وهو مصدر: حاضت المرأة تحيض حيضًا، ومَحيضًا، فهي حائض وحائضة: إذا جرى دمها.
فأصله السَّيَلان، مأخوذ من قولهم: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشَّجرة: إذا سال منها شبه (^١) الدم، وهو الصمغ الأحمر.
واستحيضت المرأة: استمر بها الدَّم بعد أيامها؛ فهي مستحاضة، وتحيَّضت: أي (^٢) قعدت أيَّام حيضها عن الصَّلاة.
ويسمَّى أيضًا: الطَّمث، والعِراك، والضَّحِك، والإعْصار.
وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، والسُّنَّة، قال أحمد: (الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة)، وفي رواية: (وحديث أمِّ سلمة) مكان حديث أمِّ حبيبة (^٣).
(وَهُوَ: دَمُ طَبِيعَةٍ) سَجِيَّة (وَجِبِلِّيَّةٍ (^٤) خِلْقَة، كتبه الله تعالى على بنات آدم، يُرخِيه الرَّحِم إذا بلغت في أوقات معلومة، يخرج من قعر الرَّحِم.
وليس هو بدم فساد، بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته، وهو مخلوق من مائهما (^٥)، فإذا حمَلت، انصرف ذلك بإذن الله تعالى إلى غذائه، ولذلك
_________________
(١) في (و): مثل.
(٢) في (أ): إذا.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٣٥، مسائل حرب ١/ ٥٢٥. وسيأتي تخريج الأحاديث في مواطنها.
(٤) في (ب): جبلة.
(٥) في (ب): مائها.
[ ١ / ٣٨٢ ]
لا تحيض الحامل، فإذا وضعته (^١)؛ قَلَبَه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذَّى به، ولذلك قلَّما تحيض المرضع، فإذا خلت عنهما بقي الدَّم لا مصرِف له، فيستقرُّ في مكان، ثمَّ يخرج في الغالب في كلِّ شهر ستَّة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقلُّ، ويطول شهرها ويقصر، بحسب ما ركَّبه الله تعالى في الطباع، ولهذا «أمر النَّبيُّ ﷺ ببرِّ الأم ثلاث مرات، وببرِّ (^٢) الأب واحدةً» (^٣).
(وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ):
(فِعْلَ الصَّلَاةِ)؛ فرضًا كانت أو نفلًا، (وَ) يمنع (وُجُوبَهَا)، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على إسقاط فرض الصَّلاة عنها في أيَّام حيضها، وعلى أنَّ قضاء ما فات منها في أيَّام حيضها ليس بواجب) (^٤)؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصَّلاة» (^٥)، ولما روت معاذة قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي (^٦) الصوم، ولا تقضي الصَّلاة؟! فقالت: «أحروريةٌ أنتِ؟» فقلت (^٧): لست بحروريَّة، ولكنِّي أسأل، فقالت: «كنَّا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصَّوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» متَّفق عليهما (^٨)، ومعنى قولها: «أحرورية»؛ الإنكار عليها أن تكون من أهل حَرُوراء، وهي مكان ينسب إليه الخوارج؛ لأنَّهم
_________________
(١) في (ب): وضعت.
(٢) في (أ): وبرِّ.
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨)، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».
(٤) ينظر: الأوسط ٢/ ٢٠٢.
(٥) أخرجه البخاري (٣٢٠)، ومسلم (٣٣٤).
(٦) قوله: (تقضي) سقط من (أ).
(٧) في (و): فقالت.
(٨) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥).
[ ١ / ٣٨٣ ]
يرون على الحائض قضاء الصَّلاة كالصَّوم؛ لفرط تعمُّقهم (^١) حتَّى مرَقوا منه، ولأنَّه يشقُّ؛ لتكرُّره وطول مدَّته.
فإن أحبَّت القضاء؛ فظاهر نقل الأثرم: المنعُ، قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمال: يكره، لكنَّه بدعة كما رواه الأثرم عن عكرمة، ولعلَّ المراد إلَّا ركعتي الطواف؛ لأنَّها نسك لا آخر لوقته، فيُعايَا بها (^٢).
وما اعترض (^٣) به شيخنا ابن نصر الله عليه ليس بلازمٍ (^٤).
وعُلم منه: أنَّه يمنع صحَّة الطَّهارة، وحكاه بعضهم اتِّفاقًا (^٥)؛ لأنَّه حدث
_________________
(١) زاد في (ب): في الدين.
(٢) كتب على حاشية (و): قال في الإنصاف: (وفي هذه المعاياة نظرٌ ظاهر).
(٣) في (أ): أعرض.
(٤) قال ابن نصر الله في حواشي الفروع ١/ ١٠٨: (ركعتا الطواف ثابتتان للطواف، وشرطه الطهارتان، فلا يوجد سببهما إلا حالة الطهارة، فقضاؤها بعد الحيض إنما يكون لتقدم سببهما على الحيض، لا أن سبب فعلهما وجد في الحيض فتقضيانه بعده؛ كالفرائض، فما قاله المصنف لا يصح استثناؤه من قضاء الصلاة للحائض، ولا المعاياة؛ لأن المراد بقضاء الصلاة على الحائض: أن يكون وجد سبب مشروعيتهما في زمن الحيض، وزمن مشروعية ركعتي الطواف لا يمكن وجوده في الحيض إلا على رواية: أن الطهارة في الطواف الواجب يجبر بدم لا شرط. وقد يتصور ما قاله المصنف؛ بأن تحيض عقيب طوافها، فيكون وجد سبب الركعتين؛ فتقضيهما، وفي تسمية ذلك قضاء نظر؛ لأن القضاء: ما فعل بعد وقته المقدر، وركعتا الطواف لا وقت لهما مقدر، فلا يصدق عليهما القضاء). ولذلك قال البهوتي في الكشاف ١/ ٤٦٨: (فتسميتها قضاء تجوُّز). وقال المرداوي في تصحيح الفروع ١/ ٣٥٣: (رد شيخنا وابن نصر الله على المصنف - يعني صاحب الفروع - في كونها تقضي، والذي يظهر لي أن محل ذلك: إذا قلنا تطوف الحائض، فإذا طافت فإنها لا تصلي حتى تطهر، وقد أومأ إليه شيخنا أيضًا. قلت: وللشافعية فيما إذا طافت ثم حاضت قبل صلاة الركعتين وجهان في قضائهما، اختار الشيخ أبو علي عدم القضاء، واختاره النووي في شرح المهذب، واختاره ابن القاص والجرجاني والنووي في شرح مسلم، وحكي عن الأصحاب القضاء).
