التَّيمُّم في اللُّغة: القصد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المَائدة: ٢]؛ أي: قاصدين، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]، يقال: يمَّمت فلانًا، وتيمَّمته، وأَمَمْتُهُ: إذا قصدته، قال الشاعر العذري (^١):
وما أدري إذا يمَّمْتُ أرضًا … أُريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني
آلخيرُ الذي أنا مبتغيه … أمِ الشَّرُّ الذي هو يَبْتَغِينِي
وفي الشرع؛ قيل: هو عبارة عن قصد شيء مخصوص - وهو التراب الطَّاهر -، على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين -، من شخص مخصوص- وهو العادم، أو من يتضرَّر باستعماله - زاد ابن المنجى: بنيَّة مخصوصة.
وأحسن منه: مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد.
وهو ثابِتٌ بالإجماع، وسَنَدُه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وحديث عمَّار وغيره (^٢)، وهو من خصائص هذه الأمَّة؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعله طَهورًا لغيرها؛ توسعةً عليها، وإحسانًا إليها.
(وَهُوَ) أي: التَّيمُّم (بَدَلٌ) عن الماء؛ لأنَّه مرتَّب عليه، يجب فعله عند عدمه، ولا يجوز مع وجوده إلَّا لعذر، وهذا شأن البدل (^٣).
_________________
(١) هو المثقب العبدي، واسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة، من بني عذرة بن منبه بن نُكرة. ينظر: الشعر والشعراء للدينوري ١/ ٣٨٤، لباب الآداب للثعالبي ص ٢٢٣.
(٢) حديث عمار أخرجه البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨)، وسيأتي تخريج غيره من أحاديث الباب.
(٣) في (أ): المبدل.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهو مشروع لكلِّ ما يفعل بالماء عند العجز عنه شرعًا (^١)؛ كمسِّ المصحف، قال المؤلِّف: إن احتاجه، سوى جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما في صورة تقدَّمت.
(لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ):
(أَحَدُهُمَا: (^٢) الْوَقْتُ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) في الصَّحيح من المذهب؛ لأنَّ القائم إلى الصَّلاة أُمِر بالوضوء؛ فإن لم يجده تيمَّم، وهذا يقتضي ألا يفعله إلَّا بعد قيامه إليها وإعوازه الماء، والوضوء إنَّما جاز قبل الوقت؛ لكونه رافعًا للحدث، بخلاف التَّيمُّم؛ فإنَّه طهارة ضرورةٍ، فلم يجز قبل الوقت؛ كطهارة المستحاضة.
وعنه: يجوز قبل الوقت، قال القاضي (^٣): (القياس أنَّ التَّيمُّم بمنزلة الطَّهارة حتَّى يجد الماء أو يُحدِث)، فعلى هذا يجوز قبله كالماء، ويشهد له عموم قوله ﷺ: «الصَّعيد الطَّيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (^٤)، ولأنَّه بدل، فيتساوى بمبدله (^٥) إلَّا ما خرج بدليل؛ كالإطعام (^٦) مع العتق في الكفَّارة، واختاره الشَّيخ تقي الدِّين (^٧)، ولقد أبعد عبد العزيز في حكايته الإجماع على منع التَّيمُّم قبل الوقت.
_________________
(١) قوله: (شرعًا) سقط من (و).
(٢) زاد في (ب): دخول.
(٣) قوله: (قال القاضي) هو في (ب): (فإنَّ). وفي المغني ١/ ١٧٤، والشرح الكبير ٢/ ١٦٧ أن ذلك من قول الإمام أحمد.
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٥) في (أ): مبدله.
(٦) في (أ): والإطعام.
(٧) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٣٦. وقال في الاختيارات: (وفي الفتاوى المصرية: يتيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وهو أعدل الأقوال).
[ ١ / ٣٠٣ ]
(وَلَا لِنَفْلٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْه)؛ لأنَّه ليس بوقت لها.
فعلى ما ذكره: وقت المكتوبة دخول وقتها، والفائتة كل وقت، وكذلك المنذورة على المذهب، وصلاة الاستسقاء باجتماع النَّاس، والصَّلاة على الميت بفراغ طُهره، لكن يقال: شخص لا يصحُّ تيمُّمه حتَّى يمَّم (^١) غيرَه، وصلاة الكسوف به إن أجيزا في وقت نهي، وإلَّا فمقيَّد بخروجه، وجميع التطوُّعات بجواز فعلها.
(الثَّانِي: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ)؛ لأنَّ غير العاجز يجد الماء على وجه لا يَضُرُّه، فلم يتناوله النصُّ، (لِعَدَمِهِ)، حَضرًا كان أو سفَرًا، قصيرًا كان أو طويلًا، مباحًا أو غيرَه، هذا هو المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، دلَّ بمُطلَقِه على إباحته في كلِّ سفر؛ إذ السَّفر القصير يكثر، فيكثر فيه عدم الماء، فلو لم يجز التَّيمُّم إذن؛ لأفضى إلى حرج ومشقَّة، وهو ينافي مشروعية التَّيمُّم، ولأنَّه عزيمة لا يجوز تركه (^٢) بخلاف الرُّخص؛ لحديث أبي ذر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الصَّعيد الطَّيِّب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسَّه بشَرته، فإنَّ ذلك خير» رواه أحمد، والنَّسائي، والتِّرمذي وصحَّحه، لكنَّه من رواية عمرو بن بُجْدان (^٣)، ولم يَرو عنه غير أبي قلابة، وقد قيل لأحمد: معروف؟ قال: (لا)، وروى أبو بكر البزار معناه من حديث أبي هريرة، وصحَّحه ابن القطَّان (^٤).
_________________
(١) في (أ): ييمم.
(٢) في (أ): تركها.
(٣) في (ب) و(و): نجدان.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٣٣٧١)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢)، وفي سنده عمرو بن بجدان، لم يوثقه إلا العجلي، وقال أحمد وابن القطان: (لا يعرف)، قال الترمذي عن الحديث: (حديث حسن صحيح)، وصححه الدارقطني. أخرجه أحمد (٢١٣٣٧١)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢)، وفي سنده عمرو بن بجدان، لم يوثقه إلا العجلي، وقال أحمد وابن القطان: (لا يعرف)، قال الترمذي عن الحديث: (حديث حسن صحيح)، وصححه الدارقطني. ورواية البزار (١٠٠٦٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، في سندها مقدم بن محمد المقدمي الواسطي، وهو من شيوخ البخاري، وأخرج له في الصحيح، قال البزار والدارقطني عنه: (ثقة)، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: (يغرب ويخالف)، قال ابن حجر: (صدوق ربما وهم)، وبقية رواته رجال الصحيح. ينظر: بيان الوهم والإيهام لابن القطان ٥/ ٢٦٦، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٦١، مقدمة فتح الباري لابن حجر ص ٤٤٥، الإرواء ١/ ١٨١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فلو خرج من المصر إلى أرض من أعمالِه لحاجةٍ؛ كالحراثة والاحتطاب ونحوهِما، ولا يمكنه حمل الماء معه، ولا الرجوع للوضوء إلَّا بتفويت حاجتِه؛ فله التَّيمُّم، ولا إعادة عليه في (^١) الأشهر. وقيل: بلى؛ لأنَّه كالمقيم.
