الاِستنجاء: استفعال من نجَوت الشجرة؛ أي: قطعتها، فكأنَّه قطع الأذى.
وقيل: هو مأخوذ من النَّجوة، وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأنَّ من أراد قضاء الحاجة استتر بها.
وهو: إزالةُ خارج من سبيل بماء، وقد يستعمل في إزالته بالحجر، ويسمَّى الاستجمار، وهو (^١) استفعال من الجمار، وهي الحجارة الصغار؛ لأنَّه يستعملها في استجماره، وعبَّر بعضٌ بالاستطابة، يقال: استطاب، وأطاب: إذا استنجى، قاله (^٢) أهل اللغة. وبعضٌ: بقضاء الحاجة، وهو ظاهر.
(يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ) هي (^٣) بالمد: المكان الذي يُتوضَّأ فيه، وقال الجوهري: (سمِّي بذلك لأنَّه يُتخلَّى فيه) (^٤)؛ أي: ينفرد، (أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ)؛ لما روى علي قال: قال رسول الله ﷺ: «ستر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دخل الكَنِيف أن يقول: باسم الله» رواه ابن ماجه والتِّرمذي، وقال: (ليس إسناده بالقوي) (^٥).
_________________
(١) في (و): وهي.
(٢) في (أ) و(ز): قال.
(٣) في (و): هو.
(٤) لم نجده في الصحاح، وهو من كلام البعلي في المطلع ص ٢٤.
(٥) أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، وفي إسناده: خلاد بن عيسى الصفار، وهو لا بأس به، وشيخه الحكم بن عبد الله النصري، وهو مقبول، وصححه الألباني بشواهده. ينظر: إرواء الغليل ١/ ٨٧.
[ ١ / ٩٩ ]
ويقال في ابتداء كلِّ فعل تبرُّكًا بها، وقُدِّمت هنا على الاستعاذة؛ لأنَّ التَّعوُّذ هناك للقراءة، والبسملة من (^١) القرآن، فقدّم (^٢) التَّعوُّذ عليها.
وشُرِط (^٣): ألا يقصد ببسم الله القرآن، فإن قصَده حرُم، قاله بعضهم.
(أَعُوذُ بِاللهِ مِنِ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)، اقتصر في «الغُنية» و«المحرر» و«الفروع» على ذلك مع التَّسمية؛ لما روى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» متَّفق عليه (^٤).
الخُبْث: بإسكان الباء، قاله أبو عُبَيد (^٥)، ونقل القاضي عِياض: أنَّه أكثر روايات الشُّيوخ، وفسَّره بالشر، والخبائث بالشياطين، فكأنَّه (^٦) استعاذ من الشَّرِّ وأهله (^٧).
وقال الخطابي: (هو بضم الباء، وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنَّه استعاذ من ذكرانهم (^٨) وإناثهم) (^٩)، وقيل: الخُبْث: الكفر، والخبائث: الشياطين.
(وَمِنَ (^١٠) الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وفي (^١١) «البُلْغة» ك
_________________
(١) في (أ): في.
(٢) في (أ): فيقدم.
(٣) في (ب) و(و): وشرطه.
(٤) أخرجه البخاري (١٤٢) ومسلم (١٢٢).
(٥) في (و): أبو عبيدة. والصواب المثبت، ينظر: غريب الحديث ٢/ ١٩٢.
(٦) في (أ) و(ز): وكأنه.
(٧) ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٢٢٨.
(٨) في (و): ذكران الشياطين.
(٩) ينظر: إصلاح غلط المحدثين ص ٢٢.
(١٠) قوله: (ومن) سقط من (و).
(١١) في (و): كذا في.
[ ١ / ١٠٠ ]
«المُقْنِع»، وكذا في (^١) «الوجيز»، غير أنَّه لم يذكر الاستعاذة من الخبث والخبائث؛ لما روى أبو أمامة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يعجزْ أحدكم إذا دخل مرفِقه أن يقول: اللهم إنِّي أعوذ بك من الرِّجس النِّجْس الشَّيطان الرَّجيم» رواه ابن ماجه (^٢).
قال الجوهري: (الرِّجْس القذر) (^٣)، والنَّجِس اسم فاعِل من نجُس ينجُس فهو نجِس، قال الفراء (^٤): (إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه) (^٥)؛ أي: قالوه بكسر النون وسكون الجيم.
والشَّيطان: مشتق من شطَن؛ أي: بَعُد، يقال: دارٌ شَطُونٌ؛ أي: بعيدةٌ، سمِّي بذلك لبعده من رحمة الله تعالى. وقيل: من شَاطَ؛ أي: هلك، سمِّي به (^٦)؛ لهلاكه بمعصية الله تعالى.
والرَّجيم: نعت (^٧) له، وهو بمعنى (^٨) راجم؛ أي: يرجم غيره بالإغواء، أو بمعنى مرجوم؛ لأنَّه يُرجم بالكواكب عند استراقِه السَّمعَ.
(وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله
_________________
(١) قوله: (كالمقنع وكذا في) سقط من (و).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٩٩)، وهو حديث ضعيف، في إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، والراوي عنه: عبيد الله بن زحر الإفريقي وهو مختلف في توثيقه وتضعيفه، وله مناكير، وأغلب الأئمة على تليين حاله. ينظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٣٦.
(٣) ينظر: الصحاح ٣/ ٩٣٣.
(٤) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، المعروف بالفراء، كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، من مصنفاته: الحدود، والمعاني، واللغات وغيرها، توفي سنة ٢٠٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٦/ ١٧٦، الأعلام ٨/ ١٤٥
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٠.
(٦) في (أ): بذلك.
(٧) في (أ): مقت.
(٨) في (أ): معنى.
[ ١ / ١٠١ ]
ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتَمه» رواه الخمسة إلَّا أحمد، وصحَّحه التِّرمذي (^١).
وقد صحَّ: «أنَّ نقش خاتمه: محمَّدٌ رسولُ الله» (^٢)، ولأنَّ الخلاء موضِع القاذُورات، فشرع تعظيم اسم الله، وتنزيهه عنه.
والمذهب: أنَّه يكره دخوله بما فيه ذكر الله تعالى بلا حاجة، فلو لم يجد من يحفظه له، أو خاف ضياعه؛ فلا بأس حيث أخفاه، قال أحمد: (الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفِّه) (^٣)، وقال في الرَّجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: (أرجو ألا يكون به بأس) (^٤).
وفي «المستوعب»: أنَّ إزالة ذلك أفضل، وجزم بعضهم بتحريمه كمصحف.
ويتوجَّه: أنَّ اسم الرسول كذلك، وأنَّه لا يختصُّ بالبنيان.
(وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ)، على العكس من المسجد ونحوه؛ لأنَّ اليسرى للأذى، واليمنى لما سواه؛ لأنَّها أحقُّ بالتَّقديم إلى الأماكن الطَّيِّبة، وأحقُّ بالتَّحيُّزِ (^٥) عن الأذى ومحلِّه، ولهذا قُدِّمت في (^٦) الانتعال دون النزَّع؛ صيانةً لها؛ لما روى الحكيم الترمذي عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٥٢١٣)، وابن ماجه (٣٠٣)، قال أبو داود: (هذا حديث منكر)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب)، وأعله النسائي والدارقطني وغيرهما. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣١٤.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٠٦)، من حديث أنس ﵁ بلفظ: «وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر».
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٩٦.
(٤) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٥.
(٥) في (ب): بالتحرز.
(٦) في (و): من.
[ ١ / ١٠٢ ]
أبي هريرة أنه قال: «من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر» (^١).
وقد يفهم من لفظ الدخول والخروج؛ اختصاص ذلك بالبنيان، وليس كذلك، بل يقدِّم يسراه إلى موضع جلوسه في الصحراء، ويمناه عند مُنصَرَفه.
(وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ)؛ لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمِّه - وقد سمَّاه بعض الرُّواة: القاسم بن محمَّد - عن ابن عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتَّى يدنوَ من الأرض» (^٢)، ولأنَّ ذلك أسترُ له.
