هو مصدر من غسل الثوب والبدن (^١)، يغسله غسلًا، قال عياض: (بالفتح: الماء، وبالضم: الفعل) (^٢)، وذكر ابن بَرِّيّ (^٣): (أنَّ غسل الجنابة بفتح الغين)، وقال ابن مالك: (بالضم: الاغتسال والماء الذي يغتسل به) (^٤)، وقال الجوهري: (غسلتُ الشيءَ غَسْلًا بالفتح، والاِسمُ: الغُسل بالضم، وبالكسر: ما يغسل به الرأس من خِطْمِيٍّ وغيره) (^٥).
وهو واجِبٌ إجْماعًا (^٦)، وسندُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦].
يقال: رَجُلٌ جُنُبٌ، وكذا المثنَّى والمجموع، قال الجوهري: (وقد يقال جنبان وجنبون) (^٧)، وفي «صحيح مسلم»: «ونحْن جنُبان» (^٨)؛ سمِّي به لأنَّه نُهي أن يقرَب مواضع الصَّلاة، وقيل: لمجانبتِه الناسَ حتَّى يتطهر (^٩)، وقيل: لأنَّ الماء جانَب محلَّه، والأحاديث مشهورة بذلك.
_________________
(١) في (أ): اليدين.
(٢) ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢٨٩.
(٣) هو أبو محمد عبد الله بن بري بن عبد الجبار المصري النحوي اللغوي، توفي سنة ٥٨٢ هـ. قال ابن خلكان: «وبَرِّي، بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء؛ وهو اسم علم يشبه النسبة». ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٠٩، تاريخ الإسلام ١٢/ ٧٤٨، الوافي في الوفيات ١٧/ ٤٦.
(٤) ينظر: إكمال الأعلام بتثليث الكلام ٢/ ٤٦٧.
(٥) ينظر: الصحاح ٥/ ١٨٧١.
(٦) ينظر: مراتب الإجماع ص ٢٢.
(٧) ينظر: الصحاح ١/ ١٠٣، وفيه: (وربما قالوا في جمعه: أجناب وجنبون)، ولم يذكر جنبان.
(٨) أخرجه مسلم (٣٢١)، من حديث عائشة ﵂.
(٩) في (أ): يطهر.
[ ١ / ٢٥٦ ]
(وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ)، وفي «المحرر» و«الفروع»: ستَّة.
(خُرُوجُ الْمَنِيِّ) من مخرجه، فإن خرج من غيره؛ كما لو انكسر صلبه فخرج منه؛ لم يجب، وحكمه كالنَّجاسة المعتادة، (الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ) ولو دَمًا.
(فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ؛ لَمْ يُوجِبْ) في أصحِّ الرِّوايتين؛ لما روى عليٌّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا فَضَخت الماءَ فاغتَسِل، وإن لم تكن فاضَخًا فلا تغتَسِل» رواه أحمد (^١)، والفَضْخُ: هو خروجه بالغَلَبة، قاله إبراهيم الحَرْبِيُّ (^٢).
ويستثنى منه: النَّائم.
فعلى ما ذكره: يكون نجسًا، وليس مَذْيًا، قاله في «الرعاية».
والثَّانيةُ: يَجِبُ، ذكرها ابن عبدوس، والقاضي، وأخذها من نصِّه فيمن جامع، ثمَّ اغتسل، ثمَّ أنزل؛ فعليه الغسل (^٣)، مع أنَّ ظاهر حاله أنَّه يخرج (^٤) لغير شهوة، وفي الصَّحيحين عن أمِّ سلمة: أنَّ أمَّ سُليم قالت: يا رسول الله! إنَّ الله لا يستحْيِي من الحقِّ، هل على المرأة من غسل إذا احتَلمت؟ قال: «نعم إذا رأتِ الماءَ» (^٥)، وقال ﵇ في حديث عليٍّ: «ومِنَ (^٦) المَنِيِّ الغسل» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ (^٧).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٦٨)، وأبو داود (٢٠٦)، وابن خزيمة (٢٠)، وابن حبان (١١٠٧)، وهو حديث صحيح. ينظر: صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٧٢.
(٢) هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشر بن عبد الله بن ديسم، أبو إسحاق الحربي، كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، ونقل عن الإمام أحمد مسائل، توفي سنة ٢٨٥ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٨٦.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٣.
(٤) في (أ): لم يخرج. والمثبت موافق لما في شرح العمدة لشيخ الإسلام.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٠)، ومسلم (٣١٣).
(٦) في (و): وفي.
(٧) أخرجه أحمد (٦٢٢، ٨٦٩)، والترمذي (١١٤)، وابن ماجه (٥٠٤)، بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود (٢٠٦)، والنسائي (١٩٣) بلفظ: «إذا فضخت الماء فاغتسل»، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٢٥٧ ]
وهذا ما لم يَصِرْ سَلَسًا، قاله القاضي وجَمْعٌ، فيجب الوضوء فقط، لكن قال في «المغني» و«الشرح»: (يمكن منع كون هذا منِيًّا؛ لأنَّ الشارع وصفه بصفة غير موجودة فيه).
وظاهِرُه: أنَّه واجِبٌ بالخروج، ويتوجَّه: بإرادة القيام إلى الصَّلاة.
فائدة: المَنِيُّ يُخلَق منه الحَيَوان؛ لخروجه من جميع البدن، وينقص به جزء منه، ولهذا يَضْعُف بكثرته، فجُبر بالغسل.
(فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ) من ظَهْره، (فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجُ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: لا يجب، اختارها المؤلِّف والشِّيرازي، وهي ظاهر الخِرَقي؛ لما تقدَّم من الأخبار؛ إذ الحكم في الجميع مرتَّب على الرُّؤية؛ لأنَّ الشَّهوة بمجرَّدها (^١) لا توجِب (^٢) غسلًا؛ لأنَّها أحد وصفي العلَّة، ويسمَّى جُنُبًا، ولا يحصل إلَّا بخروجه.
