العورة في اللُّغة: النُّقصان، والشَّيء المستقبَح، ومنه كلمة عَوراء، أي: (^١) قبيحة، فهي سوءة الإنسان، وكلُّ ما يُستحيا منه، وسمِّيت عورةً؛ لقبح ظهورها.
ثمَّ إنَّها تطلق على ما يجب سترها في الصَّلاة، وهو المراد هنا، وعلى ما يحرم النَّظر إليه، وسيأتي في النِّكاح.
(وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) في قول أكثر العلماء، قال ابن عبد البَرِّ: (أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلَّى عريانًا) (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعرَاف: ٣١]، لأنَّها وإن كانت نزلت بسبب خاصٍّ؛ فالعبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، ولقوله ﵇: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلاَّ بخمارٍ» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي وحسَّنه من حديث عائشة، ورواه الحاكم، وقال: (على شرط مسلم) (^٣)، والمراد بالحائض: البالِغ، ولأنَّه ﵇: «نهى عن الطَّوافِ بالبيتِ عُريانًا» (^٤)، فالصَّلاة أَوْلى؛ لأنَّها أعلى وآكد منه.
_________________
(١) قوله: (أي) سقطت من (أ) و(د) و(و).
(٢) ينظر: التمهيد ٦/ ٣٧٩.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن حبان (١٧١١) والحاكم (٩١٧)، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة به، وخالف حمادٌ أيوبَ وغيره من الرواة فأرسلوا الحديث، ورجح الدارقطني إرساله، وذكر مسلم أن حماد بن سلمة يخطئ في حديث قتادة كثيرًا، وصحح الحديث ابن الملقن والألباني. ينظر: التمييز لمسلم ص ٢١٨، البدر المنير ٤/ ١٥٥، الإرواء ١/ ٢١٤.
(٤) أخرجه البخاري (٣٦٩)، مسلم (١٣٤٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٩ ]
والأحسن في الاستدلال أن يقال: انعقد الإجماع على الأمر به في الصَّلاة، والأمر بالشَّيء نهي عن ضدِّه، فيكون منهيًّا عن الصَّلاة مع كشف العورة، والنَّهي في العبادات يدلُّ على الفساد.
وهذا محلُّه عند القدرة، فإن عجز عنه وجب أن يصلِّي عُريانًا.
(وَسَتْرُهَا) لا من أسفل، والأظهر: بلى (^١) إن تيسَّر النَّظَر، (عَنِ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ)؛ أي: السَّواد والبياض؛ (وَاجِبٌ)؛ لأنَّ السَّتر إنَّما يحصل بذلك، فدلَّ أنَّه إذا وصف بياض الجلد أو حمرته؛ فليس بساتر.
وإذا ستر اللَّون ووصف الخِلْقة؛ أي: حجم العضو؛ صحَّت الصَّلاة فيه؛ لأنَّ البشَرة مستورة، وهذا لا يمكن التحرُّز منه، وإن كان السَّاتر خفيفًا (^٢).
ويكفي نباتٌ ونحوُه. وقيل: لا يكفي حشيش مع وجود ثوب.
ويكفي متَّصل به؛ كيَدِه ولِحيتِه على الأصحِّ.
وفي لزوم طين وماء كدِرٍ لعدَمٍ؛ وجهان (^٣)، لا باريةٍ (^٤) وحصيرٍ ونحوهِما ممَّا يضرُّ، ولا حفيرةٍ، واختار ابن عَقيل: يجب الطِّينُ لا الماء، ويكون من فوق.
وظاهره: أنَّه يجب سترها في غير الصَّلاة بين النَّاس.
وفي «الرِّعاية»: يجب سترها مطلقًا حتَّى خَلوةً عن نظر نفسه؛ لأنَّه يحرم كشفها خَلوةً بلا حاجة، فيحرم نظرها؛ لأنَّه استدامة لكشفها المحرَّم.
قال في «الفروع»: (ولم أجد تصريحًا بخلاف هذا، لا أنَّه يحرم نظر عورته حيث جاز كشفها، فإنَّه لا يحرم هو، ولا لمسها اتِّفاقًا، وقد قال
_________________
(١) في (و): بل.
(٢) في (ب): صفيقًا. وهو الموافق لما في المغني ١/ ٤١٤ والشرح الكبير ٣/ ١٩٩.
(٣) زاد في (ب): (أصحهما لا).
(٤) البارية: الحصير المعمول من القصب. ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ١٦٢.
[ ٢ / ٥٠ ]
أبو المعالي: إذا وجب سترها في الصَّلاة عن نفسه وعن الأجانب؛ فهل يجب عن (^١) نفسه إذا خلا؟ فيه وجهان:
أحدُهما: يجب السَّتر؛ عن الملائكة والجنِّ.
والثَّاني: يجوز).
وقوله: (واجب) مطلقًا إلاَّ لضرورة؛ كتداوٍ ونحوه، أو لأحد الزَّوجين، أو لأمَتِه (^٢) المباحَةِ، أو هي لسيِّدها.
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ)، نصَّ أحمد أنَّ عورة الرَّجل ما ذكره (^٣)؛ لما روي عن علي (^٤): قال لي رسول الله ﷺ: «لا تُبرِز فخِذَكَ، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ أو ميتٍ» رواته (^٥) ثقات، رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: (هذا الحديث فيه نَكارة) (^٦)، وقال ابن المنجَّى: (رواه أحمد)، وفيه نظر (^٧)، وعن جَرْهَدٍ الأسْلَمِيِّ قال: مرَّ رسول الله ﷺ وعليَّ
_________________
(١) في (أ): على.
(٢) في (أ): ولأمته.
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦٢، الروايتين والوجهين ١/ ١٣٦.
(٤) زاد في (ب) و(و) و(د): قال.
(٥) في (و): رواية.
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٢٤٩)، وأبو داود (٣١٤٠، ٤٠١٥)، وابن ماجه (١٤٦٠)، من طريق ابن جريج، عن حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ به، وله علتان، الأولى: أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب، وإنما قال فيه: أُخبرت، والثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٢٣٠٨)، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٠٧، التلخيص الحبير ١/ ٦٦٤، الإرواء ١/ ٢٩٥.
(٧) كتب على هامش (و): (قوله: (فيه نظر) أقول: القول ما قال ابن المنجى، فقد رواه أحمد قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثني يزيد أبو خالد، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي فذكره). قلنا: تقدم في تخريج الحديث أنه من زوائد عبد الله في المسند.
[ ٢ / ٥١ ]
بُردةٌ، وقد انكشفت فخذي، فقال: «غَطِّ فخذكَ؛ فإنَّ الفخذَ عورةٌ» رواه مالكٌ وأحمد وغيرهما، وفي إسناده اضطرابٌ (^١).
ولا فرق بين الحرِّ والعبد، وكذا من بلغ عشرًا في الأصحِّ.
وأمَّا الأمَة؛ فذكر معظم الأصحاب -وهو المذهب-: أنَّ عورتها كالرَّجل؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا قال: «إذا زوَّج أحدُكم عبدَه أو أمتَه أو أجيرَه؛ فلا ينظر إلى شيءٍ من عورتِه؛ فإنَّ ما تحت السُّرَّة إلى ركبتِه عورةٌ» رواه أحمد وأبو داود (^٢)، يريد به الأمَة؛ فإن الأجير والعبد لا يختلف حاله بالتَّزويج وعدمِه، وكان عمر ينهى الإماء عن التَّقنُّع، وقال: «إنَّما القناع للحرائر» (^٣)، واشتهر ذلك، ولم يُنكر، فكان كالإجماع.
_________________
(١) أخرجه مالك (٢١٢٢) في رواية أبي مصعب الزهري، والبخاري معلقًا في الصلاة، باب: الصلاة بغير رداء، وأحمد (١٥٩٢٦)، والترمذي (٢٧٩٥)، وابن حبان (١٧١٠)، والحاكم (٧٣٦٠) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل)، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأُعل الحديث بالجهالة، والاضطراب في إسناده، قاله ابن القطان، وساق الدارقطني في العلل أوجهًا كثيرة تبين الاضطراب الحاصل في سنده. ينظر: علل الدارقطني ١٣/ ٤٨٢، بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٣٨، البدر المنير ٤/ ١٤٩.