(٥) قال في الإنصاف ٢/ ٣٦٥: (ويأتي قريبًا وجه؛ أنها إذا توضأت، لا تمنع من اللبث في المسجد، وهو دليل على أن الوضوء منها يفيد حكمًا، وتقدم: هل يصح الغسل مع قيام الحيض؟ في باب الغسل).
[ ١ / ٣٨٤ ]
يوجب الطَّهارة، واستمراره يمنع صحَّتها كالبول، ولا يمنع غسلها لجنابة، نصَّ عليه (^١)، بل يسن.
(وَفِعْلَ الصِّيَامِ)؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «أليس إذا حاضت لم تصم ولم تصلِّ؟» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» رواه البخاري (^٢).
وظاهره يقتضي وجوب الصَّوم، وهو كذلك إجماعًا؛ لأنَّه واجب في ذمَّتها، وكذا كلُّ من لزمته عبادة وجبت في ذمَّته؛ كالدَّين المؤجَّل، لكنَّه مشروط (^٣) بالتَّمكُّن منها، فإن مات قبل التَّمكُّن منها، لم يكن عاصيًا.
وتقضيه هي وكل معذور بالأمر السَّابق، لا بأمر جديد على الأشهر.
وفي «الرِّعاية»: يقضيه مسافِرٌ بالأمر الأوَّل على الأصحِّ، وحائضٌ ونُفَساء بأمر جديد على الأصحِّ، وفيه نَظَرٌ.
(وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ)؛ لقوله ﵇: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وقد سبق (^٤).
ونقل الشالَنْجِيُّ كراهتَها لها (^٥)، وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: إذا ظنَّت نسيانَه، وجبتْ (^٦).
(وَمَسَّ الْمُصْحَفِ)؛ للنَّص.
(وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ)؛ لقوله ﵇: «لا أحلُّ المسجد لحائض، ولا
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٥٠، مسائل حرب ١/ ٥٨٧.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٥١)، وأخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵁.
(٣) في (أ): بشروط.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٢٧٢ حاشية (١).
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٣٥٥.
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٦٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
جنب» رواه أبو داود (^١). وقيل: لا بوضوء، وقيل: ويمنع دخوله، وحُكي رواية؛ لخوفها تلويثه في الأشهر، ونصُّه في رواية ابن إبراهيم: (تَمرُّ ولا تقعُد) (^٢)، والمذهب: حيث أمنت تلويثه.
(وَالطَّوَافَ) (^٣)؛ لقوله ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري» متَّفق عليه (^٤)، ولأنَّه صلاة، وهي ممنوعة منها (^٥)، ومن لوازمه اللُّبث في المسجد، وهي ممنوعة منه.
وعند الشَّيخ تقِيِّ الدِّين: بلا عذر (^٦).
وعن أحمد: يصحُّ منها، وتجبره بدم.
(وَ) يمنع (الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، ولقوله ﵇: «اصنعوا كلَّ شيء إلَّا النِّكاح» رواه مسلم (^٧)، ويستثنى (^٨): من به شَبَق بشرطه.
(وَسُنَّةَ الطَّلَاقِ)؛ لما روي عن ابن عمر: أنَّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «مُرْهُ فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حامِلًا» متَّفق عليه، ولم يقل البخاري: «أو حاملًا» (^٩)، ولأنَّه إذا طلَّقها فيه كان محرَّمًا، وهو طلاق بِدعةٍ؛ لما فيه من تطويل العدَّة، وسيأتي، وهذا ما لم
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ٢٧٥ حاشية (١).
(٢) لم نجده في مسائله المطبوعة، وينظر: الفروع ١/ ٣٥٥.
(٣) قوله: (لقوله ﵇: «لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب») إلى هنا سقط من (ب).
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١).
(٥) قوله: (منها) سقط من (أ).
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٢٧.
(٧) أخرجه مسلم (٣٠٢)، من حديث أنس ﵁.
(٨) زاد في (أ) و(ب): منه.
(٩) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).
[ ١ / ٣٨٦ ]
تسأله الطلاق بعِوَضٍ أو الخُلْع، وفيه وجه.
(وَالاِعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، فأوجب العِدَّة بالقروء، وشرط في الآية عدَم الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ويُستثنى منه: المتوفَّى عنها زوجها.
(وَيُوجِبُ الْغَسْلَ) عند انقطاعه؛ لقوله ﷺ: «دعي الصَّلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» متَّفق عليه (^١)، وقد سبق الاختلاف فيه (^٢)، هل يجب بالخروج أو الانقطاع؟
(وَالْبُلُوغَ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار» رواه أحمد وغيره من حديث عائشة، ورُوي أيضًا مرسَلًا وموقوفًا (^٣)، فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدلَّ على أنَّ التَّكليف حصل به.
وظاهره: أنَّ أحكام البلوغ تثبت بابتدائه، وصرَّح به في «التَّلخيص» و«البلغة».
(وَ) يوجب (^٤) (الاِعْتِدَادَ بِهِ)؛ لما سبق، قال في «المغني» و«الشَّرح»: وأكثر هذه الأحكام مُجمَعٌ عليها.
(وَالنِّفَاسُ مِثْلُهُ) فيما يجب به، ويحرم، وما يسقط عنها، بغير خلاف
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٥)، ومسلم (٣٣٣).
(٢) كتب على هامش الأصل: في الغسل.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وحسنه، وهو من رواية حماد بن سلمة عن قتادة، وحماد يخطئ في حديث قتادة كما ذكر ذلك مسلم وغيره، ورجح الدارقطني وقفه، وأُعل بالإرسال أيضًا، وصححه بعض المتأخرين بطرق أخرى تقويه. ينظر: التمييز لمسلم (ص ٢١٧)، علل الدارقطني ١٤/ ٤٣١، البدر المنير ٤/ ١٥٥، التلخيص الحبير ١/ ٦٦٥، الإرواء ١/ ٢١٤.
(٤) في (و): وتوجب.
[ ١ / ٣٨٧ ]
نعلمه (^١)؛ لأنَّه دم حيض احتبس لأجل الولد، ثمَّ خرج، فثبت حكمه.