ولو كانت الأرض التي يخرج إليها من عمل قرية أخرى؛ فلا إعادة.
وكذا إذا تيمَّم وصلَّى في سفر المعصية، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ويتخرَّج أنَّه يعيد) (^٢).
وقيل: يختص بالسَّفر المباح الطويل.
وعن أحمد فيمن عَدِم الماء في الحضر: لا يصلِّي حتَّى يجد الماء أو يسافر (^٣)، اختارها الخلَّال؛ لأنَّ ظاهر الآية يقتضي جوازَه بحالة عدم الماء في السَّفر، وإلَّا لم يكن للتَّقييد به (^٤) فائدة.
وجمهور الأصحاب على ما ذكره المؤلِّف؛ لخبر أبي ذرٍّ، ولأنَّه عادِم أشبه المسافِر، والتَّقييد بالسَّفر خرج مخرج الغالب؛ لأنَّه محل العدم غالبًا.
فعلى الأصحِّ: لا إعادة ولو حضرًا؛ لأنَّه أتى بما أُمِر به.
وعنه: يعيد الحاضِر؛ لأنَّه عُذرٌ نادِر، وفيه وجه: إن لم يطُل العدم.
_________________
(١) في (و): من.
(٢) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٢٤.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٢٥.
(٤) قوله: (به) سقط من (أ).
[ ١ / ٣٠٥ ]
تنبيه: إذا عجَز المريض عن الحركة أو عمَّن يُوضئه؛ فكالعادِم، وإن خاف فوت الوقت إن انتظر من يوضئه؛ فالأصحُّ: يتيمَّم ويصلِّي، ولا إعادة.
(أَوْ لِضَرَرٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْ جُرْحٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، ولحديث جابر في قصَّة صاحب الشَّجَّة، رواه أبو داود والدَّارقطني (^١)، وكما (^٢) لو خاف من عطَش أو سَبُع.
وهذا مع الخوف في استعماله، فإن (^٣) لم يخف؛ لزمه استعمال الماء كالصَّحيح.
والخوف المبيح: هو زيادة المرض أو بطؤه، لا خوف التلف.
(أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ)؛ للنَّصِّ، ولحديث عمرو بن العاص قال: احتلمْتُ في ليلةٍ بارِدةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمَّمت، ثمَّ صلَّيت بأصحابي صلاة الصُّبح، فذُكر ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «يا عمرو! صلَّيت بأصحابك وأنت جنب؟!» قلت: ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٩]، فضحك النبي ﷺ، ولم يقل شيئًا. رواه أحمد وأبو داود (^٤)، ولأنَّه خائِف على نفسه أشبه المريض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٦)، والدارقطني (٧٢٩)، من طريق الزبير بن خُريق، عن عطاء، عن جابر ﵁، ولفظه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، وفي سنده الزبير بن خُريق، وهو لين الحديث، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس ﵁، ولكن اختلف فيه على الأوزاعي على أوجهٍ، والصواب: أن الأوزاعي لم يسمعه من عطاء، إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف الحديث؛ قاله أبو زرعة وأبو حاتم. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٤٤)، التلخيص الحبير ١/ ٣٩٤.
(٢) في (و): كما.
(٣) في (أ): وإن.
(٤) علقه البخاري بصيغة التمريض في كتاب التيمم، باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش تيمم (١/ ٧٧)، وأخرجه أحمد (١٧٨١٢)، وأبو داود (٣٣٤)، وابن حبان (١٣١٥)، من طريق عبد الرحمن بن جبير المصري، عن عبد الله بن عمرو ﵄، ونقل ابن رجب عن أحمد أنه قال: (إسناده ليس بمتصل)، وذكر البيهقي أن ابن جبير لم يسمع من عبد الله، وجاء من طريق أخرى عند أبي داود (٣٣٥)، وابن حبان (١٣١٥)، والحاكم (٦٢٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠٧١)، بينهما أبو قيس مولى عبدالله بن عمرو، وأبو قيس ثقة من كبار التابعين، لكن رواية أبي قيس ليس فيها ذكر التيمم، وإنما فيها: (فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم)، وقوَّى ابن حجر وغيره إسناد الحديث. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٧٩، فتح الباري لابن حجر ١/ ٤٥٤، التلخيص الحبير ١/ ٤٠١، الإرواء ١/ ١٨١.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وعنه: لا يتيمَّم لخوف البرد؛ كمن قدر على تسخين الماء في الوقت، قال في «الشرح» وغيره: متى أمكنه تسخين الماء أو استعماله على وجه يأمن الضَّرر بأنه كلَّما غسل عضوًا ستره؛ لزمه ذلك.
وظاهر المتن: أنَّه لا إعادة، وهو الصَّحيح كالمريض. وعنه: بلى مطلقًا. وعنه: يعيد الحاضر فقط؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِر.
مسألة: إذا خاف البَرْدَانُ سقوطَ أصابِعِ قَدميه بخَلع (^١) خُفَّيْهِ؛ سقطَ المسحُ، وكفى غسلُ غيرِهما، وتيمَّم لترك مسحِ حائلِ رجليه إن كان به مانِعٌ.
وإن قدر على غسل بعض عضو؛ تيمَّم للباقي.
فرع: إذا أعاد القادِرُ أو البَرْدانُ الصَّلاةَ؛ فالْأُولَى فَرْضُه، قاله أبو المعالي.
وفيه وجْهٌ: الثَّانيةُ، وهو الأصحُّ عند جمهور الشّافِعيَّة.
وللشَّافِعيِّ قوْلٌ: فرضُه إحداهما لا بِعيْنها.
وله قولٌ: كِلاهُما فَرْضٌ، واختاره القَفَّال، والفُورَانِيُّ (^٢) وصاحِب
_________________
(١) في (و): فخلع.
(٢) هو: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، أبو القاسم، من فقهاء الشافعية، وهو مقدمهم بمرو، من مصنفاته: الإبانة عن أحكام فروع الديانة، تتمة الإبانة، توفي سنة ٤٦١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٣٢، الأعلام ٣/ ٣٢٦.
[ ١ / ٣٠٧ ]
«الشَّامِل» (^١)، قال الشَّيْخ مُحيِي الدِّين: (وهو قَوِيٌّ؛ فإنَّه مكلَّفٌ بهما) (^٢)، واختاره الشَّيخ تقِيُّ الدِّين في «شرح العمدة» (^٣).
(أَوْ مَرَضٍ)؛ لقوله تعالى: الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وإذا جاز لشدَّة البرْد، فَلَأَنْ يجوز للمريض بطريق الأولى، وشرطُه: أنَّه (يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ)؛ لأنَّ مَنْ لا يخشى ذلك لا يَخاف الضَّرَرَ، ولأنَّه يجوز له التَّيمُّم إذا خاف ذهابَ شيْءٍ من ماله، أو ضررًا على نفسِه من سَبُعٍ ونحوِه، فهنا أَوْلَى، ولأنَّ تركَ القِيام في الصَّلاة، وترك الصَّوم في المرض لا يَنحصِر في خوف التَّلَف، فكذا هنا.