وهذه الكراهة مقيَّدة بعدم الحاجة، ولكن المؤلف تبع النَّصَّ الوارد، والمراد: أنَّه لم يستكمل الرَّفع حتَّى يدنو (^٣)، فلو عبَّر بقوله: يرفع ثوبه شيئًا فشيئًا؛ كان أولى، ولعلَّه يجب إن (^٤) كان ثَمَّ من ينظره.
(وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى)؛ لحديث سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتَّكئ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى» رواه الطَّبراني والبيهقي (^٥)، ولأنَّه أسهل لخروج الخارج، فعلى هذا تكون اليمنى منصوبة؛
_________________
(١) لم نقف عليه في كتب الحكيم الترمذي المطبوعة، ولا في غيرها من الكتب الحديثية المسندة. وقوله: (لما روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: «من بدأ برجله اليمنى قبل يساره إذا دخل الخلاء ابتلي بالفقر») زيادة من الأصل.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤)، من طريق الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر ﵁، والترمذي (١٤) والدارمي (٦٩٣)، من طريق الأعمش عن أنس، قال الترمذي: (وكلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي ﷺ، وقال الدارقطني: (والحديث غير ثابت، عن الأعمش). ينظر: العلل ١٢/ ٩٢.
(٣) زاد في (أ) و(و): من الأرض.
(٤) في (أ) و(ز): إذا.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦٦٠٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤٥٧)، وفي إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف، وفيه أيضًا راوٍ مجهول، وضعَّف الحديث الحازميُّ، والنوويُّ، وابنُ دقيق العيد وغيرهم. ينظر: البدر المنير (٢/ ٣٣١)، الضعيفة للألباني (٥٦١٦).
[ ١ / ١٠٣ ]
إكرامًا لها.
(وَلَا يَتَكَلَّمُ)؛ أي: يُكره أن يتكلَّم ولو بردِّ سلام، نصَّ عليه (^١)؛ كابتدائه؛ لما روى ابن عمر: «أنَّ رجلًا مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه» رواه مسلم وأبو داود، وقال: روي (^٢) «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تيمَّم، ثمَّ ردَّ على الرَّجل السَّلام» (^٣).
وكلامه (^٤) شامل لذكر الله تعالى بلسانه، وجوَّزه ابن سيرين والنَّخعي (^٥)؛ لأنَّ ذكر الله محمود على كلِّ حال، وما ذكرناه أولى؛ لأنَّه ﵇ لم يردَّ السَّلام الواجب، فذِكْر الله تعالى أولى.
فلو عطَس حمد الله بقلبه، ذكره الأصحاب. وعنه: وبلفظه، ذكره ابن عقيل؛ لعموم الأمر به.
وكذا إجابة المؤذِّن، ذكره أبو الحسين وغيره.
وجزم صاحب «النظم» (^٦) بتحريم القراءة في الحُشِّ وسطحه وهو متوجِّهٌ على حاجته.
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣١.
(٢) في (و): يروى.
(٣) أخرجه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (١٦).
(٤) في (و): وسلامه.
(٥) هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد النَّخعي، مفتي الكوفة، كان صالحًا، ثقةً، فقيهًا، سمع من المغيرة بن شعبة وأنس بن مالك ﵃، توفي سنة ٩٦ هـ. ينظر: التاريخ الكبير ١/ ٣٣٣، والثقات ٤/ ٨.
(٦) هو محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي، المرداوي، الفقيه المحدث النحوي، ممن قرأ عليه العربية: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، من مصنفاته: القصيدة الطويلة الدالية في الفقه، ومجمع البحرين ولم يتمه، والفروق، توفي سنة ٦٩٩ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ٤/ ٣٠٧، المقصد الأرشد ٢/ ٤٦٠.
[ ١ / ١٠٤ ]
ويُستثنَى منه: ما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو حيَّةً تقصد إنسانًا؛ لم يكره إنذاره.
(وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ)؛ لأنَّه مضرٌّ عند الأطباء، قيل: إنَّه يدمي الكبد، وقيل: يورث الباسور. قال جدي رحمه الله تعالى (^١): وهو كشف لعورته خلوة بلا حاجة.
وفي أخرى: يحرم، اختاره المجد وغيره، وحكى أبو المعالي: أنَّها مسألة سترها عن الملائكة والجن.
ولا يديم النَّظر إلى عورته.
(فَإِذَا خَرَجَ (^٢) قَالَ: غُفْرَانَكَ)، هو منصوب على المفعولية؛ أي: أسألك غفرانك، مأخوذ من الغَفْر، وهو الستر، وسرُّه: أنَّه لما خلص من النَّجو المثقل للبدن؛ سأل الخلاص ممَّا يثقل القلب، وهو الذَّنب؛ لتكمل الراحة.
(الْحَمْدُ لِلهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي)؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عنِّي الأذى، وعافاني» رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم، وقد
_________________
(١) يريد به جد أبيه صاحب الفروع، وهو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي، لتطابق النقل ههنا مع ما في الفروع، وقد يريد بقوله: جدي؛ شيخه والد أبيه، عبد الله بن محمد، كما عبر بذلك في كتابه المقصد الأرشد ٢/ ٥١٨. فليتنبه. وجد أبيه هو: شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي، قال ابن القيم: (ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح)، من مصنفاته: الفروع، وله حاشية على المقنع، وكتاب في الأصول، توفي سنة ٧٦٣ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ٢/ ٥٢٠.
(٢) زيد في الأصل: (من الخلاء) وكتب فوقها: حاشية.
[ ١ / ١٠٥ ]
ضعَّفه الأكثر (^١).
وفي «مصنف عبد الرَّزَّاق»: «أنَّ نوحًا ﵇ كان يقول إذا خرج: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته، وأبقى فيَّ منفعته، وأذهب عنِّي أذاه» (^٢).
مسائل: يُستحبُّ له تغطية رأسه، ولا يرفعه ولا بصرَه إلى السَّماء، ولا يبصُق على بوله؛ لأنَّه يورث الوسواس، وأن ينتعل ويتنحنح، زاد بعضهم: ويمشي خطوات، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (هذا بدعة) (^٣).
(فَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ)، هو ما اتَّسع من الأرض؛ (أَبْعَدَ)؛ لما روى جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أراد البراز؛ انطلق حتَّى لا يراه أحد» رواه أبو داود (^٤)، وصرَّح السَّامَرِّي باستحباب ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٠١)، من حديث أنس ﵁، وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وله شاهد من حديث أبي ذر عند النسائي في الكبرى (٩٨٢٥)، ورجح الدارقطنيُّ وقفه على أبي ذر ﵁، وليس في لفظ ابن ماجه والنسائي قول: «غفرانك»، ولهذه اللفظة شاهد من حديث عائشة ﵂: أخرجه أبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في الكبرى (٩٨٢٤): أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك»، وحسنه الترمذي وغيره. ينظر: العلل للدارقطني ٦/ ٢٣٥.
(٢) لم نقف عليه في مصنف عبد الرزاق، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٩)، عن هشيم، عن العوام قال: «حُدثت أن نوحًا» وذكره. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٥)، من حديث ابن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وفي سنده حِبَّان بن علي العنزي، وإسماعيل بن رافع، وهما ضعيفان. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥٤)، عن عائشة ﵂ مرفوعًا، وفيه الحارث بن شبل وهو ضعيف. ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٣٤.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٠٦.
(٤) أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣٣٥)، وفي سنده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير الأسدي أغلب الأئمة على تضعيفه، وللحديث شواهد أخرى. ينظر: تهذيب الكمال للمزي ٣/ ١٤١، الصحيحة للألباني (١١٥٩).
[ ١ / ١٠٦ ]
(وَاسْتَتَرَ) بما (^١) أمكنه من حائش نخل أو كثيب رمل؛ لما روى عبد الله بن جعفر قال: «كان أحبَّ (^٢) ما استتر به النَّبيُّ ﷺ لحاجته هدفٌ، أو حائشُ نخل» رواه مسلم (^٣)، وفُسِّر بأنَّه: جماعة (^٤)؛ لا واحد له من لفظه، ولأنَّ ذلك جهده في ستر العورة المأمور (^٥) بها، وذكر السَّامَرِّيّ أنَّه ينبغي ذلك.
