الشُّروط: جمع شَرْط؛ كفلوس جمع فَلْس، والشَّرائط: جمع شَرِيطة، قاله الجوهري (^١).
والأشراط واحدها (^٢): شرَط بفتح الرَّاء، وسمِّي شرَطًا؛ لأنَّه علامة على المشروط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محَمَّد: ١٨].
وفي الاصطلاح: هو (^٣) ما يَلزَم من انتفائِه انتفاءُ الحُكم؛ كالإحصان مع الرَّجم، فالشَّرط ما لا يُوجَد المشروطُ مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.
وهو عقْليٌّ؛ كالحياة للعلم.
ولُغوِيٌّ؛ ك: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالِقٌ.
وشَرْعيٌّ؛ كالطَّهارة للصَّلاة.
وقال بعضهم (^٤): هو ما يتوقَّف على صحَّة الشَّيء إن لم يكن عذر، ولا يكون منه.
(وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا)؛ أي: يتقدَّم على الصَّلاة ويسبِقها، ويجب استمرارها فيها، وبهذا المعنى فارقت الأركان.
(وَهِيَ سِتٌّ)، كذا بخط المؤلِّف بغير هاء، وقياسه ستَّة بالهاء؛ لأنَّ واحدها شرط، وهو مذكَّر يلزم الهاء في جمعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحَاقَّة: ٧]،
_________________
(١) ينظر: الصحاح ٣/ ١١٣٦، وفيه: (الشرط معروف، وكذلك الشريطة، والجمع شروط وشرائط).
(٢) في الأصل و(أ) و(د) و(و): واحد.
(٣) قوله: (هو) سقط من (د).
(٤) كتب على حاشية (د): (وهو المذهب).
[ ٢ / ٥ ]
فكأنَّه قال: شرائط الصَّلاة، وهي ست كما ذكره في «الهداية» و«العمدة»:
(أوَّلُهَا: دُخُولُ الْوَقْتِ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسرَاء: ٧٨]، قال ابن عبَّاس: «دُلوكها إذا فاء الفيء» (^١)، ويقال: هو غروبها، وقيل: طلوعها، وهو غريب، قال عمرُ: «الصَّلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصحُّ إلاَّ به» (^٢)، وحديث جبريل حين أمَّ النَّبيَّ ﷺ في الصَّلوات الخمسِ، ثمَّ قال: «يا محمَّدُ! هذا وقت الأنبياء من قبلك» (^٣).
فالوقت سبب وجوب الصَّلاة؛ لأنَّها تضاف إليه، وهي تدلُّ على السببية، وتتكرَّر (^٤) بتكرُّره، وهو سبب نفس الوجوب؛ إذ سبب وجوب الأداء الخطاب (^٥).
(وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ)؛ لقوله ﷺ: «لا يقبل اللهُ صلاةَ أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ» متَّفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ (^٦)، ولقوله ﷺ: «لا يَقبَل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلول» رواه مسلم من حديث ابن عمر (^٧).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١١)، وابن أبي شيبة (٦٢٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١٦٧٩)، عن داود بن حصين، قال: أخبرني مخبر عن ابن عباس ﵁، وذكره. وأخرج الطبري في التفسير (١٥/ ٢٥)، وابن المنذر في الأوسط (٩٣٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: «دلوكها: زوالها»، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن حزم في المحلى (٢/ ١٣)، عن الضحاك بن عثمان عن عمر. وإسناده ضعيف، الضحاك لم يلق عمر، إنما يروي عن مثل نافع وهشام بن عروة. ينظر: تهذيب الكمال ١٣/ ٢٧٢.
(٣) سيأتي تخريجه ٢/ ٩ حاشية (٧).
(٤) في (ب) و(و): وتكرر.
(٥) في (أ): كالخطاب.
(٦) أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).
(٧) أخرجه مسلم (٢٢٤).
[ ٢ / ٦ ]
(وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ) في اليوم واللَّيلة، وأجمع المسلمون على ذلك، وأنَّ غيرها لا يجب إلاَّ لعارض؛ كالنَّذر، وأمَّا الوتر فسيأتي.
والأصل فيه أحاديث؛ منها ما في الصَّحيحين عن أبي ذر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَرض الله على أمَّتي ليلةَ الإسراء خمسين صلاةً، فلم أزل أراجعه وأسأله التَّخفيف حتَّى جعلها خمسًا في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وقال: هي خمسٌ، وهي خمسون في أمِّ الكتاب» (^١).
وكان قيامُ اللَّيل (^٢) واجبًا، فنُسخ في حقِّ الأمَّة، وكذا في حقه ﵇ على الأصحِّ.
قال القَفَّالُ في «محاسِن الشَّريعة» (^٣): (في الأربع لطيفةٌ حسُن معها عدم الزيادة في الفرض عليها، وهي أنَّك إذا ذكرت آحادها فقلت: واحدٌ، واثنان، وثلاثة، وأربعة، جمعت كلَّ الأعداد، وجدتها عشرة، ولا شيء من الأعداد يخرج أصله عن عشرة).
وأراد بالمفروضات: العَينِيّةَ، ولهذا لم يذكر صلاة الجنازة؛ لكونها فرضًا على الكفاية.
نعم، يرد عليه الجمعة، فإنها من المفروضات العينية (^٤)، ولم تدخل (^٥) في كلامه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).
(٢) زيد في (د): واجبًا على النبي ﷺ، وزيد في (و): على النبي ﷺ.
(٣) ينظر: محاسن الشريعة، ص ٨٤. والقفال: هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الكبير الشاشي الشافعي، كان فقيهًا محدثًا أصوليًا لغويًا شاعرًا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده، من مصنفاته: أصول الفقه، ومحاسن الشريعة، وشرح رسالة الشافعي، توفي سنة ٣٨١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٠٠، طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٢٠٠.
(٤) قوله: (ولهذا لم يذكر صلاة الجنازة) إلى هنا سقط من (أ).
(٥) في (أ) و(ب): يدخل.
[ ٢ / ٧ ]
(الظُّهْرُ)، واشتقاقها من الظُّهور؛ إذ هي ظاهرة في وسط النَّهار.
والظُّهرُ لغةً: الوقت بعد الزَّوال.
وشرعًا: اسم للصَّلاة، من باب تسمية الشيء باسم وقته، فقولنا: صلاة الظُّهر؛ أي: صلاة هذا الوقت.
وبدأ بها المؤلِّف تَبَعًا للخِرَقِيِّ ومعظم الأصحاب؛ لبَداءة جبريل ﵇ بها لمَّا صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ (^١).
وبدأ ابن أبي موسى والشِّيرازِيُّ وأبو الخَطَّاب بالفجر؛ لبَداءته ﵇ بها السَّائل (^٢)، ولأنَّها أوَّل اليوم، ويعضُده: أنَّ إيجابها كان لَيلًا، وأوَّل صلاة تحضر بعد ذلك هي الفجر، فلم لا بدأ بها جبريل؟!
وجوابه: أنَّه يحتمل أنَّه وُجد تصريح بأنَّ أوَّل وجوب الخمس من الظُّهر، ويحتمل أنَّ الإتيان بها متوقِّف على بيانها؛ لأنَّ الصَّلوات مجمَلة، ولم تُبَيَّنْ (^٣) إلاَّ عند الظُّهر.
والحكمة (^٤) أنَّه بدأ بها: إشارة منه (^٥) أنَّ هذا الدِّين ظهر أمره، وسطع نوره من غير خَفاء، ولأنَّه لو بدأ بالفجر لختم بالعشاء في ثلث اللَّيل، وهو وقت خفاء، فلذلك (^٦) ختم بالفجر؛ لأنَّه وقت ظهور، لكن فيه ضعف؛ إشارةً إلى أنَّ هذا الدِّين في آخر الأمر يضعف.
(وَهِيَ الْأُولَى)، قال عياض: (هو اسمها المعروف) (^٧)؛ لأنَّها أوَّل صلاة
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبًا ٢/ ٩ حاشية (٦).
(٢) في (أ) و(ب) و(و): للسائل. والحديث أخرجه مسلم (٦١٤)، من حديث أبي موسى ﵁.
(٣) في (ب): يبين.
(٤) زيد في (ب): في.
(٥) زيد في (ب): إلى.
(٦) في (ب): فكذلك.
(٧) ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٥١.
[ ٢ / ٨ ]
صلاَّها جبريل بالنَّبيِّ ﵉ معلِّمًا له في اليومين، وتسمَّى أيضًا: الهَجِيرَ؛ لفعلها في وقت الهاجرة.
(وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر إذا زالت الشَّمس (^١)؛ لحديث جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصلِّه (^٢)، فصلَّى الظُّهر حين زالت الشَّمس، ثمَّ جاءه من الغد للظُّهر، فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الظُّهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه، ثمَّ قال: ما بين هذين وقت» إسنادُه ثقاتٌ، رواه أحمد والتِّرمذي، وقال البخاريُّ: (هو أصحُّ (^٣) شيء في المواقيت)، وصحَّحه ابن خُزَيمة، وللتِّرمذِيِّ وحسَّنه من حديث ابن عباس نحوه (^٤)، وفيه: «فصلَّى الظُّهر حين زالت الشَّمس (^٥)، وكانت قدر الشِّراك» (^٦)، وهو بشين معجمة مكسورة، وراء مهملة، وبالكاف، وهو أحد سُيور النَّعل.
ثمَّ اعلم أنَّ الشَّمس إذا طلعت؛ رُفع لكلِّ شاخص ظلٌّ طويل من جانب
_________________
(١) ينظر: الأوسط ٢/ ٣٢٦، مراتب الإجماع ص ٢٦.
(٢) في (د) و(و): فصلِّ. والمثبت موافق لما في المسند.
(٣) زيد في (و): كل.
(٤) كتب في هامش الأصل و(و): (وفيه: «أن رسول الله قال: أمَّني جبريل عند البيت مرتين»).
(٥) قوله: (ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصله) إلى هنا سقط من (ب).
(٦) أخرجه أحمد (١٤٥٣٨)، والترمذي (١٥٠)، والنسائي (٥١٣)، من حديث جابر ﵁، وأخرجه أحمد (٣٠٨١)، والترمذي (١٤٩)، وابن خزيمة (٣٢٥)، من حديث ابن عباس ﵄، ونقل الترمذي في السنن كلام البخاري، والحديث جاء من رواية عدد من الصحابة، وهو في صحيح مسلم (٦١٠) بلفظ مختصر، من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ مرفوعًا: «نزل جبريل فأمَّني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه»، وصححه ابن عبد البر وابن العربي والنووي وغيرهم. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥، الإرواء ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٩ ]
المغرب، ثمَّ ما دامت الشَّمس ترتفع فالظِّل ينقص، فإذا انتهت الشَّمس إلى وسط السَّماء، وهي حالة الاستواء؛ انتهى نقصانه، فإذا زال الظِّلُّ أدنى زيادة؛ فهو الزَّوال، فهو إذن ميلُها عن وسط السَّماء (^١)، ويختلف فيء الزَّوال فيطول (^٢) في الشِّتاء، ويقصر في الصَّيف، لكن لا يقصر ظِلُّه وقت الزَّوال في بعض بلاد خراسان؛ لسير الشَّمس ناحيةً عنها، ذكره ابن حمدان.