وعنه: لا يُبيحه إلَّا خوفُ التَّلَف؛ كما إذا جَبَرَ زَندَه بعَظْمٍ نَجِسٍ.
والأوَّل أَوْلى؛ لأنَّ مقتضى الآية إباحتَه لكلِّ مريضٍ، تُرك العمل به فيمن لا يَخشى، فيَبْقَى ما عَداه على مقتَضاها.
(أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ)؛ حكاه ابن المنذر إجماعًا (^٤)، وسنَدُه ما رُوي عن علي ﵁ أنَّه قال في الرَّجُل يكون في السَّفَر فتُصيبُه الجَنابةُ، ومعه
_________________
(١) هو أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر، المعروف بابن الصباغ، الفقيه الشافعي؛ كان فقيه العراقَيْنِ في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، من مصنفاته: الشامل في الفقه، تذكرة العالم والطريق السالم، العدة في أصول الفقه، توفي سنة ٤٧٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢١٧، طبقات الشافعية ٥/ ١٢٢.
(٢) ينظر: المجموع للنووي ٢/ ٣٣٩. ومحيي الدين هو: يحيى بن شرف بن مري النووي، الشافعيّ، أبو زكريا، محيي الدين، الإمام المشهور، صاحب التصانيف، من مصنفاته: تهذيب الأسماء واللغات، منهاج الطالبين، المنهاج في شرح صحيح مسلم، توفي سنة ٦٧٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعية ٨/ ٣٩٥، الأعلام ٨/ ١٤٩.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٣٦.
(٤) ينظر: الأوسط ٢/ ٢٨، الإجماع ص ٣٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الماءُ القليلُ يخاف أن يَعطَشَ: «يتيمَّم ولا يَغتَسِل» رواه الدَّارقطني (^١)، ولأنَّه يخشى الضَّرَرَ على نفسِه، أشبه المريض بل أوْلى.
(أَوْ رَفيقِهِ) المحتَرَمِ؛ لأنَّ حُرْمة الآدمِيِّ تُقدَّم على الصَّلاة، بدليل ما لوْ رَأَى حريقًا عند ضِيقِ وقتِها؛ فيتركُها ويخرج لإنقاذه، فلَأن يقدَّم على الطَّهارة بالماء بطريق الأولى، قال أحمد: (عدة (^٢) من الصَّحابة تيمَّموا، وحبَسوا الماء لسقايتهم) (^٣)، ولا فرق بين المُزامِل (^٤) له، أو واحِدٍ من أهل الرَّكْب؛ لأنَّه لا يخلُّ بالمُرافَقَةِ.
ودَفْعُه إلى عطْشانَ يخشى تلَفَه؛ واجِبٌ، وصرَّح به في «المغني» وغيره، وقيل: يُستحبُّ، اختاره أبو بكْرٍ والقاضِي.
والأصوبُ كما ذكره الزَّرْكشي: أنَّهما (^٥) في حَبْس الماء لعَطَشِ الغيْرِ
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٧٧٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١١١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥٢٩)، والبيهقي في الكبرى (١١٠٨)، من طرق عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي. وإسناده حسن، وأحد هذه الطرق من رواية شعبة عن عطاء، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط. ينظر: الكواكب النيرات ص ٣٢٣.
(٢) في (أ): عنده.
(٣) في (أ): لسقاتهم. وفي (و): لسقائهم. ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ١٣، وفيه: (حبسوا الماء لسقايتهم). من ذلك: ما تقدم عن علي ﵁. وروي عن ابن عباس ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (١١٢٠)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١١٠٩)، عن ابن عباس قال: «إذا كنت مسافرًا وأنت جنب، أو أنت على غير وضوء؛ فخفت إن توضأت أن تموت من العطش؛ فلا توضأْهُ واحبسه لنفسك»، وفي إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط، والراوي عنه حسن بن صالح، ولا يُعلم أنه ممن روى عنه قبل الاختلاط. ينظر: الكواكب النيرات ص ٣١٩.
(٤) قوله: (بين المزامل) هو في (ب): الملازم. قال في الصحاح ٤/ ١٧١٨: (المزاملة: المعادلة على البعير).
(٥) أي: القول بالوجوب أو الاستحباب.
[ ١ / ٣٠٩ ]
المتوقَّعِ، واختار الشَّريف وابن عَقِيل وُجُوبَه.
فإن مات صاحبُه، ورُفْقَتُه عِطاش؛ يمَّموه وغرِموا للورثة الثمنَ وقت إتْلافه في مكانه.
وظاهِر ما في «النهاية»: إن غرموه فيه فبمثله.
وقال أبو بكر: الميِّت أولى به؛ لأنَّه ملكه.
وقيل: إن خافوا الموتَ؛ فَهُمْ أوْلى، وإلَّا فلا، صحَّحه ابن حمدان.
وهل يُؤثِر أبوَيه لغسلٍ (^١) ووضوءٍ ويَتَيمَّم؟ فيه وجهان.
(أَوْ بَهِيمَتِهِ)، وكذا إن كانت لغيره؛ لأنَّ للرُّوحِ حُرمةً، وسقيُها واجِبٌ، وقصَّةُ البَغِيِّ مشهورةٌ (^٢)، ويُشتَرط فيها أن تكونَ محتَرَمةً حتَّى كلبَ صَيدٍ، لا عَقُورٍ وخنزيرٍ.
فرع: إذا وجد العطشانُ ماءً طاهِرًا ونجِسًا؛ شَرِب الطَّاهِرَ وتيمَّم، وأراق النَّجِسَ إن استغنى عنه، سواءً كان في الوقت أو قبلَه.
وذَكَر الْأَزَجِيُّ: يشرَب النَّجِسَ؛ لأنَّ الطَّاهِرَ مستحَقٌّ للطَّهارة، فهو كالمعدوم.
وجوابُه: أنَّ شُرْب النَّجِس حرامٌ.
فإن خاف على نفسه العطَشَ؛ تيمَّم وحبس الطَّاهر، نصره في «المغني» و«الشَّرح»؛ كما لو انفرد.
وقال القاضي: يتوضَّأ بالطَّاهر، ويحبِس النَّجِس لشربه.
وإن أمكنه أن يتوضَّأ به ثمَّ يجمعه ويشربه، قال في «الفروع»: فإطلاق
_________________
(١) في (و): كغسل.
(٢) أخرج البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: «بينما كلب يُطيف بِرَكِيَّة، كاد يقتله العطش، إذ رأته بَغِيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقَها فَسَقَتْه؛ فغُفِر لها به».
[ ١ / ٣١٠ ]
كلامهم لا يلزمه؛ لأنَّ النَّفْس تَعافُه، ويتوجَّه احتمالٌ.
