتم النِّداءَ فقولوا مثل ما يقولُ» متفق عليه (^٤)، قال الزَّرْكَشِيُّ: (وهو المذهبُ)، وفيه نظر.
ولا فرق بين المؤذِّن والسَّامع، نَصَّ عليهما (^٥)، ولا الجنب والحائض؛ للخبر (^٦)، وظاهره: ولو في طوافٍ وقراءةٍ؛ لأنَّ ذلك يفوت، بخلافهما.
ويُستثنى منه: المصلِّي، ولو نفلًا، وتبطل (^٧) بالحيعلة، قال أبو المعالي: (إن لم يعلم أنَّها دعاء إلى الصَّلاة، فروايتا ساهٍ (^٨)، لكن يجيبه إذا فرغ، قاله في «الكافي»، وكذا المتخلِّي، قاله أبو المعالي.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨٥).
(٢) في (د): بينها.
(٣) قوله: (وغيره) سقط من (و).
(٤) أخرجه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣).
(٥) ينظر: الفروع ٢/ ٢٦، قواعد ابن رجب ٢/ ٢٩.
(٦) لعله يريد ما أخرجه مسلم (٣٧٣)، وعلقه البخاري (١/ ٦٨)، عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»، وذلك أن الشافعية نصُّوا على استحبابه لكل سامع من طاهر ومحدث وجنب وحائض؛ قال النووي: (لأنه ذكر، وكل هؤلاء من أهل الذكر). ينظر: المجموع ٣/ ١١٨، الغرر البهية لزكريا الأنصاري ١/ ٢٧٣.
(٧) في (د) و(و): ويبطل.
(٨) بياض بمقدار كلمة في (أ).
[ ١ / ٤٩٤ ]
ومقتضى كلامه: أنَّ المؤذِّن لا يجيب نفسه، وهو ظاهر كلام جماعة، وصرَّح آخرون باستحبابه؛ كالسَّامع، وأن يقولا ذلك خُفْيةً، نَصَّ عليه.
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ: تجب إجابته؛ للأمر، وظاهر كلامهم: أنَّه يجيب ثانيًا وثالثًا حيث سُنَّ، واختاره الشَّيخ تقِيُّ الدِّين) (^١)، لكن لو سمع المؤذِّنَ وأجابه، وصلَّى في جماعة؛ لا يجيب الثَّاني؛ لأنَّه غير مدعوٍّ بهذا الأذان (^٢).
زاد المؤلِّف: (الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)، وتتبَّعت ذلك فوجدته في المسنَد من حديث أبي رافِعٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سمع المؤذِّنَ قال مثلَ ما يقول، حتَّى إذا بلغ: حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الفلاحِ؛ قال: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيمِ» رواه الطبراني في «معجمه الكبير»، وإسنادُه فيه لِينٌ (^٣).
ويقول في التَّثويب: صدَقتَ وبَرِرتَ، وفي الإقامة عند لفظها: أقامها الله وأدامها، زاد في «المستوعب» و«التَّلخيص»: ما دامت السماوات والأرض، ويقول ذلك خُفْيةً (^٤).
فائدةٌ: معنى (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله): إظهار الفقر، وطلب المعونة منه
_________________
(١) ينظر: الاختيارات ص ٦٠، الفروع ٢/ ٢٦.
(٢) زاد هنا في (د) و(و) قوله: (ويقول في التثويب: صدقت وبررت، وفي الإقامة عند لفظها: أقامها الله وأدامها، زاد في المستوعب والتلخيص: ما دامت السموات والأرض، ويقول ذلك خفية) وسيأتي ذكرها قريبًا.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٨٦٦)، والنسائي في الكبرى (٩٧٨٦)، من حديث أبي رافع وليس فيه هذه الزيادة، كما في طبعة الرسالة، وعزاه في المشكاة (٦٧٥) إلى المسند وذكرها. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٤٣) بهذه الزيادة، من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر، ضعفه جماعة، بل قال بعض الأئمة كالبخاري وغيره: (منكر الحديث). ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٤٦.
(٤) قوله: (ويقول في التثويب صدقت وبررت) إلى هنا ذكرت في (د) و(و) قبل ذلك.
[ ١ / ٤٩٥ ]
في كل الأمور، وهو (^١) حقيقة العبودية (^٢).
وقال أبو الهَيْثم (^٣): (أصل: «لا حول» من حالَ الشيءُ، إذا تحرَّك، يقول (^٤): لا حركة ولا استطاعة إلَّا بالله) (^٥).