لكنْ لو ضَربتِ الحامِلُ بطنَها، أو شَرِبتْ دواءً، فأسقطت ونُفِست؛ لم تصلِّ، وفي وجوب القضاء وجهان.
(إِلَّا فِي الاِعْتِدَادِ)؛ لأنَّ انقضاء العدَّة بالقُروء، والنَّفاسُ ليس بقروء، ولأنَّ العدَّة تنقضي بوضع الحمل.
ولا يدلُّ على البلوغ؛ لأنَّه لا يُتصوَّر؛ لحصوله بالحمل قبله، ولا يحتسب عليه به في مدَّة الإيلاء، ويقطع تتابع صوم الظِّهار في قولٍ.
(وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ) انقطاعًا يوجب الغسل والصَّلاة عليها؛ (أُبِيحَ) لها (فِعْلُ الصِّيَامِ)؛ لأنَّ وجوب الغسل لا يمنع فعله؛ كالجنب، (وَ) أبيح (الطَّلَاقُ)؛ لأنَّ تحريمه لتطويل العدَّة بالحيض، وقد زال ذلك.
والثَّاني: لا يباحان؛ لمفهوم خبرِ ابنِ عمر، رواه الدَّارقطني (^٢).
والأوَّل أصحُّ.
وألحَق القاضِي بهما: القراءةَ، وهو رواية عن أحمد.
(وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) في قول أكثرهم، وقال ابن المنذر: (هو كالإجماع) (^٣)، وحكاه إسحاق بن راهويهِ إجماعَ التَّابعين (^٤)؛ لأنَّ الله تعالى شرط لحلِّ الوطء شرطَين: انقطاع الدم، والغسل، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
_________________
(١) ينظر: الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ١٠٥.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣٩٠٣)، وأخرجه النسائي (٣٣٩٦)، من حديث ابن عمر ﵄، في قصة طلاق امرأته: قال له النبي ﷺ: «مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى؛ فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، وصحح ابن الملقن إسناده. ينظر: البدر المنير ٨/ ٧٢.
(٣) ينظر: الأوسط ٢/ ٢١٤.
(٤) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٤٣٤.
[ ١ / ٣٨٨ ]
يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: حتَّى ينقطع دمهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: اغتسلن بالماء؛ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، كذا فسره ابن عبَّاس (^١)، وهي قراءة الأكثر بالتَّخفيف في الأولى، وأهل الكوفة بتشديدها، واتَّفق الكل على تشديد الثَّانية، والتَّطهُّر: تَفَعُّل، إنَّما يكون فيما يتكلَّفه (^٢) ويروم تحصيله، فيقتضي اتخاذ الفعل منه؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]، وانقطاع الدَّم غير منسوب إليها، ولا صنع لها فيه.
لا يقال: ينبغي على قراءة الأكثر: أنَّه ينتهي النَّهي عن القُرْبان بانقطاع الدَّم؛ إذ الغاية تدخل في المغيَّا لكونها بحرف حتَّى؛ لأنَّه قبل الانقطاع النهي عن القربان مطلق، فلا يباح بحال، وبعده يزول التحريم (^٣) المطلق، ويصير إباحة وطئها موقوفًا على الغسل، وظهر أنَّ قراءة الأكثر؛ أكثر فائدةً.
وقيل: لا يحرم وطؤها بعد الانقطاع، وقاله داود وه (^٤): إذا انقطع دمها لأكثره، وهو عشرة أيَّام؛ حلَّ وطؤها، وإلَّا لم يُبَح حتَّى تطهُر.
وعلى الأوَّل: لو عَدِمت الماء؛ تيمَّمت وحلَّ وطؤها، وإن تيمَّمت لها، حلَّ؛ لأنَّ ما أباح الصَّلاة أباح ما دونها، ولو عبَّر بالطُّهر لكان أولى؛ لشموله ما ذكرنا.
فرع: إذا أراد وطأها فادَّعتْ حيضًا وأمكن؛ قُبِل، نصَّ عليه (^٥)؛ لأنَّها
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٧٣٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢١١٩)، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] يقول: فإذا طهرت من الدم وتطهرت بالماء»، علي بن طلحة لم يسمع من ابن عباس، إلا أنها صحيفة معتبرة عند جماعة من أهل العلم؛ لكونه أخذها عن مجاهد وعكرمة. ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٧٥، المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٤٠.
(٢) في (و): يتكلف.
(٣) زيد في (و): ثم.
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي ٢/ ١٦، تبيين الحقائق ١/ ٥٨.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٣٥٦.
[ ١ / ٣٨٩ ]
مُؤتَمَنةٌ، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه تخريج في الطَّلاق، وأنَّه يحتمل أن يُعمل بقرينة أو أَمَارة، وقال ابن حزم: اتَّفَقوا على قبول قول المرأةِ تَزُفُّ العروسَ إلى زوجها فتقول: هذه زوجتُك، وعلى استباحة وطئها بذلك، وعلى تصديقها في قولها: أنا حائض، وفي قولها: قد طهُرتُ).
مسألة: تُغَسَّل المسلمةُ الممْتنعةُ قهرًا، ولا نيَّة هنا للعذر؛ كالممتنع من الزَّكاة، وإذا فعلته لم تُصلِّ به على الصَّحيح.
وتُغسَّل المجنونة ويَنْويه. وقال ابن عقيل: يحتمل أن يغسِّلها ليطأها، وينوي غسلها؛ تخريجًا على الكافرة.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ)؛ من القُبْلة، واللَّمْس، والوطْء دون الفرج في قول جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] (^١)، قال ابن عبَّاس: «فاعتزَلوا نكاح فروجهن» رواه عبد بن حميد وابن جرير (^٢)، ولأنَّ المَحيض هو اسم لمكان الحيض في ظاهر كلام أحمد، وقاله ابن عقيل؛ كالمقيل والمبيت، فيختصُّ التحريم بمكان الحيض، وهو الفرج، ولهذا لمَّا نزلت هذه الآية؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «اصنعوا كلَّ شيء إلَّا النِّكاح» رواه مسلم، وفي لفظ «إلَّا الجماع» رواه أحمد وغيره (^٣)، ولأنَّه وطء مُنع للأذى، فاختصَّ بمحلِّه؛ كالدُّبر.
