قال صاحب «المشارق»: (السَّهو في الصَّلاة: النِّسيان فيها، وقيل: هو الغفلة) (^١).
وقيل: النِّسيانُ عدمُ ذِكْر ما قد كان مذكورًا، والسَّهوُ: ذُهولٌ وغفلةٌ عمَّا كان مذكورًا، وعمَّا لم يكن، فعلى هذا هو أعمُّ من النِّسيان.
ولا مِرْيةَ (^٢) في مشروعيَّةِ سجودِ السَّهوِ، قال الإمامُ أحمدُ: (يُحفَظ عن النَّبيِّ ﷺ خمسة أشياء: سلَّم (^٣) من اثنتَين فسجد، سلَّم من ثلاث فسجد، وفي الزِّيادة، والنُّقصان، قام (^٤) من اثنتين ولم يتشهَّد) (^٥).
قال (^٦) الخطَّابي: (المعتمَد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة) (^٧)؛ يعني حديثي (^٨) ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بُحَينةَ (^٩).
_________________
(١) ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢٢٩.
(٢) في (أ): مزية.
(٣) قوله: (خمسة أشياء: سلم) سقط من (أ).
(٤) كذا في النسخ، وفي المغني ٢/ ١٢: (وقام). فتكون خمسة.
(٥) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢١٧، مسائل ابن منصور ٢/ ٥٣٨، مسائل عبد الله ص ٨٧.
(٦) في (ب) و(ز) و(و): وقال.
(٧) ينظر: معالم السنن ١/ ٢٣٨.
(٨) في (أ): حديث.
(٩) فأما حديث ابن مسعود ﵁: فأخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢)، من طريق إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك»، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين». وأخرجاه مختصرًا بلفظ: صلى النبي ﷺ الظهر خمسًا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك» قالوا: صليت خمسًا، فثنى رجليه وسجد سجدتين. وظاهر سياق الحديث أنه حديث واحد، وكذا ظاهر صنيع شراح الحديث؛ كالنووي في شرح مسلم ٥/ ٦١، وابن رجب في الفتح ٩/ ٣٩٢، وابن حجر في الفتح ١/ ٥٠٤، و٣/ ٩٤، والعيني في عمدة القاري ٧/ ٣٠٥، والقسطلاني في إرشاد الساري ١/ ٤١٦، أنه حديث واحد، ولم نقف على حديثٍ آخر لابن مسعود ﵁ في السهو، ولم يظهر لنا مراد الخطابي بقوله: (حديثي ابن مسعود). وحديث أبي سعيد ﵁: أخرجه مسلم (٥٧١)، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان». وحديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩)، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس». وحديث ابن بحينة ﵁: أخرجه البخاري (١٢٢٤)، ومسلم (٥٧٠)، عن عبد الله ابن بحينة ﵁، أنه قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم».
[ ٢ / ٣٠٢ ]
(وَلَا يُشْرَعُ فِي الْعَمْدِ)، ذكره الأصحاب؛ لقوله ﵇: «إذا سها أحدُكم فليسجد» (^١)، فعلَّق السُّجود على السَّهو، ولأنَّه (^٢) شُرع جُبرانًا، والعامِد لا يُعذَر ولا ينجبر خلَلُ صلاته بسجوده، بخلاف السَّاهي، ولذلك أضيف السُّجود إلى السَّهو.
وقال ش (^٣): يسجد لترك القنوت، والتشهُّد، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ فيه؛ لأنَّ ما تعلَّق الجبر بسهوه؛ تعلَّق بعمده؛ كجُبران الحج.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة (١٠٥٥)، من حديث ابن مسعود ﵁، وأخرجه مسلم (٥٧٢)، بلفظ: «فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين».
(٢) في (أ): لأنَّه.
(٣) قوله: (ش) سقطت من (أ). وينظر: الحاوي ٢/ ١٨١، حلية العلماء ٢/ ١٤٣.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وجوابه: بأنَّه يَبطُل بزيادة ركن.
(وَيُشْرَعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَشَكٍّ)؛ لأنَّ الشَّرع إنَّما ورد به في ذلك، فدلَّ أنَّ حديث النَّفس لا يُشرع له سجودٌ؛ لعَدَم الاحتراز منه، وهو معفوٌّ عنه.
(لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ للأخبارِ الواردةِ فيه، ولأنَّها صلاة ذات ركوعٍ وسجودٍ، فشُرع لها السُّجود؛ كالفريضة.
ويُستثنَى منه: صلاة الجنازة؛ لأنَّه (^١) لا سجود (^٢) في صلبها، ففي جبرها (^٣) أَوْلى.
ولا في سجدةِ تلاوةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجبر (^٤) زائدًا على الأصل.
أو شُكرٍ، أو نَظَرٍ إلى شَيءٍ مُلْهٍ (^٥).
وعنه: يسجد في ذلك كلِّه، ذكره ابن تميم، قال ابن حمدان: استحبابًا.
ولا يسجد لسهوٍ في سجدتي السَّهو، نَصَّ عليه (^٦)، وهو إجماعٌ حكاه إسحاقُ (^٧)؛ لأنَّه يفضي إلى التَّسلسل، وكذا إن سها بعدهما قبل السَّلام.
وكثرةِ سهو، حتَّى يصير كوسواس، ذكره ابن أبي موسى.
(فَأَمَّا الزِّيَادَةُ)، هذا شُروعٌ في بيان تفصيل الأحوال الثَّلاثة وحكمها، ثمَّ هي تنقسِم إلى قسمين: زيادةُ أقوالٍ، وزيادةُ أفعالٍ.
وزيادة الأفعال قسمان:
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(د): لأنَّها.
(٢) في (ب): يسجد.
(٣) في (أ): جبرانها.
(٤) في (أ) و(د) و(ز): الجبران.
(٥) في (ب) و(ز): يلهي.
(٦) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ٢٥٤.
(٧) ينظر: المغني ٢/ ٣٥.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أحدهما: قوله: (فَمَتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ؛ قِيَامًا) أي: يقوم في موضع جلوس، (أَوْ قُعُودًا) أي: يقعُد في موضع قيامٍ، (أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (^١) إجماعًا، قاله في «الشَّرح»؛ لأنَّه بها (^٢) يُخلُّ بِنظْمِ الصَّلاة، ويُغيِّر هَيئتها، فلم تكن صلاةً، ولا فاعلُها مصلِّيًا.
(وَإِنْ كَانَ سَهْوًا؛ سَجَدَ لَهُ)، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «فإذا زادَ الرَّجل أو نقصَ في صلاته؛ فليسجُدْ سجدتَينِ» رواه مسلم (^٣)، ولأنَّ الزِّيادةَ سهوٌ، فيَدخُل (^٤) في قولِ الصَّحابيِّ: «سها رسولُ الله ﷺ فسجد»، بل هي نقصٌ في المعنى، يُشرَع لها السُّجودُ ليَنجَبِر النَّقصُ، لكن متى ذكر عاد إلى ترتيب الصَّلاة بغير تكبير.
قال جماعةٌ: إن زاد عُقَيب ركعةٍ جلوسًا يسيرًا، زاد جَمعٌ: بقدر جِلسة الاِستراحة؛ فهل يَسجُد لسهوه، ويُبطِل عمدُه؟ فيه وجهان.