وذكر السَّامَرِّيُّ وغيرُه: أنَّ ما كان من البلاد تحت وسَط الفَلَك -مثل (^٣) مكَّةَ وصنعاءَ في يوم واحِدٍ، وهو أطول أيام السَّنة- لا ظِلَّ ولا فَيْء لوقت الزَّوال، بل يعرف الزَّوال هناك بأن (^٤) يظهر للشَّخص فَيْءٌ من نحو المشرق؛ للعلم بكونها (^٥) قد أخذت مُغَرِّبة.
ويختلف باختلاف الشَّهر والبلد، فأقلُّ (^٦) ما تزول في (^٧) إقليم الشَّام والعراق -على ما نقله أبو العباس الشِّيحِيُّ (^٨) - على قَدَم وثُلُث في نصف
_________________
(١) كتب على هامش الأصل وهامش (د): (والظل أصله: الستر، ومنه: أنا في ظل فلان، ومنه: ظل الجنة، وظل شجرها، وظل الليل: سواده، وظل الشمس: ما ستر الشخوص من سقطها، ذكره ابن قتيبة، قال: والظل يكون غدوة وعشية، من أول النهار وآخره، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه فاء؛ أي: رجع من جانب إلى جانب، وقال ثعلب في فصيح الكلام: الظل للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشي). وزاد في هامش الأصل: (كما قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق قال: وأُخبرت عن أبي عبيدة قال: قال رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه؛ فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل فقط).
(٢) في (د): فمطول.
(٣) في (د) و(و): قبل.
(٤) في (و): أن.
(٥) في (أ) و(ب): بأنها، وفي (و): كونها.
(٦) في (أ): فبأقل.
(٧) في (أ): يزول من. وفي (و): يزول في.
(٨) هو أحمد بن سعيد أبو العباس الشامي، يعرف بالشيحي، سكن بغداد وحدث بها، وله كتب مصنفة في الزوال وعلم مواقيت الصلاة وغير ذلك، توفي سنة ٤٠٦ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٧٩.
[ ٢ / ١٠ ]
حزيران، ويتزايد إلى أن يبلغ عشرة أقدام وسُدُس في نصفِ كانونَ الأوَّلِ، وهو أكثر ما تزول (^١) عليه الشَّمس.
فإذا أردت معرفة ذلك (^٢): فقف على مستوٍ من الأرض، وعلِّم الموضع الذي انتهى إليه ظلُّك، ثمَّ ضع قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فإذا بلغت مساحة هذا القدر بعد انتهاء النَّقص فهو وقت زوال الشَّمس، وتجب (^٣) به الظُّهر.
وعُلم منه: أن الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا (^٤)، نَصَّ عليه في رواية أبي طالِبٍ (^٥).
وشرط ابن بَطَّة وابن أبي موسى: مُضِيَّ زمن يتَّسع لأدائها؛ حذارًا من تكليف ما لا يطاق.
وجوابه: أنَّه (^٦) لا يكلَّف (^٧) بالفعل قبل الإمكان حتَّى يلزم تكليف ما لا يطاق، وإنَّما يَثبُت في ذمَّته بفعله إذا قدر؛ كالمُغْمَى عليه.
وأمَّا آخره فقال: (إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، وهو المراد بقولهم: سوى (^٨) الزَّوال، نَصَّ عليه لما سبق، وصلاَّها
_________________
(١) في (و): يزول.
(٢) في (د): ذاك.
(٣) في (ب) و(و): ويجب.
(٤) كتب على هامش الأصل و(د): (في حق من هو من أهل الوجوب).
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٧٧٠، الانتصار ٢/ ١٠٤.
(٦) قوله: (أنه) سقط من (و).
(٧) في (أ): تكلف.
(٨) زيد في (د): في.
[ ٢ / ١١ ]
﵇ في حديث أبي موسى -حين سأله السَّائل- حين زالت الشَّمس، ثمَّ أخَّرها في اليوم الثَّاني حتَّى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، وقال: «الوقْتُ فيما بيْن هذَينِ» رواه مسلمٌ (^١)، وعن عبد الله بن عمرو (^٢) مرفوعًا: «وقت صلاة الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر» رواه مسلم (^٣)، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: متى يكون الظل مثله؟ قال: (إذا زالت الشمس (^٤) فكان الظلُّ بعد الزوال مثله) (^٥).
ومعرفة ذلك: أن يضبط ما زالت عليه الشمس، ثمَّ تُنظر (^٦) الزِّيادة عليه، فإن بلغت قدر الشخص؛ فقد انتهى وقت الظُّهر، وطول الإنسان ستة أقدام وثلثان بقدمه تقريبًا.
وعنه: آخره أول وقت العصر، فبينهما وقت مشترك قدر أربع ركعات.
قال أحمد: الزَّوال في الدُّنيا واحد، وأنكر على المنجِّمين أنَّه يتغيَّر في البلدان (^٧)، ومثله لا يقول ذلك إلاَّ عن (^٨) توقيف.
(وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا)؛ لما روى أبو بَرْزةَ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الهَجِيرَ التي تدعونها الأُولى حين تَدْحَضُ (^٩) الشَّمس» (^١٠)، وقال جابِرٌ: «كان
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦١٤).
(٢) في (ب) و(و): عمر.
(٣) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٤) قوله: (وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر) إلى هنا سقط من (أ) و(ب).
(٥) ينظر: المغني ١/ ٢٧١.
(٦) في (أ) و(ب): ينظر.
(٧) ينظر: مسائل حرب: الطهارة والصلاة ص ٥٩١.
(٨) في (و): من.
(٩) كتب على هامش الأصل و(د): (يعني تزول).
(١٠) أخرجه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧).
[ ٢ / ١٢ ]
النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الظهر بالهاجِرةِ» متَّفَقٌ عليهما (^١)، وقالت عائشةُ: «ما رأيتُ أحدًا أشدَّ تعجيلًا للظُّهر من رسول الله ﷺ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر» حديث حسن (^٢).
قال في «التَّلخيص»: ويحصل بأن يشتغل بأسباب الصَّلاة من حين دخول الوقت، وهو ظاهر «الفروع»، فإنَّه لا يُعدُّ حينئذٍ متوانيًا ولا مقصِّرًا.
وذكر الأَزَجِيُّ قولًا: يتطهَّر قبله.
(إِلاَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً (^٣)، كذا في «المحرَّر» و«الوجيز».
أمَّا في الحَرِّ؛ فيُستحَبُّ تأخيرها مطلقًا إلى أن ينكسِرَ، وحكاه التِّرمذِيُّ عن ابن المبارك وأحمدَ وإسحاقَ، وقال: (هو أشبه بالاتِّباع) (^٤)، وصحَّحه في «الشَّرح»، واقتصر عليه في «الكافي»، وقاله القاضي في «الجامع»، والخِرَقِيُّ وابن أبي موسى وغيرهم؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصَّلاة؛ فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيحِ جهنَّمَ» متفق عليه (^٥)، وفي لفظٍ: «أبرِدوا بالظُّهر»، وفيح جهنم: هو غلَيانها، وانتشار لهَبِها ووهجها (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٠٣٨)، والترمذي (١٥٥)، وقال الترمذي: (حديث عائشة حديث حسن)، وفي سنده حكيم بن جبير، ضعفه أحمد ويحيى والنسائي، ونقل الترمذي عن البخاري قوله: (يروى هذا أيضًا عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، وهو حديث فيه اضطراب). ينظر: العلل الكبير للترمذي ص ٦٤، التحقيق لابن الجوزي ١/ ٢٩١.
(٣) كتب على هامش الأصل و(د): (ولو صلى وحده).
(٤) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٢٩٥.
(٥) أخرجه البخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦١٥).
(٦) في (أ): وريحِها.
[ ٢ / ١٣ ]
وصريحه (^١): أنَّه مختصٌّ بمن يصلِّي في (^٢) جماعةً، وهو قول أبي الخَطَّاب وطائفة؛ تعليلًا بالمشقَّة.
واعتبر القاضي في «المجرد» (^٣) مع الخروج إلى الجماعة: كونه في البلاد الحارَّة، ومساجد الجماعات (^٤).
فأمَّا (^٥) تأخيرُها في الغيم؛ فيستحَبُّ لكلِّ من يصلِّي جماعةً كما ذكره، وذكره القاضي والسَّامَرِّيُّ، ونَصَّ عليه في رواية المَرُّوذِي (^٦)؛ لما روى ابن منصور عن إبراهيم قال: «كانوا يؤخِّرون الظُّهرَ ويعجِّلون العصر في اليوم المتغيِّم» (^٧)، ولأنَّه وقت يخاف منه العوارض من المطر ونحوه، فيشقُّ الخروج لكلِّ صلاةٍ منهما، فاستُحبَّ تأخير الأولى من المجموعتين؛ ليقرب (^٨) من وقت الثَّانية؛ لكي يخرج لهما خروجًا واحدًا؛ طلَبًا للأسهل المطلوب شرعًا (^٩).
_________________
(١) في (أ): وظاهره.
(٢) قوله: (في) سقط من (أ).
(٣) في (ب) و(و): المحرر.
(٤) كتب على هامش الأصل و(د): (قال ابن الزاغوني: يؤخرها حتى ينكسر الفيء ذراعًا أو نحو ذلك، وفي التلخيص: إلى رجوع الذي يمشي فيه الساعي إلى الجماعة).
(٥) في (أ): وأما.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٣٨، المغني ١/ ٢٨٣.
(٧) في (د) و(و): المغيم. ولم نقف على الأثر في سنن سعيد المطبوع، وعزاه إليه في كنز العمال (٨/ ٢١٩)، وذكره عنه شيخ الإسلام في شرح العمدة (٢/ ٢٠٣)، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير (٢٣/ ٦٢٦)، لمختارة الضياء المقدسي. وأخرج ابن أبي شيبة (٦٢٨٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٦٩)، عن عمر قال: «إذا كان يوم الغيم، فعجلوا العصر وأخروا الظهر»، وإسناده صحيح.
(٨) في (و): ليخرج.
(٩) كتب على هامش الأصل و(د): (وفي الغيم، قال ابن الزاغوني: يؤخر وسط الوقت).
[ ٢ / ١٤ ]
وعنه: لا تُؤخَّرُ، بل تُعجَّل مع الغيم، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ و«الكافي» و«التَّلخيص»؛ إذ مطلوبية (^١) التَّأخير في عامَّة الأحاديث إنَّما وردت في الحرِّ.
وفيه وجه: يُستحَبُّ التَّأخير لكلِّ مصلٍّ، وظاهر كلام أبي الخَطَّاب: يؤخِّر الظُّهرَ لا المغرب.
وأمَّا الجمعة؛ فيسنُّ تقديمها مطلقًا، قال سهل بن سعد: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلاَّ بعد الجمعة» (^٢)، وقال سلَمة بن الأكوع: «كنَّا نجمِّع مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ نرجع نَتَتَبَّع (^٣) الفيء» متفق عليهما (^٤).
وتأخيرها لمن لم تجب عليه الجمعة إلى بعد صلاتها، ولمن يرمي الجمرات حتَّى يرميها؛ أفضل.
(ثُمَّ الْعَصْرُ)، وهو العشِيُّ، قال الجوهري: (والعصران: الغداة والعشِيُّ، ومنه سمِّيت (^٥) صلاة العصر) (^٦).
وذكر الأزهري مثله: (تقول (^٧): فلان يأتي فلانًا العصرين والبردين؛ إذا كان يأتيه طرفي النهار) (^٨)، فكأنَّها سمِّيت باسم وقتها.