وقال ابن مسعود: «معناه: لا حول عن معصية الله إلَّا بعصمة الله، ولا قوَّة على طاعته إلَّا بمعونته» (^٦)، قال الخَطَّابي: (هذا أحسن ما جاء فيه) (^٧).
ويقال: لا حِيل، لغة حكاه الجوهري (^٨).
وعبَّر عنها الأزهري (^٩): بالحَوقلة (^١٠)، وتبِعه في «الوجيز»، على أخذ الحاء من حول، والقاف من قوَّة، واللَّام من اسم الله تعالى.
(وَيَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ) كلٌّ من المؤذِّن وسامِعه: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ
_________________
(١) في (د): وهي. وفي (و): وفي.
(٢) قوله: (منه في كل الأمور وهو حقيقة العبودية) سقط من (أ).
(٣) أبو الهيثم الرازي اشتهر بكنيته - وليس هو خالد بن يزيد بن أبي سويد -، كان نحويًّا علَّامة بارعًا حافظًا، صحيح الأدب، كثير الصلاة، صاحب سنَّة، ولم يكن ضنينًا بعلمه وأدبه، من مصنفاته: الشامل في اللُّغة، الفاخر في اللُّغة، زيادات معاني القرآن للفرّاء، توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: إنباء الرواة ٤/ ١٨٨، تاريخ الإسلام ٦/ ٦٤٤.
(٤) في (أ): سل. مكان قوله: (يقول).
(٥) ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ١٥٧.
(٦) لم نقف عليه من قول ابن مسعود ﵁، وإنما ورد مرفوعًا، فقد أخرج العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٠٠)، والبزار في مسنده (٢٠٠٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال رسول الله ﷺ: «تدري ما تفسيرها؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله»، ومداره على المسعودي وهو ضعيف لاختلاطه. ينظر: الضعيفة للألباني (٣٣٥٥).
(٧) ينظر: شأن الدعاء ص ١٦٢.
(٨) ينظر: الصحاح ٤/ ١٦٨٢.
(٩) في (و): الزهري.
(١٠) ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٢٤٢.
[ ١ / ٤٩٦ ]
التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الذِي وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من قال حين يَسمَع النِّداءَ: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاريُّ، ورواه النَّسائي وأبو حاتم والبَيْهَقِيُّ: «وابعثه المقام المحمود» معرَّفيْنِ كما ذكره المؤلِّف، ولم يثبت فيه «الدَّرجة الرَّفيعة»، وروى البيهقي في «سننه» في آخره: «إنَّك لا تخلف الميعاد» (^١).
وظاهره: أنَّه لا يستحبُّ غير (^٢) ذلك.
وفي «الرِّعاية»: أنَّه يرفع بصره إلى السَّماء، ويدعو بما ورد.
قال أحمد: (إذا سألتم الله حاجةً، فقولوا: في عافية) (^٣).
ثمَّ يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ؛ لما روى عبد الله بن عمرو (^٤) مرفوعًا: «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن، ثمَّ صلُّوا عليَّ؛ فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه (^٥) بها عشرًا، ثمَّ سَلُوا اللهَ لي الوسيلةَ؛ فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا ينبغي أن تكون (^٦) إلَّا لعبدٍ من عباد (^٧) الله، وأرجو أن أكون أنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٤)، والنسائي (٦٨٠)، وابن حبان (١٦٨٩)، والبيهقي (١٩٣٣)، وهي عندهم إلا البخاري بتعريف المقام المحمود، وأما زيادة: «الدرجة الرفيعة» فليست في شيء من طرق الحديث، قاله ابن حجر والسخاوي، وزيادة: «إنك لا تخلف الميعاد»، عند البيهقي، وحسنها ابن باز، وحكم عليها الألباني بالشذوذ. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥١٨، المقاصد الحسنة ص ٣٤٣، مجموع فتاوى ابن باز ١٠/ ٣٣٦، الإرواء ١/ ٢٦٠.
(٢) في (و): عن.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧.
(٤) في (و): عمر.
(٥) في (د): علي.
(٦) في (و): يكون.
(٧) في (أ): عبيد.
[ ١ / ٤٩٧ ]
هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» رواه مسلم (^١).
ولم يذكروا السَّلام معه، فظاهره: أنَّه لا يكره بدونه، وقد ذكر النَّووي أنه يكره؛ للنَّصِّ (^٢).