والثَّانيةُ: بلى، وهي المذهب المنصوص عنه (^٣)، وجزم بها الأكثرُ؛ لأنَّ الجنابةَ أصلُها البعد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النِّسَاء: ٣٦]؛ أي: البعيد، ومع الانتقال قد باعد الماء محلَّه، فصدق عليه اسم الجنب، وإناطةً للحكم بالشَّهوة، وتعليقًا له على المظنَّة؛ إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه.
قيل: ومحلُّهما فيما إذا لم يَخرج إلى قَلفة الأقلف، وفرج المرأة، أمَّا إذا خرج إليهما؛ فإنَّه يجب روايةً واحدةً.
فعلى الأولى: يجب الغسل إذا خرج روايةً واحدةً، ذكره ابن تميم وغيره،
_________________
(١) في (و): مجردها.
(٢) في (و): يوجب.
(٣) في (ب) و(و): المنصوصة عنه. وينظر: شرح الزركشي ١/ ٧١.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وإن خرج بغير شهوة؛ لأنَّ انتقاله كان لشهوة، زاد في «الرعاية»: وأعاد ما صلَّى.
وعلى الثَّانية: يحصل به البلوغُ، والفِطرُ، وفسادُ النُّسُك، ووجوب بَدَنةٍ في الحج، حيث وجبت لخروج المَنِيِّ، قاله القاضِي في «تعليقه» إلْزامًا، وجعله ابن حمدان وجهًا، وبعَّده، وأطلق في «الفروع» الوجهين.
وكذا انتقال حيْض، قاله الشَّيخ تقي الدِّين (^١).
(وَإِنْ) قلنا: يجب بالانتقال فاغتسل له، ثمَّ (خَرَجَ بَعْدَ الْغَسْلِ، أَوِ) اغتسل لمَنِيٍّ خرج بعضُه، ثمَّ (خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ؛ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ)، ذكر الخلَّال أنَّه الذي تواترت عليه الرِّواية، واختاره القاضي وابن أبي موسى، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى سعيد عن ابن عبَّاس: أنَّه سئل عن الجُنُبِ يخرج منه الشَّيءُ بعد الغسل، قال: «يتوضَّأ» (^٢)، وكذا ذكره الإمام أحمد عن عليٍّ (^٣)، ولأنَّه مَنِيٌّ واحدٌ، فأوجب غسلًا واحدًا كما لو خرج دفعة واحدةً، ولأنَّه خارج لغير شهوةٍ، أشبه خروجه في البرْد، وبه علَّل أحمد، قال: (لأنَّ الشهوةَ ماضيةٌ، وإنَّما هو حدَث، أرجو أنَّه يجزئه الوضوء) (^٤).
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٢٥٤، الاختيارات ص ٣٠، وعبارته: (قال شيخنا: قياس المني انتقال حيض).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣٧)، من طريق حيان الجوفي، عن جابر بن زيد عنه. وإسناده صحيح، حيان الجوفي هو الأعرج، وثَّقه ابن معين وابن حبان. ينظر: التهذيب ٣/ ٦٨.
(٣) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢٣٣. وأثر علي ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣٨)، عن علي ﵁ في الجنب يخرج من ذكره المني بعد الغسل قال: «يعيد الوضوء»، وإسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور وحديثه ضعيف، وشريك النخعي وهو ضعيف أيضًا.
(٤) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٥.
[ ١ / ٢٥٩ ]
(وَعَنْهُ: يَجِبُ)، قدَّمها في «الرعاية»، وصحَّحها المؤلِّف؛ لأنَّ الاعتبار بخروجه كسائر الأحداث، فيُناط الحكم به.
(وَعَنْهُ: يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ)، اختاره القاضي في تعليقه؛ لأنَّه بقيَّة منِيٍّ دافقٍ بلذَّةٍ، (دُونَ مَا بَعْدَهُ)؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه غير الأول، وقد تخلَّف عنه شرطه (^١)، وهو الدَّفق واللَّذَّة، وروي نحوها عن علي، وضعَّفه أحمد (^٢).
وعنه: يجب إذا خرج بعد البول دون ما قبله؛ لأنَّه منيٌّ جديدٌ، ولو كان من بقيَّة الأوَّل لما تخلَّف.
وكذا لو جامع فلم يُنزل، واغتسل، ثمَّ خرج لغير شهوةٍ.
وجزم جماعة، وهو المنصوص: يغتسل (^٣).
وظاهره: أنَّه لا يجب بمجرَّد الاِحتلام من غير إنزالٍ، وهو المنصوص (^٤)؛ لحديث عائشة (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ب): بشرطه.
(٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٦٣٩)، من طريق عطاء بن السائب عن علي ﵁ أنه كان يقول: «إذا اغتسل الرجل من الجنابة فخرج منه شيء بعد ذلك، قال: إذا كان بال قبل أن يغتسل فلا إعادة عليه، وإن لم يبل حتى اغتسل أعاد»، قال ابن المنذر: (وليس بثابت عنه)، وقال: (وهذا مرسل؛ لأن عطاء لم يسمع من عليٍّ شيئًا).
(٣) ينظر: المغني (١/ ١٤٧): قال أحمد رحمه الله تعالى في الرجل يجامع ولم ينزل، فيغتسل، ثم يخرج منه المني: (عليه الغسل).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٦٢.