(وَهِيَ الْوُسْطَى)، مؤنَّث الأوسط، وهو والوسط: الخيار، وفي صفة النَّبيِّ ﷺ: أنَّه من أوسط قومه؛ أي: من خيارهم (^٩)، وليست بمعنى متوسِّطة؛ لكون
_________________
(١) في (أ) و(د) و(و): مطلوبه. والمثبت موافق لما في شرح الزركشي ١/ ٤٨٨.
(٢) أخرجه البخاري (٩٣٨)، ومسلم (٨٥٩).
(٣) في (أ): يرجع فيتبع، وفي (و): نرجع فيتفق.
(٤) أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠).
(٥) قوله: (ومنه سميت) هو في (ب): ومن ثم صليت.
(٦) ينظر: الصحاح ٢/ ٧٤٩.
(٧) في (أ): يقول.
(٨) ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ٤٩.
(٩) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٨١) في قصة هرقل مع أبي سفيان، وفيه: «فقال: زعمت أنه من أمحضهم نسبًا، وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه، لا يأخذه إلا من أوسط قومه»، وهو في البخاري (٧)، بنحوه.
[ ٢ / ١٥ ]
الظهر هي الأولى، بل بمعنى (^١) الفُضْلى، وفي الصَّحيحين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «شَغَلونا عن الصَّلاة الوُسطى حتَّى غابت الشَّمسُ»، ولمسلم: «شَغَلونا عن الصَّلاة الوسطى (^٢) صلاة العصر» (^٣)، وقاله أكثر العلماء من الصَّحابة وغيرهم، وصحَّحه النووي، قال المَاوَرْدِيُّ: (هذا مذهب الشَّافعي)، قال: (وإنَّما نصَّ على أنَّها الصُّبح؛ لأنَّه لم تبلغه (^٤) الأحاديث الصَّحيحة في العصر) (^٥).
وقيل: هي الصُّبح. وقيل: الظُّهر. وقيل: المغرب؛ لأنَّها وتر النهار ولا تُقصر. وقيل: هي العشاء. وقيل: إحدى الخمس مبهمة (^٦). وقيل: جميعها. وقيل: الجمعة.
(وَوَقْتُهَا: مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ)، وهو إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه سوى فَيْءِ الزَّوال، ومقتضاه: أنَّ بخروج وقت الظُّهر يدخل وقت العصر، من غير فاصِلٍ بين الوقتَين، هذا هو المعروف في المذهب؛ لحديث جابر: «أنَّ جبريلَ صلَّى بالنَّبيِّ صلى الله عليهما العصرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه في اليوم الأوَّل» (^٧).
وظاهر الخِرَقِيِّ و«التَّلخيص»: أنَّ بينهما وقتًا فاصلًا، فلا تجب إلاَّ بعد الزِّيادة.
_________________
(١) في (أ) و(د) و(و): معنى.
(٢) قوله: (الوسطى) سقط من (أ).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧).
(٤) في (د): يبلغه.
(٥) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ٨، شرح مسلم للنووي ٥/ ١٢٩.
(٦) في (أ) و(د) و(و): مبهم.
(٧) سبق تخريجه ٢/ ٩ حاشية (٦).
[ ٢ / ١٦ ]
وآخِرُ وقتِها المختار (^١): (إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ) في روايةٍ نقلها الأثرم وغيرُه (^٢)، وصحَّحها في «الشَّرح»، وابن تَميم، وجزم بها في «الوجيز»، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لما روى عبدُ الله بن عَمْرٍو: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تَصْفرَّ الشَّمس» رواه مسلم (^٣).
(وَعَنْهُ: إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) سوى ظلِّ الزَّوال إن كان، وهي اختيار الخِرَقِي وأبي بكر والقاضي وكثير من أصحابه، وقدَّمها في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنَّبيِّ ﷺ في اليوم الثَّاني حين صار ظلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَيه، وقال: «الوقت فيما بين هذين» (^٤).
وفي «التَّلخيص»: (أنَّ ما بينهما وقت جواز، ثمَّ هو وقت ضرورة إلى غروبها)، وفي «الكافي»: (أنه (^٥) إذا خرج وقت الاِختيار بقي (^٦) وقت الجواز إلى الغروب)، قال ابن تميم: (وظاهر «الرَّوضة» أنَّ وقت العصر يخرج بالكلِّيَّة بخروج وقت الاختيار).
(ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ)، وهو الذي يجوز تأخير الصَّلاة إلى آخره من غير عذر، وجزم (^٧) في «المحرَّر» و«الشَّرح»: أنَّه لا يحلُّ تأخيرها عن وقت الاختيار إلاَّ لعذر، وظاهر كلام غيرهما الكراهة.
(وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ)، وهو الذي تقع الصَّلاة فيه أداءً، ويأثم فاعلُها
_________________
(١) قوله: (المختار) سقط من (أ).
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٢، مسائل صالح ٣/ ٥٢، مسائل حرب: الطهارة والصلاة ص ٥٩١.
(٣) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٤) سبق تخريجه ٢/ ٩ حاشية (٦).
(٥) سقطت من (أ) و(ب).
(٦) في (أ): ففي.
(٧) زاد في (أ): (به).
[ ٢ / ١٧ ]
بالتَّأخير إليه لغير عذر (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ)؛ لأنَّ مقتضى (^١) الأحاديث ذهاب الوقت بعد ما (^٢) ذُكر فيها، تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشَّمس؛ فيبقى ما عداه على مقتضاه.
وظاهره: أنَّ وقت العصر يبقى إلى الغروب في حقِّ المعذور وغيره، هذا هو المعروف في المذهب، وعليه أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «من أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغرب الشَّمس؛ فقد أدركها» متفق عليه (^٣)، وحينئذٍ لا فرق بين المعذور وغيره إلاَّ في الإثم (^٤) وعدمه، فالمعذور له التَّأخير، وغيره ليس له ذلك ويأثم به.
وظاهر الخِرَقِيُّ وابن أبي موسى: أنَّ الإدراك مختصٌّ بمن له ضرورة؛ كحائض طهرت، وصبيٍّ بلغ، ومجنون أفاق، ونائمٍ استيقظ، وذمِّيٍّ أسلم، وألحق ابن عبدوس به: الخباز والطَّباخ والطَّبيب إذا خَشُوا تَلَف ذلك.
وعلى هذا: من لا عذر له لا يدركها بذلك، بل تفوت بفوات وقتها المختار، وتقَع منه (^٥) بعد ذلك قضاءً، وقاله بعض العلماء، وهو أحد احتمالي ابن عبدوس، ووجَّهه الزَّركشي.
(وَتعْجِيلُهَا) في أوَّل الوقت (أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) (^٦)، وهو قول أكثر العلماء؛ لما روى أبو بَرْزَةَ الأَسْلَميُّ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي العصر، ثمَّ
_________________
(١) في (و): المقتضى.
(٢) في (أ) و(د): بعده، وزيد في (و): إذا.
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨).
(٤) في (أ) و(د): الاسم.
(٥) في (د) و(و): ويقع به.
(٦) كتب على هامش (و): (قلت: تأكد تعجيلها يوم الغيم؛ لما روى أحمد وابن ماجه عن بريدة مرفوعًا: «بَكِّروا بالصَّلاة في اليوم الغيم؛ فإن من فاتته صلاة العصر حبط عمله»).
[ ٢ / ١٨ ]
يَرجِع (^١) أحدُنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمسُ حيَّة» (^٢) وعن رافِع بن خَدِيجٍ قال: «كنَّا نصلِّي العصر مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ نَنحَر الجَزور، ثمَّ نَقسِم (^٣) لحمَها عشرةَ أجزاءٍ، ثمَّ تُطبخ (^٤) فنأكل (^٥) لحمًا نضيجًا (^٦) قبل أن تغيب (^٧) الشَّمسُ» متَّفَقٌ عليهما (^٨)، والأحاديث الثَّابتة تدل على هذا؛ فمنها: ما رَوى التِّرمذيُّ مرفوعًا أنه (^٩) قال: «الوقت الأوَّل في الصَّلاة (^١٠) رضوانُ الله، والوقتُ الآخِر (^١١) عفوُ الله» (^١٢).
_________________
(١) زيد في (د) و(و): إلى.
(٢) سبق تخريجه ٢/ ١٢ حاشية (١٠).
(٣) في (ب) و(و): يقسم.
(٤) في (ب) و(و): يطبخ.
(٥) في (د) و(و): فيأكل.
(٦) في (أ): نظيرًا.
(٧) في (و): يغيب.
(٨) أخرجه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥).
(٩) قوله: (أنه) سقط من (أ).
(١٠) في (د): للصلاة.
(١١) في (د) و(و): الأخير.
(١٢) أخرجه الترمذي (١٧٢)، والدارقطني (٩٨٣) من حديث ابن عمر ﵁، وفيه يعقوب بن الوليد المدني، كذَّبه أحمد وغيره. وأخرجه الدارقطني (٩٨٤) من حديث جرير بن عبدالله البجلي، وفي سنده الحسين بن حميد بن الربيع، وهو متهم بالكذب، وفيه أيضًا عبيد بن القاسم الأسدي، قال ابن حجر في التقريب (ص ٣٧٨): (متروك، كذبه ابن معين، واتهمه أبو داود بالوضع). وأخرجه الدارقطني أيضًا (٩٨٥)، من حديث أبي محذورة ﵁، وفيه إبراهيم بن زكريا العجلي الضرير المعلم، قال أبو حاتم: (حديثه منكر)، وقال ابن عدي: (حدث عن الثقات بالبواطيل). وللحديث طرق أخرى شديدة الضعف، وقال أحمد: (لا أعرف شيئًا يثبت فيه)، يعني في هذا الباب. ينظر: الكامل لابن عدي ٣/ ٢٤٤، ١/ ٤١٢، البدر المنير ٣/ ٢٠٦، التلخيص الحبير ١/ ٤٥٨.
[ ٢ / ١٩ ]
وعنه: مع غَيم، نقله صالح (^١)، قاله القاضي، ولفظ روايته: (يؤخِّر (^٢) العصر أحبُّ إليَّ، آخِر وقت العصر عندي ما لم تَصفَرَّ الشمس)، فظاهره مطلقًا (^٣). تنبيه: قد استفيد من كلامهم: أنَّ من الصَّلوات ما له إلاَّ وقت واحد؛ كالظُّهر، والمغرب، والفجر على المختار، وما له ثلاثة؛ كالعصر والعشاء؛ وقت فضيلة وجوازٍ وضرورة، وفي كلام بعضهم: أنَّ لها وقت فضيلة ووقتَ اختيار على الخلاف، ووقتَ جواز على قول، ووقتَ كراهة؛ أي: تأخيرها إلى الاصفرار، ووقتَ تحريم، أي: تحريم التَّأخير إليه، ومعناه: أن يبقى ما لا يَسعُ الصَّلاة.
فائدة: يسنُّ الجلوس بعدها إلى الغروب، وبعد الفجر إلى طلوعها، ولا يستحبُّ ذلك في بقيَّتها، نَصَّ عليه (^٤)، ذكره ابن تميم.
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٥٢، مسائل ابن منصور ٢/ ٤٣٨.