(أَوْ خَشْيَةٍ (^١) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ)؛ كمن بيْنه وبين الماء سَبُعٌ أو عدُوٌّ أو حريقٌ، أو يخاف إن ذهب إلى الماء شُرُودَ دابته أو سَرِقتَها، أو فَوتَ رُفْقته؛ لأنَّ في طلبه ضرَرًا، وهو منفِيٌّ شرْعًا.
وكذا إن خافت امرأة على نفسها فُسَّاقًا؛ لم يلزمها المُضِيُّ، نصَّ عليه (^٢)، قال المؤلِّف وغيره: بل يحرُم خروجها إليه، ولا إعادة على المذهب.
وقدَّم في «الرِّعاية» خلافَه. وعنه: الوقف.
وكذا إذا (^٣) خاف غريمًا يطالبه، ويعجِز عن وفائه.
وعلى الأوَّل: لو كان خوفُه جُبْنًا؛ لم يَجُز له التَّيمُّمُ، نصَّ عليه (^٤).
وفيه وجه: يباح له إذا اشتدَّ خوفُه، ويعيد؛ لأنَّه بمنزلة الخائِف لسَبَبٍ.
فإن كان خوفُه لسبب ظنَّه، فتيمَّم وصلَّى، فبان خلافه؛ ففي الإعادة وجهان؛ أصحُّهما عند الشَّيخ تقيِّ الدِّين وجماعةٍ: أنَّه لا يعيد؛ لكثرة البَلوى به (^٥).
(أَوْ تَعَذُّرِهِ، إِلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ (^٦)، أقول (^٧): متى وَجَدَ ماءً بثَمَنِ مثلِه عادةً مكانَه غالِبًا، وقيل: بل أجرة نقله إلى مكان بيعه، وهو قادِرٌ عليه، غنِيٌّ عنه، فاضلًا عن نفقةِ نفسه، وقضاءِ دَيْنِه، ونَفَقَةِ حيَوان محترَمٍ؛
_________________
(١) في (ب): خشي.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٧٥. وفي مسائل أبي داود ص ٢٦: (قلت لأحمد بن حنبل: المرأة تكون في القرية والماء عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج، أتتيمم؟ قال: لا أدري).
(٣) في (أ): إن.
(٤) ينظر: في مسائل أبي داود ص ٢٦.
(٥) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٣٠.
(٦) في (ب) و(و): مثله.
(٧) في (ب) و(و): لقول.
[ ١ / ٣١١ ]
لزِمَه شراؤه؛ لأِنَّه قادِرٌ على استعماله من غير ضَرَرٍ، ولأنَّه يلزمه شِراءُ (^١) ستْرِ عورته للصلاة، فكذا هنا.
فإذا كثرت الزيادةُ على ثمن المِثْلِ؛ فلا يلزمه شِراؤُه؛ لأنَّها تجعل الموجود حِسًّا كالمعدوم شَرْعًا.
وقيَّده في «المغني»: بما إذا أجْحفت بماله؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، فلو كثرت من غير إجحاف (^٢) بماله؛ فوجهان.
وظاهِره: أنَّه إذا كانت يسيرةً؛ فإنَّه يلزمه شراؤه، وهو كذلك على الأصحِّ؛ كضَرَرٍ يَسيرٍ في بدنِه من صُداع أو بَردٍ، فهنا أولى، ولأنَّ القُدْرة على ثمن العَيْن كالقدرة عليها في المنع من الانتقال إلى البدَل (^٣)؛ كما لو أُبِيعت بثمن مثلها.
وعنه: لا يلزمه شراؤه مع زيادة مُطْلقًا؛ لأنَّ عليه ضررًا بالزيادة؛ كما لو خاف لِصًّا يأخذ من ماله ذلك.
فرع: إذا بُذِل له بثمن في الذِّمَّةِ يَقْدِر على أدائه في بلده؛ لم يلزمه في الأصحِّ، واختاره أبو الحسن (^٤) الآمِدي؛ لأنَّ عليه ضررًا في بقاء الدَّين في ذمَّته، وربَّما تلِف مالُه قَبْل أدائه، وكالهَدْيِ.
وقال القاضي: يلزمه؛ كالكفَّارة في شراء الرَّقَبة.
وأجيب: بأنَّ الفرض متعلِّق بالوقت، بخلاف المكفِّر.
وظاهره: أنَّه إذا لم يكن له في بلده ما يُوفِّيه؛ لم يلزمه شراؤه، وصرَّح به في «المغني» وغيره؛ لأنَّ عليه ضررًا.
_________________
(١) قوله: (شراء) سقط من (و).
(٢) في (أ): إجحافه.
(٣) في (ب) و(و): بدل.
(٤) في (أ) و(ب): الحسين.
[ ١ / ٣١٢ ]
(أَوْ ثَمَنٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ)؛ لأنَّ العجزَ عن الثَّمن يُبيح الاِنتقال إلى البدل، دليله العجز عن ثمن الرَّقبة في الكفَّارة.
فلو وُهِب له الماءُ؛ لزِمَه قَبوله في الأصحِّ، لا ثَمَنُه في الأشهَرِ؛ لأنَّ فيه مِنَّةً.
وحَبْلٌ ودَلْوٌ كماءٍ، ويلزَمُه قَبولُهما (^١) عَارِيَّةً.
وإن استغنى صاحِبُ الماء عنه ولم يبذُلْه؛ لم يكن له أخذُه قَهْرًا؛ لأنَّ له بدَلًا.
ومن ترك ما لزمَه قَبولُه وتحصيلُه من ماءٍ وغيرِه، وتيمَّم وصلَّى؛ فإنَّه يعيد.
(فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا) وتضرَّر؛ (تيَمَّمَ لَهُ وَغَسَلَ الْبَاقِيَ)، يعني: أنَّ الجريح يتيمَّم للمحتاج، ويغسل غيره، ولا يعتبر الأكثر؛ لقصَّة صاحب الشّجَّة: «إنَّما كان يكفيه أن يتيمَّم، ويعصب على جرحه، ثمَّ يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» (^٢)، وظاهِر الخَبَر: يجمع بين المسح والتَّيمُّم، ولم يذكره المؤلِّف، وفيه روايتان:
إحداهما: يجب الجمع لهذا (^٣).
والثَّانية: لا؛ لأنَّه جمع بين بدَل ومُبْدَلٍ؛ كالصِّيام والإطعام، والخبر محمول على جواز المسح بعد ذلك، ولذلك ذكره (^٤) ب «ثمَّ» المقتَضِية للتَّراخِي، ولأنَّ المكلَّف له استطاعة على التَّطهير بالماء في بعض البدن، فلزمه، والتَّيمُّم لما لم يُصِبْه، والطَّهارةُ شرْطٌ للصَّلاة، فالعجز عن بعضها لا
_________________
(١) قوله: (كماء، ويلزمه قبولهما) هو في (أ): كما في يلزمه قبولهما. والمثبت موافق لما في الفروع.
(٢) سبق تخريجه ١/ ٣٠٦ حاشية (١).
(٣) زاد في (ب): الخبر.
(٤) قوله: (ذكره) سقط من (أ).
[ ١ / ٣١٣ ]
يوجِب سقوط جميعِها؛ كالسِّتارة.