(وَارْتَادَ)؛ أي: طلَب (مَكَانًا رَخْوًا)، يجوز فيه فتح الراء وكسرها، ومعناه: ليِّنًا هَشًّا أو عالٍ، أو يلصق ذكره بالأرض الصلبة؛ لما روى أبو موسى قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثًا في أصل جدار، فبال، ثم قال: «إذا بال أحدكم فليرتد لبوله» رواه أحمد وأبو داود (^٦)، ولأنَّه (^٧) يأمن بذلك من رشاش البول.
(وَلَا يَبُولُ فِي شَقٍّ)، بفتح الشين، واحد الشقوق، (وَلَا سَرَبٍ)، بفتح السين والراء، عبارة عن الثَّقْب، وهو ما يتَّخذه الدَّبِيب والهوامُّ بيتًا في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُبال في الجُحر»، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال: إنَّها مساكن الجن. رواه أحمد، وأبو داود (^٨).
_________________
(١) في (أ): ما.
(٢) قوله: (أحب) سقط من (و).
(٣) أخرجه مسلم (٣٤٢).
(٤) زاد في (و) و(ز): النخل.
(٥) في (أ): والمأمور.
(٦) أخرجه أحمد (١٩٥٣٧)، وأبو داود (٣)، وإسناده ضعيف؛ فيه راو مبهم، وضعف الحديثَ البغويُّ، والعراقيُّ. ينظر: الضعيفة للألباني (٢٣٢).
(٧) زيد في (ب): لا.
(٨) أخرجه أحمد (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩) وفي سماع قتادة من ابن سرجس خلاف، نفاه أحمد وأثبته ابن المدني وأبو حاتم، وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن والنووي وابن الملقن. ينظر: الخلاصة ١/ ١٥٦، البدر المنير ٢/ ٣٢٠.
[ ١ / ١٠٧ ]
وقد رُوي أنَّ سعد بن عُبادة بال بجُحر بالشَّام، ثمَّ استلقى ميتًا، فسُمع من (^١) بئر بالمدينة (^٢) يقول:
نحن قَتَلْنا سيِّد الخزْ … رجِ سَعدَ بن عُباده
ورميناه بسَهميْـ … ـن فلم نُخْطِ فؤاده
فحفظوا ذلك اليوم، فوجدوه اليومَ الذي مات فيه سعدٌ (^٣).
ولأنَّه يخاف أن تخرج ببوله دابة تؤذيه، أو تردُّه عليه فتنجسه.
والمراد بهذا النَّهي الكراهة، صرَّح به في «الفروع»؛ كمَوْرد ماء، وفم بَالُوعَة.
وكذا يكره على نار؛ لأنَّه يورث السقم، ورمادٍ، قاله في «الرعاية». ومثلُه على قَرع (^٤)، وهو الموضع المتجرِّد من النبت بين بقايا منه.
(وَلَا طَرِيقٍ)، وقيَّده ابن تميم: بأن يكون مأتيًّا، والأشهر عدمه.
_________________
(١) في (أ) و(ز): في.
(٢) زاد في (و) و(ز): قائلًا.
(٣) أخرجه الحارث كما في بغية الباحث (٦٧)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٥٣٥٩)، ورواه أبو الشيخ في العظمة ٥/ ١٦٧٢، والحاكم في المستدرك (٥١٠٢)، وابن سعد في الطبقات ٣/ ٦١٧، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣١٢٠)، عن ابن سيرين مرسلًا أيضًا. قال الهيثمي: (ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة). وأخرجه عبد الرزاق (٦٧٧٨)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٥١٠٣)، والطبراني في الكبير (٥٣٦٠)، عن قتادة مرسلًا. قال الهيثمي: (وقتادة لم يدرك سعدًا أيضًا). ومجموع المراسيل يقوي القصة، قال ابن عبد البر: (ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله، وقد اخضرَّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول …)، ثم ذكر القصة. ينظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٠٦، الاستيعاب ٢/ ٥٩٩.
(٤) قوله: (قرع) كذا في النسخ الخطية، وهو موافق لما في لسان العرب ٨/ ٢٦٩، خلافًا لما في بعض كتب المذهب المطبوعة.
[ ١ / ١٠٨ ]
(وَلَا ظِلٍّ نِافِعٍ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتقوا اللاعنيْن، قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق النَّاس، أو في ظِلِّهم» رواه مسلم (^١).
ففي إضافة الظِّلِّ إليهم دليل على أنَّ المراد المنتفع به، ولم يقيِّده في «المستوعب» به (^٢)، والأصحُّ ما ذكرنا (^٣).
(وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ)، هي التي أثمرت أو قرب ثَمَرُها؛ لأنَّه يفسد على النَّاس ثمرهم، أو تعافها (^٤) النَّفس، فأمَّا إذا لم تكن مثمرة، أو ليس وقت ثمر (^٥)؛ جاز إن لم يكن ظلًّا نافعًا؛ لأنَّ أثرها يزول بالأمطار (^٦) وغيرها إلى مجيء الثَّمر، ذكره في «شرح العمدة» (^٧).
ودَلَّ (^٨) كلامه: أنَّ الغائط أشدُّ من البول لغلاظته، ولا يطهر بصبِّ الماء عليه.
تذنيب: لا يبول في راكِدٍ، نصَّ عليه (^٩)، وإن بلغ حدًّا لا يمكن نَزْحُه، وأطلق البغدادي (^١٠) تحريمه فيه، ولا يجوز أن يتغوَّط في جارٍ لبقاء أثرِه، وقد
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩).
(٢) قوله: (به) سقط من (و).
(٣) كتب على حاشية (و): (قلت: لا يبعد أنَّ الصحيح تقييده كما قيد الظل بكونه نافعًا، انتهى). وعليها إشارة نسخة.
(٤) في (ب) و(و): وتعافها.
(٥) في (و): ثم.
(٦) في (و): بالإمكان.
(٧) لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم نجده فيه لوجود سقط في المطبوع في هذا الموطن.
(٨) في (أ): وردَّ.
(٩) ينظر: مسائل صالح ١/ ٢١٠.
(١٠) هو تقي الدين أحمد بن محمد الأدمي البغدادي، من مصنفاته: المنتخب، المنور في راجح المحرر، سمع منه ابن رجب وقال: (كان صالحًا دينًا)، توفي سنة نيف وأربعين وسبعمائة. ينظر: تاريخ ابن شهبة ٢/ ٦٥٧، الدر المنضد ٢/ ٤٩٩. وليس هو الآمدي البغدادي كما في المطبوع من الفروع، ولعله تصحيف، فإن المرداوي نقل عنه هذه المسألة بقوله: (وأطلق الأدمي البغدادي في «منتخبه» تحريمه فيه، وجزم به في «منوره»). ينظر: المنور في راجح المحرر ص ١٤٤، الإنصاف ١/ ٢٠٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
صرَّح به ابن تميم، قال في «الشرح»: فأمَّا البول فيه فلا بأس به إذا كان كثيرًا، وظاهر كلام غيره الجوازُ مطلقًا.
ولا يبول في موضع الوضوء والغسل (^١)، نصَّ عليه (^٢)؛ للنَّهي عنه، فإن بال وصبَّ عليه الماء وكان ممَّا لا يقف عليه؛ فلا كراهة، وفي «المغني» روايتان.
والمنصوص: أنَّه يجوز في إناء بلا حاجة، وقدَّم (^٣) في «الرعاية»: أنَّه يكره من غير حاجة.
ولا يبول على ما له حُرمة، ولا على ما نُهي عن الاستجمار به؛ لحُرمته، وفي «النهاية»: يكره على الطَّعام؛ كعلَف دابة، قال في «الفروع»: وهو سهو.
فرع: يكره أن يتوضَّأ على موضع بوله، أو يَستنجيَ عليه؛ لئلَّا يتنجَّس به، فلو كان في الأبنية المتَّخذة لذلك (^٤) فلا ينتقل منها (^٥)؛ للمشقَّة، أو كان بالحجر؛ لم يكره؛ لأنَّه لو انتقل لنضح (^٦) بالنَّجاسة.
(وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (^٧)؛ لأنَّه روي أنَّ معهما ملائكة، وأنَّ
_________________
(١) في (و): أو الغسل.
(٢) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٣٧، مسائل ابن منصور ٢/ ٣٣٢.
(٣) في (أ): وتقدم.
(٤) في (و): كذلك.
(٥) في (و): فيها.
(٦) في (ب) و(و): لتلطخ.
(٧) في (و): ولا القمر.
[ ١ / ١١٠ ]
أسماء الله مكتوبة عليهما، وأنَّهما يلعنانه (^١)، وبهما يستضيء أهل الأرض، فينبغي احترامهما، وكالرِّيح، وإن استتر عنهما بشيء؛ فلا بأس.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) عند التَّخلِّي (فِي الْفَضَاءِ)؛ لما روى أبو أيُّوب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» رواه البخاري ومسلم، وله معناه من حديث أبي هريرة (^٢)، ولأنَّ جهة القبلة أشرف الجهات، فصِينَتْ عن ذلك.
وعن أحمد: يجوز، وهو قول عروة وربيعة وداود؛ لما روى جابر قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن نستقبل (^٣) القبلة ببول (^٤)، فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها» رواه أحمد والتِّرمذي، وقال: (حسن غريب)، وصحَّحه البخاري (^٥).
لا يقال: هذا ناسِخٌ للأوَّل؛ لأنَّه يحتمل أنَّه رآه في البنيان، أو مستَتِرًا بشيء، أو يكون خاصًّا به، فلا يثبت النَّسخ بالاحتمال، ويجب حمله على ذلك توفيقًا بين الدَّليلين.
وجوَّزه في «المُبهج» (^٦) إذا كانت الرِّيح في غير جهتها.
_________________
(١) قال الألباني في الضعيفة ٢/ ٣٥٠: (وهذا التعليل مما لا أعرف له أصلًا في السنة).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤)، من حديث أبي أيوب ﵁، وعند مسلم (٢٦٥)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها».
(٣) في (أ): يستقبل.
(٤) قوله: (ببول) سقطت من (أ).
(٥) أخرجه أحمد (١٤٨٧٢)، وأبو داود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥)، وابن خزيمة (٥٨)، وابن حبان (١٤٢٠)، قال الترمذي: (حسن غريب)، وصححه البخاري، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الملقن وأجاب على من تكلم فيه، انظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ١٥١)، البدر المنير (٢/ ٣٠٧).
(٦) في (و): المنهج.
[ ١ / ١١١ ]
وعلى المنع؛ يكفي انحرافه عن الجهة، نقله أبو داود (^١)، ومعناه في الخلاف، وظاهر كلام المجد وحفيده: لا يكفي (^٢).
(وَفِي اسْتِدْبَارِهَا فِيهِ)؛ أي: في الفضاء (وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ)، وجملته أنَّ الرِّواية عن أحمد قد اختلفت:
ففي رواية: أنَّه يجوز الاستدبار في الفضاء والبنيان؛ لحديث ابن عمر قال: «رقِيت على بيت حفصة، فرأيت النَّبيَّ ﷺ على حاجته، مستقبِل الشَّام، مستدبِر الكعبة» متَّفق عليه (^٣)، والظَّاهر أنَّه كان في الفضاء.
وفي ثانية: بالمنع فيهما، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها» رواه مسلم (^٤).
وفي ثالثة: جوازهما في البنيان فقط، صحَّحه في «الشرح»، وذكر ابن هبيرة أنَّه الأشهر عنه، وقدَّمه في «المحرر»، واختاره الأكثر؛ لما روى الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته، ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: «إنَّما نُهي عن هذا في الفضاء، إذا (^٥) كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا» رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم، وقال: على (^٦) شرط البخاري، والحسن ضعَّفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه أباطيل، وقوَّاه جماعة، وروى له البخاري (^٧).
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥.
(٢) ينظر: الاختيارات ص ١٥.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٥).
(٥) في (و): أما إذا.
(٦) قوله: (على) سقط من (و).
(٧) أخرجه أبو داود (١١)، وابن خزيمة (٦٠)، وابن الجارود (٣٢)، والحاكم في المستدرك (٥٥١)، والدارقطني (١٦١)، والحازمي في الاعتبار (ص ٣٨)، قال الدارقطني: (هذا صحيح، كلهم ثقات)، وحسنه الحازمي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري)، وفيه نظر، فإن صفوان بن عيسى خرَّج له مسلم ولم يخرج له البخاري، قال ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٤١: (سنده لا بأس به)، وحسنه الألباني. وأما الحسن بن ذكوان فقد خرَّج له البخاري حديثًا واحدًا في المتابعات كما ذكر الحافظ في الفتح، واختلف فيه الحفاظ، فتكلم فيه أحمد وابن معين وغيرهما، وقبل حديثه ابن عدي وابن حبان وغيرهما، وأورده الذهبي في الميزان، وقال عنه: (صالح الحديث)، وفي التقريب: (صدوق يخطئ، ورُمي بالقدر، وكان يدلس). ويشكل على الأثر أيضًا عنعنة ابن ذكوان، فإنه كان يدلس حتى عن الكذابين كما قال أحمد في رواية الأثرم عنه. ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٩٠.
[ ١ / ١١٢ ]
فهذا تفسير لنهيه ﵇ العام، فتحمل أحاديث النَّهي على الفضاء، وأحاديث الرُّخصة على البنيان.
وفي رابعة: يحرم استقبالها في البنيان، قدَّمها جماعة؛ لعموم النَّهي.
وفي خامسة: يجوز، قدَّمها في «المحرر»، وذكر في «الشرح»: أنَّها أولى؛ لما ذكرنا.
وعلم منه: أنَّه لا يكره استقبال بيت المقدس، وهو ظاهر ما في «الخلاف»، وحُمِل النَّهي حين كان قِبلة، ولا يسمَّى بعد النَّسخ قبلة.
ونقل حنبل: يكره وش (^١)؛ لبقاء حرمته.
فرع: يكفي الاِستتار في الأَشهر بدابَّةٍ أو جِدارٍ ونحوه، وفي إرخاء ذيله (^٢) وجهان، وظاهره: لا يُعتبر قُربه منها؛ كما لو كان في بيت (^٣).
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه وجهٌ: كسترة صلاة).
_________________
(١) ينظر: المجموع للنووي ٢/ ٨٠، نهاية المحتاج ١/ ١٣٦.
(٢) في (أ) و(ز): ثوبه.
(٣) في (و): بيته.
[ ١ / ١١٣ ]
ويكره استقبالها باستنجاء.
(فَإِذَا فَرَغَ)؛ أي: من قضاء حاجته، (مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى)؛ لما روت (^١) عائشة قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان من أذىً» رواه الشيخان (^٢).
(مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ)؛ وهو الدرز الذي تحت الأنثيين من حلقة الدُّبر، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذَّكر، والإبهام فوقه من مجامع العروق (إِلَى رَأْسِهِ)؛ لئلَّا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل.
(ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا)؛ نصَّ عليه (^٣)، برفق؛ لما روى عيسى بن يزداد (^٤)، عن أبيه مرفوعًا قال: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» رواه أحمد وأبو داود (^٥)، ولأنَّه بالنَّتر يستخرج ما عساه أن يبقى (^٦) ويخشى عَوده بعد الاستنجاء، هذا هو الاستبراء.
فإن احتاج إلى مشْيٍ؛ مشَى (^٧) خطوات، قيل: أكثرها سبعون خطوة. قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ذلك بدعة) (^٨).
_________________
(١) في (و): روي.
(٢) هذا اللفظ الذي ذكره المصنف أخرجه أحمد (٢٦٢٨٣)، وأبو داود (٣٣)، ولفظ البخاري (١٦٨): «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»، ومسلم (٢٦٨) بنحوه، بتقديم وتأخير.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٢١٢، سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨.
(٤) في (أ): داود.