(٢) هكذا في النسخ الخطية، وهو موافق لما في الفروع ١/ ٤٢٨، والإنصاف ٣/ ١٥١، ولفظ رواية صالح في المطبوع ٣/ ٥٢: (تعجيل العصر أحب إليَّ، آخر وقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس، ولا أقول: إن آخر وقتها أن يكون ظل كل شيء مثليه، هذا أكثر)، فقال: (تعجيل) مكان قوله: (يؤخر). قال شيخ الإسلام في شرح العمدة ٢/ ٢٠٦: (وقد روى عنه صالح: "آخر وقت العصر ما لم تغيَّر الشمس"، وقال: "يؤخر الصلاة أحب إليَّ، آخر الوقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس"، فجعل القاضي وابنه هذه رواية ثانية بتصريحه بأن آخر الوقت أحب إليه، والأشبه والله أعلم أنه إنما قصد أن القول بجواز تأخير العصر أحب إلي من قول من لا يجوِّز تأخيرها إلى الاصفرار، فإن استحباب تأخير العصر بعيد جدًّا من مذهبه، وله مثل هذا الكلام كثيرًا ما يقول: (هذا أحب إليَّ) وليس غرضه الفعل، وإنما غرضه حكم الفعل، والأصل في ذلك ما تقدم من الأمر الكلي).
(٣) كتب على هامش الأصل: (لحديث بريدة الأسلمي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فقال: «بكروا في الصلاة في اليوم الغيم؛ فإن من فاتته صلاة العصر حبط عمله» رواه أحمد وابن ماجه.
(٤) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٢٤.
[ ٢ / ٢٠ ]
(ثُمَّ الْمَغْرِبُ)، وهو في الأصل مصدر غربت الشَّمس، بفتح الرَّاء وضمِّها، غُروبًا ومغربًا، ويطلق في اللغة على وقت الغروب ومكانه، فسمِّيت هذه بذلك؛ لفعلها في هذا الوقت، (وَهِيَ الْوَتْرُ)؛ أي: وتر النَّهار (^١)، وليس مراده الوتر المشهور، بل إنَّها وتر لكونها ثلاثَ ركعات.
(وَوَقْتُهَا: مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ) إجماعًا (^٢)؛ للأحاديث المستفيضة بذلك، وغَيبوبةُ الشَّمس سقوطُ قُرْصها، وحكى الماوردي: أنَّه لا بدَّ من غيبوبة الضَّوء المسْتَعْلِي عليها (^٣).
قلت: ويعرف الغروب في العمران بزوال الشُّعاع من رؤوس الجبال، وإقبال الظَّلام من المشرق.
ويمتدُّ وقتُها (إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ)، قال النَّوَوِيُّ: (وهذا هو الصَّحيح أو الصَّواب (^٤) الذي لا يَجُوزُ غيرُه) (^٥)؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى المغرب حين غابتِ الشَّمس، ثمَّ صلَّى المغرب في اليوم الثَّاني حين غاب الشَّفقُ» (^٦)،
_________________
(١) كتب على هامش (و): (قد ورد في تسميتها بوتر النهار حديث رواه الدارقطني في سننه قال: ثنا الحسن بن رشيق بمصر، حدثنا محمَّد بن أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا أبو خالد يزيد بن سنان، حدثنا يحيى بن زكريا الكوفي، حدثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب»، يحيى بن زكريا هذا يقال له: ابن أبي الحواجب ضعيف، ولم يروه عن الأعمش مرفوعًا غيره. انتهى).
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٣٨، مراتب الإجماع ص ٢٦.
(٣) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ١٩. وفي النجم الوهاج للدميري ٢/ ١٢ بعد أن نقل كلام الماوردي: (والإجماع منعقد على خلاف دعواه).
(٤) في (أ): والصواب. والمثبت موافق لما في شرح مسلم.
(٥) ينظر: شرح مسلم ٥/ ١١١.
(٦) أخرجه مسلم (٦١٤)، والنسائي (٥٢٣) عن أبي موسى الأشعري ﵁: «ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق»، وفي لفظ لحديث أبي موسى: «فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق في اليوم الثاني»، واللفظ الأخير عند أبي داود (٣٩٥). وأخرجه مسلم أيضًا (٦١٣) عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: «صل معنا هذين - يعني اليومين -»، فذكر في اليوم الأول: «ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس» وفي اليوم الثاني: «وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق»، وفي لفظ آخر لمسلم: «ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق»، وللترمذي (١٥٢): «إلى قبيل أن يغيب الشفق».
[ ٢ / ٢١ ]
وعن عبد الله بن عمْرٍو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وقتُ المغرب ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ» رواهما مسلمٌ (^١)، ولأنَّ ما قبل مغيب الشَّفق وقت لاستدامتها، فكان وقتًا لابتدائها؛ كأوَّل وقتها.
وقال (^٢) م ش (^٣) في المشهور عنهما: لها وقت واحدٌ مضيَّق مُقَدَّرٌ (^٤) آخره بالفَراغ منها.
وقالتِ الشَّافعيَّةُ (^٥): هو عُقَيبَ غروب الشَّمس بقَدْر ما يتطهَّر ويَستُرُ عَورتَه، ويؤذِّن ويُقِيم، ويُصلِّي خمسَ ركعات، قال بعضُهم: (وأكل لُقَمٍ يَكسِر بها (^٦) سَورة الجُوع (^٧)، والصَّحيح عندهم: أنَّه يأكل حتَّى يشبع (^٨)؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنَّبيِّ ﷺ في اليَومَين (^٩) حين غابتِ الشَّمس (^١٠).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦١٢)
(٢) في (د): فقال.
(٣) ينظر: مواهب الجليل ١/ ٣٩٢، الحاوي الكبير ٢/ ١٩.
(٤) في (أ): منذر.
(٥) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ١٩، المجموع ٣/ ٣١.
(٦) في (أ): بكسرتها.
(٧) في المصباح ١/ ٢٩٤: (سورة الجوع والخمر: الحدة).
(٨) ينظر: المجموع ٣/ ٣٢، نهاية المحتاج ١/ ٣٦٦.
(٩) في (ب): يومين.
(١٠) سبق تخريجه ٢/ ٩ حاشية (٦).
[ ٢ / ٢٢ ]
وأجيب: بحمله على الاستحباب والاختيار، وتأكيد فعلها أول الوقت، وما سبق على الجواز، مع أنَّها متضمِّنة لزيادة، وهي متأخِّرة عن حديث جبريل؛ لأنَّه كان أوَّل فرض الصَّلاة بمكَّة، وأحاديثُنا بالمدينة، فتكون ناسخةً لما يخالفها على تقدير التَّعارض.
(الْأَحْمَرِ)، كذا ذكره مُعظَم الأصحاب، قال النَّوويُّ: (وهو قول جمهور الفقهاء وأهل اللُّغة) (^١)؛ لما روى ابن عمر (^٢) مرفوعًا قال: «الشَّفقُ الحُمْرةُ (^٣)» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، والصحيح وقفه (^٤)، ولأنَّ الشَّمس أوَّل ما تَغرُب يَعقُبها شُعاعٌ، فإذا بعُدت عن الأفق قليلًا زال الشُّعاع، وبقِيَتْ حمرة، ثمَّ تَرِقُّ الحمرة، وتنقلب صفرةً، ثمَّ بياضًا على حسب البُعْد.
وعنه: الشَّفَقُ البياضُ، روي عن أبي هريرة (^٥) وأنس (^٦)؛ لأخبار لا حجَّة فيها إن صحَّت.
_________________
(١) ينظر: شرح مسلم ٥/ ١١٢.
(٢) في (أ): عمرو.
(٣) في (د) و(و): الأحمر.
(٤) أخرجه الدارقطني (١٠٥٦)، والبيهقي في الكبرى (١٧٤٤) ورجحا وقفه، وأخرج ابن خزيمة (٣٥٤)، من حديث عبدالله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: «ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق»، قال ابن خزيمة: (فلو صحت هذه اللفظة في هذا الخبر لكان في هذا الخبر بيان أن الشفق الحمرة، إلا أن هذه اللفظة تفرد بها محمد بن يزيد إن كانت حفظت عنه، وإنما قال أصحاب شعبة في هذا الخبر: «ثور الشفق» مكان ما قال محمد بن يزيد: «حمرة الشفق». ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٥١، السلسلة الضعيفة (٣٧٥٩).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٤٠)، وابن أبي شيبة (٣٣٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٩٦٩)، عن ابن لبيبة، قال: جئت إلى أبي هريرة فقال: «صل صلاة العشاء إذا ذهب الشفق وادلأم الليل من ههنا - وأشار إلى المشرق -، فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجلت بعد ذهاب بياض الأفق فهو أفضل»، إسناده ضعيف، ابن لبيبة هو عبد الرحمن بن نافع الطائفي، وهو مجهول.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٢١٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٩٦٦)، عن عاصم بن سليمان قال: كان أنس بن مالك إذا أراد أن يصلي العشاء قال لغلام له أو لمولاة له: «انظر هل استوى الأفقان؟»، إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (٨٩٥٦)، والفريابي في الصيام (٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٩٦٧)، عن موسى بن أنس: أن أنسًا كان يُصعِد الجارية فوق البيت، فيقول: «إذا استوى الأفق فآذنيني»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٢٣ ]
وعنه: هو الحمرة في السَّفر، وفي الحضر البياض، اختاره الخِرَقِيُّ، وعلَّله: بأنَّ (^١) في الحضر قد تنزل الحمرة فتُواريها الجدرانُ، فيُظنُّ (^٢) أنَّها قد غابت.
والأوَّل أصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ [الانشقاق: ١٦]، وقد قال الخليل بن أحمد وغيره: البياض لا يغيب إلاَّ عند طلوع الفجر (^٣).
(وَتَعْجِيلُهَا) أوَّلَ وقتها (أَفْضَلُ) إلاَّ لعذر إجماعًا (^٤)؛ لما رَوى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي المغربَ إذا وَجَبتْ» (^٥)، وعن رَافِع بن خَدِيجٍ قال: «كنَّا نصلِّي المغرب (^٦) مع النَّبيِّ ﷺ، فينصرف أحدُنا وإنَّه ليبصر مواقِع نَبله» متَّفَقٌ عليهما (^٧)، ولما فيه من الخروج من الخلاف.
(إِلاَّ لَيْلَةَ جَمْعٍ)، وهي ليلة المزدَلِفةِ، سمِّيت جَمْعًا؛ لاجتماع الناس فيها، وهي ليلة عيد الأضحى، (لمن قصدها)؛ أي: لمُحرِم قصدها، فيستحَبُّ له
_________________
(١) في (د): بأنه.
(٢) في (و): فتظن.
(٣) لم نجد هذا النقل عن الخليل، والذي نقله ابن قتيبة في غريب الحديث ١/ ١٧٧، ولسان العرب ١٠/ ١٨٠ عن الخليل أنه قال في الشفق الأبيض: (راعيته الى نصف الليل).
(٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٢/ ٣٦٩.
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦).
(٦) قوله: (المغرب) سقطت من (أ).
(٧) في (ب) و(د) و(و): عليها. والحديث أخرجه البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧).
[ ٢ / ٢٤ ]
تأخيرها ليصلِّيَها مع العشاء الآخِرةِ، إجماعًا (^١)؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ (^٢).
وكلامهم يقتضي: لو دفع من عرفة قبل الغروب، وحصل بالمزدلفة وقت الغروب؛ لم يؤخِّرها، ويصلِّيها في وقتها.
وظاهره: تعجيلها أفضلُ ولو مع غَيْم في روايةٍ، وهو (^٣) ظاهر «المستوعب» و«الكافي» و«التَّلخيص».
وفي أخرى: يُسنُّ تأخيرها معه، وهو الذي في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الرِّعاية».
وهل ذلك لكلِّ مُصَلٍّ، أو لمن يخرج إلى الجماعة؟ فيه وجهان.
فائدة: لا يُكرَه تسميتُها بالعشاء، وبالمغرب أولى.