وفي «التَّلخيص»: إن جلس عن قيام، ولم يتشهَّد، ثمَّ ذكر؛ سجد للسَّهو، قال القاضي: سواء كان بقدر جِلسة الاستراحة أو أطولَ؛ لأنَّ صفتها تخالف صفة الجلوس للتَّشهُّد.
وقياس المذهب: أنَّه إن كان يسيرًا لا يَسجُد؛ لأنَّه لا يُبطِل عمدُه الصَّلاةَ، ولا وجه لما ذكره القاضي إلاَّ إذا قلنا: تُجبَرُ الهيئاتُ بالسُّجود، ولهذا علَّل بتغاير القُعودَين في الكيفيَّة.
وقيل: إن قام إلى خامسةٍ في رباعيَّةٍ؛ عاد فسلَّم، وبطل فرضُه، وتصير نفلًا. وفيه نَظَرٌ.
_________________
(١) في (ز): الصَّلاة.
(٢) قوله: (بها) سقط من (أ).
(٣) أخرجه مسلم (٥٧٢).
(٤) في (و): فتدخل.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
مسألة: إذا رفَع رأسَه من السُّجود يَجلِس للاستراحة، وكان موضعُ جلوسه للفصل أو التشهُّد، ثمَّ ذكر؛ أتى بذلك، ولا سجود عليه.
ولو جلس للتَّشهُّد قبل السُّجود؛ سجد لذلك، وإن جلس للفصل يظنُّه التَّشهُّد وطوَّله؛ لم يَجِبِ السُّجودُ.
ولو نوى القصرَ فأتمَّ سهوًا؛ ففرضُه الرَّكعتان، ويسجد للسَّهو.
وإن قام أو سجد فيها إكرامًا لإنسانٍ؛ بطلت.
(وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً)؛ كخامسةٍ في الرُّباعيَّة، أو رابِعةٍ في المغرب، أو ثالثةٍ في الفجر، (فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؛ سَجَدَ لَهَا)؛ لما روى ابنُ مسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى خمسًا، فلمَّا انفَتَل قالوا: إنَّك صلَّيتَ خمسًا فانفتلَ، ثمَّ سجدَ سجدتَين، ثمَّ سلَّم» متَّفَقٌ عليه، وفي روايةٍ قال: «إنَّما أنا بشرٌ أنسى كما تَنسَون، فإذا نسيَ أحدُكم فليسجُدْ سجْدتي السَّهو» رواه مسلم (^١).
(وَإِنْ عَلِمَ) بالزِّيادة (فِيهَا) أي: في الرَّكعة؛ (جَلَسَ فِي الْحَالِ) بغير تكبير، نَصَّ عليه (^٢)؛ لأنَّه لو لم يَجلِسْ لزاد في الصَّلاة عمدًا، وذلك مُبطِلٌ لها، (فَتَشَهَّدَ (^٣) إِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ)؛ لأنَّه ركنٌ لم يأتِ به، (وَسَجَدَ) للسَّهو؛ لقوله ﵇: «من زادَ أو نقصَ؛ فليَسجُدْ سجدتَينِ» (^٤)، (وَسَلَّمَ) لتَكمُل صلاته.
وظاهِرُه: أنَّه إذا كان قد تشهَّد؛ فإنَّه يسجد ويسلِّم.
وفي «الشَّرح» وغيره: إن كان تشهَّد، ولم يصلِّ على النَّبيِّ ﷺ؛ صلَّى عليه، ثمَّ سجد للسَّهو، ثمَّ سلَّم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٤)، ومسلم (٥٧٢).
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٥٤، وليس فيه: بغير تكبير.
(٣) في (أ) و(د): وتشهد.
(٤) أخرجه مسلم (٥٧٢).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
تنبيه: إذا قام إلى ثالثةٍ نهارًا، وقد نوى ركعتين نفلًا؛ رجع إن شاء، وسجد للسَّهو، وله أن يُتِمَّها أربعًا، ذكره في «الشَّرح»، ولا يَسجُد، وهو أفضلُ.
وإن كان ليلًا؛ فكما (^١) لو قام إلى ثالثةٍ في الفجر، نَصَّ عليه (^٢)؛ لأنَّها صلاة شُرعت ركعتَين أشبهت الفجرَ.
(وَإِنْ سَبَّحَ)، وفي «الفروع»: (نبَّه)، وهو أَولى؛ لشموله، (اثْنَانِ (^٣) ثِقَتانِ فأكثرُ، ويلزمهم تنبيهه، وذكر صاحب «النَّظم» احتمالًا في الفاسق كأذانه، وفيه نظَرٌ، وفي المميِّز خلافٌ؛ (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) إليهما، وظاهره: سواء سبَّحا به إلى زيادةٍ (^٤) أو نُقصانٍ، وسواء قلنا: يعمل بغلبة ظنِّه أوْ لا، وسواء غلب على ظنِّه صوابُهما أو خطؤهما، نَصَّ عليه (^٥)؛ لأنَّه ﵇ رجع إلى قول أبي بكرٍ وعمرَ، وأمر ﵇ بتذكيره (^٦).
وعنه: يستحَبُّ، ذكرها القاضي، وعليها يعمل بيقينه أو التَّحرِّي، لا أنَّه لا يرجع.
وظاهره: أنَّه لا يرجع إلى ثقة، نَصَّ عليه (^٧)؛ لأنَّه ﵇ لم يرجِع إلى قول ذي اليدين (^٨) وحده.
_________________
(١) في (و): فهو كما.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٨٧.
(٣) في (ب) و(د) و(ز): به اثنان.
(٤) في (و): لزيادة.
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ٧٥.
(٦) في قصة ذي اليدين: أخرجها البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣).
(٧) ينظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ٧٥.
(٨) كتب على هامش الأصل: (ذو اليدين هو ذو الشمالين، اسمه: الخرباق بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي). وحديث ذي اليدين في سجود السهو أخرجه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقيل: يرجع إليه في زيادة، لا مطلقًا.
واختار أبو محمَّد الجوزي: يرجع إلى واحد يظنُّ صدقَه.
قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ ما ذكره الشَّيخُ: إن ظنَّ صدقه عمل بظنِّه، لا بتسبيحه، لكن أطلق أحمد أنَّه لا يرجع إليه (^١).
وظاهر ما ذكروه: أنَّ المرأة كالرَّجل في هذا، وإلاَّ لم يكن في تنبيهها فائدةٌ، ولَمَا كُرِه تنبيهُها بالتَّسبيح ونحوه.
وظاهره: أنَّه يلزمه الرُّجوع إليهما ولو تيقَّن صوابَ نفسه، وهو قول أبي الخطَّاب، وذكره الحُلْواني روايةً؛ كالحاكم يحكم بالشاهدين ويترك يقين نفسه.
والمذهب: أنَّه لا يلزمه الرُّجوع إليهما حينئذٍ؛ لأنَّ قولهما إنَّما يفيد الظَّنَّ، واليقين مقدَّمٌ عليه.
وأجاب في «المغني» و«الشَّرح»: بأنَّه علِم خطأهما، فلا يرجع إليهما فيه، وكذا نقول في الشَّاهدين: متى علم الحاكم كذبهما أو غلطهما؛ لم يجز الحكم بشهادتهما، ولا أظنُّ أبا الخطَّاب يمنع من ذلك.
ومراده ما قاله القاضي: يترك الإمام اليقين، ومراده الأصل، قال: كالحاكم (^٢) يرجع إلى الشُّهود، ويترك الأصلَ واليقين، وهو براءةُ الذِّمم، وكذا شهادتهما برؤية الهلال يرجع إليهما ويترك الأصل واليقين، وهو بقاءُ الشَّهر.