(٥) زاد في (و): (قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؛ قال: «يغتسل»، وعن الرجل أن قد احتلم ولم يجد البلل قال: «لا غسل عليه» الحديث). والحديث أخرجه أحمد (٢٦١٩٥)، وأبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وفي سنده عبد الله بن عمر العمري، تُكلم فيه من قبل حفظه، وهو ضعيف، قال ابن رجب: (واستنكر أحمد هذا الحديث في رواية مهنى، وقال في رواية الفضل بن زياد: أذهب إليه)، وصححه ابن القطان، وحسنه الألباني. ينظر: فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٤٢، صحيح أبي داود ١/ ٤٢٩.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وعنه: بلى. وعنه: إن وجد لذَّةَ الإنزال.
فعلى الأوَّل: إن خرج لشهوة اغتسل في الحال، وإلَّا فروايتا الانتقال، والمنصوص: أنَّه يجب (^١)؛ لئلَّا يلزم انتقال منيٍّ وخروجه من غير اغتسال.
وعُلم ممَّا تقدَّم: أنَّه إذا وطئ دون الفرج، فدبَّ منيُّه فدخل فرج المرأة، ثمَّ خرج، أو وطِئ في الفرج، ثمَّ خرج من فرجها بعد غسلها، أو خرج ما استدخلته بقُطْنة أو غيرها، ولم يَنزِل منيُّها، قال ابن حمدان: أو خرج ما دخَلَه من منِيِّ امرأةٍ بسِحاق؛ فإنه لا يجب على المنصوص (^٢).
وفي الكلِّ وجهٌ.
مسألة: إذا انتبه بالِغٌ، أو من يُحتمل بلوغه، فوجد بلَلًا جهل أنَّه مَنِيٌّ؛ وجب على الأصحِّ؛ كمن ذكر معه حُلْمًا، نصَّ عليه (^٣)؛ لحديث عائشة (^٤)، رواه أحمد، واحتجَّ به (^٥)، وغَسل بدنَه وثوبَه احتِيَاطًا، ولا يجب.
والثَّانية: لا يجب، ذكرها الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (^٦)؛ لأنَّه يحتمل أن يكون منِيًّا أو مَذْيًا، وهو طاهر بيقين، فلا يزول بالشَّكِّ.
وإن وجده يقَظةً وشكَّ فيه؛ توضَّأ، ولا يلزمه غسل ثوبِه وبدَنِه.
وقيل: يلزمه حكم غير المَنِيِّ.
قال في «الفروع»: ويتوجَّه احتمالُ: حكمهما.
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور (٢/ ٣٦٢): قلت: لأحمد: رجل رأى في المنام أنه يجامع فلم ينزل، فانتبه فلم ير شيئًا، فلما أصبح وجد بلة؟ قال: (بِلَّة، يغتسل منه).
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور (٢/ ٤٥٩): المرأة إذا اغتسلت ثم خرج من فرجها من مني الرجل شيء؟ قال: (تتوضأ).
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٧، مسائل ابن منصور ٢/ ٣٦٢.
(٤) زيد في (و): المتقدم.
(٥) قوله: (به) سقط من (أ).
(٦) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٣.
[ ١ / ٢٦١ ]
وإن سبق نومه نظرٌ أو بردٌ أو ملاعَبةٌ؛ لم يجب، نصَّ عليه (^١). وعنه: بلى. وعنه: إن ذكر معه حُلْمًا.
وإن تيقَّنه مَذْيًا؛ فلا.
وإن رأى منِيًّا بثوبٍ ينام فيه، وقال (^٢) أبو المعالي والأَزَجِيُّ: لا بظاهره؛ لجوازه من (^٣) غيره؛ اغتسل، ويعمل في الإعادة باليقين.
وإن كان ينام فيه هو وغيره (^٤)؛ فلا (^٥) على الأصحِّ.
(الثَّانِي: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا جلس بين شُعَبِها الأرْبَعِ، ثمَّ جهَدَها؛ فقد وجب الغسل» أخرجه البخاريُّ ومسلم، وزاد هو وأحمد: «وإن لم يُنزِل» (^٦)، وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا قعد بين شعبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتانَ؛ فقد وجب الغسل» رواه مسلم (^٧).
وما روي عن عثمانَ وعليٍّ والزُّبير وطلحة (^٨): أنَّه لا يجب إلَّا بالإنزال؛
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢٣٣.
(٢) في (و): قال.
(٣) في (أ): في.
(٤) في (و): هو وغيره فيه.
(٥) زيد في (أ): (وضوء).
(٦) أخرجه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، وأحمد (٨٥٧٤).
(٧) أخرجه مسلم (٣٤٩).
(٨) في (و): وطلحة والزبير. أخرج البخاري (١٧٩)، عن زيد بن خالد، أنه سأل عثمان بن عفان ﵁، قلت: أرأيت إذا جامع فلم يُمن، قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره»، قال عثمان: «سمعته من رسول الله ﷺ»، فسألت عن ذلك عليًّا، والزبير، وطلحة، وأُبي بن كعب ﵃ فأمروه بذلك. وأخرجه مسلم (٣٤٧)، عن عثمان فقط.
[ ١ / ٢٦٢ ]
لقوله: «الماءُ من الماء» (^١)؛ فمنسوخ؛ لما (^٢) روى أُبيُّ بن كعب قال: «إنَّ الفُتيا التي كانوا يقولون: الماءُ من الماءِ، رُخصةٌ رخَّص بها رسول الله ﷺ، ثمَّ أَمَر بالاِغتسال» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ وصحَّحه، قال الحافظ عبد الغَنِيِّ: (إسناد (^٣) صحيح على شرط الشيْخيْن) (^٤).
ثم المُراد من التقائهما: مقابلتُهما وتحاذيهما، فقال: (وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) الأصليةِ أو قدرِها إن فُقِدتْ، وإن لم يُنزِل (فِي الْفَرْجِ) الأصليِّ بلا حائل، وقيل: ومعه، وإن لم يجد حرارةً؛ ليحترِز به من الخنثى المشكل إذا أولج حشفته ولم ينزل في فرج أصلي، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل خنثى؛ فلا غسل على واحد منهما؛ لاحتمال كون الحشفة أو القُبُل خِلقة زائدة، ومن أنزل منهما؛ وجب عليه الغسل.