(٢) أخرجه أحمد (٦٧٥٦)، وأبو داود (٤١١٤)، والدارقطني (٨٨٧)، وفي سنده سوار بن داود يرويه عن عمرو بن شعيب، وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، وتابعه الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب، أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ٥٠٧، والخليل بن مرة قال عنه ابن عدي: (لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا قد جاوز الحد، وهو في جملة من يكتب حديثه وليس هو متروك الحديث)، قال ابن حجر في التقريب: (ضعيف)، وهذا الحديث هو حديث: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» فإنه يروى مطولًا بذكر النهي عن النظر عن العورة، ومختصرًا بدونه، قال العقيلي: (والرواية في هذا فيها لين)، وحسنه النووي، وصححه ابن الملقن. ينظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٧٦، الكامل لابن عدي ٣/ ٥٠٧ - ٥٠٩، خلاصة الأحكام ١/ ٢٥٢، البدر المنير ٣/ ٢٣٨، الإرواء ١/ ٣٠٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٠٦٤)، وابن أبي شيبة (٦٢٣٦)، عن أنس: أن عمر ضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، قال: «اكشفي رأسك، لا تشبهين بالحرائر»، وصححه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٢٠).
[ ٢ / ٥٢ ]
وظاهره: أنَّ الرُّكبة والسُّرَّة ليسا من العورة، وهو الأصحُّ.
وعنه: والرُّكبة؛ لخبر ضعيف (^١).
وعنه: وهما، ذكره ابن عقيل.
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْفَرْجَانِ (^٢)، نقلها عنه مهَنَّى (^٣)، واختاره المجْد وغيره في الرَّجل، قال في «الفروع»: (وهو أظهر)؛ لما روى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه، حتَّى إنِّي لأنظر إلى بياض فخذ نبيِّ الله ﷺ» متَّفَقٌ عليه (^٤)، ولمسلمٍ: «فانحسر الإزار عن فخذ نبيِّ الله ﷺ، ودخل أبو بكر وعمر على النَّبيِّ ﷺ وهو كاشِفٌ فخذَيه لم يغطِّهما» رواه أحمد من حديث عائشة (^٥)، ولأنَّه ليس بمخرج، فلم يكن عورة؛ كالسَّاق، وسمَّى الشَّارع الفخذ عورة؛ لتأكُّد الاستحباب.
قال البخاريُّ: ويُروى عن ابن عبَّاس وجَرْهَد ومحمَّد بن جحش: عن النَّبيِّ ﷺ: «الفخذُ عورةٌ»، وقال أنَسٌ: «حسَر النَّبيُّ ﷺ الإزارَ عن فخذه»، وحديث أنس أسْنَدُ، وحديث جَرهَدٍ أحْوطُ (^٦).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٨٨٩)، من طريق أبي الجنوب عقبة بن علقمة، عن علي ﵁ مرفوعًا: «الركبة من العورة»، قال أبو حاتم والدارقطني عن أبي الجنوب: (ضعيف)، ويرويه عنه النضر بن منصور وهو ضعيف أيضًا، قال ابن قدامة عن هذا الحديث: (لا يثبته أهل النقل). ينظر: المغني ١/ ٤١٤، تنقيح التحقيق ٢/ ١١٢.
(٢) في (و): الغربال.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٣٦.
(٤) أخرجه البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥).
(٥) أخرجه أحمد (٢٤٣٣٠)، ومسلم (٢٤٠١)، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه»، وذكرت استئذان أبي بكر وعمر وعثمان للدخول.
(٦) سبق تخريج حديث جرهد، وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد (٢٤٩٣)، وعبد بن حميد (٦٤٠)، والترمذي (٢٧٩٦)، ولفظه عند أحمد: «مر رسول الله ﷺ، على رجل وفخذه خارجة، فقال: غط فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته»، وفي سنده أبو يحيى القتات وهو لين الحديث كما في التقريب، وحسنه الترمذي، وصححه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٤. وأما حديث محمد بن جحش: فأخرجه أحمد (٢٢٤٩٤)، والبخاري في التاريخ ١/ ١٢، والحاكم (٦٦٨٤)، وفي سنده العلاء بن عبد الرحمن الحضرمي وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، وفيه أبو كثير مولى محمد بن جحش ذكر بعضهم أنه مجهول، وتعقب ابن الملقن هذا بقوله: (وأبو كثير هذا حجازي يقال: إن له صحبة، روى له النسائي، فدعوى ابن حزم جهالته إذن غير جيدة، وقد تبعه في هذا ابن القطان فقال: لا يعرف حاله). وصحح الحديث البيهقي حيث قال: (وقد ذكر البخاري في الترجمة حديث ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش بلا إسناد، قال الشيخ: وهذه أسانيد صحيحة يحتج بها)، وتعقبه ابن التركماني وبين أن جميع هذه الأحاديث معلولة، وقال ابن عبد الهادي عن حديث ابن جحش: (إسناده صالح). ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٣٢٣١)، الجوهر النقي ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، تنقيح التحقيق ٢/ ١١٠، البدر المنير ٤/ ١٤٨.
[ ٢ / ٥٣ ]
وقال الطَّحاوي: (وقد (^١) جاءت عن النَّبيِّ ﷺ آثارٌ (^٢) متواتِرةٌ فيها: أنَّ الفخِذَ عورةٌ، ولم يُضادَّها (^٣) أثر صحيح) (^٤).
وظاهر هذه الرِّواية: مشاركة الأمَة للرَّجل فيها، قال ابن المنجَّى: لم أجد في كتب الأصحاب تصريحًا بأنَّ عورة الأمة الفرجان في رواية.
وفيه نظر، فإنَّ أئمَّة من الأثبات (^٥) قد نقلوها، منهم أبو الخطَّاب والشِّيرازي.
_________________
(١) في (أ) و(د): قد.
(٢) في (أ): أخبار.
(٣) في (ب): ويضادها.
(٤) ينظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٥.
(٥) كتب على هامش (و): (قوله: "فإن أئمة من الأثبات … " إلى آخره، قال في الاختيارات: وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط؛ كالرواية في عورة الرجل، وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصًا، وعلى الشريعة عمومًا، وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول. انتهى). ينظر: الاختيارات ٦٢.
[ ٢ / ٥٤ ]
وعنه: ما لا يظهر (^١) غالبًا، اختارها أبو الحسين والمجْد، وقدَّمها في «الكافي»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يظهر غالبًا أشبه ما تحت السُّرَّة. وقيل: البَرْزَةُ كالرَّجل دون الخَفِرَة.
وقيل: ما عدا رأسِها عورة، وهو ظاهر الخِرَقي.
وعلى الأول: يُسنُّ ستر رأسها في الصَّلاة.
فرعٌ: إذا عَتَقت (^٢) وهي في الصَّلاة مكشوفة الرَّأس، ووجدت سُترةً؛ كالعريان (^٣) يجدها، فإن لم تعلم بالعتق، أو علِمت به ولم تعلم بوجوب السَّتر؛ فصلاتها باطلة؛ لأنَّ شرط الصَّلاة لا يعذر فيها بالجهل، وإن لم تجد سترة أتمَّت صلاتها، ولا إعادة.
(وَالْحُرَّةُ) البالِغةُ (كُلُّهَا عَوْرَةٌ) حتَّى ظفرها، نَصَّ عليه (^٤)، ذكر ابن هُبَيرة أنَّه المشهور، وقال القاضي: (هو (^٥) ظاهر كلام أحمد)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «المرأةُ عورةٌ» رواه التِّرمذي، وقال: (حسنٌ صحيحٌ) (^٦)، وعن أمِّ سلمة: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ: أتصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدِّرع سابِغًا يغطِّي ظهور قدمَيها» رواه أبو داود، وصحَّح عبد الحق وغيره أنَّه موقوف على أمِّ سلمة (^٧)،
_________________
(١) في (د): تظهر.
(٢) في (أ): أعتقت.
(٣) في (أ) و(د): فالعريان.
(٤) ينظر: أحكام النساء ص ٣١، مسائل أبي داود ص ٦٠.
(٥) في (أ): وهو.
(٦) أخرجه الترمذي (١١٧٣)، وابن خزيمة (١٦٨٥)، وابن حبان (٥٥٩٨)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، ووقع اختلاف في رفعه ووقفه، أشار إليه الدارقطني وبين أن رفعه صحيح، وصححه الألباني. ينظر: علل الدارقطني ٥/ ٣١٤، الإرواء ١/ ٣٠٣.
(٧) أخرجه أبو داود (٦٤٠)، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن محمد بن زيد، عن أم سلمة مرفوعًا، وأشار أبو داود إلى وقفه بقوله: (روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ، قصروا به على أم سلمة ﵂، وكذا رجح جمع من الأئمة وقفه. ينظر: البدر المنير ٤/ ١٦٢، الإرواء ١/ ٣٠٣.