فعلى هذا؛ يَغسل من الصَّحيح ما لا ضرر في غسله، فإن لم يمكنه ضَبطه؛ لزمه أن يَستَنِيبَ إن قَدَر، وإلَّا كفاه التَّيمُّم.
ثمَّ إن أمكنه مسْح الجُرح بالماء؛ لزمه مع التَّيمُّم كما سبق، نصَّ عليه (^١)، وقدَّمه ابن تميم؛ لأنَّ الغسل مأمور به، والمسح بعضُه، فوجب؛ كمن عجز عن الرَّكوع والسُّجود، وقدر على الإيماء.
وعنه: لا يحتاج إلى تيمُّم.
وعنه: يكفيه التَّيمُّم وحده، اختاره الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يجمع فيه بين المسح والتَّيمُّم؛ كالجَبِيرَةِ.
ومحلُّ الخلاف: ما لم يكن الجرح نجِسًا، فإن كان نجِسًا؛ فقال في «التلخيص»: يتيمَّم ولا يمسح، ثمَّ إن كانت النَّجاسة مَعْفُوًّا عنها أُلغيت، واكتفى بنيَّة الحدث، وإلَّا نوى الحدث والنَّجاسة إن شرطت فيها.
وهل يَكتفِي بتيمُّم واحد؟ فيه وجهان.
فعلى الأولى: إن عجز عن مسحه؛ تيمَّم وصلَّى على حسَب حاله، ولا إعادة.
وقال القاضي: يمسح الجُرح بالتُّراب. وفيه نَظَرٌ.
فإن كان على الجُرح عِصابةٌ أو لُصوق يضرُّه إزالتُها؛ فحكمُها سَبَقَ، وقال الآمِدِيُّ: يتيمَّم، وفي المسح معه روايتان.
والجُنُبُ الجريح إن شاء بدأ بالغسل أو بالتَّيمُّم، وإن (^٢) كان حدث الجريح أصغر؛ راعى التَّرتيبَ والموالاةَ، ويُعيد غسل الصَّحيح عند كل تَيَمُّمٍ في وجْهٍ.
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٥٢.
(٢) في (و): فإن.
[ ١ / ٣١٤ ]
وفي آخَرَ: لا ترتيبَ ولا موالاةَ، فعلى هذا لا يُعيد الغسلَ إلَّا إذا أحدث.
(وَإِنْ (^١) وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ؛ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي إِنْ كَانَ جُنُبًا)؛ لقول رسول الله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٢)، ولأنَّه قَدَر على بعض الشَّرْط فلزِمَه؛ كالسُّتْرَةِ.
وظاهِرُه: أنَّه يجِب استِعمالُ الماء قبل التَّيمُّم، وهو كذلك؛ ليتحقَّق (^٣) العدم الذي هو شرط التَّيمُّم، وليتميَّز المغسول عن غيره؛ ليعلم ما يتيمَّم له.
وعنه: لا يجب استعمال الماء مطْلَقًا؛ كالماء المستعمَلِ، فعلى هذا: يتيمَّم، وفي وجوب إراقته قبل التَّيمُّم روايتان، قاله ابن الزاغوني.
فلو وجد الجُنُبُ ماءً يكفي أعضاء الحدث، زاد في «الرِّعاية»: وقد دخل وقت صلاة الفرض؛ غسلها بنية الحدَثيْن جميعًا، وتيمَّم للباقي، فتَحصُل له الصُّغرى وبعض الكبرى كما فعل عمر ﵁ (^٤).
(وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، أصحُّهما: يلزمه كالجُنُبِ، والثَّاني: لا، اختاره أبو بكر، وهما مبنِيَّان على وجوب الموالاة.
_________________
(١) في (أ): وإذا.
(٢) سبق تخريجه ١/ ١٨٢ حاشية (٥).
(٣) في (أ): ليتحبر. في (أ): ليتحبر.
(٤) كذا في النسخ الخطية. وتحتمل في (ب): عمرو. وهو موافق لما في شرح العمدة ١/ ٤٣٧ وغيره. وفعل عمرو بن العاص تقدم تخريجه ١/ ٣٠٦ حاشية (٤)، ففي رواية: «تيمم»، وفي رواية: «فغسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم»، واختُلف في ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، وجمع بينهما البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٤٥، فقال: (ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا، غسل ما قدر على غسله وتيمم للباقي)، ووافقه النووي كما في الخلاصة ١/ ٢١٦، والألباني في صحيح أبي داود ٢/ ١٥٨.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقيل: يستعمله وإن قلنا بوجوبها، صحَّحها ابن تميم.
واختار ابن حمدان: أنَّ الخلاف ينبني (^١) على أنَّه هل يصحُّ كل عضو بنيَّة.
وعلى الأول: إن كان يكفي بعض عضو؛ فوجهان.
(وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ؛ لَزِمَهُ طَلَبُهُ)، هذا هو المشهورُ، والمختارُ لعامَّة الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المَائدة: ٦]، ولا يُقال لم يَجِد إلَّا لمن طَلَبَ (^٢)؛ لجواز أن يكون بِقُرْبِه ماء لا يعلمُه.
ولا يَرِدُ قولَه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعرَاف: ٤٤] لانتفاء الطلَب منهم، وكذا قوله ﵇: «من وجد لُقطة» (^٣)؛ لأنَّ الكلام في جانب النَّفي لا الإثبات.
فينتقِضُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعرَاف: ١٠٢]؛ لاستحالة الطَّلب على الله تعالى.
وجوابُه أنَّه يقال (^٤): طلب منهم الثَّبات على العهد.
ولأنَّه بدَلٌ، فلم يجز العدول إليه إلَّا عند عدم مُبدَله، ولا يكون إلَّا بعد الطَّلب؛ كالصِّيام مع الرَّقبة في الكفَّارة، ومع الهدي في الحجِّ، والقياس مع النَّص، والميْتة مع المُذكَّى، ولأنَّه سبب للصَّلاة يختصُّ بها، فلزِمه الاجتهاد في طلبه عند الإعْوازِ كالقِبلة.
ثُمَّ بيَّن صِفَةَ الطَّلَبِ فقال: (فِي رَحْلِهِ)؛ أي: مسكنِه، وما يَستَصحِبُه من
_________________
(١) في (أ): مبني.
(٢) زيد في (ب): الماء.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٤١٨)، وأبو داود (١٧٠٩)، والنسائي في الكبرى (٥٩٦٨)، من حديث عياض بن حمار ﵁، ولفظه: «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ..». الحديث، وهو حديث صحيح. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٢٣٩، صحيح أبي داود للألباني ٥/ ٣٩٣.
(٤) في (و): تعالى.
[ ١ / ٣١٦ ]
الأثاث، (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ) عُرْفًا؛ لأنَّ ذلك هو الموضِعُ الذي يُطلَب فيه الماءُ عادةً. وقيل: قدر ميل أو فرسخ في ظاهر كلامه. وقيل: ما تَرَدَّدُ القوافل إليه للرعي والاحتطاب، ورجَّحه جماعةٌ. وقيل: مَدُّ نظرِه. وقيل: ما يدركه الغوثُ بشرط الأمن على نفسه وأهله وماله، وعدم فوت رفقته.