وإن تواطأ خُنثيان في قُبُلَيْهما أو دُبُرَيْهما؛ فوجهان، وقيل: إن قلنا: الزائد كأصلي وجب، وإلَّا فلا.
وإن تواطأ رجلٌ وخنثى في دبريهما؛ اغتسل الرَّجل بِيَقين، والأصحُّ وجوبه على الخنثى احتياطًا.
وظاهره: أنَّه إذا مسَّ الخِتانُ الختانَ من غير إيلاج؛ فلا غسل؛ كمن أولج بعض الحشفة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وهو في البخاري (١٨٠) بلفظ: «إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء».
(٢) في (أ) و(و): بما.
(٣) في (أ): إسناده.
(٤) أخرجه أحمد (٢١١٠٠)، وأبو داود (٢١٤)، والترمذي (١١٠)، وابن خزيمة (٢٢٥)، وابن حبان (١١٧٣)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الضياء المقدسي في المختارة (١١٧٧): (إسناده صحيح). ولم يقل المقدسي في مختارته: (على شرط الشيخين).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وأنَّه لا فرق بين العالِم والجاهِل، فلو مكث زمانًا لم يصلِّ؛ احتاط (^١) في الصَّلاة، ويعيد حتَّى يتيقَّن (^٢)، نصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه ممَّا اشتهرت به الأخبار، فلم يعذر بالجهل.
والطائِعِ والمُكرَهِ؛ لأنَّ موجب الطَّهارة لا يشترط فيه القَصد؛ كسَبْق الحدَث، والنَّائِمُ كاليقْظانِ.
(قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا) في المنصوصِ (^٤)؛ لوُجود شرْطه، وقيل: على الواطِئ.
(مِنْ آدَمِيٍّ)؛ لما تقدَّم، وكلامه شامل للبالِغِ وغيرِه، قال الإمام أحمد: يجب على الصغيرِ إذا وَطِئ، والصغيرةُ إذا وُطِئتْ (^٥)، مستدِلًّا بحديث عائشة، والأصحُّ: يلزمه إن أراد ما يتوقَّف على الغُسل أو الوضوء، أو مات (^٦) قبل فعله (^٧) شهيدًا.
لكنَّ القاضِيَ صرَّح بعدم الوجوب مستدلًّا بعدَم التَّكليف؛ كالحائض، وحمل كلام أحمد على الاستحباب.
وردَّه في «المُغْني»؛ لكونه صرَّح بالوجوب.
ولعلَّ الخلافَ لفظِيٌّ؛ إذْ مرادُه بالوجوب: اشتراطُه للصَّلاةِ ونحوِها، لا التَّأثيمُ بتأخيرِه، ومُرادُ القاضي بالاِستحباب: انتفاء إلزامه بذلك.
وشرَط بعضُهم لوجوبه: مجامعةَ مثله، وشرَط بعضُهم للذكر: ابنَ عشر،
_________________
(١) في (و): احتياط.
(٢) في (أ): يتبين.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٦١.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ١/ ١٩٠٩.
(٥) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣٢٩.
(٦) في (أ): ماتت.
(٧) في (و): غسله.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وللأنثى: بنتَ تِسع، وظاهر إطلاق الأكثر عَدَمُ الاشتراطِ.
(أَوْ بَهِيمَةٍ)، حتَّى سمكةٍ، قاله القاضي في «تعليقه»، وتبعه في «الفروع»؛ لأنَّه إيلاج في فرْج أشبه الآدمية.
ولو غيَّبت امرأةٌ حشفةَ بهيمة؛ اغتسلت (^١)، وإن كانت مقطوعة؛ فلا.
(حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ)؛ لما ذكرنا، فيُعاد غسل الميت.
وذهب جَمْع؛ إلى أنَّه لا يجب بوطئها؛ لأنَّه ليس بمقصود.
ورُدَّ: بأنَّه ينتقض بالعجوز والشوهاء.
والمذهب: يجب على النائم والمجنون.
فرع: لو قالت امرأةٌ: لي جِنِّيٌّ يجامِعني كالرَّجل؛ فلا غُسل؛ لعدم الإيلاج والاحتلام، ذكره أبو المعالي. وفيه نَظَرٌ.
قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ﴾ الآية [الرَّحمن: ٥٦] (^٢): فيه دليل على أنَّ الجِنِّيَّ يغشى المرأة كالإنسِيِّ. وفيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم من الغشيان الإيلاج؛ لاحتمال أن يكون غشيانُه عن ملابسة ببدنه خاصَّة.
(الثَّالِثُ: إِسْلَامُ الْكَافِرُ، أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا) على الأصحِّ؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ ثُمامةَ بنَ أُثَالٍ أسلم، فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» رواه أحمد وابن خزيمة من رواية العمري، وقد تُكلِّم فيه، وروى له مسلم مقرونًا (^٣)، وعن قيس بن عاصم: «أنَّه أسلم فأمره النَّبيُّ
_________________
(١) في (و): أو اغتسلت.
(٢) قوله: (الآية) هو في (و): ﴿قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ [الرَّحمن: ٥٦].
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٨٣٤)، وأحمد (٨٠٣٧)، وابن خزيمة (٢٥٣)، وفي سنده عبد الله بن عمر العمري، تُكلم فيه من قبل حفظه، ورواية عبد الرازق عن عبيد الله وعبد الله ابني عمر عن سعيد المقبري، وأصله في البخاري (٤٦٢)، ومسلم (١٧٦٤)، لكن عندهما أنه اغتسل، وليس فيهما أمر النبي ﷺ بذلك. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٦٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسِدْرٍ» رواه أحمد، والتِّرمذي وحسَّنه (^١)، ولأنَّه لا يَسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنَّة مقام الحقيقة؛ كالنَّوم والتقاء الختانين، ولأنَّ المرتدَّ مساوٍ للأصليِّ في المعْنى، وهو الإسلام، فوجب.