[ ٢ / ٥٥ ]
وكرأسها وساقها؛ فإنَّهما بالإجماع (^١).
(إِلاَّ الْوَجْهَ)، لا خلاف في المذهب أنَّه يجوز للمرأة الحرَّة كشف وجهها في الصَّلاة، ذكره في «المغني» وغيره، وقد أطلق أحمد القول (^٢) بأنَّ جميعها عورة (^٣)، وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصَّلاة.
وذكر ابن تميم رواية: أنَّه عورة، وذكر القاضي عكسها (^٤) إجماعًا.
(وَفِي الْكَفَّيْنِ) ظَهرًا وبطنًا إلى الكُوعين (رِوَايَتَانِ):
الأولى -وهي المذهب-: سبق حكمها.
والثَّانية: أنَّهما ليسا من العورة كالوجه، واختاره المجْد، وجزم به في «العمدة» و«الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]، قال ابن عباس وعائشة: «وجهها وكفَّيها» رواه البيهقي، وفيه ضعف (^٥)، ولأنَّه يحرم سترهما في الإحرام كما يحرم ستر الوجه، ويظهران غالبًا، وتدعو الحاجة إلى كشفِهما للبيع وغيرِه كالوجه.
وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (والقدَمين أيضًا) (^٦).
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع ص ٢٩، الإقناع لابن القطان ١/ ١٢١.
(٢) قوله: (القول) سقط من (أ).
(٣) ينظر: أحكام النساء ص ٣١.
(٤) في (و): عليها.
(٥) أثر ابن عباس ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٠١٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٤٣٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٣٢١٤)، من طرق عن ابن عباس ﵄ تدل على ثبوته عنه. وأثر عائشة ﵂: أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٢١٧)، وفيه عقبة بن عبد الله الأصم وهو ضعيف. ينظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٨٦.
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٤.
[ ٢ / ٥٦ ]
هذا كلُّه في الحرَّةِ البالِغةِ، أمَّا غير البالغة؛ كالمراهِقة والمميِّزة؛ فكالأمَة، وظاهر إطلاق المؤلف يخالفُه.
(وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا؛ كَالْأَمَةِ)، قدَّمه في «الكافي» و«الفروع»؛ لأنَّ الرِّقَّ باقٍ فيهما، والمقتَضِي للستر بالإجماع هو الحريَّة (^١) الكاملةُ، ولم توجد، فتبقى (^٢) على الأصل، وكونهما (^٣) لا ينقل الملك فيهما؛ لا يخرجهما عن حكم الإماء كالموقوفة، وانعقاد سبب الحريَّة في أم الولد لا يؤثِّر (^٤) كالمكاتبة، لكن يُستَحبُّ (^٥) لهما ستر الرَّأس؛ لما فيهما من شبه الأحرار، وللخروج من الخلاف، والأخذ بالاحتياط.
(وَعَنْهُ: كَالْحُرَّةِ)، قدَّمه ابن تميم؛ لأنَّ أمَّ الولد لا تُباع، ولا ينقل الملك فيها (^٦)، والمعتَق بعضها فيها حرية تقتضي السَّتر، فوجب كالحرَّة.
وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّ أمَّ الولد كالأمَة، وصحَّح في المعتق بعضها أنَّها كالحرَّة، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ فيها حرية يُغلَّب (^٧) حكمُها احتياطًا للعبادة، كما (^٨) وجب على الخُنثى المشكِل ستر فرجَيْه احتياطًا.
وقدَّم في «التَّلخيص»: أنَّ أمَّ الولد كحرَّة، وفي المعتَق بعضُها (^٩) روايتان.
فرعٌ: المكاتَبة والمدبَّرة والمعلَّق عتقُها بصفة؛ كالقِنِّ؛ لأنَّه يجوز بيعُهن
_________________
(١) في (أ): الحرة.
(٢) قوله: (توجد فتبقى) هو في (و): يبق، وفي (د): فيبقى.
(٣) في (ب) و(د) و(و): وكونها.
(٤) في (و): تؤثر.
(٥) في (د): تستحب.
(٦) قوله: (فيها) سقط من (أ).
(٧) في (أ): حرية فغُلِّب.
(٨) في (د): وكما.
(٩) قوله: (أنها كالحرة، وجزم به في " الوجيز ") إلى هنا سقط من (و).
[ ٢ / ٥٧ ]
وعتقُهن كالقن (^١). وعنه: كحرَّة. وعنه: المدبَّرة كأمِّ ولدٍ (^٢).
تنبيهٌ: لم يتعرَّض المؤلِّف لعورة الخُنثى المشكِلِ، والمذهبُ: أنَّه كرجل؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب السَّتر، فلا نُوجِبه (^٣) بالشَّكِّ، ويجب سَتر فرجَيه وإن قلنا: العورةُ الفرجانِ فقط؛ لأنَّ أحدهما فرجٌ حقيقِيٌّ، ولا يتحقَّق ستره إلاَّ بسترهما.
وعنه: كامرأة، ذكره القاضي، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ، قال ابن حمدان: وهو أَولى؛ لأنَّه يحتمل أن يكون امرأةً، فوجب ذلك احتياطًا.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ) حُرًّا كان أو عبدًا (أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ)، ذكره بعضُهم إجماعًا (^٤)، قال ابن تميم وغيرُه: (مع ستر رأسه بعِمامة)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ سائلًا (^٥) سأل النَّبيَّ ﷺ عن الصَّلاة في ثوبٍ واحدٍ، فقال: «أَوَلِكُلِّكم (^٦) ثَوبانِ؟» متَّفق عليه، زاد البخاريُّ: ثمَّ سأل رجلٌ عمرَ فقال: «إذا وسَّع الله عليكم فأوْسِعوا» (^٧)، وقال إبراهيم: «كانوا يستحبُّون إذا وسَّع الله عليهم أن لا يصلِّي أحدُهم في أقلَّ من ثَوبَين» (^٨).
قال القاضي: وهو في الإمام آكَد، ونقله أبو طالب؛ لأنَّه بين يدَيِ المأمومين، وتتعلَّق صلاتهم بصلاته.
وصرَّح ابن تميم: أنَّه لا يكره أن يصلِّي في ثوب واحد إذا ستر عورته وعاتِقَيه.
_________________
(١) قوله: (كالقن) سقط من (أ).
(٢) في (ب) و(و): الولد.
(٣) في (أ) و(و): يوجبه.
(٤) ينظر: الفروع ٢/ ٣٨.
(٥) في (أ): سالمًا.
(٦) في (و): أو أمكنكم.
(٧) أخرجه البخاري (٣٦٥)، ومسلم (٥١٥).
(٨) لم نقف عليه.
[ ٢ / ٥٨ ]
قال في «الشَّرح»: (فإن (^١) لم يكن إلاَّ (^٢) ثوب واحد؛ فالقميص أَولى؛ لأنَّه أبلغ، ثمَّ الرِّداء، ثمَّ المِئْزَر أو السَّراويل).
(فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ) هو بفتح السِّين: مصدر ستر، وبكسرها: ما يستتر (^٣) به (الْعَوْرَةِ؛ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ)، هو موضع الرِّداء من المنكب (شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ) يجب سَتر عاتقه، نَصَّ عليه (^٤) مع القدرة، ذكره الجماعة؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يصلِّينَّ أحدُكم في الثَّوبِ الواحدِ لَيْس على عاتقِه منه شيءٌ» رواه البخاري ومسلم وقال: «عاتِقَيه»، ولأحمد: اللَّفظانِ (^٥).
وظاهره: لا فرق بين الفرض والنَّفل، وهو ظاهر الخِرَقي؛ لقول إبراهيم: «كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصَّلاة» رواه سعيد (^٦)، ولأنَّ ما اشتُرط للفرض اشتُرط للنَّفل؛ كالطَّهارة.
وعنه: سنَّة؛ لأنَّه ليس بعورة، أشبه بقيَّة البدن.
وعلى الأول: يجزئه سَتر أحدِ عاتِقَيه، نَصَّ عليه (^٧)، وهو قول الأكثر.
وعنه: يجب سترهما، ذكره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»، واقتصر (^٨) ابن هُبَيرةَ في حكايته عن أحمد.
_________________
(١) في (د) و(و): وإن.
(٢) زيد في (و): من.
(٣) في (د) و(و): يستر.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٨٠٩، التمهيد ٦/ ٣٦٦.