ويطلبه في جهاته الأربع.
وقال القاضي: لا يلزمه أن يمشيَ في طَلَبه ويعدِلَ عن طريقه.
وإن ظنَّه فوق جبل؛ علاه، وإن ظنَّه وراءه؛ فوجهان مع الأمن.
وإن وجد من له خِبرةٌ بالمكان؛ سأله، وإن كان له رفقة - زاد في «المغني» و«الشرح»: يَدِلُّ عليهم -؛ طلب منهم. وقال ابن حامد: لا يلزمه، فلو رأى خُضْرَةً أو شيئًا يدلُّ عليه قصده واستبرأه.
ومحلُّ الطلب عند دخول الوقت، فلو طلب قبله جدَّده بعد دخوله؛ لأنَّه طلب قبل المخاطبة به؛ كالشَّفيع إذا طلبها قبل البيع، ويعيده في وقت كلِّ صلاة، ولا يُشتَرط أن يتيمَّم عقيبَه، بل يجوز بعده من غير تجديد طلب.
(فَإِنْ دُلَّ)؛ أي: دلَّه ثِقَةٌ (عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ قَصَدُهُ)؛ لأنَّه قادِرٌ على استعمالِه (^١) بقطع مسافَةٍ قريبةٍ (^٢)؛ فلزمه كغيره من الشُّروط، ما لم يخف فَوتَ الوقت.
وعنه: والبعيدُ كذلك.
(وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ الطَّلَبُ)، اختارها أبو بكر؛ لقوله ﵇: «التُّراب كافيك ما لم تجد الماء» (^٣)، ولأنَّه غيرُ واجِدٍ، واعتِمادًا على ظاهر الحال؛ كالفقير لا يلزمه طلب الرَّقبة.
ومحلُّ الخلاف كما ذكره ابن تميم وصاحب «التَّلخيص» و«الفروع»: إذا
_________________
(١) في (أ): استعمال شرط العبادة.
(٢) في (و): قربه. مكان: (قريبه).
(٣) هو أحد ألفاظ حديث أبي ذر ﵁ الذي سبق تخريجه ١/ ٣٠٤ حاشية (٤).
[ ١ / ٣١٧ ]
احتُمل وجودُه ولم يكن ظاهِرًا، فإن قطع بِعَدَمه (^١) لم يجب، ومع ظنِّ وجوده يجب، حكاه الزَّرْكَشِيُّ إجماعًا (^٢).
وعنه: لا يلزمه إن ظنَّ عدَمَه، ذكره في «التَّبصرة».
تنبيه: لو مرَّ بماء قبل الوقت، أو كان معه فأراقه قبله، وعَدِم الماءَ؛ تيمَّم وصلَّى من غير إعادةٍ.
وإن كان فيه؛ ففي الإعادة أوْجُهٌ، ثالِثُها: يجب في الإراقة فقط (^٣).
وإن وهبه أو باعه في الوقت؛ حَرُم، ولم يَصِحَّ في الأشهر؛ لتعلُّق حقِّ الله تعالى (^٤)؛ كالأضحية، فهو عاجِز عن التَّسليم شرعًا.
والثَّاني: يصحُّ؛ لأنَّ توجُّه الفرض وتعلُّقه به لا يمنع صحَّة التَّصرُّف؛ كتصرُّفه فيما وجب (^٥) فيه الزَّكاة، وتصرُّف المدين. والفرق ظاهر.
ويعيد إن صلَّى به مع بقائه، وفي التَّلف وجهان.
(وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) - أو ثمنَه، قاله في «الفروع» توجيهًا -، (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَيَمَّمَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) على المذهب المنصوص؛ لأنَّ النِّسيان لا يخرجه عن كونه واجِدًا، وشرط إباحة التَّيمُّم؛ عدم الوجدان، ولأنَّها طهارة تجب مع الذِّكر، فلم تسقط بالنِّسيان؛ كالحدث، وكما لو نسي الرَّقَبة وكفَّر بالصَّوم، وكنسيان السُّترة.
وعنه: يجزئه؛ لأنَّه مع النِّسيان غير قادِر، أشبه العادِمَ.
ومثله الجاهِلُ به، فلو ضلَّ عن رحله الذي الماء فيه، أو كان يعرف بِئرًا
_________________
(١) في (و): بعده.
(٢) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٣٣١.
(٣) زاد في (و): لأنَّه فوت القدرة على نفسه فبقي في عهدة الواجب.
(٤) زيد في (و): به.
(٥) في (و): وجبت.
[ ١ / ٣١٨ ]
فضاعت عنه (^١)؛ فقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون كالنَّاسي.
وصَحَّح في «المغني» و«الشَّرح»: أنَّه لا إعادة؛ لأنَّه ليس بواجد، وغير مفرِّط، بخلاف النَّاسي.
فإن كان مع عبده، ونسيه حتَّى صلَّى سيِّدُه؛ فقيل: لا يعيد؛ لأنَّ التَّفريط من غيره. وقيل: كالنَّاسي، كنسيانه رقبة مع عبده، لا يجزئه الصَّوم.
فلو صلَّى ثمَّ وجد بقربه بِئرًا أو غديرًا؛ أعاد إن كان (^٢) له علامةٌ ظاهِرةٌ، وإن كانت خفيَّة وطلب؛ فلا.
(وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ)، أمَّا الأكبر؛ فلقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، والمُلامسةُ الجِماعُ، وعن عمران بن حُصَين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجُلًا مُعتَزِلًا، لم يصلِّ مع القوم، فقال: «ما منعك (^٣) أن تصلِّيَ؟» قال: أصابتني جنابةٌ، ولا ماءَ، فقال: «عليك بالصَّعيد؛ فإنَّه يكفيك» متَّفق عليه (^٤)، والحائض إذا انقطع دمها كالجنب.
وأمَّا الأصغر؛ فبالإجماع، وسنده: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ [المَائدة: ٦]، وقوله ﵇: «الصعيد الطيب طهور المسلم» (^٥)، ولأنَّه إذا جاز للجُنُب جاز له من باب أولى.
(وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا)؛ أي: يجوز التَّيمُّم للنَّجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضَّرر، أو عدَم (^٦) الماء في المنصوص؛ لعموم حديث أبي ذرٍّ، ولأنَّها طَهارةٌ في البَدَن تُرادُ للصَّلاة، أشبهتِ الحدَث.
_________________
(١) زيد في (و): ثم وجدها.
(٢) في (و): كانت.
(٣) في (أ): يمنعك.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢).
(٥) سبق تخريجه ١/ ٣٠٤ حاشية (٤).
(٦) في (أ): لعدم.