وظاهره: لا فرق بين أن يغتسل قبل إسلامه، وبين من أجنب أوْ لا؛ لأنَّه ﵇ لم يستفصل، ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
ولا فرق فيه بين البالِغ وغيره في ظاهر كلام الأكثر، وقيَّده ابن حمدان بالبالغ، ومقتضى ما ذكروه أنَّ الغُسل شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، فيصير بمنزلة وطء الصبي.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ)، وحُكي في «الكافي» رواية، فعلى هذا (^٢): يُستحبُّ الغُسل، وليس بواجب.
قال في «المغني» وغيره: إلَّا أن يكون وُجد منه سبَبُه قبلَ إسلامه؛ كجنابة؛ فيلزمه حينئذ، سواء اغتسل في كفرِه أو لَا؛ لأنَّه ﵇ لم يأمر به في حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن (^٣)، ولو كان واجبًا لأمر به كغيره؛ إذ هو أوَّل الواجبات بعد الإسلام ويقع كثيرًا، وتتوفَّر الدَّواعي على نقله، ولو وقع لَنُقل، وحديث أبي هريرة في إسناده مقالٌ، ويحمل على الاستحباب؛ لحديث قيس؛ بقرينة السِّدْر.
وأجيب: بأنَّ حديث معاذ إنَّما ذكر فيه (^٤) أصول الإسلام لا شرائطها.
فعلى هذا؛ الأشهر: لو أجنب في كفره ثمَّ أسلم؛ تداخلا.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٦١١)، والترمذي (٦٠٥)، وابن خزيمة (٢٠٥)، وابن حبان (١٢٤٠)، وصححه جماعة من الأئمة منهم: ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن وغيرهم. ينظر: البدر المنير ٤/ ٦٦١، الإرواء ١/ ١٦٤.
(٢) قوله: (هذا) سقط من (و).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).
(٤) في (و): في.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وعلى الثَّاني: يجب للجنابة، فلو اغتسل في كفره أعاده؛ لعدم صحَّة نيَّته (^١).
واختار الشَّيخ تقي الدِّين: لا، إن اعتقد وجوبه، بناءً على أنَّه يثاب على طاعة في الكفر إذا أسلم (^٢).
وقيل: لا غسل على كافر مطلقًا.
فرع: يستحبُّ أن يغتسل مع الماء بالسدر؛ كإلقاء شعره؛ للخبر، قال أحمد: (ويغسل (^٣) ثيابَه) (^٤).
قال بعضهم: إن قلنا بنجاستِها وجَب، وإلَّا استحبَّ (^٥).
فرع: يحرم تأخير الإسلام لغسل أو غيره، ولو استشار مسلمًا فأشار بعدم الإسلام، أو أخَّر عرضَ الإسلام عليه بلا عذر؛ لم يجز.
وذكر صاحب «التتمة» من الشافعية: أنَّه يصير مرتدًا. ورَدَّ عليه بعضُهم.
(الرَّابِعُ: الْمَوْتُ)؛ لأنَّه مأمورٌ به كما يأتي، ولو لم يجب لما (^٦) أمر به في قوله ﵇: «اغسلنها»، إلى غيره من (^٧) الأحاديث.
وهو تَعبُّدٌ لا عن حدَث؛ لأنَّه لو كان عنه؛ لم يرتفع مع بقاء سبَبِه؛ كالحائض لا تغتسل مع جريان الدَّم، ولا عن نجَس؛ لأنَّه لو كان عنه؛ لم يطهر مع بقاء سبب التَّنجيس، وهو الموت.
_________________
(١) قوله: (صحة نيته) هو في (و): صحته بنيته.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٥٣، الاختيارات ص ٣٠. وقد قال بوجوبه في شرح العمدة ١/ ٣٦٩ كما هو المذهب.
(٣) في (أ): ويغتسل.
(٤) ينظر: أحكام أهل الملل والردة ص ٤٦.
(٥) في (أ): يستحب.
(٦) في (و): ما.
(٧) في (أ): في.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ويستثنى منه: شهيد المعركة والمقتولُ ظُلْمًا، وسيأتي.
(الْخَامِسُ: الْحَيْضُ) بغير خلاف (^١)؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيش: «وإذا (^٢) ذهبت فاغتسلي وصلِّي» متَّفقٌ عليه (^٣)، وأمر به أم حَبِيبة (^٤)، وسهلة بنت سُهيل (^٥)، وحَمْنَةَ (^٦)، وغيرهنَّ، يؤكِّده (^٧) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: إذا اغتسلن، فمنع الزَّوجَ من وطئها قبل غسلها، فدلَّ على وجوبه عليها.
(السَّادِسُ: النِّفَاسُ)؛ كالحيض، يجتمع ثمَّ يخرج، قال في «المغني»: (لا خلاف في وجوب الغسل بهما).
وظاهره: أنَّه يجب بالخروج، وهو المذهب؛ إناطةً للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحَّته اتِّفاقًا، وكلام الخِرَقِيِّ يدلُّ على أنَّه يجب بالانقطاع، وهو ظاهر الأحاديث.
وينبني عليهما: أنَّ الحائض إذا استشهدت، فعلى الثَّاني: لا تغتسل (^٨)؛
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع ص ٢٢، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ١٠٤.
(٢) في (أ): فإذا.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠)، ومسلم (٣٣٤).