(٥) أخرجه أحمد (١٩٠٥٣)، وأبو داود في المراسيل (٤)، وابن ماجه (٣٢٦)، ورجح أبو حاتم إرساله، وحكى النووي الاتفاق على تضعيفه. ينظر: العلل (٨٩)، المجموع شرح المهذب ٢/ ٩١.
(٦) قوله: (ما عساه أن يبقى) بدلها في (أ): أن يبل.
(٧) قوله: (مشى) سقط من (ب) و(و).
(٨) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٠٦.
[ ١ / ١١٤ ]
ويتوجَّه: إن لم يستبرئ خرج منه شيء، وجب.
(وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ)؛ لما روى أبو قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يُمسكَنَّ (^١) أحدُكم ذكره بيمينه وهو يبول» متَّفق عليه (^٢).
وظاهره: اختصاص النَّهي بحالة البول، قال ابن المُنجَّى: وإنَّما لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى لوضوحه.
(وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِهَا)، صرَّح في «الوجيز» بالكراهة فيهما، واقتصر في «المحرَّر» على الثَّاني؛ لما روى سلمان قال: «نهانا رسول الله ﷺ عن كذا، وأن نستنجي باليمين» رواه مسلم، وفي حديث أبي قتادة: «ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه» (^٣).
ثم إن كان يستجمر من غائطٍ؛ أخذ الحَجَر بيساره فمسح به، وإن كان من بولٍ؛ أمسك ذكره بشماله، ومسحه على الحجر، فإن كان صغيرًا ولم يمكنه وضعه بين عقبيه، وإلا أمسك الحجر بيمينه، ومسح بيساره.
وفيه (^٤) وجه: يمسك ذكرَه بيمينه، ويمسحه بيساره. والأوَّل أولى.
وبكلِّ حال تكون اليسرى هي المتحرِّكة؛ لأنَّ الاستجمار إنَّما يحصل بالمتحرِّكة.
فإن كان أقطع اليسرى أو بها مرض؛ استجمر بيمينه للحاجة، قال في «التَّلخيص»: يمينُه أولى من يسار غيره.
(فَإِنْ فَعَلَ؛ أَجْزَأَهُ) مع الكراهة؛ لأنَّ الاستجمار بالحجر لا باليد، فلم
_________________
(١) في (و): يمس.
(٢) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٢).
(٤) في (أ): وفي.
[ ١ / ١١٥ ]
يقع النَّهي على ما يُستنجى به (^١)؛ لكون أن النَّهيَ نهيُ تأديب لا تحريم. وقيل: يحرم ويصحُّ.
فرع: تباح المعونة بيمينه في الماء للحاجة.
(ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ) مع خوف التَّلوُّث؛ لئلَّا يتنجَّس.
وهذا واجب، ولو لم يزد على درهم (^٢).
(ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ (^٣)، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ)، وجمعهما أفضل؛ لقول عائشة: «مُرن أزواجكن أن يُتبعوا الحجارة الماء، فإنِّي أستَحْييهم، فإنَّ رسول الله ﷺ كان يفعله» رواه أحمد واحتجَّ به في رواية حنبل، والنَّسائي، والتِّرمذي وصحَّحه (^٤)، ولأنَّه أبلغ في الإنْقاء وأنظف؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل عينَ النَّجاسة، ولا تباشرها يدُه، والماء يزيل أثرَها.
فإن بدأ بالماء؛ فقال أحمد: يكره (^٥).
(وَيُجْزِئُهُ أَحَدُهُمَا)؛ أمَّا الماء؛ فلما روى أنس قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا خرج لحاجته، أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء؛ فيستنجي به» متَّفق
_________________
(١) في (أ): منه.
(٢) أي: يجب الاستنجاء ولو لم يزد الخارج من النجاسة على مقدار الدرهم، يشير بذلك إلى قول الحنفية: أن النجاسة إن كانت أقل من مقدار درهم فالاستنجاء حينئذ سنة. وعبارة الفروع: (ثم يتحول للاستنجاء مع خوف التلوث، وهو واجب "م ر" ولو لم يزد على درهم "هـ" لكل خارج). ينظر: البناية شرح الهداية ١/ ٧٤٨، الفروع ١/ ١٣٦.
(٣) قوله: (ثم يستجمر) سقطت من (أ).
(٤) أخرجه أحمد في مواضع منها (٢٤٦٢٣)، والترمذي (١٩)، والنسائي (٤٦)، ولفظ أحمد: «أن نسوة من أهل البصرة دخلن عليها، فأمرتهن أن يستنجين بالماء، وقالت: مرن أزواجكن بذلك، فإن النبي ﷺ، كان يفعله»، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ورواية حنبل في احتجاج أحمد به ذكرها في شرح العمدة ١/ ١٢٢.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ١٣٧.
[ ١ / ١١٦ ]
عليه، ولفظه لمسلم (^١).
ويواصِل صبَّ الماء، ويسترخي قليلًا، ويدلُك الموضع حتَّى يَخشُن ويَنقَى.
وأما الأحجار؛ فلقوله ﵇ في حديث جابر: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطِب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد، وأبو داود (^٢).
ولكن الماء أفضل في ظاهر المذهب؛ لأنَّه يزيل العين والأثر، ويطهر المحل، والحجرُ يخفف النَّجاسة، وكان القياس يقتضي عدم إجزائه، لكن أجزأ رخصةً.
وعنه: يكره الاستنجاء وحده؛ لأنَّ فيه مباشرة النَّجاسة بيده، ونشرَها من غير حاجة.
وعنه: الحجرُ أفضل، اختاره ابن حامد.
والاقتصار عليه مجزئ بالإجماع، فأمَّا ما نُقل عن سعد بن أبي وقاص (^٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٠)، ومسلم (٢٧١).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ من حديث عائشة ﵂ أحمد (٢٥٠١٢)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والدارقطني (١٤٧) وقال الدارقطني: (متصل صحيح)، وصححه الألباني. وأما حديث جابر فلفظه: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا» وأخرجه أحمد (١٥٢٩٦) وابن خزيمة (٧٦)، وهو في مسلم (١٣٠٠)، أيضًا بلفظ: «وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتوٍّ». ينظر: علل الدارقطني ١٤/ ٢٠٥، الإرواء ١/ ٨٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٨٦)، عن إبراهيم، أو مالك بن الحارث: مَرَّ سعدٌ برجل يغسل مباله، فقال: «لم تخلطوا في دينكم ما ليس منه»، ومالك بن الحارث هو النخعي المعروف بالأشتر، أدرك الجاهلية وكان من أصحاب عليٍّ في مشاهده كلها، وإبراهيم النخعي لم يلق أحدًا من الصحابة كما قال ابن المديني، إلا أن مراسيل النخعي من أحسن المراسيل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣١/ ٣٥٣. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣٠٣)، عن الشعبي، بنحوه، وإسناده صحيح، والشعبي يروي عن سعد بن أبي وقاص، ولم نقف على سماعه منه، وقد كان يرسل عن جماعة من الصحابة، إلا أنه من كبار التابعي، وقد ذكر أنه أدرك أكثر من خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ، وهو كوفي، وسعدٌ ولي الكوفة لعمر وعثمان ﵃ جميعًا، فيشبه أن يكون قد سمع من سعد.
[ ١ / ١١٧ ]
وعبد الله بن الزُّبير (^١)، وابن المسيِّب، وعطاء، من إنكار الماء (^٢)، فهو - والله أعلم - إنكار على من يستعمله معتقدًا لوجوبه، ولا يرى الأحجار مجزئة، لأنَّهم شاهدوا من النَّاس محافظة عليه، فخافوا التَّعمُّق في الدِّين.
(إِلَّا أَنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ)، جزم به في «المستوعِب» و«التَّلخيص» و«الوجيز»، مثل أن ينتشر إلى الصَّفحتين، أو يمتدَّ إلى الحَشَفة كثيرًا، اقتصر عليه في «الشرح» وحده.