(ثُمَّ الْعِشَاءُ)، قال الجوهري: (العَشِيُّ والعشِيَّةُ من صلاة المغرب إلى العَتَمة) (^٤)، والعِشاء بالكسر والمدِّ مثلُه، وهو اسم لأوَّل الظَّلام، سمِّيت الصَّلاة بذلك؛ لأنَّها تفعل فيه، ويقال لها: عِشاءُ الآخِرَةِ، وأنكره الأَصمَعِيُّ، وغلَّطوه في إنكاره (^٥).
(وَوَقْتُهَا: مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ)؛ أي: المعهود، وهو (الْأَحْمَرُ) إن كان في مكان يظهر له الأفق، وإن كان في مكان يستَتِرُ عنه الأفق بالجبال أو نحوها؛ استظهر حتَّى يغيب البياض، فيستَدِلُّ به على غيبوبة الحمرة لا لنفسه.
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير ٣/ ١٥٧، الفروع ١/ ٤٣١، ونقل ابن المنذر وابن حزم: الإجماع على استحباب الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة. ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٥٧، مراتب الإجماع ص ٤٥.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠)، من حديث أسامة بن زيد ﵄.
(٣) في (أ): وهي.
(٤) ينظر: الصحاح ٦/ ٢٤٢٦.
(٥) ينظر: المجموع شرح المهذب ٣/ ٤٢. وفيه: (العشاء الآخرة)، بدل: (عشاء الآخرة).
[ ٢ / ٢٥ ]
ويمتَدُّ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ)، نَصَّ عليه (^١)، واختاره الأكثر؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنبي ﷺ في اليوم الأوَّل حين غاب الشَّفق، وفي اليوم الثَّاني (^٢) حين كان ثلث اللَّيل الأول، ثمَّ قال: «الوقت فيما بين هذين» رواه مسلمٌ (^٣)، وعن عائشةَ قالت: «كانوا يصلُّون العَتَمة فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل» رواه البخاري (^٤).
(وَعَنْهُ: نِصْفِهِ)؛ أي: يمتَدُّ وقت الاختيار إلى نصف اللَّيل، اختاره القاضي وابن عَقِيل والشَّيخانِ، وقدَّمه ابن تميم، قال في الفروع (^٥): (وهو أظهر)؛ لما رَوى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَّرها إلى نصف اللَّيل، ثمَّ صلَّى، ثمَّ قال: «ألا صلَّى النَّاس وناموا، أما إنَّكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها» متَّفَقٌ عليه (^٦)، وعن عبد الله بن عَمْرو مرفوعًا قال: «وقت العشاء إلى نصف اللَّيل» رواه مسلمٌ (^٧).
وفي «المغني» و«الشَّرح»: أنَّ الأَوْلى أنَّها لا تؤخَّر عن ثلث اللَّيل؛ لأنَّه يجمع الرِّواياتِ، والزِّيادة تعارضت فيها الأخبار، وصحَّحه الحُلْوَانِيُّ.
لكن يقال: ثبت تأخيرها إلى نصف اللَّيل عنه ﵇ قولًا وفعلًا، وهو زيادة على الثُّلث، فيكون الأخذ به أَوْلى.
وفي «الوجيز»: يسنُّ تأخيرُها إلى ثلث اللَّيل إن سَهُل.
وفي «التَّلخيص»: ما بينهما وقت جوازٍ.
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٥٢، مسائل صالح ١/ ١٥٥، مسائل ابن هانئ ١/ ٣٩.
(٢) زيد في (و): في، وزيد في (د): إلى.
(٣) سبق تخريجه ٢/ ٩ حاشية (٦).
(٤) أخرجه البخاري (٨٦٤).
(٥) قوله: (في الفروع) هو في (أ): ابن تميم. والصواب المثبت.
(٦) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠).
(٧) أخرجه مسلم (٦١٢).
[ ٢ / ٢٦ ]
(ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ) على الخلاف فيه، (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ)؛ أي: الإدراك (إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي)؛ لقوله (^١) ﵇: «ليس في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليقَظَة، أن تُؤَخَّرَ (^٢) صَلاةٌ إلى أن يدخل وقتُ صلاةٍ أخرى» رواه مسلم من حديث أبي قتادة (^٣)، ولأنَّه وقت للوتر، وهو من توابع العشاء، فاقتضى أن يكون وقتًا لها؛ لأنَّ التَّابع إنَّما يُفعل في وقت المتبوع؛ كركعتي (^٤) الفجر.
والحكم فيه حكم الضَّرورة في وقت العصر على ما ذكرناه.
ويحرم تأخيرُها عن وقت الاختيار بلا عذر، ذكره الأكثر. وقدَّم في «الرِّعاية» وغيرِها الكراهة.
وظاهر «الرَّوضة»: يخرج الوقت مطلقًا بخروج وقت الاختيار (^٥).
ولم يذكر في «الوجيز» لها وقت ضرورة، قال في «الفروع»: (ولعله اكتفى بذكره في العصر، وإلاَّ فلا وجه لذلك).
ورَوى سعيدٌ عن ابن عبَّاس: «أنَّه كان يَستحِبُّ تأخيرها مطلقًا» (^٦)، قال النَّووِيُّ: (لم يقل أحد من الأئمَّة: إنَّ تأخيرها إلى بعد نصف اللَّيل أفضل من التَّقديم) (^٧).
_________________
(١) في (د) و(و): ولقوله.
(٢) في (ب) و(و): يؤخر.
(٣) أخرجه مسلم (٦٨١).
(٤) في (و): ركعتي.
(٥) زيد في (و): بلا عذر. والمثبت موافق لما في الفروع ١/ ٤٣٣.
(٦) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١١٠٣)، والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٠٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١١٢٦٥)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٢١٢٢)، عن عبيد الله بن أبي يزيد: كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هُود: ١١٤]. وإسناده صحيح.
(٧) ينظر: شرح مسلم ٥/ ١٣٨.
[ ٢ / ٢٧ ]
(وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ)، هذا بيان لمعنى الفجر الثَّاني، ويُسمَّى المستطير؛ لانتشاره في الأفق، قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسَان: ٧]؛ أي: منتَشِرًا فاشِيًا ظاهِرًا.
والفجرُ الأوَّلُ الكاذِبُ: المستطيلُ بلا اعتراض، أزرق، له شُعاعٌ ثمَّ يُظْلِمُ، ولدِقَّته يسمَّى ذَنَب السِّرحان، وهو الذِّئْب؛ لأنَّ الضَّوء يكون في الأعلى دون الأسفل؛ كما أنَّ الشَّعر يكون على أعلى الذَّنب دون أسفله.
وقال محمَّدُ بن حسنويه: (سمعت أبا عبد الله يقول: الفجر يطلع بليل، ولكنَّه يستره أشجار جِنان عدْن) (^١)، وهذا قريب ممَّا تقدَّم في زوال الشَّمس، لا بدَّ من ظهوره لنا، ولا يكفي وجوده في نفس الأمر.
(وَتَأْخِيرُهَا) إلى آخر وقتها المختارِ بحيث يفعلها فيه (أَفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ)، في قول أكثر العلماء من الصَّحابة ومَن بعدهم؛ لما رَوى أبو بَرْزَةَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يَستَحبُّ أن يُؤَخِّرَ العِشاءَ التي تدعونها العَتَمة» متَّفَقٌ عليه (^٢)، وروى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم أن يؤخِّروا العِشاء إلى ثلث اللَّيلِ أو نصفِه» رواه أحمد، والتِّرمذي وصحَّحه (^٣).
ومحلُّه ما لم تؤخَّرِ (^٤) المغربُ لغَيم أو جَمْع.
وظاهره: أنَّه إذا شقَّ على المأمومِين - والأصحُّ: أو على بعضهم-؛ فإنَّه
_________________
(١) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٣، المقصد الأرشد ٢/ ٣٩٨. ومحمد بن حسنويه، صاحب الأدم، من أصحاب الإمام أحمد، نقل عنه أشياء. ينظر: المراجع السابقة.
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧).
(٣) أخرجه أحمد (٧٤١٢)، والترمذي (١٦٧)، وابن ماجه (٦٩١)، وابن حبان (١٥٣١)، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن الملقن، وحسَّنه الألباني. ينظر: البدر المنير ١/ ٧١٦، صحيح ابن داود ١/ ٨١.
(٤) في (ب) و(و): يؤخر.
[ ٢ / ٢٨ ]
يُكرَه، ونَصَّ عليه في رواية الأثرم (^١)؛ لأنَّه ﵇ كان يأمر بالتَّخفيف رِفْقًا بهم (^٢).
وظاهِرُه: أنَّها تؤخَّر ولو مع غَيم. وعنه: يُستَحبُّ تعجيلها معه.
وهل ذلك لكلِّ مصلٍّ، أو لمن يخرج إلى الجماعة؟ فيه وجهان، ذكرهما ابن تميم.
نعم؛ ويلتحق بما ذكره: عادم الماء العالم أو الرَّاجي وُجُودَه في آخر الوقت؛ أنَّ التَّأخير أفضل، وكذا تأخيرها لمصلِّي كسوف إن أمِن فوتَها، ولو أمره والده بتأخيرها ليصلِّي معه أَخَّر، نَصَّ عليه (^٣)، ويقدَّم في الكل إذا ظن مانعًا منها.
فائدة: لا يُكرَه تسميتُها بالعَتَمة في الأصحِّ، وهي في اللُّغة: شدَّة الظُّلمة، والأفضل أن تسمَّى العشاء.
فرع: يكره النَّوم قبلها؛ لحديث أبي برزة (^٤) الأسلمي (^٥)، متفق عليه.
وعنه: بلا مُوقِظٍ؛ «لأنَّه ﵇ رخَّص لعليٍّ» رواه أحمد (^٦).
_________________
(١) ينظر: المغني ١/ ٢٨٥، فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٠٤.
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧)، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء».
(٣) من رواية أبي بكر بن حماد المقري. ينظر: الفروع ٣/ ٤٢٧.
(٤) في (أ): أبي هريرة.
(٥) كتب على هامش الأصل و(د): («أنَّ رسول الله ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها»).
(٦) أخرجه أحمد (٨٩٢)، ولفظه: «كنت رجلًا نؤومًا، وكنت إذا صليت المغرب وعلي ثيابي نمت، فأنام قبل العشاء، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فرخص لي»، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو صدوق سيئ الحفظ جدًّا، كما في التقريب، وفيه أيضًا جدة ابن الأصبهاني تروي عن علي، وهي غير معروفة. قال ابن رجب: (وروي موقوفًا، وهو أشبه)، وذكر أنه روي مرفوعًا بلفظ: (يا رسول الله إني رجل نؤوم، وقد نهيت عن النوم قبل العشاء، وعن السمر بعدها؟ فقال: «إن يوقظك فلا بأس»، وفيه سوار بن مصعب، متروك الحديث، ورفعه لا يثبت. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢.
[ ٢ / ٢٩ ]
والحديث بعدها في الجملة إلاَّ لشغل (^١) وشيءٍ يسير، والأصحُّ: وأهلٍ وعيالٍ.
وسبب الكراهة: أنَّ نومه يتأخَّر، فيخاف منه تفويت الصُّبح عن وقتها أو عن أوَّلِه، أو يفوته قيام اللَّيل ممَّن يعتاده، وعلَّله القُرطُبِيُّ: بأنَّ الله جعل اللَّيل سكَنًا (^٢)، وهذا يخرجه عن ذلك.