(٥) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦). وفي مسند أحمد (٧٣٠٧)، بلفظ: «عاتقه». وأخرجه أحمد (٧٤٦٦)، من طريق أخرى عن أبي هريرة، بلفظ: «عاتقيه».
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥١٢).
(٧) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٨٠٩، التمهيد ٦/ ٣٦٦.
(٨) زاد في (ب): عليه.
[ ٢ / ٥٩ ]
وفي وجه: يجزئه ستر عاتِقَيه أو أحدهما، قدَّمه في «الرِّعاية».
وفي آخر (^١): يجزئه وضع خَيْط ونحوه؛ لأنَّ هذا شيء، فيتناوله الخبر.
وفي آخر (^٢): يجزئه ما يسمَّى لِباسًا وإن قلَّ، دون حبل ونحوه، وهذا ظاهر الخِرَقي، وقدَّمه في «الكافي».
ومتى قلنا بوجوبه؛ فهو شرط لصحَّة الصَّلاة في ظاهر المذهب، قال القاضي: وعليه أصحابنا؛ لأنَّ النَّهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه.
وعنه: ليس بشرط، ذكره القاضي وابن عَقيل، وحملها المؤلِّف على أنَّه لا يجب ستر المنكبَين جميعًا، لا أنَّها تنفي الشَّرطية.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ)، يعني إذا اقتصر على سَتر العورة دون المنكبَين؛ أجزأه في صلاة النَّفل دون الفرض، نَصَّ عليه في رواية حنبل (^٣)، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ مَبناه على التَّخفيف، ولذلك يُسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سَيره مع القدرة، فسُومِح فيه بهذا القدر.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ) الحرَّةِ (^٤) (أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ)، قيل: هو اسمٌ لقميصها، وقال الإمام أحمد: (هو شبه القميص، لكنَّه سابغ يغطِّي قدمَها) (^٥)، (وَخِمَارٍ)؛ هو ما تغطِّي (^٦) به رأسَها، (وَمِلْحَفَةٍ)؛ هو شيء يُلتحف به من فوق الدِّرع، رُوي استحبابُ ذلك عن عمر، وابنه (^٧)،
_________________
(١) في (أ): أخرى.
(٢) في (و): في آخر. وفي (أ): وفي أخرى.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٤١٦.
(٤) قوله: (الحرة) سقط من (د) و(و).
(٥) ينظر: فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤١٤.
(٦) في (و): يغطى.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٦١٧٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤١١)، عن ابن عمر، قال: «إذا صلت المرأة، فلتصل في ثيابها كلها، الدرع والخمار والملحفة»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٦٠ ]
وعائشة (^١)، روى محمَّد بن عبد الله الأنصاري، ثنا سليمان التَّيمي، عن محمَّد بن سِيرين، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب قال: «تصلِّي المرأة في درع وخمار وإزار» (^٢)، وحِكمته: المبالغة في سترها، ولا تبين عَجيزتها (^٣).
(فَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا؛ أَجْزَأَهَا)؛ لما روي عن أم سلمة وميمونة: «أنَّهما كانا يصلِّيان في درع وخمار ليس عليهما إزار» رواه مالك (^٤)، قال أحمد: (اتَّفق عامَّتُهم على الدِّرع والخمار، وما زاد فهو خير وأستر) (^٥)، ولأنَّها سترت ما يجب عليها ستره، أشبهت الرَّجل (^٦).
ويكره أن تصلِّي في نقاب وبُرقع، نَصَّ على ذلك (^٧)، ولا تضمُّ ثيابها،
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٤١٢)، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتسبل إزارها فتخالف به، وكانت عائشة تقول: «ثلاثة أثواب لا بد للمرأة في الصلاة إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع»، إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٢) أخرجه الأنصاري في جزئه (١١)، وابن أبي شيبة (٦١٦٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤١٠)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٦٤)، قال ابن كثير: (إسنادٌ صحيح على شرطهما)، وصحح إسناده البوصيري وابن حجر. ينظر: مسند الفاروق ١/ ١٥١، إتحاف الخيرة (١١٧٥)، والمطالب العالية (٣٢١).
(٣) في (د) و(و): عجزها.
(٤) أثر أم سلمة تقدم تخريجه ٢/ ٥٥ حاشية (٧). وأثر ميمونة ﵂: أخرجه مالك (١/ ١٤٢)، وابن أبي شيبة (٦١٧١)، ومسدد كما في المطالب العالية (٣٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٥٦)، عن ميمونة ﵂: «أنها كانت تصلي في الدرع والخمار، ليس عليها إزار»، قال ابن حجر في المطالب: (صحيح موقوف).
(٥) ينظر: المغني ٣/ ٢١٩.
(٦) قوله (الرجل) سقطت من (أ).
(٧) ينظر: الفروع ٢/ ٣٨.
[ ٢ / ٦١ ]
زاد السَّامَرِّيُّ: في حال قيامها.
(وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ) عُرفًا؛ (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ)، نَصَّ عليه (^١)، واختاره السَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «التَّلخيص»، وفي «المحرَّر» (^٢)؛ لما روي: أنَّ عمرو بن سلمة كان يؤمُّ قومه، قال عمرو: «وكانت عليَّ بردة إذا سجدت تقَلَّصتْ (^٣) عنِّي، فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تغطُّوا عنا اسْتَ قارئكم!» رواه البخاري (^٤)، ولأنَّ (^٥) ثياب الفقراء لا تخلو من خَرق، وثياب الأغنياء لا تخلو من فَتق، والاحتراز من ذلك يشقُّ ويعسر (^٦)، فعُفي عنه كيسير الدَّم.
وعنه: تَبطل (^٧) مطلقًا، اختاره الآجُرِّيُّ؛ لأنَّه حكم معلَّق بالعورة، فاستوى قليلُه وكثيرُه؛ كالنَّظر.
ولو عبَّر بقوله: (يسير (^٨) وهو ما لا يفحش) كأبي الخطَّاب والمجْد؛ لكان أولى.
(وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ)؛ لأنَّ التَّحرُّز منه ممكِن من غير مشقَّة، أشبه سائر العورة، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّ المرأة الحرَّة إذا صلَّت وجميع رأسها مكشوفٌ أنَّ عليها الإعادة (^٩)، والأصل وجوب ستر جميعها، فعُفي عنه
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٧١٨.
(٢) في (أ): (وجزم به) وقد شطب عليها في الأصل.
(٣) في (أ): قلصت.
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، من حديث عمرو بن سلمة ﵄.
(٥) في (و): وكان.
(٦) قوله: (ويعسر) سقط من (ب) و(و).
(٧) في (و): يبطل.
(٨) في (و): فيسير.
(٩) ينظر: الإجماع ص ٤٣.
[ ٢ / ٦٢ ]
في اليسير غير الفاحش؛ للنَّص وللمشقَّة، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل.
وظاهره: لا فرق بين الرَّجل والمرأة، ولا بين الفرجَين وغيرهما، قال في «الشَّرح» وغيره: (إلاَّ أنَّ العورة المغلَّظة يفحُش منها ما لا يفحُش من غيرها)، فاعتبر الفُحْش من (^١) كلِّ عضو بحسبه، وهو معنى ما ذكره ابن عقيل: أنَّه يعفى عن يسير المخفَّفة دون المغلَّظة.
وظاهره: ولو قصر زمنه، وكشف كثير في زمن يسير؛ ككشف يسير سهوًا في زمن طويل، قال في «الرِّعاية»: إن فحُش أو طال زمنه، وإلاَّ فروايتان.
تنبيه: إذا انكشفت عورته سهوًا، وقال ابن تميم: أو عمدًا، فسَتَرها في الحال؛ عُفي عنه ولم تبطل صلاته؛ لأنَّه يسيرٌ في زمن يسيرٍ.
وعنه: لا، كما لو طال زمنُه.
وقال التَّميمي: إن بدت عورته وقتًا، واستترت آخر؛ لم يُعِدْ؛ للخبر، فلم (^٢) يشترط اليسير.
قال في «المغني»: (ولا بد من اشتراطه؛ لأنَّه يفحُش).
وإذا أطارت الرِّيح سترته، واحتاج عملًا كثيرًا في أخذها؛ فوجهان.
(وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، هذا هو المشهور عن أحمد في الثَّوب المغصوب؛ لما روى أحمد: حدَّثنا أسود (^٣) بن عامر، حدَّثنا بقيَّة، عن عثمان بن زُفَر، عن هاشم (^٤) الأوقص، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه قال: «من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام؛ لم
_________________
(١) في (أ): في.
(٢) في (ب): ولم.
(٣) في (د): الأسود.