وفي «شرح العمدة» (^٣): (إلى النِّصف من الأَلْية والحَشَفة فأكثر، فإن كان أقلَّ من ذلك عُفي عنه)، وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في «الهداية»، وظاهر «المحرر» أنَّها إذا تعدَّت عن مخرجِها مطلقًا، (فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْمَاءُ)؛ لأنَّ الأصل وجوب إزالة النَّجاسة بالماء، وإنَّما رُخص في الاستجمار لتكرُّر (^٤) النَّجاسة على المحلِّ المعتاد، فإذا جاوزته خرجت عن حدِّ الرُّخصة، فوجب غسلها كسائر البدن، والغسل للمُتَعدِّي نصَّ عليه (^٥)، وبه قطع ابن تميم، ونفس المخرَج يجزئ فيه الاستجمار.
وجزم (^٦) في «الوجيز»، وهو مقتضى كلامه في «المحرَّر»: أنَّ الماء متعيِّن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٩١)، عن عبيد الله بن القبطية، عن ابن الزبير، أنه رأى رجلًا يغسل عنه أثر الغائط، فقال: «ما كنا نفعله»، وإسناده صحيح.
(٢) روى مالك في الموطأ (٣٤)، عن ابن المسيب ذلك بإسناد صحيح. وعلق ابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٤٧، عن عطاء ذلك.
(٣) (١/ ١٢٦).
(٤) في (و): لتكرار.
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠.
(٦) زاد في (ز): (به).
[ ١ / ١١٨ ]
للكلِّ، وحكى ابن الزَّاغوني (^١) في «الوجيز» روايتين.
ونصَّ أحمد: أنَّه لا يستجمر في غير المخرج (^٢). وقيل: يستجمر في الصَّفحتين والحشفة، وبه قطع الشِّيرازي.
وظاهره: أنَّه لا يشترط التُّراب ولا العدد؛ لأنَّه لم ينقل.
واختلف الأصحاب فيما إذا استدَّ المخرج وانفتح غيره: فقال القاضي والشِّيرازي: يجزئه الاستجمار فيه؛ لأنَّه صار معتادًا.
ونفاه ابن حامد والمؤلف، ونصره في «الشرح»؛ لأنَّه لا يتعلَّق به أحكام الفرج، وحينئذ يتعيَّن الماء، وسواء انفتح فوق المعدة أو تحتها، صرَّح به الشِّيرازي، وقيَّده ابن عقيل والمجد بما إذا انفتح أسفل المعدة.
قال ابن تميم: (وظاهر كلامهم: إجراء الخلاف مع بقاء المخرج).
فلو يبس (^٣) الخارج في (^٤) مخرجه، أو تنجَّس بغير نجاسته؛ كالحُقنة إذا خرجت، أو استجمر بنجس؛ وجب غسل المحلِّ في الأشهر.
ويغسِل الأقْلَف المفتوق نجاسةَ حشفته، ونصَّ أحمد أنَّه يسنُّ، وقيل: حكم طرف القلفة حكم رأس الذكر، وقيل: إن تعذَّر إخراجها فهو كمختون.
تنبيهان:
الأول: البكر كالرجل؛ لأنَّ عُذرتها تمنع من انتشار البول، فأمَّا الثيب: فإن خرج البول ولم ينتشر فكذلك، وإن تعدَّى إلى موضع الحيض؛ فقال
_________________
(١) هو علي بن عبيد الله بن نصر بن السري بن الزاغوني البغدادي، أبو الحسن، أحد أعيان المذهب، تفقه على القاضي يعقوب البرزبيني، من مصنفاته: الإقناع، والواضح، والخلاف الكبير، والمفردات وغيرها، توفي سنة ٥٢٧ هـ. ينظر: المنتظم لابن الجوزي ١٧/ ٢٧٩، ذيل الطبقات ١/ ٤٠٣.
(٢) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢٣٦.
(٣) في (أ) و(ب): تيسر.
(٤) في (أ): إلى.
[ ١ / ١١٩ ]
أصحابنا: يجب غسله؛ لأنَّ مخرج الحيض غير مخرج البول.
وفي «المغني» احتمالٌ لا يجب؛ لأنَّ هذا عادة في حقِّها، فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد.
الثَّاني: يبدأ الرَّجل والبِكر بالقُبُل، وقيل: يتخيَّر كالثَّيِّب، وذكر السَّامَرِّي أنَّها تبدأ بالدُّبر، فلا تدخل إصبعها، بل يكفي ما ظهر؛ لأنَّ المشقة تلحق به كداخل العينين، وهو في حكم الباطن، وقال أبو المعالي وابن حمدان: هو في حكم الظَّاهر، واختلف كلام القاضي، ويخرَّج على ذلك إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض.
مسألة: إذا استجمر في فرج، واستنجى في آخر؛ فلا بأس، ويستحبُّ لمن استنجى نضح فرجه وسراويله بالماء؛ لدفع الوسواس، وعنه: لا لمن استجمر، ومن ظنَّ خروج شيء، فقال أحمد: لا يلتفت حتَّى يتيقَّن، ولم ير حشو الذَّكر (^١)، فإن فعل فصلَّى، ثمَّ أخرجه فوجد بللًا؛ فلا بأس، ما لم يظهر خارجًا.
(وَيَجُوزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي كَالْحَجَرِ) إجماعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ)، هذا هو الصَّحيح في المذهب؛ لما روى أحمد وأبو داود والدَّارقطني، وقال: إسناد صحيح، عن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنَّها تجزئ عنه» (^٢).
والثَّانية، واختارها أبو بكر، وهي (^٣) قول داود: لا يجزئ (^٤) إلَّا
_________________
(١) في (أ): حش الذكر. ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٣.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٧٧١)، وأبو داود (٤٠)، والدارقطني (١٤٧) وصححه. ينظر: الإرواء ١/ ٨٤.
(٣) في (أ) و(ب): وهو.
(٤) في (أ): تجزئ.
[ ١ / ١٢٠ ]
الأحجار؛ لأنَّه نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها.
والأوَّل أولى؛ لأنَّ المراد بالأحجار كلُّ مُستحْجِر، فيدخل فيه جميع الجامدات، ولقول سلمان: «أمرنا ﵇ إلَّا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم» (^١)، فلولا أنَّه يعمُّ الجميع؛ لم يكن لاستثناء الرَّجيع والعظم معنًى، وإنَّما خصَّ الحجر بالذِّكر؛ لأنَّه أعمُّ الجامدات وجودًا، وأسهلها (^٢) تناولًا.
لا يقال: المراد بالرَّجيع الحجر الذي استجمر به مرة؛ لأنَّه في اللغة اسم الرَّوث، سمِّي بذلك لأنَّ الحيوان رجعَه بعد أن أكله، يؤيِّده ما رواه أحمد من حديث رُوَيْفِع بن ثابت مرفوعًا: «من استجمر برجيع دابَّة فإنَّ محمَّدًا بريء منه» (^٣).
(إلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ)؛ لما روى ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ» رواه مسلم (^٤)، وفي رواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يُستنجى بروث أو عظم، وقال: «إنَّهما لا يطهران» رواه الدَّارقطني، وقال: (إسناد صحيح) (^٥)، وإذا ثبت ذلك في طعام الجن، ففي طعام الآدمي أولى.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢).
(٢) في (ب) و(و): وأشملها.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٩٥)، وأبو داود (٣٦)، والبزار (٢٣١٧)، وحسن إسناده، وقال النووي: (إسناده جيد)، وصححه الألباني. ينظر: المجموع (٢/ ١١٦)، تخريج سنن أبي داود للألباني (٢٧).
(٤) أخرجه مسلم (٤٥٠) في حديث طويل بنحو لفظ المصنف، وأخرجه الترمذي (١٨)، والنسائي في الكبرى (٣٩)، بلفظ المصنف.
(٥) أخرجه البخاري (١٥٥ و٣٨٦٠)، من حديث أبي هريرة بلفظ: اتبعت النبي ﷺ، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوت منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه - ولا تأتني بعظم، ولا روث»، وفي الموضع الثاني ذكر سبب النهي وأنها من طعام الجن، وأخرجه الدارقطني (١٥٢)، بلفظ المصنف، وصحح إسناده.
[ ١ / ١٢١ ]
وبالجملة: فيشترط في المستجمَر به شروط:
الأول: أن يكون جامدًا؛ لأنَّ المائع إن كان ماء فهو استنجاء، وإن كان غيره امتزج بالخارج، فيزيد المحلَّ نجاسة، ويؤخذ هذا من تمثيله بالحجر والخِرَق.