ويُستثنى منه: ما إذا كان في خير؛ كقراءة حديثٍ، ومذاكرةِ فقه، وحكايات الصَّالحين، وإيناس الضَّيف؛ لأنَّه خيرٌ ناجِزٌ، فلا يترك لمفسدة متوهَّمة (^٣).
(ثُمَّ الْفَجْرُ)، سمِّي به؛ لاِنفجارِ الصُّبح، وهو ضوء النَّهار إذا انشقَّ عنه اللَّيل، وقال الجوهري: (هو في (^٤) آخِر اللَّيل؛ كالشَّفق في أوله، وقد أفجرنا كما تقول (^٥): قد أصبحنا من الصُّبح) (^٦)، وهو مثلَّثُ الصَّاد، حكاه ابن مالك (^٧)، وهو ما جمع بياضًا وحُمرة، والعرب تقول: وجه صبيح؛ لما فيه من بياض وحمرة.
_________________
(١) في (أ): لغسل.
(٢) ينظر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ٢/ ٢٧١.
(٣) في (أ): يتوهمة.
(٤) قوله: (في) سقط من (أ) و(و).
(٥) في (أ) و(د) و(و): يقول.
(٦) ينظر: الصحاح ٢/ ٧٧٨.
(٧) ينظر: إكمال الأعلام بتثليث الكلام ٢/ ٣٥٥.
[ ٢ / ٣٠ ]
ولا يُكرَه تسميتُها بصلاة الغداة في الأصحِّ، وهي من صلاة النهار، نَصَّ عليه (^١).
(وَ) أوَّلُ (وَقْتِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) إجماعًا (^٢)، ويُسمَّى الصَّادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصُّبح، ويمتدُّ وقتها المختار (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ لما روى عبد الله بن عمرو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وقت الفجر ما لم تطلع الشَّمس» رواه مسلم (^٣).
وقال القاضي وابن عَقيل وابن عبدوس: يذهب وقت الاختيار بالإسفار، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشَّمس، قدَّمه في «الرِّعاية».
فعلى هذا؛ يُكرَه التَّأخير بعد الإسفار بلا عذر، وقيل: يَحرُم.
قال ابن البَنَّاء: وبطلوع الشَّمس وغروبها يعتبَرُ في كلِّ بلد بحسبه.
فائدة: وقت الفجر يَتبَعُ اللَّيلَ، فيكون في الشِّتاء أطول من الصَّيف، والعشاء على العكس.
قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (ومن زعم أنَّ وقت العشاء بقدر حصَّة الفجر في الشَّتاء وفي الصَّيف، فقد غلِط غلَطًا بيِّنًا باتِّفاق النَّاس) (^٤).
(وَتَعْجِيلُهَا) أوَّلَ الوقت إذا تيقَّنه أو غلب على ظنِّه (أَفْضَلُ)، قدَّمه في «الكافي» و«المستوعب» و«الرِّعاية»، ونصره المؤلِّف، وجزم به في «الوجيز»، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لما رَوتْ عائشةُ قالت: «كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاةَ الفجر متلفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلِبْنَ إلى بيوتهنَّ حين يَقضِين الصَّلاةَ ما يعرفهنَّ أحد من الغَلَس» متَّفَقٌ عليه (^٥)، وعن
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ١٩.
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٣٨، مراتب الإجماع ص ٢٦.
(٣) أخرجه مسلم (٦١٢).
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٤.
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٢)، ومسلم (٦٤٥).
[ ٢ / ٣١ ]
أبي مسعود الأنصاريِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ غلَّس بالصُّبح، ثمَّ أسفر، ثمَّ لم يَعُد إلى الإسفار حتَّى مات» رواه أبو داود وابن خزيمة في «صحيحه»، قال الحازمي: (إسناده ثقات، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ) (^١)، قال ابن عبد البَرِّ: (صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ وعثمانَ أنَّهم كانوا يغلِّسون (^٢)، ومحالٌ أن يتركوا الأفضلَ وهم النِّهاية في إتيان الفضائل) (^٣).
(وَعَنْهُ: إِنْ أَسْفَرَ الْمَأْمُومُونَ (^٤)؛ فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ)، وهو الذي في «التَّحقيق»، وجزم به الشَّريف وأبو الحسين، وأبو الخَطَّاب في «رؤوس المسائل»، قال الحُلْوانِيُّ: (العملُ عليها)، وصحَّحها ابن عَقيل، قال القاضي:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٤)، وابن خزيمة (٣٥٢)، بلفظ: «وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر»، صححه الخطابي، وحسنه النووي، والألباني، وهو في البخاري (٥٢١) ومسلم (٦١٠)، مجملًا من غير تفصيل المواقيت، وأعلَّ الخطيب البغدادي وابن رجب رواية تفصيل المواقيت؛ لتفرد أسامة بن زيد الليثي فيها دون بقية أصحاب الزهري، قال الدارقطني: (أدرجه في حديث أبي مسعود). ينظر: علل الدارقطني ٦/ ١٨٥، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي ص ١٠١، فتح الباري لابن رجب ٤/ ١٦٣ - ١٦٧ صحيح أبي داود ٢/ ٢٥١.
(٢) أثر أبي بكر وعمر ﵄: أخرجه ابن ماجه (٦٧١)، وأبو يعلى الموصلي (٥٧٤٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠٥٣)، وابن حبان (١٤٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٢١٤٤)، عن مغيث بن سُمَي، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلَّم، أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر، أسفر بها عثمان»، وحسنه البخاري كما ذكر البيهقي عن الترمذي. وأثر عثمان: أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٤١)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٥٧)، عن إياس الحنفي، قال: «كنا نصلي مع عثمان الفجر، فننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض»، وإياس مجهول، وله شواهد يتقوى بها.
(٣) ينظر: التمهيد ٤/ ٣٤٠.
(٤) في الأصل و(أ): المأمون.
[ ٢ / ٣٢ ]
نقلها عبدُ الله والحسن بن ثواب (^١)؛ لفعله ﵇ في العِشاء، فينبغي أن يكون في الفجر مثلُه، ولمَّا بعث النَّبيُّ ﷺ مُعاذًا إلى اليمن فقال (^٢): «يا معاذُ إذا كان الشِّتاءُ فغلِّسْ بالفجرِ، وإذا كان الصَّيفُ فأسفرْ؛ فإنَّ اللَّيلَ قصيرٌ، والنَّاسُ ينامُون» رواه أبو سعيد الأُمَوِيُّ في «مغازيه» والبَغَوِيُّ في «شرح السُّنَّة» (^٣).
وظاهره: اعتبار حال المأمومين كلِّهم، والمذهب كما صرَّح به الشِّيرازيُّ والجَدُّ: أو أكثرهم، ولعلَّه مراد من أطلق.
وعنه: الإسفار أفضل مطلقًا؛ لما روى الطحاويُّ عن محمَّد بن خُزَيمةَ، عن القَعْنَبِيِّ، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: «ما اجتمع أصحاب النَّبيِّ ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير» (^٤)، وعن عليٍّ وابنِ مسعود: «أنَّهما كانا يُسفِران بها» رواه سعيدٌ (^٥)، وعن رافع بن خَدِيج:
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤١، زاد المسافر ٢/ ٩٠، الروايتين والوجهين ١/ ١١٠.
(٢) في (أ): قال.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٩)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٦)، وفي سنده: المنهال بن الجراح، وقد وقع قلبٌ في اسمه وصوابه: الجراح بن منهال، وهو راوٍ متروك متهم بالكذب، وحكم الألباني على الحديث بالوضع. ينظر: لسان الميزان ٢/ ٤٢٦، السلسلة الضعيفة (٩٥٥).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠٩٧)، وأخرجه أبو يوسف في الآثار (٩٨)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٦)، وأسانيده إلى إبراهيم النخعي صحيحة، ولم يلق إبراهيم أحدًا من الصحابة ﵃، قاله ابن المديني. ينظر: جامع التحصيل ص ١٤١.
(٥) أثر علي ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٢١٦٥)، وابن أبي شيبة (٣٢٤٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠٧٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٥٩)، عن علي بن ربيعة، سمعت عليًّا يقول لمؤذنه: «أسفر أسفر» - يعني صلاة الصبح -. وإسناده صحيح. وأثر ابن مسعود ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٢١٦٠)، وابن أبي شيبة (٣٢٤٩)، وأحمد في المسند (٣٨٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠٩٢)، وابن خزيمة (٢٨٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٦٠)، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كان عبد الله بن مسعود يسفر بصلاة الغداة»، وصحح الحافظ إسناده في الدراية (١/ ١٠٤).
[ ٢ / ٣٣ ]
أنَّ النَّبيَّ ﷺ (^١) قال: «أسفِروا بالفجر؛ فإنَّه أعظمُ للأجر» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان (^٢).
ويُستثنى من ذلك: الحاجُّ بمزدَلِفةَ.
لكن حكى التِّرمذيُّ عن الشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ: أنَّ معنى الإسفار أن يضيء الفجر فلا يُشَكُّ فيه (^٣)، قال الجوهري: (أسفر الصُّبح، أي: أضاء) (^٤)، يقال: أسفرتِ المرأةُ عن وجهها؛ إذا كشفته وأظهرته.
(وَمَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيَرةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)، جزم به في «التَّلخيص»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»، واختاره أبو الخَطَّاب؛ لما رَوتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أدركَ سجدةً مِنْ العصر قبلَ أن تغربَ الشَّمسُ، أو مِنْ الصُّبح قبل أن تطلُعَ الشَّمسُ؛ فقد أدركها» رواه مسلم، وللبخاريِّ: «فليُتِمَّ صلاتَهُ» (^٥)، وكإدراك الجمعة، والمسافِر صلاةَ المُقِيم.
وذكر القاضي: أنَّه يدركها بإدراك أيِّ جزء كان، قال: وهو ظاهر كلام الإمام.
وظاهره: لا فرق بين أن يكون أخَّرها لعذر؛ كحائض تَطهُر، ومجنونٍ يُفيق، أو لغيره.
ومحلُّه في غير الجمعة، كما قيَّده في «الوجيز» وغيرِه، وهو الأصحُّ فيها.
_________________
(١) قوله: (أن النبي ﷺ سقط من (ب).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٢٧٩)، وأبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، وابن حبان (١٤٩٠)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
(٣) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٢٢٣.
(٤) ينظر: الصحاح ٢/ ٦٨٧.
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٦) ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (٦٠٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٣٤ ]
وعنه: لا تدرك (^١) بدون ركعة، اختارها الخِرَقِيُّ، وصحَّحها الحُلْوانيُّ؛ لتخصيص الشَّارع الإدراك بالرَّكعة، وهو متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة (^٢)، وكالجمعة.
ومقتضاه: أنَّ الصَّلاةَ كلَّها أداءٌ إذا وقع بعضها خارج الوقت في ظاهر المذهب، ولو صلَّى دون ركعة، ولهذا ينويه، وقطع به أبو المعالي في المعذور؛ اعتبارًا بالتَّحريمة.
وقيل: قضاءً؛ اعتبارًا بالسَّلام؛ فإنَّه وقت سقوط الفرض.
وقيل: الخارج عن الوقت.
ولا تبطل (^٣) بخروج وقتها (^٤) وهو فيها هـ (^٥) في الفجر؛ لوجوبها كاملةً، فلا تؤدَّى ناقصةً، ومثله عصر أمسه تغرب وهو فيها.