فرع: إذا اختَلَف الجماعةُ عليه؛ سقط قولهم؛ كالبيِّنتَين إذا تعارضتا، ويعمل بغلبة ظنِّه.
_________________
(١) قوله: (إليه) سقط من (أ) و(ب) و(د).
(٢) في (ز): فالحاكم.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وفي وجه - وذكر (^١) في «الوسيلة» أنَّه أشبه بالمذهب -: أنَّه يَرجِع إلى مَنْ وافقه.
وقال ابن حامد: يرجع إلى قول من أثبت الخطأ.
ويرجع منفردًا إلى ثقتين (^٢)، وقيل: لا؛ لأنَّ من في الصَّلاة أشدُّ تحفُّظًا.
قال القاضي: والأوَّل أشبه بكلام أحمد في الطَّواف (^٣).
(فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) الإمامُ في موضع يَلزَمه الرُّجوع؛ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) نَصَّ عليه (^٤)، وجزم به الأصحابُ؛ لأنَّه ترك الواجب عمدًا، (وَصَلَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ عَالِمًا) على الأصحِّ فيهما؛ لأنَّه اقتدى بمن يَعلم بطلانَ صلاته؛ كما لو اقتدى بمن يَعلمُ حدثَه.
(فَإِنْ فَارَقَهُ) وسلَّم؛ صحَّت صلاتُه في أصحِّ الرِّوايات، واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه فارقه لعذر، أشبه من فارق إمامَه إذا سبقه الحدث.
وعنه: ينتظره ليسلِّم معه وجوبًا.
وعنه: استحبابًا.
وعنه: يجب متابعتُه فيها (^٥).
وعنه: يخير (^٦) المأموم في انتظاره أو اتِّباعه.
_________________
(١) زاد في (أ) و(ب): ابن تميم.
(٢) في (أ) و(ز): تبيين.
(٣) قال في الفروع ٢/ ٣١٩: (لقوله في رجل قال: طفنا سبعًا، وقال الآخر: ستًّا، فقال: لو كانوا ثلاثة فقال اثنان: سبعًا، وقال الآخر: ستًّا؛ قُبِلَ قولهما؛ لأن النبي ﷺ قبل قول القوم). وهي من رواية أبي طالب كما في الكشاف ٢/ ٤٧١.
(٤) ينظر: المغني ٢/ ١٦.
(٥) كتب على هامش (و): (قوله: "وعنه: يجب متابعته فيها"، وجه الرواية: احتمال أنَّه ترك ركنًا قبل ذلك، فلا يترك يقين المتابعة بالشك).
(٦) في (ب) و(و): يخير.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وعنه: تبطل في الكلِّ، ومعنى الإبطال: أنَّها تخرج أن تكون فرضًا، بل يُسلِّم عقب (^١) الرَّابعة، وتكون (^٢) لهم نفلًا، ذكره في «الفصول» عن الأصحاب.
(أَوْ كَانَ) متَّبِعه (جَاهِلًا) وساهيًا (^٣)؛ (لَمْ تَبْطُلْ) على الأصحِّ؛ لأنَّ الصَّحابة تابعوا النَّبيَّ ﷺ في الخامسة في حديث ابن مسعود (^٤)، ولم تَبطُل صلاتُهم، وتابعوه أيضًا في حديث ذي اليدَين، ولم يأمرهم بالإعادة.
تنبيهٌ: إذا أدركه مسبوقٌ فيها؛ انعقدت صلاته، واعتدَّ بها، قدَّمه ابن تميم، وقاله القاضي، بناءً على اقتداء المفترِض بالمتنفِّل.
والمذهبُ المنصوصُ عليه: أنَّه لا يعتدُّ بها؛ لأنَّها سهوٌ وغلطٌ.
وعنه: الوقفُ، نقلها أبو الحارث (^٥).
والأوَّل نصره المؤلِّف، وهذا إذا لم يَعلَم بأنَّها زائدة، فإن علم؛ لم يدخل معه مفترِض، وكذا لا يدخل معه في سجود سهو بعد السَّلام على الأصحِّ.
(وَالْعَمَلُ المُسْتَكْثَرُ فِي الْعَادَةِ)، هذا شُروعٌ في بيان القسم الثَّاني من (^٦) زيادة الأفعال، (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ) لغير حاجةٍ؛ كالمشي والتروُّح ونحوهما، (يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ)؛ لما فيه من قطع الموالاة بين الأركان، ما لم يكن ضرورة، (وَلَا تَبْطُلُ بِالْيَسِيرِ)؛ كحَمْل أُمامةَ، وفتْحِ الباب لعائشةَ (^٧).
وقد عُلم منه: أنَّ المرجع فيهما إلى العُرْف، وذكره في «المستوعب» و«الشَّرح».
_________________
(١) في (ب) و(و): عقيب.
(٢) في (ب) و(و): ويكون.
(٣) في (أ): أو ساهيًا.
(٤) أخرجه البخاري (٤٠٤)، ومسلم (٥٧٢).
(٥) ينظر: المغني ٢/ ١٦.
(٦) في (أ): في.
(٧) سبق تخريجه ٢/ ٢٦٨ حاشية (٣).
[ ٢ / ٣١٠ ]
(وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ (^١)؛ لعدم سجوده ﵇ له.
(وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ)؛ لأنَّه عمَلٌ من غير جنس الصَّلاة، فاستوى كثيرُه وقليلُه؛ كالجماع.
وظاهره: لا فرق بين الفرض والنَّفل، وهو إجماع من يُحفَظ عنه في الفرض (^٢)؛ لأنَّهما ينافيان الصَّلاة، إلاَّ ما حكاه في «الرِّعاية» قولًا: أنَّها لا تَبطُل بيسير شربٍ، لكنَّه غير معروفٍ.
وكذا النَّفل، قدَّمه جماعةٌ، وذكر في «الشَّرح»: أنَّه الصَّحيح من المذهب، وبه قال أكثرهم؛ لأنَّ ما أبطل الفرضَ أبطل النَّفلَ؛ كسائر المبطلات.
وعنه: لا، إذا كان يسيرًا؛ كغيرهما.
وعنه: لا تَبطُل بالشُّرب فقط؛ لما رُوي: «أنَّ ابن الزَّبير وسعيد بن جُبَيرٍ شرِبا في التَّطوُّع» (^٣).
قال الخلاَّل: سهَّل أبو عبد الله في ذلك (^٤)، وذكر ابن هُبَيرة: أنَّه المشهورُ عنه؛ لأنَّ مدَّ النَّفلِ وإطالتَه مستحبَّةٌ مطلوبةٌ، فيَحتاج معه كثيرًا إلى جُرعة ماءٍ لدفع العطش، كما سومح به جالسًا، وعلى الرَّاحلة.
(وَإِنْ كَانَ) الأكلُ أو الشربُ (سَهْوًا) أو جهلًا، ولم يذكرْه جماعةٌ؛ (لَمْ تَبْطُلْ إِذَا كَانَ يَسِيرًا) (^٥)، كذا ذكره معظم الأصحاب؛ لأنَّ تركهما عمادُ
_________________
(١) في (ب) و(ز): السُّجود.
(٢) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٤٨، الإجماع لابن المنذر ص ٣٩.