[ ١ / ٣١٩ ]
وقيل: لا يجوز التَّيمُّم لنَجاسةٍ أصلًا، اختاره ابن حامد وابن عَقيل؛ لأنَّ (^١) طهارة الحدث يَسْرِي منعُها؛ كما لو اغتسل الجنب إلَّا ظُفُرًا؛ لم يَجُزْ له دخول المسجد، وهو قولُ أكثرِهم؛ لأنَّ الشَّرْع إنَّما ورد بالتَّيمُّم (^٢) للحدث، وغسل النَّجاسة ليس في معناه؛ لأنَّ الغسل إنَّما يكون في محل النَّجاسة دون غيره، فعلى هذا: يصلِّي على حسب حاله، وفي الإعادة روايتان.
وظاهره: أنَّه لا يتيمَّم لنجاسةِ ثوبه كالمكان، صرَّح به جماعة؛ لأنَّ البدَن له مدخل في التَّيمُّم لأجل الحدث، فدخل فيه التَّيمُّم لأجل النَّجس، وهو معدومٌ فيه.
وقيل: يجوز إن جاز أسفل الخف.
وكذا لا يُتيمَّم لنَجاسةِ استِحاضةٍ يَتعذَّر (^٣) إزالتُها، ولا لنجاسة يعفى عنها.
ولا تَجِبُ نِيَّة التَّيمُّم لها كغسلها، وكالاِستجمار. وفيه وجْهٌ: يجب؛ لأنَّ التَّيمُّم طهارةٌ حُكميةٌ، بخلاف غسل النَّجاسة.
وإن اجتمع معها حدَث؛ فهل يحتاج إلى تَيمُّمَيْن؟ فيه وجهانِ.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَصَلَّى؛ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ) نصَّ عليه (^٤)، واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه وجَب عليه طهارةٌ نابَ عنها التَّيمُّمُ، فلم تجِبِ الإعادة؛ كطهارةِ الحدَثِ، (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)؛ لأنَّه صلَّى مع النَّجاسةِ، أشبهَ ما لو تَيمَّم.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ، وَصَلَّى؛ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ):
_________________
(١) في (و): لأنَّها.
(٢) في (و): للتيمم.
(٣) في (و): يعذر.
(٤) ينظر: مختصر ابن تميم ١/ ٣٤٣.
[ ١ / ٣٢٠ ]
إحداهما: لا يَجِبُ، وهو الأصحُّ؛ لأنَّه لم يَأمُرْ عَمْرَو بنَ العاصِ بالإعادة، ولو وجبت لأمره؛ لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقت الحاجة مُمتَنِعٌ.
والثَّانية (^١): بلى؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ (^٢)، فوجبت معه الإعادةُ؛ كنِسيانِ الطَّهارة، وقد تقدَّم ذلك.
(وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) زاد بعضهم: وطِينًا يجفِّفه إن أمكنه، والأصحُّ في الوقتِ؛ (صَلَّى) فَرْضًا فقطْ (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) في الصَّحيح من المَذهَبِ؛ لقوله ﷺ: «إذا أَمَرتُكم بأمر فأْتُوا مِنه ما استطعْتُم» (^٣)، ولأنَّ العجز عن الشرْط لا يُوجِب ترك المشروط؛ كما لو عجز عن السترة والاستقبال.
فعلى هذا: لا يَزيد في القراءة على ما يُجزِئُ، وفي «شرح العمدة»: (يتوجَّهُ فعلُ ما شاء؛ لأنَّ التَّحريمَ إنَّما يَثبُت مع إمكان الطَّهارة، ولأنَّ له أن يزيد في الصَّلاة على أداء الواجب في ظاهر قولهم، حتَّى لو كان جُنُبًا قَرأ بأكثرَ من الفاتحةِ، فكذا فيما يُستحَبُّ خارجَها) (^٤)، وفيه نَظَرٌ، وجزم جَدُّه وجماعة بخلافه.
ولا يَقرأ في غير الصَّلاة إذا كان جُنُبًا.
قال ابن حَمْدان: ولا يزيد على ما يُجْزِئُ من طُمَأْنِينَة ونحوِها.
وإنْ أحْدث فيها بَطلتْ، وهل تَبطُل بخروج الوقت وهو فيها؟ فيه (^٥) روايتان.
(وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ): أصحُّهُما: لا يُعِيد؛ لما رُوِي عن عائشة: «أنَّها
_________________
(١) في (أ): الثَّانية.
(٢) قوله: (نادر) سقط من (و).
(٣) سبق تخريجه ١/ ١٨٢ حاشية (٥).
(٤) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٥٥.
(٥) قوله: (فيه) سقط من (ب) و(و).
[ ١ / ٣٢١ ]
استعارتْ من أسماءَ قِلادةً (^١)، فبعث رسولُ الله ﷺ رجالًا في طَلَبها، فوجدوها، فأدركتهم الصَّلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصَلَّوْا بغير وُضوء، فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ؛ فأنزل اللهُ آيةَ التَّيمُّم» متَّفقٌ عليه (^٢)، ولم يَأمُرْهم بالإعادة، ولأنَّه أحدُ شُروط الصَّلاة، فسقط عند العجْز؛ كسائِرِ شروطِها.
والثَّانيةُ: بلى، واختاره (^٣) الأكثرُ؛ لأنَّه فَقَدَ شرطَها، أشْبه ما لو صلَّى بالنَّجاسة، ولو بِتيمُّمٍ في المنصوص؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ لا يَشُقُّ، فلم تَسقُطْ (^٤) به الإعادةُ، فعليها: إن قَدَر فيها، خرج منها (^٥)، وإلَّا فكَمُتيمِّمٍ يَجِدُ الماءَ، وتَقدَّم أيُّهما (^٦) فرضُه.
(وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ)؛ أيْ: طَهورٍ مُباحٍ غيرِ مُحْتَرِقٍ، (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) هذا أشهرُ الرِّواياتِ عنه، واختاره الأكثرُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦]، وما لا غُبار له كالصخر؛ لا يمسح بشيء (^٧) منه، وقال ابن عبَّاس: «الصَّعيدُ: تُرابُ الحرْث» (^٨)، والطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، يؤكِّده قوله ﵇: «وجُعِل لي التُّرابُ طَهورًا»
_________________
(١) زاد في (و): فهلكت.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧).
(٣) في (و): واختارها.
(٤) في (و): يسقط.
(٥) قوله: (منها) سقط من (و).
(٦) في (ب) و(و): أنهما.
(٧) في (أ): شيء.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٠٢)، وعبد الرزاق (٨١٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥٣٧٤)، وأبو يعلى الموصلي كما في المطالب العالية (١٦٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٥)، وحسنه ابن حجر. قال شيخ الإسلام في شرح العمدة ١/ ٥٠٧: (ولفظه فيما ذكره أحمد: «أطيب الصعيد أرض الحرث»)، كذا في مسائل ابن منصور ٢/ ٣٧٩، والذي في المصادر الحديثية كما قال، إلا أن ابن حجر قال في التلخيص ١/ ٣٩٦: (ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره بلفظ: «أطيب الصعيد تراب الحرث»)، وسبقه في ذلك ابن كثير في التفسير ٢/ ٣١٨، والذي في مطبوعة تفسير ابن أبي حاتم موافق لباقي المصادر.
[ ١ / ٣٢٢ ]
رواهُ الشَّافِعيُّ وأحمد من حديث علي، وهو حديثٌ حَسَنٌ (^١)، فخَصَّ ترابَها بحُكم الطَّهارة، وذلك يقتضِي نفيَ الحُكْم عمَّا عَداه.