(وَمَنْ شَكَّ فِي) دخول (الْوَقْتِ؛ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ)؛ لأنَّ الأصل عدم دخوله، فلو صلَّى مع الشَّكِّ؛ لم يصحَّ وإن أصاب، كما لو صلَّى مَنْ اشتبهت عليه القِبلة من غير اجتهاد.
وقال ابن حمدان: من أحرم بفرض مع ما ينافيه، لا مع ما ينافي الصَّلاة، عمدًا أو جهلًا أو سهوًا؛ فسَد فرضُه، ونفله يحتمل وجهين.
فلو غلب على ظنِّه دخولُه؛ كمن له صنعة جرت عادته بعمل شيء مقدَّر إلى وقت الصَّلاة، أو قارئ جرت عادته بقراءة شيء فقرأه؛ جازت صلاته، جزم به جماعةٌ؛ لأنَّه أمر اجتهادِيٌّ، فاكتُفي فيه بغلبة الظَّنِّ كغيره، ولأنَّ
_________________
(١) في (د): يدرك.
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، ولفظه: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة».
(٣) في (د) و(و): يبطل.
(٤) في (أ) بخروجه.
(٥) ينظر: المحيط البرهاني ١/ ٢٧٨،
[ ٢ / ٣٥ ]
الصَّحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظَّنِّ (^١)، ولا يعيد بحال، صرَّح به في «المحرَّر»، إلاَّ أن يتبين أنَّ صلاتَه قَبلَ الوقت.
وأمَّا إذا تيقَّن؛ كالعالِم بالمواقيت ودقائق السَّاعات وبسَيْر (^٢) الكواكب إذا لم يكن في السَّماء عِلَّة ولا مانع؛ فمن باب أَوْلى.
وقيل: إن قدر على اليقين؛ لم يعمل بالظَّن، وهو ظاهر ما قدَّمه ابن تميم.
(فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ)؛ أي: بدخول الوقت (مُخْبِرٌ) ثِقةٌ (^٣) (عَنْ يَقِينِ) علم؛ بأن قال: رأيت الفجر طالِعًا، والشَّفقَ غارِبًا؛ (قَبِلَ قَوْلَهُ)؛ لأنَّ خبره مع الثِّقة يفيد وجوب العمل به، ولأنَّه خبر دِينيٌّ أشبه الرِّواية، وظاهره: ولو أمكنه اليقين.
(وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ؛ لَمْ يَقْبَلْهُ)؛ لأنَّه يقدر على الصَّلاة باجتهاد نفسه (^٤)، وتحصيل (^٥) مثل ظنِّه، أشبه حال اشتباه القبلة، زاد ابن تميم وغيره: إلاَّ أن يتعذَّر عليه الاجتهادُ، فيعمَل بقوله.
والأعمى والمطمور القادران على التَّوصُّل بالاستدلال؛ كالبصير القادر (^٦)؛ لاستوائهما (^٧) في إمكان التَّقدير بمرور الزَّمان.
فإن كان الأعمى عاجزًا عن معرفته بنفسه؛ قلَّد بصيرًا عالِمًا به، فإن عَدِم من يقلِّده، فاجتهد وصلَّى؛ أعاد إن أخطأ، وإلاَّ فلا، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه،
_________________
(١) يشير إلى ما أخرجه البخاري (١٩٥٩)، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس».
(٢) في (أ): وكسير.
(٣) زيد في (ب): أو سمع أذان ثقة عارف.
(٤) في (أ): معه.
(٥) في (و): ويحصل.
(٦) زيد في (و): ومتى.
(٧) في (أ): لاستوائهم.
[ ٢ / ٣٦ ]
وسيأتي، والأصحُّ: أنَّه يعيد مطلقًا.
تذنيب: إذا سمع أذان ثقة عارف بالوقت؛ فله تقليده؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه لا يؤذِّن إلاَّ بعد دخول الوقت، فجرى مجرى خبرِه، ولأنَّه مؤتَمَن، لكن قال ابن عَقيل وأبو المعالي وابن تميم: لا يعمل به في دار الحرب حتَّى يعلم إسلامَه.
وفي كتاب أبي المعالي و«الرِّعاية»: لا أذان في غَيم؛ لأنَّه عن اجتهاد، ويجتهد هو، فدلَّ أنَّه لو عرف أنَّه يعرف الوقت بالسَّاعات، أو تقليدِ عارِفٍ؛ عمل به، جزم به المجْدُ، وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (قال بعض أصحابنا: لا يعمل بقول المؤذِّن مع إمكان العلم بالوقت، وهو خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبَرِين) (^١).
قلت: ومن الأَمارات: صياح الدِّيك المجرَّب، وكثرة (^٢) المؤذِّنين.
(وَمَتَى اجْتَهَدَ) قال الجَوهريُّ: (الاجتهادُ بَذلُ الوُسع في المجهود) (^٣)، وفي «الرَّوضة»: الاجتهاد التَّامُّ: أن يبذل الوسع في الطَّلب إلى أن يحسَّ (^٤) من نفسه بالعجز عن مزيد طلب، (وَصَلَّى، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ)؛ أجزأه؛ لأنَّ الصَّلاة وقعت الموقع؛ لكونه أدَّى ما خُوطِب به وفُرض عليه (^٥).
(أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ)؛ لأنَّ الصَّلاة تقع بعد الوقت قضاءً، وهو مسقِطٌ للفرض، ومجزِئٌ عنه (^٦).
_________________
(١) ينظر: الاختيارات ص ٥٢.
(٢) في (د) و(و): ذكره.
(٣) ينظر: الصحاح ٢/ ٤٦١، لكن فيه: (والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود).
(٤) في (و): يخشى.
(٥) قوله: (وصلى فبان أنه وافق الوقت أجزأه) إلى هنا سقط من (و).
(٦) قوله: (تقع بعد الوقت قضاء، وهو مسقط للفرض، ومجزئ عنه) هو في (و): (وقعت الموقع، لكونه أدى ما خوطب به وفرض عليه).
[ ٢ / ٣٧ ]
(وَإِنْ (^١) وَافَقَ قَبْلَهُ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لأنَّه أدَّاها قبل وقت الوجوب، ويكون نفلًا، صرَّح به في «الوجيز» و«الرِّعاية»، وكذا إذا ظنَّ أنَّ عليه فائتةً فأحرم بها، فبان أنَّها ليست عليه.
وقيل: تبطل.
وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه إذا أخبره ثقةٌ عن علمٍ أنَّه صلَّى قبل الوقت؛ أعاد، وإلاَّ فلا.
ولا بدَّ من الفرق فيما إذا اجتهد في القبلة وصلَّى؛ فلا إعادة عليه وإن أخطأ، بخلاف الاجتهاد في الوقت، والفرق بينهما: أنَّ المجتهِد في القِبلة أدَّى (^٢) الصَّلاة بعد وجوبها عليه، وفي الوقت أدَّاها قبل وجوبها، ثمَّ تجدد (^٣) سبب الوجوب.
وأيضًا: فإنَّ تحصيل اليقين في الوقت ممكن، بخلاف القِبلة، ذكره ابن المُنَجَّى (^٤)، وفي الآخير نظر.
(وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ) وهو مكلَّف (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ)؛ أي: تكبيرة الإحرام، ولكن أطلقه أحمد والأصحاب، فلهذا قيل: بجزء، (ثُمَّ) طرأ ما يسقط الفرض عنه، كما إذا (جُنَّ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ؛ لَزِمَهُمُ الْقَضَاءُ)، ذكره الأكثرُ، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّها وجبت بدخول الوقت، والأصل عدم سقوطها، وكآخر الوقت، وكالتي أمكن أداؤها.
وظاهر كلامهم: أنَّ المسألة مصوَّرة بدخول الوقت، ولكن إدراك جزء من الوسط كذلك.
_________________
(١) في (و): فإن.
(٢) في (د): أي.
(٣) في (د): تجرد، وفي (و): يجوز.
(٤) في (د) و(و): منجا.
[ ٢ / ٣٨ ]
وعنه: أنَّه لا قضاء عليه إلاَّ أن يدرك منه ما يتمكَّن من فعلها، اختاره ابن أبي موسى وابن بَطَّة، كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت.
واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أن يضيق الوقت (^١).
وفي وجوب الثَّانية من صلاتي الجمع بوجوب الأُولى روايتان:
إحداهما: يجب، ويلزمه قضاؤها، كما لو أدرك جزءًا من وقت العصر.
والثَّانية (^٢): لا، وهي الأصحُّ؛ لأنَّه لم يدرك شيئًا من وقتها، ولا (^٣) وقت تَبَعِها، أشبه من لم يدرك شَيئًا، بخلاف الثَّانية؛ فإنَّها تُفعل تَبَعًا للأُولى، فمُدرِك (^٤) وقتها مدرِكٌ لجزء (^٥) من وقتِ تَبَعِ (^٦) الأُولى.
(وَإِنْ) طرأ تكليف؛ بأن (بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ولو (بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ)، وهو الأصحُّ، وقيل: يجزئ كبعض تكبيرة، وفي «الفروع»: (وظاهر ما ذكره أبو المعالي حكاية القول بإمكان الأداء، وقد يؤخذ منه حكاية القول بركعة، فيكون فائدة المسألة، وهو متَّجِهٌ)؛ (لَزِمَهُمُ الصُّبْحُ)؛ أي: صلاة الصُّبح؛ لما تقدَّم من قوله: «من أدرك سجدةً من الفجر قبل أن تطلع الشَّمسُ فقد أدركها» (^٧)، فقوله: سجدةً؛ أي: مقدار سجدة.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٦٣، الاختيارات ص ٥٣.
(٢) في (أ): والثاني.
(٣) زاد في (ب): (من)، وهو موافق لما في الشرح الكبير ٣/ ١٨١.
(٤) في (د) و(و): فيدرك.
(٥) في (و): بجزء.
(٦) في (د): يسع.
(٧) أخرجه مسلم (٦٠٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣٩ ]
(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ)؛ لما روى سعيد والأثرم عن ابن عبَّاس وعبد الرحمن بن عوف أنَّهما قالا: «إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشَّمس؛ صلَّت الظُّهرَ والعصر، وإذا رأت الطُّهر قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء»، ورواه الخلاَّل والبَيْهَقِيُّ عن عبد الرَّحمن، وفي الإسناد ضعف (^١)، ولم يعرف لهما في الصَّحابة مخالِفٌ، قال أحمد: (عامَّة التَّابعين يقولون به إلاَّ الحسن وحده قال: لا يجب إلاَّ الصَّلاة التي طهرت (^٢) فيها) (^٣)؛ لأنَّ وقت الثَّانية وقت للأُولى حال العذر، فإذا أدركه (^٤) المعذور؛ لزمه فرضها، كما يلزمه (^٥) فرض الثَّانية، ولأنَّ ما دون الرَّكعة تجب به الثَّانية، فوجبت (^٦) به الأولى كالرَّكعة.
وظاهره: ولو لم يتَّسع لفعلها، وقدر ما تجب به الثَّانية، ولا يُعتَبَر زمن يتَّسِع للطَّهارة، نَصَّ عليه (^٧).
_________________
(١) أثر ابن عباس ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (٧٢٠٧)، والدارمي (٩٢٢)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٥)، والبيهقي في الكبرى (١٨١٦)، ومداره على يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف. وأثر عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٧٢٠٥)، وحرب الكرماني - تحقيق السريع - (٦٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٤)، والبيهقي في الكبرى (١٨١٥)، عن مولىً لعبد الرحمن بن عوف عنه. قال الحافظ: (لم يعرف حاله). وقد احتج أحمد في مسائل صالح وعبد الله بهذين الأثرين وأفتى بهما. ينظر: مسائل صالح ٣/ ١٠١، مسائل عبد الله ص ٥٤، التلخيص الحبير ١/ ٤٨٥.