(٣) أثر ابن الزبير: أخرجه صالح في مسائله (١٠٥٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٩٠)، عن الحكم قال: «رأيت عبد الله بن الزبير يشرب وهو في الصلاة»، وإسناده صحيح. وأثر ابن جبير: أخرجه عبد الرزاق (٣٥٨٢).
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٤٢.
(٥) زاد في (أ) و(د): (هـ). وينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٥٩، البحر الرائق ٢/ ١٢.
[ ٢ / ٣١١ ]
الصَّوم، وركنُه الأصليُّ، وفواتُه اقتِضاءٌ لإبطاله من إبطاله (^١) الصَّلاة، فإذا لم يؤثِّر فيه حالة السهو؛ فالصَّلاة أَولى، وكالسَّلام.
قال في «الكافي»: (فعلى هذا يَسجُد؛ لأنَّه يُبطِل الصَّلاةَ بعمده، وعُفي عن سهوه، فيسجد له كجنس الصَّلاة).
وعنه: تَبطُل (^٢) به، وهو قول الأوزاعي، وقدَّمه في «الكافي»؛ لأنَّه من غير جنس الصَّلاة، فاستوى سهوُه وعمدُه، كالكثير.
وقيل: تَبطُل بالأكل فقط.
وظاهِرُه: أنَّها تَبطُل به إذا كان كثيرًا بغير خلاف، قاله في «الشَّرح»؛ لأنَّ غيرهما يُبطِلُها إذا كثُر، فهما أولى.
وقيل: الفرض وحدَه، قاله في «الرِّعاية».
والمذهبُ: أنَّها لا تَبطُل بيسير شُرْبٍ عُرفًا في نفل، ولو عمدًا (^٣).
وظاهر ما في «المستوعب» و«التَّلخيص»: أنَّ الفرض والنَّفل لا يَبطُل بكثير ذلك سهوًا.
تنبيه: إذا ترك بفيه سُكَّرًا ونحوَه، وبلع ما ذاب؛ فهو كالأكل، وكما لو فتح فاه فنزل فيه ماء المطر فابتلعه. وقيل: لا تبطل فيهما.
وإن بَقِيَ بين أسنانه بقيَّة طعام يجري به ريقه فبلعه، أو ازدَرَدَه بلا مَضْغٍ، أو ترك بِفمِه لُقْمةً لم يَمضغها ولم يبتلعْها؛ لم تَبطُل؛ للمشقَّة، ولأنَّه عمل يسيرٌ، لكنه يكره، ذكره جمعٌ؛ لأنَّه يَشغَله عن خشوع الصَّلاة.
_________________
(١) قوله: (من إبطاله) سقط من (أ) و(ب) و(د).
(٢) في (و): يبطل.
(٣) كتب على هامش (و): (قوله: "والمذهب أنها لا تبطل بيسير شرب عرفًا في نفل ولو عمدًا" قد قدم الخلاف في هذا، والذي صحح في المغني والشرح: تبطل بذلك ولو يسيرًا إذا كان عمدًا، قال في الكافي: هذا أولى، وجزم به في المنور، وقال في الشرح: وهو قول أكثر الفقهاء).
[ ٢ / ٣١٢ ]
فإن لاكَها؛ فهو كالعمل؛ إن كثُر بطَل (^١)، وإلاَّ فلا، ذكره في «الكافي» و«الرِّعاية»، وقال في «الرَّوضة»: ما أمكن إزالتُه بطلت بابتلاعه.
(وَإِنْ أَتَى)، شرع في بيان زيادة الأقوال، وهي قسمان:
أحدهما: ما يُبطل عمدُه الصَّلاةَ؛ كالسَّلامِ وكلامِ الآدميين، وسيأتي.
والثاني: ما لا يبطلها مطلقًا، وهو المراد بقوله: (بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) عمْدًا، سوى السَّلام، قاله في «الوجيز» و«الفروع»، وهو مرادُ من أَطلَق؛ (كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لَمْ تَبْطُلْ (^٢) بِهِ) نَصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه مشروعٌ في الصَّلاة في الجملة.
وقيل: تَبطُل به، ذكره ابن الجَوزي في «مسبوكه»، وقاله ابن حامد وأبو الفرَج في قراءته راكعًا أو ساجدًا، فعلى هذا؛ يجب السُّجود لسهوه.
(وَ) على الأوَّل: (لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ)؛ كسائر ما لا يُبطِل عمدُه (^٤) الصَّلاةَ، (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يُشرع، صحَّحه (^٥) في «الوسيلة» و«الرِّعاية» و«الفروع»، ونصره جماعةٌ، فعلى هذا هو مستحَبٌّ، وجزم به في «الوجيز»؛ لعموم قوله ﵇: «إذا نسيَ أحدُكم؛ فليَسجُدْ سجدتَينِ» (^٦).
والثَّانية: لا يُشرع، قدَّمها في «المغني»؛ لأنَّها لا تَبطُل بعمده، فلم يشرع السُّجود لسهوه؛ كترك سنن الأفعال.
_________________
(١) في (ب) و(د) و(و): بطلت.
(٢) زيد في (ب): صلاته، وفي (ز): الصَّلاة.
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٤٦.
(٤) في (ز): عمد.
(٥) في (ب) و(د): صححها.
(٦) أخرجه البخاري (٤٠٤)، ومسلم (٥٧٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وظاهِرُه: أنَّه إذا أتى بذكر أو دعاء متعمِّدًا؛ لم يَرِد الشَّرعُ به فيها؛ كقول: آمين ربَّ العالمين، وفي التَّكبير: الله أكبر كبيرًا، أنَّه لا يُشرع له سجود (^١)، وجزم به في «المغني» و«الشَّرح»؛ لأنَّه رُوي: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع رجلًا يقول فيها: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويَرضَى، فلم يأمرْه بالسُّجود» (^٢).
وفيه وجْهٌ: أنَّها تَبطُل به، ذكره ابن الجَوزيِّ. وفيه بُعدٌ.
(وَإِنْ (^٣) سَلَّمَ قَبْلَ إِتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا؛ أَبْطَلَهَا)؛ لأنَّه تكلَّم فيها، والباقي منها إمَّا ركنٌ أو واجبٌ، وكلاهما تَبطُل الصَّلاةُ بتركه عمدًا.
(وَإِنْ كَانَ) السَّلامُ (سَهْوًا)؛ لم تَبطُل به روايةً واحدةً، قاله في «المغني»؛ لأنَّه ﵇ هو وأصحابُه فعلوه، وبنَوا على صلاتهم (^٤)؛ لأنَّ جنسَه مشروعٌ فيها، أشبه الزِّيادة فيها من جنسها.
(ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا؛ أَتَمَّهَا)، زاد غيرُ واحدٍ: وإن انحرف عن القبلة أو خرج من المسجد، نَصَّ عليه (^٥)، (وَسَجَدَ)؛ لما رَوى ابنُ سِيرِينَ عن أبي هريرة قال: «صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيِّ - قال ابن سيرين: قد سمَّاها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا - فصلَّى بنا ركعتين، ثمَّ سلَّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها كأنَّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبَّك بين أصابعه، ووضع خدَّه الأيمن على ظهر كفِّه اليسرى، وخرجت السَّرَعانُ من أبواب المسجد، فقالوا: قُصرت الصَّلاة، وفي القوم
_________________
(١) في (ب) و(ز): السُّجود.