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) في (أ): أبي سهيل. والحديث أخرجه أبو داود (٢٩٥)، والبيهقي في الكبرى (١٦٥٥)، عن عائشة ﵂، وضعفه بعضهم، قال الحافظ: (وقد قيل: إن ابن إسحاق وهم فيه). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٣٩، ضعيف أبي داود للألباني ١/ ١٢٧.
(٦) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، عن حمنة بنت جحش ﵂، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، ونقل عن البخاري تحسينه وعن أحمد تصحيحه، وضعفه أبو حاتم. ينظر: العلل الكبير للترمذي (٧٤)، العلل لابن أبي حاتم (١٢٣).
(٧) في (أ): ويؤكده.
(٨) هكذا في النسخ الخطية، وفي شرح الزركشي على مختصر الخرقي ١/ ٢٨٩: لا تغسَّل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى الأوَّل: تغسل؛ للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسًّا؛ أشبَه ما لو طهُرت في أثناء عادتها.
وقال بعضهم: لا يجب على الوجهين؛ لأنَّ الطُّهر شرط لصحَّة الغُسل، أو في السَّبب الموجِب له، ولم يوجد.
وينبني عليهما: من علَّق عتقًا أو طلاقًا على ما يوجب غُسلًا؛ وقع بالخروج، وعلى الثَّاني: بالانقطاع.
(وَفِي الْوِلَادَةِ الْعَرِيَّةِ عَنْ دَمٍ (^١)، كذا قيَّده في «المحرر» و«المغني» و«الشرح»؛ (وَجْهَانِ)، وفي «الكافي» روايتان:
أحدهما، وهو اختيار الشَّيْخين، وظاهر «الخرقي» و«الوجيز»: أنَّه لا يجب؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص.
والثَّاني: بلى، وهو اختيار ابن أبي موسى وابن عَقيل وابن البَنَّاء؛ لأنَّها مظنَّة النِّفاس الموجِب، فأقيم مقامه؛ كالتقاء الخِتانين، أو لأنَّه مَنِيٌّ مُنعَقدٌ (^٢).
ورُدَّ: بخروج العَلقة؛ فإنَّها لا توجب غُسلًا بلا نزاع، زاد في «الرعاية»: بلا دم.
وينبني عليهما: الفطر، وتحريم الوطء قبل الاغتسال.
والولدُ طاهرٌ على الأصحِّ، وفي غَسله مع دم وجهان.
مسألة: لا غُسل على حائض لجنابةٍ حتَّى ينقطع حيضُها في المنصوص (^٣)؛ لعدم الفائدة. وعنه: يجب.
وعلى الأوَّل: لو اغتسلت صحَّ، نصَّ عليه، وقال: (لا أعلم أحدًا منع
_________________
(١) في (و): الدم.
(٢) في (أ): معقد.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٥٠.
[ ١ / ٢٦٩ ]
إلَّا عطاء، ثمَّ رجع عنه) (^١)؛ لأنَّ بقاءَ أحدِ الحدثَيْن لا يمنع ارتفاعَ الآخَر؛ كما لو اغتسل المُحدِث الحدَث الأصغر، قاله في «الشرح».
وعنه: لا يصح، وهي أظهر؛ لأنَّها لم تستفد به شيئًا.
وفي وجوب غسل ذمِّيَّة طهرت من حيض لوطء زوج مسلم أو سيِّد؛ روايتان.
(وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: حَرُمَ عَلَيْهِ) ما يَحرم على المُحدِث.
وحرم عليه (قِراءة آية فصاعدًا) على الأصحِّ، رويت (^٢) كراهة ذلك عن عمر (^٣) وعلي (^٤)، وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي من رواية (^٥) عبد الله بن سَلِمة - بكسر اللام - عن عليٍّ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ لا يحجبه - وربَّما قال:
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٥٠.
(٢) في (و): وروت.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٠٧)، وابن أبي شيبة (١٠٨٠)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص ١٩٦)، وابن المنذر في الأوسط (٦١٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٤١٦)، عن عبيدة السلماني قال: «كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب»، صححه البيهقي، وصحح إسناده ابن كثير وابن حجر والألباني. ينظر: مسند الفاروق ١/ ١٢٨، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٤، الإرواء ١/ ٢٠٩.
(٤) أخرجه أحمد (٨٧٢)، وابن أبي شيبة (١٠٨٦)، وأبو يعلى الموصلي (٣٦٥)، وابن المنذر في الأوسط (٦١٩)، والدارقطني (٤٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٤١٧، ٤٢٣)، عن أبي الغَريف، عن علي ﵁ أنه قال: «هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية»، وأبو الغريف هو عبيد الله بن خليفة، وثَّقه جماعة كأحمد بن صالح والفسوي والدارقطني، وذكره ابن حبان والعجلي وابن خلفون في الثقات، وقال ابن حجر في التقريب: (صدوق)، وصحح الدارقطني الأثر، وقال أحمد شاكر: (إسناده صحيح جيد). ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ٣١٣، الثقات لابن حبان ٥/ ٦٨، الثقات للعجلي ٢/ ١٠٩، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/ ١٩٩، سؤالات السلمي للدارقطني ص ٢٥٦، إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي ٩/ ١٥.
(٥) في (أ): حديث.
[ ١ / ٢٧٠ ]
لا يحجزه - من القرآن شيء ليس الجنابة» ورواه ابن خزيمة والحاكم والدَّارقطني، وصحَّحاه، قال شعبة: (ليس أروي حديثًا أجود من هذا) (^١).
فيدخل فيه الكافر إذا أسلم ولم يغتسل؛ فإنَّه يحرم عليه القراءة، وضعَّفه الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وقال: (إنَّه لا وجه له (^٢).
وعن أحمد: جواز قراءتها، نقلها الخطَّابي، وأشار إليها في «التلخيص»، فقال: وقيل: يتخرَّج من تصحيح خُطبة الجنب؛ قراءة آية لاشتراطها.