الثَّاني: أن يكون طاهِرًا، لما روى ابن مسعود: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ النَّبيُّ ﷺ الحجرين، وألقى الرَّوثة، وقال: «إنَّها لركس» رواه البخاري (^١)، والركس: النَّجس.
الثالث: أن يكون مُنقِيًا، فلا يجوز بالفحم الرخو، قاله في «الشرح» وغيره، ولا بالزجاج، ولا الحجر الأملس والبِلَّور؛ إذ المقصود الإنقاء، ولم يحصل.
الرابع: ألَّا (^٢) يكون محترمًا، فلا يجوز بطعامنا، ولا طعام دوابنا، وكذا طعام الجنِّ ودوابهم، وكذلك كتب الفقه والحديث وما فيه اسم الله تعالى؛ لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها، وإذا ثبت ذلك في (^٣) الطَّعام لحرمة الأكل؛ فههنا أولى.
وكذلك ما يتَّصل بحيوان؛ كيَده، وذنَبه، وصوفه المتَّصل به؛ لأنَّ له حرمة فهو كالطَّعام، وقد ينجس الغير.
فقوله: (وما له حرمة) يدخل فيه الطَّعام، وما يتَّصل بحيوان، فذكره كافٍ عنهما، ولهذا اقتصر في «المحرَّر» و«الوجيز» عليه (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٦).
(٢) قوله: (لا) سقط من (أ) و(ب).
(٣) في (و): من.
(٤) قوله: (عليه) هو في (ب): ولم يذكره المؤلف.
[ ١ / ١٢٢ ]
الخامس: ألَّا يكون محرَّمًا، فلا يجوز بمغصوب، ولا ذهبٍ، ولا فضَّةٍ، ذكره في «النهاية»، وجزم به في «الوجيز»، ولم يذكره المؤلف.
وقيل: يجوز بالمغصوب، وهو مخرج من رواية صحَّة الصَّلاة في بقعة غصب.
وردَّ: بأنَّ الاستجمار رخصة، والرُّخص لا تستباح على وجه محرَّم.
واختار الشَّيخ تقي الدِّين: الإجزاء في ذلك، وبما نُهي عنه، قال: (لأنَّه لم يُنهَ عنه لكونه لا يُنقي، بل لإفساده) (^١)، وفي (^٢) مذهبه: أنَّ النَّجاسة تُزال بغير الماء، وهي من باب التُّروك (^٣)، بدليل أنَّه لا يشترط لزوالها قصد.
وجوابه: رواية الدَّارقطني السَّابقة.
وحيث قيل بعدم الإجزاء؛ فإنَّه يتعيَّن الماء في الشَّرط الأول، وكذا في الثَّاني على ما قطع به المجد والمؤلف في «الكافي»، وفي «المغني» احتمال بإجزاء الحجَر، وهو وهَمٌ، وفي الثالث: يعدل إلى طاهر مُنْقٍ، وفي الرابع والخامس: هل يجزئه الحجر؛ جعلًا لوجود آلة النهي كعدمِها، أو يعدل إلى الماء لعدم فائدة الحجرِ إذن لنقاء (^٤) المحل؟ فيه وجهان.
(وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ) مُنْقِية؛ (إِمَّا بِحَجَرٍ) كبير (ذِي شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ)، إذا حصل الإنقاء بثلاثة أحجار فهي مجزئة بغير خلاف.
وأمَّا الحجر الكبير الذي له شعب؛ فيجوز (^٥) الاقتصار عليه في ظاهر المذهب، اختاره الخِرَقِي وجلُّ المشايخ.
_________________
(١) الذي في الفروع ١/ ١٤١: (وانفرد شيخنا بإجزائه بروث وعظم، وظاهر كلامه: وبما نهى عنه، قال: لأنه لم ينه عنه، لأنه لا ينقي، بل لإفساده).
(٢) في (ب) و(و): ومن.
(٣) كذا في (ب) و(و)، وفي (أ) بياض.
(٤) في (ب) و(و): لبقاء.
(٥) في (أ) و(ب): فيجزئ.
[ ١ / ١٢٣ ]
وعنه: لا بدَّ من ثلاثة أحجار، اختارها أبو بكر والشِّيرازي؛ لأنَّه ﵇ نصَّ عليها، وعلَّق الإجزاء بها، ولأنَّه إذا استجمر به تنجَّس؛ فلم يَجُز كالصَّغير.
والأوَّل أصحُّ؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا تغوَّط أحدكم فليتمسَّح ثلاث مرَّات» رواه أحمد (^١)، وهذا يبيِّن أنَّ المقصود تكرار التَّمسُّح، لا تكرار الممسوح به، ولأنَّه يحصل بالشُّعب الثَّلاثة ما يحصل بالأحجار الثَّلاثة من كلِّ وجه (^٢)، فلا معنى للفرق.
فعلى هذا: إن كسر ما تنجَّس، أو غسله، أو استجمر ثلاثةٌ بثلاثة أحجار لكلٍّ منها ثلاث شعب؛ أجزأه (^٣)؛ لحصول المعنى والإنقاء.
وعلى قول أبي بكر: لا يجزئه؛ جمودًا على اللفظ. قال في «الشرح»: وهو بعيد.
قال ابن عقيل: ولو مسح بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع، فهو كالحجر الكبير.
تذنيب: الإنقاءُ بالحجر بقاءُ أثر لا يزيله إلا (^٤) الماء، وقال المؤلف: خروج الحجر؛ أي: الأخير لا أثر به (^٥) إلَّا يسيرًا، فلو بقي ما يزول بالخرق لا بالحجر؛ أزيل على ظاهر الأوَّل لا الثَّاني (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٤٦٠٨)، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وورد من حديث جابر ﵁ ذكر الإيتار بغير لفظ المسح كما عند مسلم (١٣٠٠) بلفظ: «وإذا استجمر أحدكم، فليستجمر بتوٍّ» أي: بوترٍ، وأحمد (١٤١٢٨) بلفظ: «إذا استجمر أحدكم، فليوتر».
(٢) قوله: (من كلِّ وجه) سقطت من (و).
(٣) يوضحه ما قال في المغني ١/ ١١٧: (ولو استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر منها ثلاث شعب، فاستجمر كل واحد منهم من كل حجر بشعبة، أجزأهم).
(٤) قوله: (إلا) سقطت من (أ).
(٥) في (و): له.
(٦) قوله: (لا الثَّاني) هو في (ب): والثَّاني.
[ ١ / ١٢٤ ]
ويندب نظره إلى الحجر قبل رميه؛ ليعلم هل قلع (^١) أم لا.
والإنقاء بالماء: خشونة المحلِّ كما كان، والأَولى أن يقال: أن يعود المحلُّ إلى ما كان عليه؛ لئلَّا ينتقض بالأمرد ونحوه.
ويكفي الظن، جزم به جماعة، وفي «النهاية»: بالعلم (^٢)، ومثله طهارة الحدث.
مسألة: ينبغي أن يعمَّ بكل مسحة المحلَّ، ذكره الشريف وابن عقيل.
وذكر القاضي: أنَّ المستحبَّ أن يُمرَّ الحجر الأوَّل من (^٣) مقدَّم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى حتَّى يصل به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثَّاني من صفحة (^٤) اليسرى كذلك، ثم يُمرُّ الثَّالث على المَسْرُبة والصفحتين.
وقال ابن تميم: إن أفرد كلَّ جهة بحجر فهل يجزئ؟ على وجهين، وذكره ابن الزاغوني رواية.
(فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا)؛ أي: بالمسحات الثَّلاث؛ (زَادَ حَتَّى يَنْقَى)؛ لأنَّ المقصود إزالة أثر النَّجاسة (^٥)، (وَيَقْطَعُ) في الزِّيادة (عَلَى وَتْرٍ) استحبابًا؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من استجمر فليوتر» رواه الشَّيخان (^٦).