(٢) أخرجه البخاري (٧٩٩)، من حديث رفاعة بن رافع الزرقي ﵁، ومسلم (٦٠٠) من حديث أنس ﵁.
(٣) في (و): فإن.
(٤) مراده حديث ذي اليدين وسيأتي ذكره قريبًا.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٩٠.
[ ٢ / ٣١٤ ]
أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلِّماه، وفي القومرجل في يده (^١) طُولٌ، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أم قُصِرت الصَّلاةُ؟ فقال: لم أنسَ، ولم تُقصَر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدَّم فصلَّى ما ترك، ثمَّ سلَّم، ثمَّ كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمَّ رفع رأسه (^٢) وكبَّر، فربَّما سألوه: ثمَّ سلَّم؟ فيقول: نُبِّئتُ أنَّ عمران بن حصين قال: ثمَّ سلَّم» متَّفق عليه، ولفظُه للبخاري (^٣).
لكن إن لم يذكر حتَّى قام؛ فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه عن جلوس؛ لأنَّ هذا القيام واجب للصَّلاة، فلزمه الإتيان به مع النِّيَّة.
وشرط الإتمام: استمرار الطَّهارة، فلو أحدث استأنفها.
(فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ)؛ بطَلت في قول الجمهور؛ لأنَّها صلاةٌ واحدةٌ، فلم يَجُز بناءُ بعضها على بعض مع طول الفصل، ولتعذُّر البناء معه.
ويُرجَعُ فيه إلى العُرف، قال في «المغني» و«الشرح»: (والمقاربة لمثل حاله ﵇ في خبر ذي اليدين؛ إذ لم يَرِدْ بتحديده نصٌّ).
وقيل: قدر ركعةٍ طويلةٍ، قاله القاضي في «الجامع».
وقيل: قدر الصَّلاة التي هو فيها.
وقيل: ما دام في المسجد؛ لأنَّه محلٌّ للصَّلاة.
تنبيه: إذا لم يذكر المتروك حتَّى شرع في صلاة غيرها: فإن طال الفصل؛ بطَلت، وإن لم يطل؛ عاد إلى الأولى وأتمَّها.
وعنه: يستأنفها، اقتصر عليه في «الكافي»؛ لتضمُّن عمله قطع نيَّتها.
وعنه: يستأنفها إن كان ما شرع فيه نفلًا.
_________________
(١) في (و): يديه.
(٢) زيد في (ز) و(و): فكبر ثم رفع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه.
(٣) حديث ذي اليدين في سجود السهو أخرجه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وذكر في «المبهِج»: يُكمِّل الأولى من الثَّانية، نفلًا كانت أو فرضًا؛ لأنَّه سهوٌ معذورٌ فيه.
وفي «الفصول»: فيما إذا كانت صلاتَي جمعٍ أتمَّها (^١)، ثمَّ سجد عقيبها للسَّهو عن الأولى؛ لأنَّهما كصلاة واحدة، ولم يخرج من المسجد.
والأوَّل المذهب؛ لأنَّه عمل عملًا من جنس الصَّلاة سهوًا، فلم تَبطُل، كما لو زاد ركعة.
وأمَّا إتمام الأولى بالثَّانية؛ فلا يصحُّ؛ لأنَّه قد خرج من الأولى بالسَّلام ونيَّةِ الخروج منها، ولم ينوها بعد ذلك، ونيَّة غيرها لا تجزئ عن نيَّتها؛ كحالة (^٢) الابتداء.
(أَوْ تَكَلَّمَ) في هذه الحال؛ أي: إذا سلَّم (^٣) يظنُّ أنَّ صلاته قد تمَّت، (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ)؛ كقوله: يا غلامُ اسقني ماءً، ونحوه؛ (بَطَلَتْ)، نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ (^٤)، وهو المذهب؛ لما رَوى مُعاويةُ بن الحَكَم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ صلاتَنا هذه لا يَصلُح فيها شيءٌ من كلام النَّاس» رواه مسلم وأبو داود، وقال: «لا يَحلُّ» مكان «لا يصلح» (^٥).
وعنه (^٦): لا تَفسُد بالكلام في هذه الحال؛ لأنَّه نوع من النِّسيان، أشبه المتكلِّم جاهلًا.
وأطلق جمعٌ الخلاف.
(وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا؛ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ):
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ز): أتمَّهما.
(٢) في (ز): حالة.
(٣) في (ز): تكلم.
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٧٨، مسائل صالح ٢/ ٤٧٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٦٢٢.
(٥) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠).
(٦) كتب على هامش (و): (أقول: وبهذه الرواية قال مالك والشافعي).
[ ٢ / ٣١٦ ]
(إِحْدَاهُنَّ: تَبْطُلُ) مُطلَقًا، اختارها الخلاَّل وصاحبُه، وقدَّمها في «المحرَّر» و«الرِّعاية»، وصحَّحها جماعةٌ، وهي اختيارُ أكثرِ الأصحاب؛ لما رَوى زيدُ ابنُ أرقمَ قال: «كنَّا نتكلَّم في الصَّلاة، يكلِّم الرَّجل منَّا صاحبَه، وهو إلى جنبه في الصَّلاة، حتَّى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسُّكوت، ونهينا عن الكلام» متَّفق عليه، وللتِّرمذيِّ فيه: «كنَّا نتكلَّم خَلْف رسول الله ﷺ في الصَّلاة» (^١)، وزَيدٌ مدَنيٌّ، وهو يدلُّ على أنَّ نسخَ الكلام كان بالمدينة، ويعضُده حديثُ معاويةَ (^٢).
(وَالثَّانِيَةُ: لَا تَبْطُلُ) مطلقًا، نَصَّ عليه في رواية جماعة (^٣)، وقدَّمه ابن تميم، وذكر المؤلِّف أنَّه الأَولى، وصحَّحه في «الشَّرح» (^٤)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلَّموا، وبنَوا على صلاتهم».
فعلى هذا: إن أمكنه استِصلاحُ الصَّلاة بإشارةٍ ونحوها، فتكلَّم؛ فذكر في «المذهب» وغيره: أنَّها تبطُل.
وعنه: إن تكلَّم لمصلحتها سهوًا؛ لم تَبطُل، وإلاَّ بطَلت، قال في «المحرَّر»: وهو أصحُّ عندي؛ لأنَّ النَّهيَ عامٌّ، وإنَّما ورد في حال السَّهو فيختصُّ به، ويبقى في غيره على الأصل.
(وَالثَّالِثَةُ: تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ)؛ لأنَّه لا يمكنه التَّأسِّي بالخليفَتين، فإنَّهما كانا مجِيبَين للنَّبيِّ ﷺ، وإجابتُه واجبةٌ بالنَّصِّ (^٥)، ولا بذي اليدين؛ لأنَّه تكلَّم
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩)، والترمذي (٤٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁، ولفظه: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ١٠١، مسائل أبي داود ص ٧٨، مسائل صالح ٢/ ٤٧٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٦٢٢.
(٤) زاد في (أ) و(د) و(و) و(ز): (وهو ظاهر «الوجيز»)، وقد ضُرب عليها في الأصل.
(٥) قوله: (بالنص) سقط من (و). وكتب على هامش (و): (قلت: بل يمكنه التَّأسِّي بالسرعان الذين قالوا: قصرت الصَّلاة، فلم يأمرهم ﵇ بالإعادة).