(٤) في (أ): هشام.
[ ٢ / ٦٣ ]
يقبل الله له صلاةً ما دام عليه»، ثمَّ أدخل أصبعيه في أذنيه، وقال: «صُمَّتَا (^١) إن لم يكن النَّبيُّ ﷺ سمعته يقوله (^٢)» قال البخاري: (هاشِمٌ غيرُ ثِقةٍ، وبقيَّة مدلِّس) (^٣)، ولأنَّ قيامه وقعوده ولُبثه فيه محرَّم منهيٌّ عنه، فلم يقع عبادةً؛ كالصَّلاة في زمن الحيض، وكالنَّجس، وحكم الجزء المشاع أو المُعيَّن كذلك، ذكره ابن عقيل، هذا إذا كان عالِمًا ذاكِرًا.
وظاهره: يعمُّ الرَّجل والمرأة، وهو كذلك في المغصوب، وأمَّا الحرير فتصحُّ (^٤) صلاة المرأة فيه؛ لإباحته لها، وكذا الرَّجل في حالة (^٥) العذر، ولو عبَّر ب: (من صلَّى في ثوب محرَّم عليه) كما في «الوجيز»؛ لَاستقام.
وظاهره: لا (^٦) فرق بين الفرض والنَّفل؛ لأنَّ ما كان شرطًا في الفرض فهو شرط للنَّفل.
وقيَّده في «الشَّرح»: بما إذا كان هو السَّاترَ (^٧) لها، واختاره ابن الجوزي.
وعنه: إن علِم النَّهي لم يصحَّ، وإلاَّ صحَّت.
(وَعَنْهُ: تَصِحُّ (^٨) مَعَ التَّحْرِيمِ)، اختاره (^٩) الخلاَّل وصاحب «الفنون»؛ لأنَّ
_________________
(١) في (هـ): هنا.
(٢) زيد في (و): وفي إسناده هاشم بن بقية.
(٣) أخرجه أحمد (٥٧٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٠٧)، في سنده هاشم الأوقص، قال البخاري والجوزجاني: (غير ثقة)، وذُكر في ترجمته أنه كان موافقًا لعمرو بن عبيد في بدعته، قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن هذا الحديث، فقال: (ليس بشيء، ليس له إسناد)، وقال البيهقي: (إسناده ضعيف)، ينظر: الكامل لابن عدي ٨/ ٤٢١، لسان الميزان ٨/ ٣١٥، تنقيح التحقيق ٢/ ١٠١.
(٤) في (و): فيصح.
(٥) في (د): حال.
(٦) في (أ): ولا.
(٧) في (أ): إذا كان الساتر لها.
(٨) في (و): يصح.
(٩) في (أ): اختارها.
[ ٢ / ٦٤ ]
النَّهي لا يعود إلى الصَّلاة، وكعِمامة مغصوبة، وخاتم ذهب، وخُفٍّ وتِكَّة (^١) في الأصحِّ.
وقيل: بل مع الكراهة، وهو ظاهر «المستوعب».
وعنه: الوقف في التِّكَّة.
وعنه: يقف على إجازة المالك.
وعنه: إن كان شعارًا لم يصحَّ، جزم به في «الوجيز».
وقال أبو بكر: إن صلَّى في خاتم حديد أو صُفْر؛ أعاد.
وعلى الأول: لو جهل أو نسي كونه غصبًا (^٢) أو حريرًا، أو حبس بغصب حتَّى صلَّى فيه؛ صحَّت على الأصحِّ.
تنبيه: إذا لم يجد غير سترة حرير؛ صلَّى فيها ولا إعادة، وقيل: روايتان.
ويصلِّي (^٣) عريانًا مع مغصوب، فلو صلَّى فيه، أو غصب ستارة الكعبة وصلَّى؛ لم تصحَّ على الأشهر.
والحرير أولى من النَّجس، قاله ابن حمدان.
ولا يصحُّ نفل آبِق، ذكره ابن عقيل.
فرع: لم يتعرَّض المؤلِّف للخنثى المشكل في الحرير، والأشهر: أنَّه في الصَّلاة -وعنه: وغيرها- كرجل، قاله القاضي.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا؛ صَلَّى فِيهِ)؛ لأنَّ ستر العورة آكد من إزالة النَّجاسة؛ لتعلُّق حقِّ الآدمِي به في ستر عورته، ووجوبه في الصَّلاة وغيرها، فكان تقديمه أولى؛ لكونه متَّفقًا على اشتراطه، فلو صلَّى عُريانًا مع وجوده؛
_________________
(١) التكة بالكسر: رباط السراويل. ينظر: القاموس المحيط ص ٩٣٥. ومراده: الخف المحرم والتكة المحرمة؛ كالتي من حرير. ينظر: الإنصاف ٣/ ٢٢٦.
(٢) في (و): غاصبًا.
(٣) في (ب): فيصلي.
[ ٢ / ٦٥ ]
أعاد قولًا واحدًا.
وعنه: لا يصلِّي فيه حتَّى يضيق الوقت.
وعلى الأوَّل: لو كان نجِس العَين؛ كجلد ميتة؛ صلَّى عُريانًا من غير إعادة، ذكره بعضهم، فلو كان معه ثوبانِ نجِسانِ؛ صلَّى في أقلِّهما وأخفِّهما نجاسةً.
(وَأَعَاَد) ما صلَّى فيه (عَلَى الْمَنْصُوصِ) (^١) وهو المذهب؛ لأنَّه أخلَّ بشرط الصَّلاة مع القدرة عليه، أشبه ما لو صلَّى محدِثًا.
ويُستثنى منه: ما إذا عجز عن إزالتها، فإنَّه يصلِّي ولا يُعِيد؛ لأنَّه شرط عجز عنه، فسقط كالسُّترة، ذكره في «الكافي».
(وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ لَا يُعِيدَ)، هذا رواية عن أحمد، واختاره المؤلِّف، وجزم به في «التَّبصرة»؛ لأنَّ الشَّرع منعه نزعه، أشبه إذا لم يمكنه، وكالعجز عن السُّترة، (بِنَاءً عَلَى (^٢) مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (^٣)؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الشَّرط، فلم يلزمه؛ كمن عدِم الماءَ.
فخرَّج جماعةٌ فيه روايةً من الإعادة في الثَّوب، وخرَّجوا في الثَّوب من المكان.
ولم يخرِّج آخرون، وهو أظهر؛ لظهور الفرق؛ لأنَّ من لم يجد إلاَّ ثوبًا نجِسًا له حالتان يمكنه الصَّلاة معها مع الخلل؛ لأنَّه إذا صلَّى عُريانًا لم يحمل النَّجاسة؛ فقد فاته السترة وحدها، وإذا صلَّى في الثَّوب النجِس؛ فقد فاته طهارة الثَّوب وحده، فاختيار إحدى الحالتين على الأخرى يوجب الإعادة؛ استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط الذي كان مقدورًا عليه من وجه، بخلاف المحبوس في المكان النجس، فإنه ليس له إلا حالة واحدة، وهي
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١١١.
(٢) زيد (ب) و(و): أن.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١١٢، الروايتين والوجهين ١/ ٩٢.
[ ٢ / ٦٦ ]
الصَّلاة، فالشرط ليس بمقدور عليه من كل وجه.
وخرَّج في «التعليق» رواية عدم الإعادة (^١) في الثَّوب من (^٢) عدَم الطَّهورين.
تنبيه: لم يتعرَّض المؤلِّف لكيفيَّة الصَّلاة في الموضع النَّجِس، والمنصوص: أنَّه يجلس على قدمَيه، ويُومِئ بالرُّكوع والسُّجود، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وغيرُه.
وعنه: يُومِئ غاية ما يمكنه.
وعنه: يسجد بالأرض.
ومحلُّه: ما إذا كانت النَّجاسة يابسة، أمَّا إذا كانت رَطْبة؛ فإنَّه يُومِئ وجهًا واحدًا، قاله ابن تميم.
(وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؛ سَتَرَهَا) وترك سَتر منكبَيه، وصلَّى قائمًا، اختاره المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كان الثَّوبُ واسِعًا فخالِفْ بين طرفَيه، وإن كان ضيِّقًا فاشدُدْه على حِقْوكَ» رواه أبو داود (^٣)، ولأنَّ القيام متَّفَق على وجوبه، فلا يترك لأمر مختلَف فيه، وكما لو لم يكْفِ.