وقول الخليل: (إنَّ الصَّعيدَ وجْهُ الأرض) (^٢)، والزَّجَّاجِ، مُستدِلًّا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وقائلًا بأنَّه لا يَعلم خلافًا بين أهل اللغة (^٣)؛ يعارضه (^٤) قولُ ابنِ عبَّاس، مع أنَّ قولهما بالنسبة إلى اللغة، وقوله بالنسبة إلى التفسير، وقد تأكَّد بقول صاحب الشريعة.
وقال في «الكَشَّاف»: (إنَّ «مِنْ» لاِبتِداءِ الغاية قولٌ متَعسَّفٌ، ولا يَفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدُّهن، ومن الماء والتُّراب، إلَّا معنى التَّبْعيض، والإذعانُ للحقِّ أحقُّ من المِراءِ) (^٥).
والثَّانية، - وأَوْمأ إليها في رواية أبي داود - (^٦): يجوز بالرَّمل والسَّبخة؛ لعموم قوله ﵊: «وجُعلت لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا» رواه مسلم من حديث حذيفة (^٧)، والتُّرابُ بعضُ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠٢٤)، وفي سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو صدوق في حديثه لين، وللحديث علة بينها أبو حاتم، وأصله في الصحيح من حديث جابر وحذيفة وأبي هريرة ﵃. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٢٧٠٥)، التلخيص الحبير ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٢) ينظر: العين ١/ ٢٩٠.
(٣) ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/ ٥٦.
(٤) في (أ): يعارض.
(٥) ينظر: الكشاف للزمخشري ١/ ٥١٥.
(٦) ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٦.
(٧) أخرجه مسلم (٥٢٢).
[ ١ / ٣٢٣ ]
أفرادها، والتَّنصيص عليه لا يُخصِّص.
وأجيب: بأنَّ التَّخصيص بالمفهوم، لا بذكر بعض الأفراد، وحمله الخلَّال على عدم التُّراب، وكان لهما غبارٌ، وشرَط القاضِي الغُبَارَ دون العدَم.
وفي ثالثةٍ: يجوز بكلِّ ما تصاعد على وجه الأرض من جِصٍّ ونُورَة ونحوِهما، وحكاه في «الفروع» قولًا، وذلك عند العدم، لا مطْلقًا.
وفي رابعة: يجوز بالسَّبخة فقط إذا كان لها غبار، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (وعليه (^١) يُنَزَّلُ كلامُ أحمدَ) (^٢).
فعلى الأوَّل: يجوز بكل تراب على أيِّ لون كان، بشرط أن يكون له غبار يعلَق باليد، ومن ثَمَّ لو ضرب بيده على ترابٍ أو لِبَد أو شجرة أو شعير له غبار يعلق باليد؛ جاز التَّيمُّم به، نصَّ عليه (^٣).
وكذا لو سحق الطين وتيمَّم به، ولو كان مأكولًا؛ كالطِّين الأَرْمَنِي (^٤)، إلَّا أن يكون بعد الطَّبخ، فلا يجزئه على المشهور؛ لأنَّ الطَّبخ أخرجه أن يقع عليه اسم التُّراب.
وعُلم منه: أنَّه لا يصحُّ من مقبرة تكرَّر نبشها، وإن شكَّ فيه، فوجهان، ومنع منه ابن عقيل وإن لم يتكرَّر.
والتُّراب المغصوب كالماء، قال الجد رحمه الله تعالى: (وظاهرُه: ولو تُرابَ مسجد، ولعلَّه غير مراد؛ فإنَّه لا يكره بتراب زمزم مع أنه مسجد، وقالوا: يكره إخراج
_________________
(١) في (و): وعليها.
(٢) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٤٨.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٦.
(٤) في (و): الأرميني. وهو طين يابس جدًّا، يضرب لونه إلى الصفرة، يؤكل علاجًا لبعض الأمراض. ينظر: مسالك الأبصار ٢٢/ ٢٨٢.
[ ١ / ٣٢٤ ]
حَصَى المسجدِ وترابه للتَّبرك وغيره، والكراهة لا تمنع الصِّحةَ، ولأنَّه لو تيمَّم بترابِ غيرِه جاز في ظاهِرِ كلامهم؛ للإذن فيه عادةً وعُرفًا؛ كالصَّلاةِ في أرضِه).
وقال عمر: «لا يتيمَّم بالثَّلْج» (^١)، لكن إن لم يجد غيره وتعذَّر تذويبه فالمنصوص عنه (^٢): أنَّه يمسح به أعضاء وضوئه، وفي الإعادة روايتان. وفي «المُغنِي»: لا يُجزِئه إلَّا بالجَرَيان.
(فَإِنْ خَالَطَهُ ذُو غُبَارٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ؛ فَهُوَ كَالْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ)، هذه طريقةُ عامَّةِ أصحابنا؛ لأنَّه بدل، فيقاس على مُبدَلِه.
وقيل: يمنع مطلقًا، قال ابن تَميم: وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه ربَّما حصل بالعُضو منه شَيِءٌ فمَنع وصولَ التراب، والمائعُ يُستهلَك (^٣) في الماء.
تنبيه: ما يَتيمَّم به واحد؛ كماءٍ (^٤) مستعمَلٍ. وقيل: يجوز كما تيمَّم منه في الأصحِّ.
وأَعجب أحمدَ حَمْلُ تُرابٍ (^٥) للتَّيمُّم، وقال الشَّيخ تقي الدِّين: (لا)، قال
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٧٠)، وحرب الكرماني - كتاب الطهارة - (ص ٤٣٠)، عن ابن عمر قال: أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب، فبسط بساطًا، ثم صلى عليه، وقال: «إن الثلج لا يتيمم ولا يصلى عليه»، ومداره على زيد بن جبيرة وهو متروك، قال ابن رجب: (واحتج إسحاق بهذا الحديث، وإسناده ضعيف)، وضعفه بزيد بن جبيرة. وأخرجه أبو عبيد أيضًا (٢٧١)، عن محمد بن حمير، عن زيد بن حنين. ولعل قوله: (زيد بن حنين) تصحفت في المطبوع عن (زيد بن جبيرة)، فإن محمد بن حمير إنما يروي عن ابن جبيرة، ولم نقف على زيد بن حنين في أسماء الرواة. قال ابن رجب: (وقد روى أبو عبيد في كتاب الطهور بإسناد آخر، وفيه ضعف). ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٥٠.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٩٧.
(٣) في (أ): والمانع يستهلك.
(٤) في (أ) و(ب) و(و): فكماء.
(٥) في (و): التراب.
[ ١ / ٣٢٥ ]
في «الفروع»: (وهو أظهر) (^١).
ويُكرَه نفخ الغبار عن يديه إن قلَّ. وعنه: أو كثُر. وعنه: لا يُكرَه مطلقًا إلَّا أن يذهب كلُّه بالنَّفْخ.
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٢٩٧.
[ ١ / ٣٢٦ ]