[ ٢ / ٣١٧ ]
سائلًا عن قَصْر الصَّلاة في وقت يمكن ذلك فيه، فعذر (^١)، بخلاف غيره، (دُونَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ)؛ لأنَّ له أسوةً بالنَّبيِّ ﷺ؛ فإنَّه كان إمامًا وتكلَّم وبنى على صلاته، فعلى هذه: المنفرِدُ كالمأموم، ذكره في «الرِّعاية»، وهو ظاهر «المحرَّر».
وظاهره: أنَّ الخلاف جارٍ بمن ظنَّ تمام صلاته، فسلَّم ثمَّ تكلَّم، واختاره جمعٌ.
وقال القاضي والمجْد: هو على الإطلاق، وصحَّحه ابن تميم، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ الكلام هنا قد يكون أشدَّ؛ كإمامٍ نسي القراءة ونحوها، فإنَّه يحتاج أن يأتي بركعة، فلا بدَّ له (^٢) من إعلام المأموم.
والكلامُ غيرُ المبطل: ما كان يسيرًا، فإن كثر وطال؛ أبطل، اختاره الشَّيخانِ، والقاضي زاعمًا أنَّه روايةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الأحاديث المانِعة من الكلام عامَّة، تُركت في اليسير؛ للأخبار، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم.
وقيل: لا تَبطُل، وهو ظاهر كلامه، واختاره القاضي في «الجامع الكبير»؛ لأنَّ ما عُفي عنه بالنِّسيان استوى قليلُه وكثيرُه (^٣)؛ كالأكل في الصَّوم.
مسألة: لا بأس بالسَّلام على المصلِّي، نَصَّ عليه (^٤)، وفعله ابن عمر (^٥)؛
_________________
(١) في (أ) و(ز): يعذر.
(٢) قوله: (له) سقط من (أ).
(٣) في (و): وكبيره.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٢٤.
(٥) أخرجه مالك (١/ ١٦٨)، وعبد الرزاق (٣٥٩٥)، وابن أبي شيبة (٤٨١٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٤٠٤)، عن نافع: أن عبد الله بن عمر مرَّ على رجل وهو يصلي، فسلَّم عليه، فردَّ الرجل كلامًا، فرجع إليه عبد الله بن عمر فقال له: «إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي؛ فلا يتكلم، ولْيُشِرْ بيده»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٣١٨ ]
لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النُّور: ٦١]؛ أي: على أهل دينكم.
وعنه: يُكرَه، وهي (^١) قول ابن عقيل، وقدَّمها في «الرِّعاية»، وقاله الشَّعبيُّ وعطاءٌ وأبو مِجْلَزٍ؛ لأنَّه ربَّما غلِط فردَّ بالكلام.
وعنه: يُكره في فرض.
وقيل: لا يكره إن عرف كيفيَّة الرَّدِّ، وإن كثر ذلك عرفًا بلا ضرورة.
فإن ردَّه لفظًا؛ بطلت؛ لأنَّه كلام آدمي أشبه تشميت العاطس.
ويردُّه إشارةً لفعله ﵇، رواه أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه (^٢)، ولا يجب في الأصحِّ.
وعنه: يكره، وعنه: في فرض.
ولا يردُّه في نفسه، بل يستحبُّ بعدها؛ لردِّه (^٣) ﵇ على ابن مسعود بعد السَّلام (^٤).
ولو صافح إنسانًا يريد السَّلام عليه؛ لم تبطل.
_________________
(١) في (ب) و(ز): وهو.
(٢) أخرجه أبو داود (٩٢٧)، والترمذي (٣٦٨)، من طريق هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: «كان يشير بيده»، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه ابن الجارود وابن حبان والألباني. ينظر: صحيح أبي داود ٤/ ٨٣.
(٣) في (ز): كرده.
(٤) أخرجه أحمد (٣٥٧٥)، وأبو داود (٩٢٤)، والنسائي (١٢٢٠)، وابن حبان (٢٢٤٣)، قال النووي: (إسناده حسن)، وصححه الألباني، وأصله عند البخاري (١٢١٦)، ومسلم (٥٣٨). ينظر: المجموع للنووي ٤/ ١٠٤، صحيح أبي داود ٤/ ٧٩.
[ ٢ / ٣١٩ ]
(وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ؛ بَطَلَتْ)، اعلم أنَّ الكلام فيها ينقسم إلى أقسام:
أحدها: أن يتكلَّم عمدًا عالِمًا أنَّه فيها، مع علمه بتحريم ذلك، لغير مصلحة الصَّلاة، ولا لأمر يوجب ذلك؛ بطلت إجماعًا، حكاه ابن المنذر (^١)؛ لما روى ابن مسعود قال: كنَّا نسلِّم على النَّبيِّ ﷺ وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا، ثمَّ قال: «إن في الصَّلاة لشُغلًا» متَّفق عليه، وفي لفظ لأبي داود قال: فلمَّا قضى رسولُ الله ﷺ الصَّلاة؛ قال: «إنَّ الله يحدث (^٢) من (^٣) أمره ما يشاء، وإنَّ الله قد أحدَث أن لا تَكلَّموا فيها» (^٤).
وأبعد في «الرِّعاية»، فحكى قولًا: أنَّها لا تَبطُل بكلامٍ يسيرٍ.
والثَّاني: أن يتكلَّم ساهيًا، وهو مُبطِلٌ لها في قول الأكثر؛ للعموم.
(وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ إِذَا كَانَ سَاهِيًا)، قدَّمه أبو الحسين وابن تميم، ونصره في «التَّحقيق»، ولا فرق بين أن يتكلَّم ساهيًا أنَّه في صلاة أو يَظنَّ أنَّ صلاته قد تمَّت فيسلِّم ويتكلَّم (^٥).
(أَوْ جَاهِلًا)، ذكره المؤلِّف وصاحب «التَّلخيص»؛ لأنَّه ﵇ لم يأمُر معاويةَ حين شمَّت العاطس جَهْلًا بتحريمه بالإعادة، والسَّاهي مثلُه؛ لأنَّ ما عُذر فيه بالجهل عُذر فيه بالنِّسيان.
وظاهِرُه: أنَّه لا فرْقَ بين الجاهل بتحريم الكلام (^٦) أو الإبطال به.
قال القاضي في «الجامع»: لا أعرف عن أحمدَ نصًّا في الجاهل بتحريم
_________________
(١) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٣٤.
(٢) قوله: (يحدث) سقط من (أ) و(ب) و(ز).
(٣) قوله: (من) هو في (ب) و(ز): يحدث في.
(٤) أخرجه البخاري (١٢١٦)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود (٩٢٤).
(٥) في (أ) و(و): وتكلم.
(٦) قوله: (بتحريم الكلام) سقط من (أ).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
الكلام (^١)، وألْحَق بعضُ أصحابنا الحديثَ العهدِ بالإسلام به.
وفيه وجْهٌ: لا تَبطُل بحال، ذكره في «المغني» احتمالًا؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ أعرابيًّا قال وهو في الصَّلاة: اللَّهمَّ ارحمني ومحمَّدًا، ولا ترحَمْ معنا أحدًا»، فلم يأمرْه النَّبيُّ ﷺ بالإعادة، رواه البخاري (^٢).
ثمَّ قال: والأَولى أن يُخرَّج هذا على الرِّوايتين في النَّاسي؛ لأنَّه معذورٌ بمثله.
الثَّالث (^٣): أن يتكلَّم جاهلًا، وقد ذُكِر.