تذنيب: «اللَّهمَّ» أصله: يا الله، والميم بدل من يا، قاله الخليل وسيبويه، وقال الفراء: أصله: يا الله أُمَّنا بخير، فحذف حرف النِّداء، ولا يجوز الجمع بينهما إلَّا في الضَّرورة (^٣).
و«الدَّعوة»: بفتح الدال هي دعوة الأذان، سمِّيت تامَّة لكمالها، وعِظَم موقعها، وسلامتها من نقص يتطرَّق إليها.
وقال الخَطَّابي: (وصفها بالتَّمام؛ لأنَّها ذكر الله يُدعَى بها إلى طاعته، وهذه الأمور التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سواها من أمور الدنيا فإنَّه معرَّض للنَّقص والفساد) (^٤).
وكان الإمام أحمد يستَدِلُّ بهذا على أنَّ القرآن غير مخلوق، قال: (لأنَّه ما من مخلوق إلَّا وفيه نقص).
و«الصَّلاةُ القائمةُ»: التي ستقوم وتفعل بصلاتها.
و«الوسيلةُ»: منزلةٌ عند الملِك، وهي منزلةٌ في الجنَّة.
و«المقامُ المحمودُ»: الشَّفاعة (^٥) العُظْمى في موقف القيامة؛ لأنَّه يحمده فيها الأوَّلون والآخرون.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨٤).
(٢) ينظر: شرح مسلم للنووي ١/ ٤٤، وقال: (وقد أمرنا الله تعالى بهما جميعًا فقال تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزَاب: ٥٦]).
(٣) ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ٢٢٥.
(٤) ينظر: شأن الدعاء ص ١٣٥.
(٥) في (أ): والشفاعة.
[ ١ / ٤٩٨ ]
والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد (^١) الله تعالى؛ إظهار كرامته وعظيم منزلته.
وقد وقع منكَّرًا في الصَّحيح؛ تأدُّبًا مع القرآن، فيكون قوله: «الذي وعدته» منصوبًا على البدلية، أو على إضمار فعل، أو مرفوعًا على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف.
مسائل:
الأولى: إذا دخل المسجد: لم يركع (^٢) حتَّى يفرُغ، نَصَّ عليه (^٣)؛ ليجمع بين الفضيلتَين.
وعنه: لا بأس.
قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ غير أذان الجمعة؛ لأنَّ سماع الخطبة أهم، واختاره صاحب «النَّظم»، ولا يقوم القاعد حتَّى يفرُغ)، أو يقرُب فراغه، نَصَّ على معنى ذلك (^٤)؛ لأنَّ الشَّيطان ينفر حين يسمع النِّداء.
الثَّانية: يعمل بالأذان في دارنا، وكذا (^٥) دار حرب (^٦) إن علم إسلامه.
الثَّالثة: لا يؤذِّن غيرُ الرَّاتب إلَّا بإذنه، إلَّا أن يُخاف فَوْت (^٧) الوقت؛ فيؤذِّن غيره.
الرَّابعة: يُستَحَبُّ الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «لا يُردُّ
_________________
(١) في (أ): فوعد.
(٢) أي: لم يركع تحية المسجد. ينظر: الفروع ٢/ ٣٠.
(٣) من رواية الأثرم. ينظر: المغني ١/ ٣١١.
(٤) من رواية الأثرم. ينظر: المغني ١/ ٣١١.
(٥) زاد في (أ) و(و): في.
(٦) في (أ) و(ب): الحرب.
(٧) في (ب): فوات.
[ ١ / ٤٩٩ ]
الدُّعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ» رواه أحمد، والتِّرمذي وحسَّنه (^١)، وعند الإقامة، فَعلَه أحمدُ ورفع يدَيْه (^٢).
وعن ابن عمر مرفوعًا: «تُفتح أبواب السَّماء لقراءة القرآن، ولِلِقاء الزَّحف، ولنزول القَطْر، ولدعوة المظلوم، وللأذان» رواه الحاكِمُ بإسنادٍ ضعيفٍ (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢٢٠٠)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢)، وابن خزيمة (٤٢٥)، وابن حبان (١٦٩٦)، من حديث أنس ﵁، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والألباني. ينظر: الإرواء ١/ ٢٦٢.
(٢) من رواية المروذي. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٥٩.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٦٢١)، وفي سنده حفص بن سليمان الأسدي القارئ، وهو متروك في الحديث إمام في القراءة، كما في التقريب، ولم نقف عليه عند الحاكم.
[ ١ / ٥٠٠ ]