فإن قطع على شفع جاز؛ لأنَّ في رواية (^٧) أبي داود وابن ماجه: «من فعل
_________________
(١) في (ب) و(ز): قطع.
(٢) قوله: (بالعلم) هو في (أ): بما يعلم.
(٣) في (أ): في.
(٤) في (و) و(ز): صفحته.
(٥) في (و) زيادة: وأثرها.
(٦) أخرجه البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧).
(٧) قوله: (في رواية) هو في (أ) و(ز): رواية.
[ ١ / ١٢٥ ]
فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (^١).
(وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ) أو الاستجمار (مِنْ كُلِّ خَارِجٍ)؛ لخبر عائشة وغيره؛ إذ الأمر يقتضي الوجوب، وأكد (^٢) ذلك بلفظ الإجزاء؛ فإنَّه غالبًا يستعمل فيه.
وكلامه شامل للمعتاد؛ كالغائط والبول، والنَّادِر؛ كالدُّود والحصى، والطَّاهرِ والنَّجس، وهو ظاهر كلام الأصحاب.
وظاهر «المحرر»: أنَّه لا يجب من (^٣) طاهر؛ كمَنِيٍّ، ودواءٍ تحمَّلت به إن قيل بطهارة فرجها، والمَذْي على رواية.
وللرَّطب واليابس، حتَّى لو أدخل ميلًا في ذكره، ثمَّ أخرجه؛ لزمه الاستنجاء، وهو المشهور؛ ربطًا للحكم بالمظنَّة، وهي استصحاب الرُّطوبة.
وقال في «المغني» و«الشرح»: القياس أنَّه لا يجب من يابس لا ينجس المحلَّ، وذكر ابن تميم ذلك وجهًا.
(إِلَّا الرِّيحَ)؛ فإنَّه لا يجب؛ لقوله ﷺ: «من استنجى من ريح فليس منَّا» رواه الطَّبراني في «معجمه الصَّغير» (^٤)، قال أحمد: (ليس فيها استنجاء في
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٨٣٨)، وأبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، وابن حبان (١٤١٠) وفي سنده الحصين الحميري الحبراني، اختلف في حاله، حكم عليه بالجهالة بعض الأئمة وبعضهم نفى عنه الجهالة، وشيخه أبو سعد الخير أو أبو سعيد اختلف فيه، هل هو صحابي أو تابعي مجهول، وضعف الحديث ابن عبد البر، وصححه وابن حبان، والنووي، وابن الملقن. ينظر: التمهيد ١١/ ٢١، البدر المنير ٢/ ٢٩٩، التلخيص الحبير ١/ ٣٠١، الضعيفة للألباني (١٠٢٨).
(٢) في (أ): وأكبر.
(٣) في (ب) و(و): في.
(٤) لم نقف عليه في شيء من كتب الطبراني الموجودة، وأشار الألباني إلى أن نسبته إلى الطبراني وهم. ينظر: الإرواء ١/ ٨٦. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٥٥)، والجرجاني في تاريخه في ترجمة رقم (٥٤٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨٨٢)، من حديث جابر ﵁. وهو حديث ضعيف جدًّا، فيه: شرقي بن قطامي، يروي المناكير. ينظر: ترجمته في الكامل لابن عدي، وميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٢٦٨.
[ ١ / ١٢٦ ]
كتاب الله تعالى، ولا سنَّة رسوله ﵇ (^١)، ولأنَّ الغسل إنَّما يجب لإزالة النَّجاسة، ولا نجاسة فيها.
قال في «المُبهِج»: (لأنَّها عرَضٌ باتِّفاق الأصوليِّين)، وفيه نظر؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ للريح الخارجة من الدُّبر رائحة منتنة قائمة بها، ولا شكَّ في كون الرَّائحة عرَضًا، فلو كانت الرِّيح أيضًا عرضًا لزم قيام العرض بالعرض، وهو غير جائز عند المتكلِّمين.
وهي طاهرة (^٢)، وفي «النهاية»: (نجِسة؛ فتُنجِّس ماء يسيرًا)، وفيه بُعد.
وذكر أبو الخطاب: أنَّها غير ناقضة بنفسها، بل بما يتبعها من النَّجاسة، ويعفى عن خلع السَّراويل للمشقَّة.
وقيل: لا استنجاء من نوم وريح، وإنَّ أصحابنا بالشَّام قالت: الفرج يَرْمَص كما ترمَص (^٣) العين، وأوجبَتْ غسله، ذكره أبو الوقت الدينوري.
(فَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَهُ)؛ أي: قبل الاستنجاء إذا كانت النَّجاسة عليه؛ (فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يصحُّ، قدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحها القاضي، وفي «الشرح»: لأنَّها إزالة نجاسة، فلم تشترط (^٤) لصحَّة الطَّهارة كالتي على غير الفرج.
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠، مسائل عبد الله ص ٣١.
(٢) في (أ): ظاهرة.
(٣) قوله: (يرمص كما ترمص) هو في (أ) و(و) و(ز): يرمض كما ترمض. قال في الصحاح ٣/ ١٠٤٢: (الرَّمَص بالتحريك: وسخ يجتمع في الموق، فإن سال فهو غَمَص، وإن جَمَد فهو رَمَص).
(٤) في (و): يشترط.
[ ١ / ١٢٧ ]
فعليها: يباح له به مسُّ المصحف، ولبس الخف، والصَّلاة عند عجزه عمَّا يستنجى به، ويستمرُّ وضوءه ما لم يحدث، ثم يزيلها بخرقة أو غيرها.
والأخرى: لا يصحُّ، وهي ظاهر الخِرَقِي، وقدَّمها في «الرعاية» و«الفروع»، وذكر أنَّها اختيار الأكثر؛ لقوله ﷺ في حديث المقداد: «يغسِل ذكره، ثم يتوضَّأ» (^١)، فرتَّب الوضوء بعد الغسل، ولأنَّها طهارة يبطلها الحدث (^٢)، فاشترط تقديم الاستنجاء عليها؛ كالتَّيمُّم، فعلى هذه لا يستبيح شيئًا ممَّا ذكرنا.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) السَّابقتين؛ فيصحُّ عند ابن حامد، واختار القاضي وابن حمدان البطلان، وبناه في «المغني» و«الشرح» على رواية صحَّة الوضوء فقط.
(وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يرفع الحدث، وإنَّما تستباح به (^٣)، ولا تباح (^٤) مع قيام المانع؛ كالتَّيمُّم (^٥)، فعلى هذا إذا كانت على غير الفرج فهو كما لو كانت عليه، ذكره القاضي وابن عقيل.
وفي وجه: يجزئ؛ لأنَّه استباح الصَّلاة بغيرها، أشبه ما لو كانت على الثَّوب، قال في «المغني»: (وهو الأشبه؛ لأنَّ نجاسة الفرج سبب وجوب
_________________
(١) أخرجه النسائي باللفظ المذكور (٤٣٩) مرسلًا، عن سليمان بن يسار قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵁ المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأله، وذكره. وأصل الحديث عن علي ﵁: أخرجه البخاري (٢٦٩) بلفظ: «توضأ واغسل ذكرك»، ومسلم (٣٠٣) بلفظ: «يغسل ذكره ويتوضأ».
(٢) في (و): الحديث.
(٣) زاد في (و): الصلاة.
(٤) في (أ): تستباح.
(٥) زاد في (و): قبل الوقت.
[ ١ / ١٢٨ ]
التَّيمُّم، فجاز أن يكون بقاؤها مانعًا، بخلاف سائر النَّجاسات).
مسألة: يحرم منع المحتاج إلى الطَّهارة، ولو وُقفت على طائفة معينة، ولو (^١) في ملكه، لبذلها للمحتاج شرعًا وعُرْفًا، ولو صرَّح الواقف بالمنع، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (يمنع أهل الذِّمَّة من دخول طهارة (^٢) إن حصل بهم ضرر، ومع عدمه لا مزاحمة لهم) (^٣).
_________________
(١) في (أ): وكذا.
(٢) أي: مطهرة المسلمين. ينظر: الفروع ١/ ١٤٤.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ١٤٤، الاختيارات للبعلي ص ١٨.
[ ١ / ١٢٩ ]