(وَيَسْجُدُ لَهُ)؛ لعموم الأحاديث، ولأنَّ عمدَه يُبطِلُها، فوجب السُّجود لسهوه؛ كترك الواجبات.
لا يقال: لم يؤمر معاوية بالسُّجود فكيف يسجد؛ لأنَّه كان مأمومًا، والإمام يتحمَّل عنه سهوه.
الرَّابع: أن يتكلَّم مغلوبًا عليه، وهو أنواع:
أحدُها: أن تخرج الحروف بغير اختيارِه؛ كما لو غلبه سُعال أو عُطاس أو تَثاؤبٌ، فبان حرفان، أو سبق لسانه حال قراءته إلى كلمة أخرى غير القرآن؛ لم تبطل، نَصَّ عليه (^٤)؛ لأنَّه لا يمكنه التَّحرُّز منه، وقيل: هو كالنَّاسي.
الثَّاني: أن ينام فيتكلَّم، فقد توقَّف أحمدُ عن الجواب عنه (^٥)، والأَولى: أنَّها لا تبطل به؛ لرفع القلم عنه، ولعدم صحَّة إقراره وعتقه.
_________________
(١) قوله: (قال القاضي في الجامع: لا أعرف عن أحمد نصًّا في الجاهل بتحريم الكلام) سقط من (و).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠١٠).
(٣) في (ب) و(ز): والثالث.
(٤) ينظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٢٦.
(٥) ينظر: المغني ٢/ ٣٧.
[ ٢ / ٣٢١ ]
الثَّالث: أن يُكرَهَ على الكلام، فصحَّح في «المغني»: الإبطالَ به، وذكره ابن شهاب، كما لو أُكرِه على زيادة ركن أو ركعة (^١).
وذكر في «التَّلخيص» أنَّه كالنَّاسي؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ عن أمتي الخطأُ، والنِّسيانُ، وما اسْتُكرِهوا عليه» (^٢)، قال القاضي: هو أَولى منه بالعفو وصحَّة الصَّلاة، نصره (^٣) في «التَّحقيق»؛ لأنَّ الفعل غير منسوبٍ إليه، بدليل أنَّه لو أُكره على إتلافِ مال؛ لم يضمنه، والنَّاسي يضمن ما أتلفه.
والأوَّل أولى؛ لأنَّ النِّسيان يكثر، بخلاف الإكراه.
الرَّابع: أن يتكلَّم بكلام واجب، مثل أن يخشى على ضرير أو صبيٍّ الوقوعَ في هلكة، أو يرى (^٤) حيَّةً تقصِد غافلًا، أو نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ولا يمكنه التَّنبيه بالتَّسبيح، فقال أصحابنا: تَبطُل به؛ لما سبق.
وقيل: لا، وهو ظاهر كلام أحمد، وصحَّحه في «الرِّعاية»؛ لقصَّة (^٥) ذي اليدين.
وقيل: هو كالنَّاسي.
وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه متى أمكن استغناؤه بإشارةٍ؛ لم يَجُز أن يتكلَّم، ولا يتكلَّم بزيادة على حاجته.
وحاصلُه: أنَّ المبطل منه ما كان على حرفَين؛ كقوله: أب، ودم؛ أي: ظاهرًا؛ لأنَّه لا تنتظم كلمة من أقلَّ منهما، فلو قال: لا، فسدَت صلاتُه؛ لأنَّها (^٦) لام وألف.
_________________
(١) قوله: (أو ركعة) سقطت من (أ).
(٢) سبق تخريجه ٢/ ٤٦ حاشية (٥).
(٣) في (ب) و(د): ونصره.
(٤) في (أ): رأى.
(٥) في (و): لقضية.
(٦) في (و): لأنه.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
(وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ (^١) أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ؛ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى)، وفيه مسائل:
الأولى: إذا قهقه، وهي ضِحْكة معروفة، بأن قال: قَه قَه، فالأظهر: أنَّها تَبطُل به، وإن لم يَبِن حرفان، ذكره في «المغني»، وقدَّمه الأكثر، كالمتن، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (^٢)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «القَهقهةُ تَنقُض الصَّلاةَ، ولا تَنقُضُ الوضوءَ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ (^٣)، ولأنَّه تعمَّد فيها بما ينافيها، أشبه خطاب الآدمي.
وظاهره: أنَّها لا تَفسُد بالتَّبسُّم، وهو قول الأكثر، حكاه ابن المنذر (^٤).
الثَّانية: إذا نفَخ فيها؛ فهو كالكلام إذا بانَ حرفان، ذكره في «المذهب» و«المحرَّر» و«الوجيز» وصحَّحه المؤلف؛ لما روي عن ابن عبَّاس قال: «من نفَخَ في صلاته فقد تكلَّم» رواه سعيد (^٥)، وعن أبي هريرة نحوه (^٦)، لكن قال ابن المنذر: (لا يَثبُت عنهما) (^٧).
_________________
(١) قوله: (أو نفخ) سقطت من (أ) و(ب) و(و).
(٢) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٥٣، الإجماع ص ٣٤.
(٣) أخرجه الدارقطني (٦٥٨)، وهو حديث ضعيف جدًّا، في إسناده: أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو متروك الحديث كما في التقريب، وضعفه ابن الجوزي، وصحح وقفه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. ينظر: التحقيق ١/ ١٩٣، الخلاصة ١/ ١٤١، التلخيص الحبير ١/ ٦٧١، الإرواء ٢/ ١١٤.
(٤) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٥٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٣٠١٨)، وابن أبي شيبة (٦٥٤٢)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٨٥)، وإسناده صحيح.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٣٠١٩)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٥٨٧)، قال ابن المنذر: (ولا يثبت عن ابن عباس وأبي هريرة أن النفخ بمنزلة الكلام).
(٧) ينظر: الأوسط ٣/ ٢٤٧. وكتب على هامش (و): (قد ثبت عن ابن عباس بإسناد صحيح رواه سعيد عن ابن معاوية عن الأعمش عن مسلم بن بهيج).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وعنه: تَبطُل مطلقًا؛ لظاهِرِ ما ذكرنا.
وعنه: عكسها؛ رُوي (^١) عن جماعة منهم ابن مسعود (^٢)، وقيل لقدامة بن عبد الله: نتأذَّى بريش الحمام إذا سجدنا، فقال: «انفخوا» رواه البيهقي بإسناد حسن (^٣)، وقدامة صحابيٌّ، وعن عبد الله بن عمرو: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نفخ في صلاة الكسوف» رواه أحمد، وأبو داود بإسناد حسن، والبخاري تعليقًا (^٤)، وكالحرفِ الواحدِ.
والأَولى حملُه على ما إذا لم ينتظِم حرفان، فإن انتظمَ بطَلَت.
الثَّالثة: إذا انتحبَ؛ بأن رفع صوتَه بالبكاء من غير خشية، كالكلام إذا بان حرفان؛ لأنَّه من جنس كلام الآدميين.
وظاهره: لا فرق بين ما غلب صاحبَه، وما (^٥) لم يغلبه، لكن قال في «المغني» و«النِّهاية»: أنَّه إذا غلب صاحبَه لم يضرُّه؛ لكونه غير داخل في وسعه، ولم يحكيا فيه خلافًا.
قوله (^٦): (فهو كالكلام)؛ أي: يبطل إن كان عمدًا، وإن كان ساهيًا أو جاهلًا؛ خُرِّج على الرِّوايتين.