وقيل: المحيض زمن الحيض، قاله في «الرِّعاية» وغيرها، فالاعتزال على
_________________
(١) زاد في (أ): هو اسم لمكان الحيض.
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (٣/ ٧٢٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢١١٥)، والبيهقي في الكبرى (١٤٨١)، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وتقدم أن رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس في التفسير مقبولة.
(٣) سبق تخريجه من حديث أنس في مسلم ١/ ٣٨٦ حاشية (٧)، ظظ وأخرجه النسائي في الكبرى (٩٠٤٩)، وابن ماجه (٦٤٤)، بلفظ «إلا الجماع»، ولم نقف عليه في مسند أحمد بهذا اللفظ، والذي وقفنا عليه بلفظ: «إلا النكاح»، (١٢٣٥٤، ١٣٥٧٦).
[ ١ / ٣٩٠ ]
هذا؛ اعتزالهنَّ مطلقًا؛ كاعتزال المُحرِمة والصَّائمة، ويحتمل اعتزال ما يراد منهنَّ في الغالب، وهو الوطء في الفرج.
قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (هذا هو المراد؛ لأنَّه قال: ﴿هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء، فدلَّ على أنَّ الوصف هو العلَّة، لا سيَّما وهو مناسِبٌ للحكم؛ كآية السَّرقة، فالأمر بالاعتزال في الدَّم للضَّرر (^١) والتَّنجيس، وهو مخصوص بالفرج، فيختص الحكم بمحلِّ سببه) (^٢).
وقال ابن قتيبة: (المحيض: الحيض نفسه) (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، ولا شكَّ أنَّ الاستِمتاع بما فوق السُّرة، وتحت الرُّكبة جائز إجماعًا (^٤)، فكذا ما بينهما.
وعلى هذا: يُسنُّ ستر فرجها عند مباشرة غيره. وقال ابن حامد: يجب.
وعن أحمد: لا يجوز أن يستمتع بما بينهما، وجزم به في «النِّهاية»؛ كخوفه (^٥) مواقَعة المحظور؛ لما روى عبد الله بن سعد: أنَّه سأل رسول الله ﷺ: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» رواه أبو داود (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ب): للضرورة. والمثبت هو الموافق لما في شرح العمدة.
(٢) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٦١.
(٣) ينظر: أدب الكاتب ١/ ٣٥٥
(٤) ينظر: المغني ١/ ٢٤٢،، وقال في المجموع ٢/ ٣٦٤: (نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي في المجموع وابن الصباغ والعبدري وآخرون، وأما ما حكاه صاحب الحاوي عن عبيدة السلماني الإمام التابعي -وهو بفتح العين وكسر الباء- من أنه لا يباشر شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ فلا أظنه يصح عنه، ولو صح فهو شاذ مردود بالأحاديث الصحيحة).
(٥) في (أ) و(ب): لخوفه. وهو الموافق لما في الفروع ١/ ٣٥٨.
(٦) أخرجه أبو داود (٢١٢)، ومن طريقه البيهقي (١٤٩٩)، والضياء في المختارة (٣٩٠)، وفي سنده العلاء بن الحارث الحضرمي، وثقه جماعة من الأئمة، وأشار بعضهم إلى تغير حفظه في آخر عمره، وضعفه ابن حزم بحرام بن حكيم، ورجح توثيقه ابن الملقن وابن حجر، قال النووي: (إسناده جيد). ينظر: المحلى لابن حزم ١/ ٣٩٧، خلاصة الأحكام (٦٠١)، تحفة المحتاج لابن الملقن ١/ ٢٣٣، ترجمة العلاء بن الحارث في ميزان الاعتدال ٣/ ٩٨، وترجمة حرام بن حكيم في تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٢٢٢.
[ ١ / ٣٩١ ]
وأجيب: بأنَّه من (^١) رواية حرام بن حَكِيم، وقد ضعَّفه ابن حزم وغيره.
سلَّمنا صحَّته؛ فإنَّه يدلُّ بالمفهوم، والمنطوق راجِحٌ عليه، وما رَوى البخاري عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يأمرني أن أتَّزِرَ، فيباشرني وأنا حائض» (^٢)؛ لأنَّه كان يترك بعض المباح تقذُّرًا؛ كتركه أكل الضَّبِّ.
(فَإِنْ وَطِئَهَا) من يجامِع مثلُه، ولو بلفِّ خِرقة قبل انقطاعه، (فِي الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ كَفَّارَةً)، كذا في «المحرَّر» وهو رواية (^٣)؛ لما رُوِي: أنَّ عمر بن الخطاب وقع على جاريةٍ له، فوجدها حائضًا، فأتى النَّبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «يغفر الله لك أبا (^٤) حفص، تصدَّق بنصف دينار» رواه حرب (^٥).
_________________
(١) في (أ): في.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠)، ومسلم (٢٩٣).
(٣) قوله: (وهو رواية) سقط من (أ).
(٤) في (أ) و(ب): يا أبا حفص.
(٥) أخرجه حرب في مسائله - تحقيق السريع - (٦٩٨)، والحارث بن محمد كما في بغية الباحث (١٠٣)، من طريق زيد بن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، عن أبيه، عن عمر. وزيد مستور الحال. وأخرجه إسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية (٢٠٨)، والدارمي (١١٥٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٣٦)، من طريق يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد، عن عمر، بلفظ: «فأمره أن يتصدق بخُمس دينار»، والذي نقله البيهقي في الكبرى عن إسحاق بلفظ: «بخُمُسي دينار»، وهو كذلك في سنن أبي داود معلقًا (١/ ٦٩)، قال الحافظ في المطالب: (حديث حسن)، وأعله البيهقي بالانقطاع بين عبد الحميد وعمر، وهو ظاهر قول أبي داود. واحتج به أحمد في مسائل ابن منصور (٩/ ٤٨٢٣). وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي فيما ذكره ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ١٤٦)، من طريق حسان بن عطية، عن عمر، قال ابن كثير: (إسناده غريب جدًّا، وفيه انقطاع)، وفيه رواد بن الجراح اختلط فتُرك كما في التقريب.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وظاهر المذهب: أنَّ الكفَّارة دينار أو نصفه على وجه التَّخيير؛ لما روى ابن عبَّاس عن النَّبيِّ ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدَّق بدينار أو نصفه» رواه أحمد، والتِّرمذي، وأبو داود وقال: (هكذا الرِّواية الصَّحيحة) (^١).