وظاهره: أنَّه لا يجوز قراءة آيات للتَّعوُّذ (^٣).
وفي «الواضح»: أنَّه يجوَزُ آيةً وآيتين؛ لأنَّه لا إعجاز فيه، بخلاف ما إذا طال.
وقيل: يباح لحائض ونُفَساء بعد انقطاع الدم، قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد. وقيل: يباح لنُفَساء فقط، اختاره الخلَّال. وقيل: يباح لحائض أن تقرأ قبل الاِنقطاع، قال الجد: وهو بعيد. لكن اختار الشَّيخ تقي الدِّين: بأنَّه يباح لها أن تقرأه إذا خافت نسيانَه، بل يجب؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به واجب (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٢٧)، وأبو داود (٢٢٩)، والنسائي (٢٦٥، ٢٦٦)، وابن خزيمة (٢٠٨)، والحاكم (٥٤١)، والدارقطني (٤٢٩)، وفي سنده عبد الله بن سلمة المرادي الكوفي، وهو صدوق تغير حفظه، وذكر البخاري أنه لا يتابع على حديثه، وقال الشافعي: (أهل الحديث لا يثبتونه)، وضعَّف الحديث أحمد، وصححه ابن السكن وعبد الحق الإشبيلي، والبغوي، وقال ابن الملقن: (جيد)، وحسنه ابن حجر. ينظر: البدر المنير ٢/ ٥٥١، فتح الباري ١/ ٤٠٨، الإرواء ٢/ ٢٤١.
(٢) في (و): فيه.
(٣) في (ب) و(و): التعوذ.
(٤) ينظر: الاختيارات ص ٤٥. وقال في مجموع الفتاوى ٢٩/ ١٧٩: (ولهذا كان أظهر قولي العلماء: أنها لا تمنع من قراءة القرآن إذا احتاجت إليه)، وقال في موضع ٢٦/ ١٩١: (وليس في منعها من القرآن سنة أصلًا).
[ ١ / ٢٧١ ]
(وَفِي بَعْضِ آيَةٍ رِوَايَتَانِ)؛ أظهرهما: لا يجوز، قاله في «الشرح»، وهو ظاهر «الوجيز»؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» رواه ابن ماجه، والتِّرمذي وقال: (لا نعرفه إلَّا من حديث إسماعيل بن عيَّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر) (^١)، ولأنَّه يطلق عليه، أشبه الكثير.
ويُستثنى منه: قول: (باسم الله) تبرُّكًا على الغسل والوضوء، و(الحمد لله) عند تجدُّد نعمة؛ بشرط عدم قصد القراءة، نصَّ عليه (^٢).
والثَّانية: الجواز، وهي الأصحُّ، وقدَّمه في «المحرر» و«الرعاية»؛ كالذِّكر، ولو كرَّرها، ما لم يتحيَّل على قراءةٍ تحرم عليه.
فإذا وافق نظم القرآن، ولم يقصده؛ جاز، نصَّ عليه (^٣).
وله تهجِّيه في الأصحِّ، والتفكُّر فيه، وتحريك شفتيه ما لم يبيِّن الحروف، وقراءة أبعاض آية متوالية، أو آيات يسكت بينها (^٤) سكوتًا طويلًا.
وظاهره: أنَّ من فَمُه نجِسٌ لا يُمنَع مِنْ قراءتِه، ويحتمل المنع، ذكر ابن تميم أنَّه أولى.
فرع: الكافر كالجنب يُمنع من قراءته، ولو رُجِي إسلامه، نقل مُهنى: أكره أن يضعَه في غير موضعِه (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥)، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذه منها، فإن موسى بن عقبة مدنيٌّ، وضعَّف الحديث أحمد، والبخاري، وغيرهما، ورجح أبو حاتم وقفه على ابن عمر ﵁. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١١٦)، المحرر لابن عبد الهادي (١١٩)، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٣.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٩، وابن منصور ٢/ ٣٤٨.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٤٨.
(٤) في (أ): سكت بينها.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٢٦٣.
[ ١ / ٢٧٢ ]
(وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ)، وذكره في «المستوعب» و«المحرر»، وقدَّمه في «الرعاية» و«الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وهو الطريق، وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم (^١)، أنبأنا أبو الزُّبير، عن جابر، قال: «كان أحدنا يمر في المسجد جُنبًا مجتازًا» (^٢)، وحديثُ عائشة: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم (^٣)، شاهد بذلك.
وقيل: لحاجة، قاله في «الشرح» وابن تميم وصاحب «الوجيز»، وكونه طريقًا قصيرًا حاجة.
وكرِه أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا (^٤).
وقيل: يحرم على حائض وجنب؛ كما لو حصل تلويث، نصَّ عليه (^٥).
وقيل: لهما دخوله للأخذ منه دون الوضوء.
ويُمنَع منه سكران، وفي «الخلاف»: لا (^٦).
ومجنونٌ، وقيل فيه (^٧): يكره كصغير (^٨)، وفيه في (^٩) «النصيحة»: يمنع
_________________
(١) قوله: (حدثنا هشيم) هو في (أ) و(د) و(ز): أخبرنا هشيم.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٦٤٥)، ورواه ابن أبي شيبة (١٥٥٠)، وابن خزيمة (١٣٣١)، وابن المنذر في الأوسط (٦٣١)، والبيهقي في الكبرى (٤٣٢٦)، والكلام على رواية أبي الزبير عن جابر معروف، والذي يظهر أنها مقبولة، فإن مسلمًا أخرج جملة منها ولم ينتقده على ذلك أحد من الحفاظ، ولا يُعرف أن أحدًا من الحفاظ ضعف حديثًا لكونه من رواية أبي الزبير عن جابر.