_________________
(١) في (ز): وروي.
(٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١٥٨٣)، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٣٦٥)، وأخرجه ابن معين في تاريخ الدوري (١٩٥)، والفاكهي في أخبار مكة (١٢٨٦)، ولا بأس بإسناده، فيه سلمة بن الفضل الأبرش، ضعفه جماعة ووثقه آخرون، سئل عنه أحمد فقال: (لا أعلم إلا خيرًا). ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ١٥٣.
(٤) أخرجه أحمد (٦٤٨٣)، وأبو داود (١١٩٤)، والبخاري تعليقًا، باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، (٢/ ٦٥)، وصححه الألباني. ينظر: ٢/ ١٢٤.
(٥) في (أ) و(د): وبين ما.
(٦) في (أ) و(د): وقوله.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الرَّابعة: أنَّه إذا انتحَبَ من خشية الله تعالى؛ أنَّه لا يضرُّ؛ لما روى (^١) مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي، ولصدرِهِ أزيزٌ كأزيزِ المِرجلِ مِنَ البكاءِ» رواه أحمد وأبو داود (^٢)، قال أحمد: (كان عمر يبكي حتَّى يُسمَعَ له نَشِيجٌ) (^٣)، وذكره (^٤) البخاري عن عبد الله بن شدَّاد: «أنَّه سمعه وهو في آخر الصُّفوف» (^٥).
وظاهره: وإن لم يكن عن غَلَبة، وقاله القاضي وأبو الخطاب، وصحَّحه ابن تميم، وهو ظاهر كلام الأكثر؛ لأنَّ الله تعالى مدح الباكين فقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَريَم: ٥٨]، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وهو عامٌّ فيما تضمن (^٦) حرفًا أو حروفًا؛ ولأنَّه (^٧) ذكر ودعاء، ولهذا مدح إبراهيم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١١٤]، وفي التَّفسير: (أنَّه كان يتأوَّه خوفًا من الله تعالى) (^٨).
والثَّاني: تَبطُل (^٩)، ذكر (^١٠) المؤلِّف: أنَّه الأشبه بأصول أحمد؛ لعموم
_________________
(١) قوله: (روى) سقط من (أ).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣١٢)، وأبو داود (٩٠٤)، وابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٦٦٥)، وصححه النووي وغيره. ينظر: الخلاصة ١/ ٤٩٧، صحيح أبي داود ٤/ ٥٨.
(٣) ينظر: المغني ٢/ ٣٧، وفي مسائل صالح ٢/ ٢٥٩: (سمعت أبي يقول: عبد الله بن شداد لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا، سمع من علي ومن عمر، قال: سمعت نشيج عمر).
(٤) في (ب): وذكر.
(٥) علقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ١٤٤)، ووصله عبد الرزاق (٢٧١٦)، وسعيد بن منصور في التفسير (١١٣٨)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥)، والبيهقي في الشعب (١٨٩٥)، قال الحافظ في تغليق التعليق ٢/ ٣٠٠: (إسناد صحيح).
(٦) في (أ) و(ز): يضمن.
(٧) في (أ): لأنَّه.
(٨) ينظر: تفسير السمرقندي ٣/ ٥٣٢، تفسير الثعالبي ٣/ ٢٢٢.
(٩) في (و): يبطل.
(١٠) في (أ) و(و) و(ز): ذكره.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
النُّصوص، والمدح على البكاء لا يخصِّصه؛ كردِّ السَّلام، وتشميت العاطس، وكما لو لم يكن من خشية؛ لأنَّه يقع على الهجاء، ويدلُّ بنفسه على المعنى كالكلام.
وإن استدعى البكاءَ؛ كُره كالضَّحك، وإلاَّ فلا.
فرع: إذا تأوَّه، أو أنَّ؛ فبان حرفان من خوف الله تعالى؛ لم تبطل وإن كان عن غير غلبة؛ لأنَّ الكلام لا ينسب إليه، ولا يتعلَّق به حكم من أحكام الكلام، فدلَّ أنَّهما إذا ظهرا من بُكاءٍ أو بُصاقٍ أو تَثاؤبٍ أو سُعالٍ -لا من خشية الله تعالى-؛ أنَّها تَبطُل.
قال في «المستوعب» وغيره: إذا قلنا إنَّ الكلام ناسيًا لا تَبطُل الصَّلاة به؛ فما كان من هذه الأشياء غالبًا؛ لا تَبطُل به وإن بان حرفان.
(وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: هي كالنَّفخ والقَهْقهَة؛ إن بان حرفان فسدت؛ لأنَّه إذ أبانهما كان متكلِّمًا، أشبه ما لو أنَّ.
(وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ)، نقلها المَرُّوذِيُّ ومُهنَّى (^١)، (وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ)، اختارها المؤلِّفُ، ويَعضُده ما رَوى أحمدُ وابن ماجَهْ عن عليٍّ قال: «كان لي مدخلان من (^٢) رسولِ الله ﷺ باللَّيل والنَّهار، فإذا دخلتُ عليه وهو يصلِّي يَتَنحنَح لي»، وللنَّسائيِّ معناهُ (^٣)، ولأنَّها
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ٤٠.
(٢) في (أ) و(ب): زمن.
(٣) أخرجه أحمد (٦٠٨)، والنسائي (١١٣٥)، وابن ماجه (٣٧٠٨)، وابن خزيمة (٩٠٢)، من طريق عبد الله بن نُجَي، عن علي ﵁، وعبد الله بن نجي مختلف فيه، فقد قال عنه البخاري وابن عدي: (فيه نظر)، وقال الدارقطني: (ليس بقوي)، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: (صدوق)، واختلف في سماعه من علي، فنفاه ابن معين، وأثبته البزار، وقد وردت رواية لهذا الحديث عند أحمد (٦٤٧)، والنسائي (١١٣٨)، أدخل فيها بينه وبين علي أباه، وقال ابن حبان: (يروى عن علي، ويروى أيضًا عن أبيه عن علي)، وذكر الدارقطني أن عبد الله لم يسمع هذا الحديث من علي وإنما سمعه من أبيه. ينظر: الثقات لابن حبان ٥/ ٣٠، علل الدارقطني ٣/ ٢٥٨، تهذيب التهذيب ٦/ ٥٥، البدر المنير ٤/ ١٨٥.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
صوتٌ لا يدلُّ بنفسه، ولا مع لفظٍ غيرِه على معنًى؛ لكونها حروف غير محقَّقة كصَوتٍ أُعقل (^١)، ولا يُسمَّى فاعلُها متكلِّمًا، بخلاف النَّفخ والتَّأوُّه، وأطلق في «المحرَّر» الرِّوايتين.
وقيل: إن تنَحنح لضرورةٍ أو حاجةٍ فبان حرفان؛ فوجهان، وحمل (^٢) الأصحاب ما روي عن الإمام (^٣) أحمدَ: أنَّه لم يأتِ بحرفَين.
وردَّه المؤلِّف؛ بأنَّ ظاهر حاله أنَّه لم يعتبر ذلك؛ لأنَّ الحاجة تدعو إليها.
_________________
(١) اعتقل لسانه: أي أرتج عليه، فلم يقدر على الكلام. ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٧٢، طلبة الطلبة ص ١٦٩.
(٢) في (ز): وحملت.
(٣) قوله: (الإمام) سقط من (أ).
[ ٢ / ٣٢٧ ]