وعنه: نصفه. وعنه: نصفه في إدباره. وعنه: بل في أصفر (^٢).
وما ذكرناه هو المشهور؛ لأنَّه معنًى تجب فيه الكفَّارة، فاستوى الحال فيه بين إقباله وإدباره وصفاتِه؛ كالإحرام، لا يقال: كيف يخيَّر بين الشيء ونصفه؟! لأنَّه كتخيير المسافر بين الإتمام والقصر.
وظاهره: لا فرق بين كونه ذهبًا مضروبًا أو تِبْرًا، نقله الجماعة.
واعتبر الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: كونه مضروبًا (^٣)، قال في «الفروع»: (هو أظهر)؛ لأنَّ الدِّينار اسم له كما في الدِّية.
وذكر في «الرِّعاية»: هل الدينارُ هنا عشرة أو اثنا عشر؟ يحتمل وجهين، ومراده: إذا أخرج دراهم كم يخرج؛ وإلَّا فلو أخرج ذهبًا؛ لم تعتبر قيمتُه بلا شكٍّ.
وأنَّه لا فرق بين النَّاسي والمكرَه، والجاهلِ بالحيض أو التَّحريمِ أو هما؛ للعموم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٢٣)، وأبو دواد (٢٦٤)، والترمذي (١٣٦)، واختلف في رفعه ووقفه، ورجحه موقوفًا ابن السكن والإشبيلي والنووي، ومال أحمد إلى تقويته واحتج به، قال: (ما أحسن حديث عبد الحميد، فقيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم)، وصححه مرفوعًا الخطابي، وابن القطان، وابن حجر، والألباني، وغيرهم، ووقع في هذا الحديث اضطراب في متنه أيضًا، والرواية المحفوظة هي: (دينار أو نصف دينار)، كما بين ذلك أبو داود في سننه. ينظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٧١، التلخيص الحبير ١/ ٤٢٧، صحيح أبي داود ٢/ ١٥.
(٢) قوله: (بل في أصفر) هو في (ب): في الصفرة. وفي (أ): بلى في أصفر.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٦٩.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وعنه: لا كفَّارة، قال القاضي وابن عقيل: بناءً على الصَّوم والإحرام.
وبان بهذا: أنَّ من كرَّر الوطء في حيضة أو حيضتين؛ أنَّه في (^١) تكرار الكفَّارة كالصَّوم.
فإن وطئها طاهرًا ثمَّ حاضت؛ فإن استدام لزِمتْه الكفَّارةُ، وإن نزع؛ انبنى على الخلاف هل هو جماع أم لا؟ والمنصوص: أنَّها تلزمه الكفَّارة (^٢)؛ لأنَّه وإن كان معذورًا؛ فهي واجبة بالشَّرع كالصَّوم.
وأنَّ المرأة لا كفَّارة عليها، وهو وجه؛ لأنَّ الإيجاب بالشَّرع، ولم يرد.
والمنصوص: أنَّ عليها الكفَّارة (^٣)؛ ككفَّارة الوطء في الإحرام.
ومقتضاه: أنَّها إذا كانت مكرَهةً، أو غيرَ عالمةٍ؛ لا شيء عليها؛ كالصَّبي؛ لعدم تكليفه.
وظاهر كلامه، واختاره ابن حامد: أنَّها تلزمه؛ للعموم.
وهما في القيمة، والكفَّارة؛ للفقراء.
وتجزئ إلى مسكين واحد؛ كنذرٍ مُطلَق، وتسقط (^٤) بالعجز عنها على الأصحِّ.
وعنه: تلزمه بوطء دبر، وهو غريب.
فرع: الوطءُ في الحيض ليس بكبيرة، ش (^٥)، وإنَّما شُرِعت الكفَّارة زجرًا عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير في وجه.
(وَعَنْهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ)، قدَّمه ابن تميم، وجزم به في «الوجيز»،
_________________
(١) في (و): من.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٤٥، شرح العمدة ١/ ١٦٩.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ١٦٩.
(٤) في (أ): ويسقط.
(٥) أي: خلافًا للشافعي. ينظر: المجموع ٢/ ٣٥٩، والنجم الوهاج ١/ ٤٩٣.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وهو قول أكثر العلماء؛ لقول النبي ﷺ: «من أتى حائضًا أو امرأةً في دُبُرها، أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمَّد» رواه ابن ماجه، وضعَّفه البخاري (^١)، ولأنَّه وطْءٌ نُهي عنه لأجل الأذى أشبه الوطء في الدُّبر، وكما لو وطئ بعد انقطاعه قبل غسلها في المنصوص.
وحديث الكفَّارة مداره على عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، قال: ولو صحَّ ذلك لكنَّا نرى عليه الكفَّارة (^٢).
تذنيب: بَدَن الحائض، وعَرَقها، وسُؤرها؛ طاهر، ولا يكره طبخها وعجينها وغير ذلك، ولا وضع بدنها (^٣) على شيء من المائعات، ذكره ابن جرير إجماعًا، ولعلَّ المراد: ما لم يَفسُد من المائعات (^٤) بملاقاة بدنها، وإلَّا توجَّه المنع فيها وفي (^٥) المرأة الجنب، قاله في «الفروع».
(وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ)؛ تمام (تِسْعِ سِنِينَ) في المشهور من المذهب، قال التِّرمذي: قالت عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» (^٦)، ورواه القاضي مرفوعًا من رواية ابن عمر (^٧)، أي: حكمها حكم
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، وضعفه البخاري، وقال النسائي والبزار: (حديث منكر)، وصححه الألباني بطرق أخرى تقويه. ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ٣٨٨، الإرواء ٧/ ٦٨.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٤٤.
(٣) في (و): يدها.
(٤) زيد في (ب) و(و): شيء. وفي (أ): ما لم يفسده في المائعات.
(٥) في (أ) و(و): وهي. والمثبت موافق لما في الفروع.
(٦) أخرجه حرب الكرماني في مسائله - تحقيق السريع - (١٢٨٩)، عن حبيب بن أبي مرزوق عنها، ورجاله ثقات، وقد احتج به إسحاق، وعلقه عنها الترمذي في الجامع (٣/ ٤٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٤٧٦)، إلا أنه يبعُد سماع حبيب منها، فإنه يروي عن نحو عروة وعطاء ونافع. ينظر: تهذيب الكمال ٥/ ٣٩٥.