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٨).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٧٣٩.
(٥) ينظر: مسائل حرب الكرماني - الطهارة (ص ٣٦١).
(٦) أي: لا يمنع منه. ينظر: الإنصاف ٢/ ١١٤. والخلاف: هو كتاب القاضي أبي يعلى، وهو الذي يسمى أيضًا ب: التعليقة، والخلاف الكبير.
(٧) قوله: (فيه) سقط من (ب).
(٨) في (و): لصغير.
(٩) في (و): من.
[ ١ / ٢٧٣ ]
لِلَعب (^١)، لا صلاةٍ وقراءةٍ، ونقل مُهَنَّى: (ينبغي أن يجنَّب الصبيان المساجد) (^٢).
وظاهره: أنَّه يجوز له العبور في كلِّ مسجد، حتَّى مصلَّى العيد؛ لأنَّه أُعِدَّ للصَّلاة حقيقةً، لا مصلَّى الجنائز، ذكره أبو المعالي.
ولم يمنع في «النَّصيحة» حائضًا من مصلَّى العيد؛ لأنَّه ليس بمسجد، ومنعها في «المستوعب».
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ)، وكذا في «المحرّر» و«الوجيز» وغيرهما؛ لما روى سعيدٌ وحنبلٌ بإسنادهما عن عطاء بن يسار، قال: «رأيت رجالًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبُون إذا توضَّؤوا وضوءهم للصلاة» إسناد صحيح (^٣)، ولأنَّ الوضوء يخفِّف حدَثَه، فيزول بعضُ ما منعه.
وعنه: لا؛ وِفاقًا (^٤)؛ للآية، ولقوله ﷺ: «لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا
_________________
(١) في (ب) و(و): اللعب.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٦٢، فتح الباري لابن رجب ٦/ ٥٩٦.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من السنن (٦٤٦)، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: «رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون؛ إذا توضؤوا وضوء الصلاة». قال ابن كثير والألباني: (إسناد صحيح على شرط مسلم). وعبد العزيز بن محمد الدراوردي حسن الحديث، إلا أن وكيعًا وأبا نعيم قد خالفاه، فلم يذكرا عطاء بن يسار. فروى ابن أبي شيبة (١٥٥٧)، عن وكيع، وروى حنبل كما في تعليقة القاضي (٢/ ٧٨)، عن أبي نُعيم - واللفظ له -، كلاهما عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا، فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث»، وزيد بن أسلم من التابعين. ينظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣١٣، الثمر المستطاب ٢/ ٧٥٤.
(٤) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ٥٦، الذخيرة ١/ ٣١٤، الحاوي ٢/ ٢٦٥، الفروع ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٢٧٤ ]
جنب» رواه أبو داود من حديث عائشة ﵂، والأكثر يضعِّفه (^١).
وفي «الرعاية» روايةٌ: يجوز لجنب مطلقًا.
وفيه وجه: لا يجوز لحائض ونُفَساء؛ لأنَّ حدَثَهما باقٍ لا أثر للوضوء فيه.
فإن لم ينقطع الدَّم لم يجز، نصَّ عليه (^٢).
وإن تعذَّر واحتاج فبدونه، نصَّ عليه (^٣)، وكمستحاضة ونحوها.
وعند أبي المعالي والمؤلِّف: أنَّه يجوز بتيمُّم، وهو قول عليٍّ وابن عبَّاس (^٤)؛ كلُبثِه لغسله فيه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧)، من حديث عائشة ﵂، وابن ماجه (٦٤٥) من حديث أم سلمة ﵂، والصواب أنه من حديث عائشة، قاله أبو زرعة، وحديث عائشة ﵂، ضعَّفه البخاري، وعبد الحق الإشبيلي، وابن رجب، وحسنه ابن القطان وابن الملقن. ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٦٧، البدر المنير ٢/ ٥٥٨، فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٢١، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٦.
(٢) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٦٠.
(٣) ينظر: مسائل حرب - الطهارة (ص ٣٦١).
(٤) قال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ١٠٧: (ورخصت طائفة للجنب في دخول المسجد، وذهبت إلى أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]: مسافرين لا يجدون ماء فتيمموا، روي هذا القول عن علي وابن عباس)، ثم ذكر الآثار بإسناده. وأخذه عنه ابن قدامة في المغني ١/ ١٠٧، وتبعه المصنف هنا. وأثر علي ﵁: أخرجه الطبري في التفسير (٧/ ٥٠)، عن علي ﵁: ﴿وَلَاَ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] قال: «إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء؛ فتيمموا»، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٥٣٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (٥١٢)، بلفظ: «لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة ولا يجد الماء؛ فيتيمم ويصلي»، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٦٣)، بنحوه. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥١١)، عن أبي مجلز: أن ابن عباس كان يتأولها: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، قال: «تحريمًا، إلَّا يقرب الصلاة وهو جنب إلا وهو مسافر لا يجد الماء؛ فيتيمم ويصلي»، وإسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٦٥)، والدارمي (١٢٠٨)، والطبري في التفسير (٧/ ٥٠)، مختصرًا.
[ ١ / ٢٧٥ ]
فرع: يُمنع مَنْ عليه نجاسةٌ تَتَعدَّى، وهو ظاهِرُ قول القاضي في اللبث.
قال بعضُهم: يتيمَّم لها للعذر، وهو ضعيف.
فرع: إذا كان الماء في المسجد؛ جاز دخوله بلا تيمُّم، وإن أراد اللُّبث فيه للاغتسال تيمم. قال ابن تميم: وفيه بُعْدٌ.
وقال أبو علي العُكْبري: هذه المسألة سألها أبو يوسفَ لمالكٍ، فجوَّز الدخولَ بغير تيمُّم.
[ ١ / ٢٧٦ ]