وقال القاضي: يستر منكبيه ويصلِّي جالسًا؛ لأنَّ الجلوس بدل عن (^٤) سَتر العورة؛ لكونه يستر معظمها والمغلَّظ منها، وستر المنكب لا بدل (^٥) له،
_________________
(١) قوله: (استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط) إلى هنا سقط من (أ) و(د).
(٢) في (أ) و(ب): في.
(٣) أخرجه مسلم (٣٠١٠)، وأبو داود (٦٣٤)، وهو في البخاري (٣٦١) بلفظ: «فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به».
(٤) في (أ): على.
(٥) في (أ) و(ب) و(و): لا بد. والمثبت موافق لما في شرح العمدة ٢/ ٣٢٦.
[ ٢ / ٦٧ ]
فكان (^١) مراعاته أَولى.
وبعَّد ابن تميم ذلك، وحمله ابن عَقيل على سُترةٍ تتَّسع (^٢) إن تركها (^٣) على كتفَيه، وسدلها (^٤) من ورائه تستر دبره.
وقدَّم في «الفروع»: أنَّه (^٥) إذا وجد ما يستُر منكبيه وعَجُزَه فقط؛ ستر ذلك، وصلَّى جالسًا، نَصَّ عليه (^٦)، وهو المذهب؛ لأنَّ ستر المنكبَين الحديث فيه أصحُّ.
(فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعُهَا: سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ)؛ لأنَّهما أفْحَش، وهما عورةٌ بلا خلاف (^٧)؛ لأنَّ غيرهما كالحريم والتَّابع لهما، وعبَّر بعضهم عنهما بالسَّوأتين؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سُوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]، سمِّيا بذلك؛ لأنَّ كشفهما يسوء صاحبَه.
(فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا جَمِيعًا؛ سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ)؛ لاستوائهما، (وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه أفحش، وينفرج في الرُّكوع والسُّجود.
(وَقِيلَ: الْقُبُلُ أَوْلَى)؛ لأنَّ به يستقبل القِبلة، والدُّبر يَستَتِر بالأَلْيتَينِ.
وقال ابن حمدان: يعتبر أكثرهما سَترًا.
وفي المذهب: هل القبل أولى من (^٨) الدبر؟ فيه روايتان.
_________________
(١) في (أ): وكان.
(٢) في (و): يتسع.
(٣) في (و): يتركها.
(٤) قوله: (وسدلها من) هو في (و): ويشدها على. وفي (أ): ويسدلها.
(٥) في (و): أما.
(٦) ينظر: الفروع ٢/ ٥٢.
(٧) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٣، مراتب الإجماع ص ٢٩.
(٨) في (أ): أو.
[ ٢ / ٦٨ ]
وهذا تفريعٌ (^١) على (^٢) ما ذكره: أنَّه يستر عورته ويصلِّي قائمًا. وعلى الثَّاني: فلا.
وظاهره: لا فرق بين أن يكون رجلًا أو امرأةً أو خنثى، ويتوجَّه: أنَّه يستر آلة الرَّجل إن كان هناك امرأةٌ، وآلتَها إن كان هناك رجل.
(وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ؛ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إِذَا (^٣) كَانَتْ عَارِيَّةً)، هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ المِنَّةَ لا تكثر (^٤) فيها، فأشبه بذل الحبل والدَّلو لاستقاء الماء.
وقيل: لا يلزمه؛ كالهبة في الأصحِّ.
والثَّاني: يلزمه قبولها هبةً، وذكره المؤلِّف احتِمالًا؛ لأنَّ العار (^٥) في كشف عورته أكثر من الضَّرر (^٦) فيما يلحَقه من المِنَّة.
وفُهم منه: أنَّه لا يلزمه طلبها عاريّة، ويلزمه تحصيلها بقيمة المثل والزِّيادة؛ كماء الوضوء.
(فَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ؛ صَلَّى)، ولا تسقط (^٧) عنه بغير خلاف نعلمه (^٨)، كما لو عجز عن استقبال القِبلة، (جَالِسًا) ندبًا، ولا يتربَّع بل ينضامُّ، نقله الأثرم والميموني (^٩).
وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يتربَّع، نَصَّ عليه في رواية محمَّد بن حبيب (^١٠)،
_________________
(١) في (ب) و(و): التفريع.
(٢) زيد في (و): قولهما.
(٣) في (أ) و(د): إن.
(٤) في (و): يكثر.
(٥) في (ب) و(و): العاري.
(٦) في (أ): الضَّرير.
(٧) في (د) و(و): يسقط.
(٨) ينظر: الشرح الكبير ٣/ ٢٣٦.
(٩) ينظر: شرح العمدة ٢/ ٣٣٢، الفروع ٢/ ٥٣.
(١٠) ينظر: الفروع ٢/ ٥٣. ومحمد بن حبيب، هو أبو عبد الله البزار، كان رجلًا معروفًا جليل القدر من أصحاب الإمام أحمد، توفي سنة ٢٩١ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٣، المقصد الأرشد ٢/ ٣٩٨.
[ ٢ / ٦٩ ]
وقيل: وجوبًا.
(يُومِئُ إِيمَاءً)؛ أي: بالرُّكوع والسُّجود، قدَّمه في «المحرَّر» وغيرِه، وجزم به أبو الحسين وأبو الخَطَّاب وصاحب «الوجيز»؛ لما رُوي عن ابن عمر: أنَّ قومًا انكسرت بهم مركبُهم فخرجوا عُراةً، قال: «يصلُّون جلوسًا، يُومِئون إيماءً برؤوسهم» (^١)، ولم ينقل خلافه، ويُومِئ بالسُّجود أكثر من الرُّكوع.
(وَإِنْ (^٢) صَلَّى قَائِمًا) وسجد بالأرض؛ (جَازَ)؛ لقوله ﵇: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعِدًا» (^٣).
وظاهره: أنَّ صلاة الجالِس بالإيماء أولى من صلاته قائمًا؛ لأنَّ الجلوس فيه ستر العورة، وهو قائم مقام القيام، ولو صلَّى قائمًا لسقط السَّتر إلى غير بدل؛ لأنَّ السَّتر آكد من القيام؛ لأنَّه يجب في الصَّلاة وغيرها، ولا (^٤) يسقط مع القدرة بحال، والقيام يسقط في النَّافلة، ولأنَّ القيام سقط (^٥) عنهم لحفظ العورة، وهي في حال السُّجود أفحش، فكان سقوطه أولى.
لا يقال: السَّتر كلُّه لا يحصل وإنَّما يحصل بعضه، فلا يفي ذلك بترك ثلاثة أركان: القيام والرُّكوع والسُّجود؛ لأنَّ العورة إن كانت الفرجين فقد حصل سترهما، وإلاَّ حصل ستر أغلظها وأفحشها.
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٤١٥)، وفي إسناده عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة، وهو ضعيف كما في التقريب (ص ٣٥٨).
(٢) في (و): فإن.
(٣) أخرجه البخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٤) في (و): فلا.
(٥) في (و): يسقط.
[ ٢ / ٧٠ ]
وعنه: يصلِّي جالسًا، ويسجد بالأرض؛ لأنَّ السُّجود آكد من القيام؛ لكونه مقصودًا في نفسه، ولا يسقط فيما يسقط فيه القيام (^١)، وهو النَّفل.
(وَعَنْهُ): يلزمه (أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا، وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ)، اختاره الآجُرِّي وغيرُه، وقدَّمه ابن الجوزي؛ لأنَّ المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على بعض شرط.
وعنه: إن قام وأَوْمَأَ بالسُّجود؛ صحَّ.
وقيل: يقعد (^٢) الجماعة ولا يقومون، ويسجدون بالأرض.
وظاهره: أنَّه لا إعادة عليه، وصرَّح به جماعة، وألحقه الدِّينَوَرِي في وجوب الإعادة بفاقد الطَّهورين. وفي «الرِّعاية»: أنَّه يعيد على الأقْيَس.
فرع: إذا نسي السُّترة وصلَّى عُريانًا؛ أعاد لتفريطه؛ كالماء.
(وَإِنْ وَجَدَ) العُريان (السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ) عُرفًا؛ لأنَّه لا تقدير فيه، (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ)، وأمكنه من غير زمن طويل ولا عمل كثير؛ (سَتَرَ، وَبَنَى) على ما مضى من صلاته؛ كأهل قباء لمَّا علموا بتحويل القبلة استداروا إليها (^٣) وأتمُّوا صلاتهم (^٤).
(وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً؛ سَتَرَ وَابْتَدَأَ)؛ لأنَّه لا يمكن فعلها إلاَّ بما ينافيها من العمل الكثير، أو بدون شرطها، بخلاف التي قبلها.