(٧) أخرجه مرفوعًا أبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان ٢/ ٢٤٣، من حديث ابن عمر ﵁، وفي سنده عبد الملك بن مهران الرقاعي، قال العقيلي: (صاحب مناكير، غلب عليه الوهم، لا يقيم شيئًا من الحديث)، قال ابن عدي: (مجهول ليس بالمعروف). ينظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ٣٤، الكامل لابن عدي ٦/ ٥٣٤، تنقيح التحقيق ٤/ ٣٢٣، الإرواء ١/ ١٩٩.
[ ١ / ٣٩٥ ]
المرأة، قال الشَّافعيُّ: (رأيت جدَّةً لها إحدى وعشرين سنة) (^١)، وذكر ابن عَقيل: أنَّ نساء تِهامة يَحِضْن لتسع سنين.
وظاهره: أنَّها إذا رأت لدونِ تسع فليس بحيض، وهو كذلك بغير خلاف؛ لأنَّه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيض قبل استكمالها، وأنَّه لا فرق فيه بين البلاد الحارة والباردة.
وقيل: لا حيض قبل تمام عشر (^٢).
وعنه: اثنتا عشرة؛ لأنَّه الزَّمان الذي يصحُّ فيه بلوغ الغلام، وهو تقريب. وقيل: تحديد (^٣).
ولانقطاعِه غاية، نصَّ عليه (^٤)، (وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً)، قدَّمه في «المستوعب» و«الرِّعاية» و«التَّلخيص»، وصحَّحه في «البلغة»، واختاره عامَّة المشايخ، قاله (^٥) ابن الزَّاغُوني؛ لقول عائشة: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة؛
_________________
(١) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٧٦.
(٢) في (أ): حيض.
(٣) قال ابن قندس في حواشي الفروع ١/ ٣٦٢: (الذي يظهر من عبارته أن قوله: "تقريب، وقيل: تحديد" يعود على رواية الثنتي عشر، وأما على رواية التسع والعشر فظاهره: أنهما تحديد؛ لأنه صرح بالتمام في التسع، وهو ظاهر في التحديد. وقوله: "وقيل: عشر" تقديره: وقيل: تمام عشر، وممن صرح بالتمام في التسع؛ الفائق وابن تميم وتجريد العناية، قال ابن عبيدان: "والمراد: كمال التسع كما صرح به غير واحد"). وقال في تصحيح الفروع ١/ ٣٦٢ بعد ذكره كلام ابن قندس: (ويرشحه عدم الاطلاع على الخلاف، لكن الخلاف على هذا القول - أي في الثنتي عشرة- لم نره أيضًا).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٣/ ١٣٢٠، مسائل ابن هانئ ١/ ٢٣.
(٥) في (أ): قال. والمثبت موافق لما في شرح الزركشي ١/ ٤٠٦.
[ ١ / ٣٩٦ ]
خرجت من حدِّ الحيض»، ذكره أحمد (^١)، وقال أيضًا: «لن ترى في بطنها ولدًا بعد الخمسين» رواه أبو إسحاق الشَّالَنْجِيُّ (^٢).
وظاهره: أنَّه لا فرق بين نساء العرب وغيرهنَّ؛ لاستوائهنَّ في جميع الأحكام.
(وَعَنْهُ: سِتُّونَ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ) وخمسون لغيرهن، وقاله أهل المدينة؛ لأنَّهنَّ أقوى جِبِلَّةً.
وعنه: غايته ستون سنةً، جزم بها في «المحرَّر» و«الوجيز»، وقدَّمها ابن تميم، واختارها أبو الخَطَّاب في «خلافه الصَّغير»؛ لأنَّ ما قبل ذلك وجد فيه حيض بنقل نساءٍ ثقاتٍ.
وعنه: إن تكرَّر بعد الخمسين فهو حيض، وإلَّا فلا، صحَّحها في «الكافي»؛ لوجوده على ما نقله الزُّبَير بن بَكَّارٍ (^٣).
وعنه: مشكوك فيه، اختارها الخِرَقِيُّ، فتصوم وتصلِّي؛ لأنَّ وجوبهما متيقَّن، فلا يزول بالشكِّ، ولا يقربها زوجها إذا انقطع حتَّى تغتسل؛ لاحتمال أن يكون حيضًا، والصَّوم تقضيه وجوبًا على الأصحِّ؛ لأنَّه واجب بيقين، فلا يسقط بالشَّكِّ.
_________________
(١) أخرجه حرب الكرماني في مسائله - كتاب الطهارة والصلاة - (٧٣١)، عن أم رزين عن عائشة، بلفظ: «ما أتى على امرأة خمسون سنة قط فخرج من بطنها ولد»، ولا بأس برواته، إلا أننا لم نقف على ترجمة لأم رَزين، وقد يُسْتأنس بقول الذهبي في الميزان ٤/ ٦٠٤: (وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها).
(٢) أخرجه الشالنجي بإسناده عن عائشة كما في كتاب التمام لابن أبي يعلى (١/ ١٣٣)، ولم نقف على إسناده.
(٣) نسبه في المغني إلى كتاب النسب للزبير بن بكار. ينظر المغني ١/ ٢٦٣. وهو: الزبير بن بكار بن عبد الله الأسدي المكي، أبو عبد الله، العلامة النسابة، قاضي مكة وعالمها، من مصنفاته: نسب قريش، أخبار العرب، وغيرهما، توفي سنة ٢٥٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣١١، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣١١.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وقد عُلم: أنَّها إذا رأت دمًا (^١) أنه ليس بحيض بغير خلاف في المذهب؛ لأنَّه لم يوجد، وهو بمنزلة الجُرْح، قاله أحمد (^٢)، وهو دم فساد، ش (^٣) فإنَّه لا غاية لانقطاعه.
فالجواب (^٤): أنَّه قد وُصف النِّساء بالإيَاس منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ولو أمكن أن يكون حيضًا لم تيْأس أبدًا، ولأنَّها تعتدُّ بالأَشْهُر.
(وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) في المنصوص (^٥)، وه (^٦)؛ لما روى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتَّى تضع، ولا غير ذات حمل حتَّى تحيض» رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي (^٧)، فجعل الحيض علَمًا على براءة الرَّحِم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمع معه، وقال ﵇ في حقِّ ابن عمر لمَّا طلَّق زوجته وهي حائض: «ليُطَلِّقها طاهرًا أو حاملًا» (^٨)، فجعل الحمل علَمًا على عدم الحيض كالطهر، احتجَّ به أحمد.
وعنه: بلى، حكاها أبو القاسم التَّميمي (^٩) والبيهقِيُّ، والشَّيخ تقِيُّ الدِّين
_________________
(١) زاد في (ب): بعد الستين.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٦٣.
(٣) أي: خلافًا للشافعي، ينظر: المجموع ٢/ ٣٧٤، نهاية المحتاج ١/ ٣٢٥.
(٤) في (و): والجواب.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٣/ ١٣١٧، مسائل أبي داود ص ٣٨.
(٦) ينظر: المبسوط للسرخسي ٢/ ٢٠، بدائع الصنائع ١/ ٤٢.
(٧) أخرجه أحمد (١١٢٢٨)، وأبو داود (٢١٥٧)، وحسن إسناده ابن عبد الهادي، وابن حجر، وصححه الألباني، وله شواهد من حديث علي، وابن عباس، والعرباض بن سارية، ورويفع بن ثابت ﵃. ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ٤١٤ - ٤١٥، التلخيص الحبير ١/ ٤٤١، الإرواء ١/ ٢٠٠.
(٨) سبق تخريجه ١/ ٣٨٦ حاشية (٩).
(٩) في (و): التيمي. وهو: عبد الوهاب بن رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، كان فاضلًا، متقنًا، واعظًا، توفي سنة ٤٩٣ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ١/ ١٩٣، المقصد الأرشد ٢/ ١٣١.
[ ١ / ٣٩٨ ]
واختارها (^١)، قال في «الفروع»: وهي أظهر، وذكر عبيدة بن الطَّيِّب (^٢): أنَّه سمع إسحاق ناظر أحمد، ورجع إلى قوله هذا. رواه الحاكم (^٣)، لأنَّه دمٌ صادف عادةً، فكان حيضًا كغيرها.
فعلى الأولى: إذا رأت دمًا؛ فهو دم فساد، لا تترك له (^٤) العبادة، ولا يُمنع زوجها من وطئها.
ويستحبُّ أن تغتسل (^٥) بعد انقطاعه، نصَّ عليه (^٦)، وفي وجوبه وجهان.
إلَّا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة؛ فهو نفاس، ولا تنقص به مدته، نصَّ عليه (^٧)؛ لأنَّه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا، ولا تترك العبادة من غير علامة على قرب الوضع؛ عملًا بالأصل، فإن تركتها لعلامةٍ، فتبيَّن بُعده عنها؛ أعادت ما تركته من العبادة الواجبة (^٨).
(وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)، هذا هو المشهور، واختاره عامَّة المشايخ؛ لقول عليٍّ ﵁ (^٩). لا ثلاثة أيام، هـ (^١٠).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٣٩، الفروع ١/ ٣٦٥.
(٢) قوله: (وذكر عبيدة) هو في (ب): وذكره أبو عبد الطيب.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٣٥٦.
(٤) في (و): لها.
(٥) في (أ): يغتسل.
(٦) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٨.
(٧) ينظر: مسائل ابن منصور ٣/ ١٣٢٧.
(٨) زاد في (ب): لأنه تبين أنه ليس بحيض ولا نفاس.
(٩) قال ابن حجر في التعليق على قول الرافعي: (حديث علي: أقل الحيض يوم وليلة)، قال: (كأنه يشير إلى ما ذكره البخاري تعليقًا عن علي وشريح أنهما جوزا ثلاث حيض في شهر). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٤٢. وسيأتي تخريجه قريبًا.
(١٠) أي: خلافًا لأبي حنيفة، فأقل الحيض عنده: ثلاثة أيام ولياليها. ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ١٤٧، بدائع الصنائع ١/ ٤٠.
[ ١ / ٣٩٩ ]
(وَعَنْهُ: يَوْمٌ)، اختارها أبو بكر؛ لأنَّ الشَّرع علَّق على الحيض أحكامًا، ولم يبيِّنه، فعُلم أنَّه ردَّه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز، وقد وُجِد حَيضٌ معتادٌ يومًا، ولم يوجد أقل منه، قال عَطاءٌ: (رأيت من تحيض يومًا) رواه الدَّارقطني (^١)، وقال الشَّافِعِيُّ: (رأَيْتُ امرأة قالت (^٢): إنَّها لم تزل تحيض يومًا لا يزيد) (^٣)، وقال أبو عبد الله الزُّبيرِيُّ: (كان في نسائنا من تحيض يومًا) (^٤).
فمن قال به أخذ بظاهر الإطلاق، يؤيده قول الأوزاعي: (عندنا امرأةٌ تحيض بُكرةً، وتطهُر عَشيَّةً).
ومن قال باليوم واللَّيلة، قال: إنَّه المفهوم من إطلاق اليوم، ومن ثَمَّ قال القاضي: يمكن حمل كلام أحمد: (أقلُّه يوم)؛ أي (^٥): بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً، وهذه طريقة الخلَّال، ولكن الأكثر على خلافها.
(وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) في ظاهر المذهب، قال الخلَّال: لا اختلاف فيه؛ لقول عطاء: «رأيت من تحيض خمسة عشر يومًا» (^٦)، يؤيِّده ما رواه عبد الرَّحمن (^٧) بن أبي حاتم في «سننه» عن ابن عمر مرفوعًا أنَّه قال: «النِّساء ناقصات عقلٍ ودينٍ»، قيل: وما نُقصانُ دينِهِنَّ؟ قال: «تمكث (^٨) إحداهنَّ شطر عمرها لا تصلِّي»، وذكر ابن المُنَجَّى: (أنَّه رواه البخاري)، وهو خطأ، قال
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٨٠١)، وأخرجه الدارمي (٨٧٣)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٢)، عن عطاء بلفظ: «أدنى الحيض يوم».
(٢) في (و): كانت.
(٣) ينظر: الأم ١/ ٨٢. ينظر: الأم ١/ ٨٢.
(٤) ينظر: الكافي ١/ ١٣٨.
(٥) قوله: (أي) سقط من (و).