وقيل: يبني مطلقًا. وقيل: يبتدئ مطلقًا. وقيل: إن انتظر من يناوله لها؛ لم تبطل؛ لأنَّه انتظار واحد كانتظار المسبوق.
(وَيُصَلِّي (^٥) الْعُرَاةُ جَمَاعَةً) وجوبًا، لا فُرادَى؛ لقول ابن عمر السَّابق،
_________________
(١) قوله: (لكونه مقصودا في نفسه، ولا يسقط فيما يسقط فيه القيام) سقط من (و).
(٢) في (أ): تقعد.
(٣) قوله: (إليها) سقط من (و).
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٩)، ومسلم (٥٢٥)، من حديث البراء ﵁.
(٥) في (و): وتصلي.
[ ٢ / ٧١ ]
ولأنَّهم قدروا على الجماعة من غير عذر، أشبه المسبوقين، ولا تسقط (^١) الجماعة لفوات السُّنَّة في الموقف، كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقديم أحدهم، وإذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذُّر الاقتداء بالإمام في بعض الصَّلاة والحاجة إلى مفارقة وفعل ما يبطل الصَّلاة في غير تلك الحال؛ فأولى أن يشرع هنا.
وقال ابن عَقيل: جلوسًا وجوبًا، وأنَّ في منفرد روايتين، قال: والصَّحيح أنَّه كالجماعة، ويقومون صفًّا واحدًا.
(وَإِمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ)؛ لأنَّه أستر لهم، فإن تقدَّمهم لم يصحَّ في الأصحِّ.
وإن كانوا في ظُلمة؛ صلَّوا جماعةً وتقدَّمهم إمامهم.
وإن لم يسَعهم صف واحد؛ وقفوا صفوفًا، وغضُّوا أبصارهم.
قال في «الشَّرح»: (وإن صلَّى كلُّ صفٍّ جماعة فهو أحسن).
وقال ابن تميم وغيره: فإن كانوا نوعًا واحدًا والموضع ضيِّق؛ صلَّوا جماعةً كالنَّوعين.
وفيه وجه: يصلِّي الكلُّ جماعةً واحدةً وإن كثرت الصُّفوف.
(وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً؛ صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ)؛ لأنَّها إن وقفت خلفه شاهدت العورة، ومعه خلاف سنَّة الموقف، وربَّما أفضى إلى الفتنة.
(وَإِنْ كَانُوا فِي ضَيْقٍ) بفتح الضاد مخفَّفًا، من ضَيِّق، ويجوز فيه الكسر على المصدر على حذف مضاف تقديره: ذي ضِيق؛ (صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ (^٢) وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ)؛ لما في ذلك من تحصيل الجماعة مع عدم رؤية الرِّجالِ النِّساءَ، وبالعكس.
_________________
(١) في (و): يسقط.
(٢) قوله: (ثم صلى النساء) سقط من (د).
[ ٢ / ٧٢ ]
تنبيه: إذا صلَّى عُريانًا، وأعار سُترته؛ لم يصحَّ، ويُستحبُّ أن يعير إذا صلَّى، ويصلِّي بها واحدٌ بعد آخَرَ.
وهل يلزمهم انتظارها ولو خرج الوقت، أم لا كالقدرة على القيام بعده؟ فيه وجهان.
فإن استوَوْا، ولم يكن الثَّوب لواحد؛ أُقرِع، والأصحُّ: يقدَّم إمام مع ضيق الوقت، وتقدَّم المرأة عليه؛ لأنَّ عورتها أفحش.
ولا يَأتَمُّ مستَتِرٌ بعارٍ، ويصلِّي بها عارٍ، ثمَّ يكفَّن ميت. وقيل: يقدَّم هو. وقيل: الحيُّ، قاله ابن حمدان، وهو بعيد.
(وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ)، كذا ذكره جمع؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن السَّدل في الصَّلاة» رواه أبو داود بإسناد حسن (^١)، وروى سعيد عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون السَّدل في الصَّلاة» (^٢).
وعنه: إن لم يكن تحته ثوب. وعنه: أو إزار.
فعلى هذا؛ لا إعادة، قاله أبو بكر، اتِّفاقًا إن لم تَبْدُ عورتُه، وعنه: بلى.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦٤٣)، وابن خزيمة (٧٧٢)، وابن حبان (٢٢٨٩)، والحاكم (٩٣١)، من طريق الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء عنه به، والحسن بن ذكوان صدوق يخطئ وكان يدلس، كما في التقريب. واختلف في وصله وإرساله، فوصله الحسن بن ذكوان، وأرسله عامر الأحول. وأخرجه أحمد (٧٩٣٤) والترمذي (٣٧٨)، من طريق عِسْل بن سفيان عن عطاء عنه به، وعِسْل بن سفيان التميمي ضعيف، وله طرق أخرى، وحسنه العراقي، والألباني، ينظر: صحيح أبي داود ٣/ ٢٠٩.
(٢) لم نقف عليه، وقد علَّق ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٥٨) عن محارب بن دثار أنه قال: «كانوا يكرهون السدل في الصلاة»، ومحاربٌ كوفيٌّ، سمع ابن عمر وجابر ﵄، وحدَّث عن جماعة من تلاميذ ابن مسعود كالأسود النخعي وغيره. وأخرج ابن أبي شيبة (٦٤٨٢)، عن إبراهيم: «أنه كره أن يسدل ثوبه في الصلاة».
[ ٢ / ٧٣ ]
وحكى التِّرمذي عن أحمد: (لا يُكرَه) (^١)، قال ابن المنذر: (لا أعلم فيه حديثًا يثبت) (^٢).
وهو (^٣): إرخاءُ الثَّوب لغةً، قاله الجوهري (^٤).
واصطلاحًا: (أَنْ يَطْرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و«الفروع»، وجزم به في «الشَّرح»، زاد: (ولا يضمَّ طرَفيه (^٥) بيديْه)، وهو رواية.
وظاهره: أنَّه إذا ردَّ أحد طرفيه على الكتف الأخرى؛ لا يكره؛ لزوال معنى السدل، ونقل صالح: (طرحه (^٦) على أحدهما، ولم يردَّ أحد طرفيه على الآخر) (^٧).
وقال ابن عقيل: هو إسبال الثَّوب على الأرض.
وقيل: وضع وسط الرِّداء على رأسه، وإرساله من ورائه (^٨) على ظهره، وهي لِبْسة (^٩) اليهود.
وقال القاضي: هو وضع الرِّداء (^١٠) على عنقه، ولم يردَّه على كتفيه (^١١).
_________________
(١) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٤٨٨، وعبارته: (فأما إذا سدل على القميص فلا بأس، وهو قول أحمد).
(٢) ينظر: المغني ١/ ٤١٨.
(٣) قوله: (وهو) سقط من (أ).
(٤) ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٢٨.
(٥) في (أ) و(د) و(و): طرفه. والمثبت موافق لما في الشرح الكبير ٣/ ٢٤٦.
(٦) في (و): طرفه.
(٧) قوله: (لا يكره لزوال معنى السدل) إلى هنا سقط من (أ). وينظر كلام أحمد في مسائل صالح ١/ ٣٧٤.
(٨) قوله: (من ورائه) هو في (أ): في رواية. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ٥٦.
(٩) في (أ) و(و): لشبه.
(١٠) قوله: (على رأسه، وإرساله في رواية على ظهره) إلى هنا سقط من (و).
(١١) في (أ) و(ب): كتفه.
[ ٢ / ٧٤ ]
(وَيُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ)، قدَّمه جماعةٌ، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو هريرة وأبو (^١) سعيد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن اشتمال الصَّمَّاء» رواه البخاري (^٢).
(وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ)، ومعنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرِّداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، وجاء ذلك مفسَّرًا في حديث أبي سعيد من رواية إسحاق، عن عبد الرَّزاق، عن مَعمَر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عنه مرفوعًا: «نهى عن لبستين، وهما (^٣) اشتمال الصَّمَّاء، وهو أن يضَع ثوبَه على أحد عاتقَيه (^٤) فيبدو أحد شقِّيه ليس عليه ثوب، والاحتِباء، وهو أن يحتَبِيَ به ليس على فرجه منه شيْء» (^٥).
وقال السَّامَرِّيُّ: هو أن يلتَحِف بثوب يردُّ طرفيه إلى أحد جانبيه، ولا يبقى ليديه موضع تخرج (^٦) منه، وهو المعروف عند العرب.
والأول: قول الفقهاء، وهم أعلم بالتَّأويل.
وظاهره: أنَّه إذا كان عليه ثوب؛ لم يكره؛ لأنَّها لبسة المحرِم، وفعلها النَّبيُّ ﷺ (^٧).
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(و): وابن.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٧) من حديث أبي سعيد، وبرقم (٣٦٨) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٠٩٩) من حديث جابر، ﵃.
(٣) في (د): وهو.
(٤) في (د): عاتقه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٤٩٨٧)، ومن طريقه ابن حبان (٥٤٢٧).
(٦) في (و): يخرج.
(٧) أخرجه أحمد (١٧٩٥٢)، وأبو داود (١٨٨٣)، والترمذي (٨٥٩)، من حديث يعلى بن أمية ﵁، قال الترمذي: (حسن صحيح)، وحسنه الألباني، وأخرجه أحمد (٢٧٩٢)، وابن خزيمة (٢٧٠٧)، من حديث ابن عباس، وإسناده لا بأس به، فيه عبد الله بن عثمان بن خُثيم، قال في التقريب: (صدوق). ينظر: صحيح أبي داود ٦/ ١٣٣.
[ ٢ / ٧٥ ]
وأنَّ صلاته صحيحة إلاَّ أن تبدو عورته، صرَّح به في «المحرر» وغيرُه. وعنه: يعيد.
وفيه وجه: يكرَه فوق الإزار لا القميص.
وعلى الأوَّل: الكراهة؛ قيل: لكشف (^١) كتفه الأيمن.
وقيل: لظهور عورته، فعلى هذا: ينبغي أن يكون محرَّمًا؛ لإفضائه إليه، ذكره في «الشَّرح».
(وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) مطلقًا (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ)؛ لعموم النَّهي.
فرع: إذا احتبى، وعليه ثوب يستر عورته؛ جاز، وإلاَّ حرُم. وعنه: يكره مطلقًا. وعنه: المنع، قاله ابن تميم.
(وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ)؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه» رواه أبو داود بإسناد حسن (^٢)، ففيه تنبيه على كراهة تغطية الوجه (^٣)؛ لاشتماله على تغطية الفم، ولأنَّ الصَّلاة لها تحليل وتحريم، فشرع لها كشف الوجه كالإحرام.
(وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ)؛ روي ذلك عن ابن عمر (^٤)، ولقوله ﵇: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أَعْظُمٍ» متَّفقٌ عليه (^٥).
وعنه: لا يكره.
_________________
(١) في (و): يكشف.
(٢) سبق تخريجه ٢/ ٧٣ حاشية (١).
(٣) قوله: (لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه، رواه أبو داود بإسناد حسن، ففيه تنبيه على كراهة تغطية الوجه) سقط من (أ).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٦٢)، وابن أبي شيبة (٧٣٠٦)، عن نافع: «أن ابن عمر كان يكره أن يصلي الرجل وهو متلثم»، وإسناده ضعيف، مداره على عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف الحديث.
(٥) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٧٦ ]
وفي التَّلثُّم على الأنف روايتان، وسهَّل أحمد في تغطية اللِّحية، وقال: (لا بأس بتغطية الوجه لحرٍّ أو برد) (^١).
(وَلَفُّ الْكُمِّ)؛ لقوله ﵇: «ولا أكفَّ شعرًا، ولا ثوبًا» متَّفقٌ عليه (^٢)، زاد في «الرِّعاية»: وتشميره، وفي «الوجيز»: وإرساله، ويُستثنى على كلامه بلا سبب.
(وَ) يُكره (شَدُّ الْوَسَطِ) بفتح السِّين (بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن التَّشبُّه بأهل الكتاب» رواه أبو داود (^٣).
وعنه: يكرَه لبس المنطقة، ونقل حرب: يكره شدُّ وسَطِه على القميص؛ لأنَّه من زِيِّ اليهود (^٤)، ولا بأس به على القباء، قال القاضي: لأنَّه من عادة المسلمين.
وعنه: لا (^٥) يكره، قال أحمد: أليس قد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يصلِّينَّ أحدكم إلاَّ وهو محتزم» (^٦)، زاد ابن تميم: إلاَّ أن يشدَّه لعمل الدُّنيا؛ فيُكرَه.
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٨٦.
(٢) وهو حديث ابن عباس السابق.
(٣) مراده كما في الشرح الكبير (٣/ ٢٥٢): ما أخرجه أحمد (٦٣٥٦)، وأبو داود (٦٣٥)، من طريق نافع عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ، أو قال: قال عمر ﵁: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب واحد فليتزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود»، ووقع في إسناده تردد من نافع في رفعه ووقفه، ووقفه سالم على ابن عمر، أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٢٢٠)، ورجح وقفه، وصححه مرفوعًا النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٣٨، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٥٨، صحيح أبي داود ٣/ ٢٠٠.
(٤) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٩٩، الفروع ٢/ ٥٨.
(٥) قوله: (لا) سقط من (أ) و(ب).
(٦) ينظر: المغني ١/ ٤١٩. والحديث: أخرجه أحمد (٩٩٠٩) وأبو داود (٣٣٦٩)، والبيهقي (٣٢٩٥)، ولفظه عند أبي داود: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم، وعن بيع النخل حتى تحرز من كل عارض، وأن يصلي الرجل بغير حزام»، وإسناده ضعيف فيه راوٍ مجهول.
[ ٢ / ٧٧ ]
وظاهره: أنَّه إذا شدَّه بمئزر أو حبل؛ أنَّه لا بأس به، وقاله أحمد، وذكره في «الكافي»، وقدَّم ابن تميم أنَّه يستحبُّ، نَصَّ عليه (^١)، وقد فعله ابن عمر (^٢).
ويُستثنى منه المرأة، فإنَّه يكره لها شدُّ وسطها مطلقًا.
(وَ) يُكره (إِسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ)؛ كالقميص والإزار والسَّراويل (خُيَلَاءَ)، ذكره في «الكافي»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» في (^٣) غير حرب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «من أسبلَ إزارَه في صلاتِه خيلاءَ؛ فليس من اللهِ في حلٍّ ولا حرام» رواه أبو داود من حديث ابن مسعود (^٤).
والمذهب كما ذكره في «المستوعب» و«الشَّرح»، وصحَّحه في «الفروع»: أنَّه حرام، وهو ظاهر كلام أحمد (^٥)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «من جرَّ ثوبَه خيلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليه» متَّفَقٌ عليه (^٦).
_________________
(١) في رواية أبي طالب. ينظر: المغني ١/ ٤١٩
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٥٠٨)، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان لا يصلي إلا وهو مؤتزر». وإسناده صحيح.
(٣) في (د): من.
(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي (٣٤٩)، ومن طريقه أبو داود (٦٣٧)، والبزار (١٨٨٤)، من طريق أبي عوانة، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، وأشار أبو داود والبزار إلى أن أبا عوانة تفرد برفعه، ورواه جماعة موقوفًا، وأخرج الموقوف الطبراني في المعجم الكبير (٩٣٦٨)، ولفظه: «المسبل إزاره في الصلاة ليس من الله ﷿ في حل ولا حرام»، وحسن إسناد الموقوف ابن حجر وقال: (ومثل هذا لا يقال بالرأي). ينظر: الفتح ١٠/ ٢٥٧، صحيح أبي داود ٣/ ٢٠٤.
(٥) قال الإمام أحمد: (لم أحدث عن فلان، كان سراويله شراك نعله، وقال: ما أسفل من الكعبين في النار، والسراويل بمنزلة الإزار، لا يجر شيئًا من ثيابه). ينظر: شرح العمدة ٢/ ٣٦٥.
(٦) أخرجه البخاري (٣٦٦٥)، ومسلم (٢٠٨٥)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٧٨ ]
والمراد في غير حرب بلا حاجة، نحو كونه حمش السَّاقين، ولم يرد التَّدليس على النِّساء.
ويكره فوق نصف ساقيه، نَصَّ عليه (^١).
وعلى الأصحِّ: تحت كعبه بلا حاجة. وعنه: ما تحتهما فهو في النَّار.
ويجوز للمرأة (^٢) زيادة إلى ذراع.
وقال جماعةٌ: ذيل نساء المدن في البيت كرجل.
ويسنُّ تطويل كمِّ الرَّجل إلى رؤوس أصابعه أو أكثر يسيرًا، وتوسيعها قصدًا، وقصر كمِّها، واختلف في سَعته.
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ١٤٦، شرح العمدة ٢/ ٣٧٣.
(٢) في (أ): للرجل.
[ ٢ / ٧٩ ]