(٦) أخرجه الدارمي (٨٧٠)، والدارقطني (٧٩٧)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٦).
(٧) كتب على حاشية (و): (ينظر هل ابن أبي حاتم راوٍ أسند الحديث أم لا، فإنَّا لم نر ولم نسمع لعبد الرحمن بسند، وأيضًا يؤيده قول البيهقي: لم أجده في شيء من كتب الحديث).
(٨) في (أ): قلت.
[ ١ / ٤٠٠ ]
البيهقي: (لم أجده في شيء من كتب الحديث)، وقال ابن منده: (لا يثبُت هذا بوجه من الوجوه عن النَّبيِّ ﷺ (^١).
(وَعَنْهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ)، قال ابن المنذر: (بلغني أن نساء الماجِشُون كن يحضن سبع عشرة، وحكاه ابن مهدي عن غيرهن) (^٢).
وقيل عليهما: وليلة، لا عشرة بلياليها، هـ (^٣).
وقال م (^٤): لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعة واحدةً كان حيضًا، وأكثره خمسة عشر يومًا.
(وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ بنتِ جحْش لما سألته: «تحيَّضي في علم الله ستَّة أيَّام أو سبعة، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعًا وعشرين ليلةً، أو ثلاثًا وعشرين ليلةً وأيَّامها، فإنَّ ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النِّساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهنَّ» رواه أبو داود والنَّسائي وأحمد والتِّرمذي وصحَّحاه، وحسَّنه البخاري (^٥).
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، هذا هو المختار من (^٦)
_________________
(١) نصَّ غير واحد من الحفاظ أن هذا لفظٌ يتداوله الفقهاء، وليس له أصل -وهو التنصيص على شطر العمر أو الدهر- ولفظ الحديث في الصحيح: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟! فذلك من نقصان دينها» أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠)، من حديث أبي سعيد ﵁، وقول المصنف (ما رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم في سننه) تبع فيه القاضي أبا يعلى، وتعقبه ابن الملقن بقوله: (وعبد الرحمن ليس له سنن، وسننه التي عزاه إليها لم نقف عليها، بل ولا سمعنا بها)، وكذا قال ابن حجر أيضًا. ينظر: السنن والآثار ٢/ ١٤٣، البدر المنير ٣/ ٥٥، التلخيص الحبير ١/ ٤٣٢.
(٢) ينظر: الأوسط ٢/ ٢٢٨.
(٣) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ١٤٨، بدائع الصنائع ١/ ٣٩.
(٤) ينظر: بداية المجتهد ١/ ٥٦، الجواهر الثمينة ١/ ٧١.
(٥) سبق تخريجه ١/ ٢٦٨ حاشية (٦).
(٦) في (و): المختار في.
[ ١ / ٤٠١ ]
المذهب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أحمد واحتجَّ به عن عليٍّ: أنَّ امرأةً جاءته، وقد طلَّقها زوجها، فزعمت أنَّها حاضت في شهر ثلاث حِيَضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيح: «قل فيها»، فقال شريح: إن جاءت ببيِّنة من بِطانةِ أهلها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة (^١). فقال عليٌّ: «قَالُون»؛ أي: جيِّد بالرُّوميَّة (^٢)، وهذا لا يقوله إلَّا توقيفًا، وهو قول صحابي انتشر ولم يُعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أنَّ الثَّلاثة عشر طهرٌ صحيحٌ يقينًا، قال أحمد: (لا يُختلف أنَّ العدَّة يصحُّ أن تنقضي في شهر إذا قامت به البيِّنة) (^٣).
وظاهره: أنَّ الطُّهر في أثناء الحيضة لا توقيت فيه، وسيأتي.
(وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ)، هذا (^٤) رواية عن أحمد حكاها في «المحرَّر» و«الفروع»، وهي قول أكثر العلماء؛ لما تقدَّم من قوله: «تمكث إحداكنَّ (^٥) شطر عمرها لا تُصلِّي» (^٦).
وذكر أبو بكر: أنَّهما مبنيان على أكثر الحيض؛ فإن قيل: خمسة عشر يومًا فأقلُّ الطُّهر مثله، وإن قيل: سبعةَ عشر يومًا فأقله ثلاثة عشر يومًا.
_________________
(١) قوله: (وإلا فهي كاذبة) سقطت من (أ).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٢٩٦)، وسعيد بن منصور (١٣١٠)، والدارمي (٨٨٣)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٠٥)، عن الشعبي به. وذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض (١/ ٧٢)، قال ابن حجر: (رجاله ثقات، وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي). وعلى القول بأن الشعبي لم يسمعه من علي؛ فإن مراسيله قوية كما أفاده أبو داود والعجلي، وذكر ابن رجب في الفتح أن أحمد احتج بالأثر. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ١٤٩، جامع التحصيل ص ٢٠٤، الفتح لابن حجر ١/ ٤٢٥.
(٣) ينظر: مسائل حرب ١/ ٥٥٤.
(٤) في (أ) و(ب): هذه.
(٥) في (ب) و(و): إحداهن.
(٦) سبق الكلام على هذه اللفظة قريبًا، وأنها ليس لها أصل.
[ ١ / ٤٠٢ ]
والمشهور عند الأصحاب: لا بِنَاءَ، فأكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الطُّهر ثلاثة عشر، ثمَّ إنَّما يلزم ذلك أن لو كان شهرُ المرأة لا يزيد على ثلاثين يومًا، فإذا زاد تُصوِّر أن يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ، وطهرُها خمسةَ عشرَ وأكثر.
وقيل: يزاد على كل عدد ليلة.
وعنه: لا توقيتَ فيه، وهو على ما تعرفه من عادتها، اختاره بعض أصحابنا.
وعنه: إلَّا في العدة؛ أي (^١): إذا ادَّعت انقضاءها في شهر كُلِّفت البينة، وإن كان في أكثر منه؛ صُدِّقتْ.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)؛ أي: الطُّهر؛ لأنَّ التَّحديد من الشَّرع ولم يرد به، ولا نعلم له دليلًا، ولأنَّه قد وجد من لا تحيض أصلًا، لكنَّ غالبَه بقية الشهر (^٢).
_________________
(١) قوله: (أي) سقط من (أ).
(٢) قوله: (بقيةُ الشَّهر) سقط من (أ).
[ ١ / ٤٠٣ ]