(٢) في (أ): تطهرت.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٢٨٧، وينظر: نص أحمد في قضاء الصلاة وما يجمع إليها في زاد المسافر ٢/ ٧٠.
(٤) في (د) و(و): أدرك.
(٥) في (د) و(و): لزمه.
(٦) في (أ): فوجب.
(٧) ينظر: الفروع ١/ ٤٣٨، شرح الزركشي ١/ ٤٩٦.
[ ٢ / ٤٠ ]
(وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ)؛ لما ذكرناه، وعلَّل أبو الخَطَّاب ذلك: بأنَّ من لزمه عصر يومه لزمه ظهر يومه؛ كالمُغمَى عليه إذا أفاق قبل الغروب.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ) بعذر أو غيرِه؛ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) وفاقًا (^١).
وقال بعضُ الظَّاهريَّةِ: إنَّ غير المعذور لا يَقضِي (^٢)، واختاره الشيخ تقي الدين (^٣)، وحكاه ابن (^٤) كج عن ابن بنت الشَّافِعِيِّ (^٥)، وحكمتُه: التَّغليظُ عليه.
(عَلَى الْفَوْرِ (^٦) في المنصوص (^٧)، إن لم يتضرَّر في بدنه أو معيشةٍ (^٨) يحتاجها، نَصَّ عليه (^٩)؛ لما رَوى أنسٌ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من نام عن
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ٦٧، الذخيرة ٢/ ٣٨٠، البيان للعمراني ٢/ ٥١، الشرح الكبير ٣/ ١٨٣.
(٢) ينظر: المحلى لابن حزم ٢/ ١٠.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٠.
(٤) سقط من (أ).
(٥) ينظر: التمهيد للأسنوي ص ٢٥٢. ونقله شيخ الإسلام في الاختيارات ص ٥٣ عن أبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وهو ابن بنت الشافعي. وابن كج: هو أبو القاسم يوسف بن أحمد بن يوسف بن كج الكجي الدينوري؛ أحد أئمة الشافعية، صنف كتبًا كثيرة، وكان يضرب به المثل في حفظه لمذهب الشافعي، توفي سنة ٤٠٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٧/ ٦٥، سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٨٣. وابن بنت الشافعي: هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي الشافعي نسبًا ومذهبًا، وهو ابن بنت الشافعي الإمام، قال النووي: (وكنيته أبو محمد، .. ويقع في كتب أصحابنا اختلاف كثير جدًّا في اسمه وكنيته) وقيل: أبو عبد الرحمن، كان واسع العلم، جليلًا فاضلًا، قيل: لم يكن في آل شافع بعد الإمام الشافعي أجلُّ منه، قال النووي: (وانفرد ابن بنت الشافعي هذا بمسائل غريبة). ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٩٦، طبقات الشافعية ٢/ ١٨٦.
(٦) كتب على هامش الأصل و(د): أي: في الحال.
(٧) ينظر: مسائل صالح ١/ ٣٦١، مسائل ابن منصور ٢/ ٤٢٩.
(٨) في (ب) و(و): معيشته.
(٩) ينظر: مسائل عبد الله ص ٥٦.
[ ٢ / ٤١ ]
صلاةٍ أو نسِيَها فليصلِّها إذا ذكرها» متَّفقٌ عليه، ولفظه للبخاريِّ (^١)، وفي روايةٍ: «مَنْ نسيَ صلاةً فوقتُها إذا ذكرها» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادٍ فيه ضَعفٌ (^٢)، فأمر بالصَّلاة عند الذِّكر، والأمر للوجوب، وإنَّما تحوَّل ﵇ بأصحابه لمَّا ناموا، وقال: «إنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشَّيطانُ» (^٣)؛ لأنَّه سُنَّة، كفعل سُنَّة قبل الفرض.
وقيل: لا يجب القضاء على الفور.
وعلى الأول: يجوز التَّأخير لغرض صحيحٍ؛ كانتظار رُفقةٍ أو جماعةٍ للصَّلاة.
(مُرَتَّبًا) على الأصحِّ؛ لما روى جابِرٌ عن عمرَ بن الخطَّاب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ فاتته صلاةُ العصر يوم الخندق، فصلاَّها بعدما غربت الشَّمس، ثمَّ صلَّى بعدها المغرب»، متفق عليه (^٤)، وعن ابن عمر مرفوعًا: «من نسيَ صلاةً فلم يذكرها إلاَّ وهو مع الإمام؛ فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي، ثم ليعد الصَّلاة التي صلاها مع الإمام (^٥)» رواه أبو بكر، وأبو يعلى المَوصِليُّ بإسنادٍ حسَنٍ (^٦)، ولأنَّها صلواتٌ مؤقَّتات، فوجب التَّرتيب فيها كالمجموعتَين، ولأنَّ القضاء يحكي الأداء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٥٦٥)، والطبراني في الأوسط (٨٨٤٠)، والبيهقي (٣١٨٣)، فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو ضعيف، بل قال البخاري وغيره: (منكر الحديث)، ونقل البيهقي عن البخاري وغيره أنهم قالوا: (الصحيح عن أبي هريرة وغيره عن النبي ﷺ ما ذكرنا، ليس فيه: «فوقتها إذا ذكرها»). ينظر: البدر المنير ٢/ ٦٥٨.
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (٦٣١).
(٥) قوله: (فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي، ثم ليعد الصَّلاة التي صلاها مع الإمام) سقط من (أ).
(٦) أخرجه أبو يعلى الموصلي كما في المطالب العالية (٣/ ٨٤٢، رقم ٤٤٥)، والطبراني في الأوسط (٥١٣٢)، والبيهقي (٣١٩٣)، مرفوعًا، وفيه إسماعيل بن إبراهيم، أبو إبراهيم الترجماني، قال ابن حجر في التقريب ص ١٠٥: (لا بأس به)، وقد وهم في رفعه، والصواب وقفه كما رجحه الدارقطني والبيهقي، ورواه موقوفًا مالك في الموطأ (١/ ١٦٨)، وعبد الرزاق (٢٢٥٥).
[ ٢ / ٤٢ ]
فظاهره: يختصُّ بحالة العذر.
وجوابه: أنَّه إذا وجبت الفوريَّة والتَّرتيب على المعذور؛ فغيره أَوْلى، وإنَّما قيَّده بالنِّسيان؛ لأنَّه قد خرج على سبب.
وعنه: لا يجب التَّرتيب، قاله في «المبهج»؛ لأنَّ كلَّ واحدة عبادة مستقلَّة، والأداء إنَّما كان واجبًا في الأوَّل لضرورة الوقت؛ وكالصَّوم (^١).
وأسقط القاضي في موضعٍ الفوريَّةَ والتَّرتيبَ فيما زاد على خمس.
وعلى الأوَّل: التَّرتيب شرط لصحَّتها، فلو أخلَّ به؛ لم يصحَّ؛ كالرُّكوع والسُّجود.
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمال: يجب التَّرتيب ولا يعتبر للصِّحَّة).
مسألة: يُستَحَبُّ أن يصلِّي الفائتة جماعة.
ومن شكَّ فيما عليه من الصَّلاة؛ فإن شكَّ في زمن الوجوب؛ قضى ما يعلم وجوبه، وإن شكَّ في الصَّلاة بعد الوجوب؛ قضى ما يعلم فيه (^٢) براءة ذمَّته، نَصَّ عليه (^٣).
(قَلَّتْ) الفوائتُ (أَوْ كَثُرَتْ)؛ لأنَّ التَّرتيب واجِبٌ، فلم يَسقُط بالكثرة، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، لكن إذا قلَّت الفوائت؛ قضاها بسنَّتِها، وإن كثرت فالأَوْلى الاقتصار على الفرض؛ لفعله (^٤) ﵇ يوم الخندق (^٥).
_________________
(١) في (أ): كالصوم.
(٢) في (د) و(و): به.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٧٣.
(٤) في (د) و(و): كفعله.
(٥) سبق تخريجه قريبًا ٢/ ٤٢ حاشية (٤).
[ ٢ / ٤٣ ]
واستثنى أحمد سنَّة الفجر، وقال: (لا يهملها) (^١)، وقال في الوتر: (إن شاء قضاه، وإن شاء فلا) (^٢)، ونقل مُهنَّى: (يقضي سنَّة الفجر لا (^٣) الوتر) (^٤)؛ لأنَّه دونها.
وأطلق القاضي وغيره: يقضي السُّنن والوتر كما يقضي غيره من الرَّواتب، نَصَّ عليه (^٥).
ولا يصحُّ نفل مطلق على الأصحِّ؛ لتحريمه، كأوقات النَّهي.
وكذا يتخرَّج في النَّفل المبتدَأ بعد الإقامة، أو عند ضيق وقت المؤدَّاة مع علمه بذلك وتحريمه.
فائدة: قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (إن عجز فمات بعد التَّوبة؛ غُفر له) (^٦)، قال: (ولا تسقط بحجٍّ، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثَّلاثة، ولا غير ذلك) (^٧).
(فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ)؛ سقط وجوب التَّرتيب في الصَّحيح المشهور في المذهب؛ لئلاَّ تصيرا فائتتَين، وفعل الحاضرة آكد؛ بدليل أنَّه يُقتل بتركها بخلاف الفائتة، ولأنَّ ترك التَّرتيب أيسرُ من ترك الوقت.
وعنه: لا يسقط، اختاره الخلاَّل؛ لأنَّه ترتيب، فلم يسقط بضيق الوقت؛ كترتيب الرُّكوع والسُّجود.
ونقل ابن منصور: (إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتَّسع لها وقت الحاضرة؛
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٤٣٩.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٩٥، الفروع ١/ ٤٣٩.
(٣) في (أ): إلا.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٤٣٩.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٥٦، الفروع ١/ ٤٣٩.
(٦) ينظر: الفروع ١/ ٤٤١.
(٧) ينظر: الاختيارات ص ٥٣.
[ ٢ / ٤٤ ]
صلى الحاضرة (^١) في أوَّل وقتها) (^٢)، وهي اختيار أبي حفص، وصحَّحه في «المغني»؛ لأنَّه إذا لم يكن بدٌّ من الإخلال بالتَّرتيب؛ ففعلها في أوَّل الوقت ليحصل (^٣) فضيلة الوقت والجماعة أَوْلى، ولأنَّ فيه مشقَّةً، فإنَّه يتعذَّر معرفة آخِر الوقت في حقِّ أكثر النَّاس.
فعلى الأوَّل: المراد بفوات الحاضرة: ضيق وقتها حتَّى لا يتَّسع لفعلهما جميعًا.
وقيل: ما لا يتَّسع لفعل الفائتة وإدراك الحاضرة.
وهل خروج وقت الاختيار كخروج الوقت؟ فيه وجهان.
ولا يشتغل عن الحاضرة بالقضاء، فإن خالف وقضى؛ صحَّ، نَصَّ عليه (^٤)، لا نافلة في الأصحِّ.
وظاهره: لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها، فإنَّ خوف فوت الجمعة كضيق (^٥) الوقت في سقوط التَّرتيب، نصَّ عليه (^٦)، فيصلِّي الجمعة قبل القضاء.
وعنه: لا يسقط، قال جماعة: لكنْ عليه فعل الجمعة في الأصح، ثمَّ يقضيها ظهرًا.
فإن كان الذي عليه الفائتة الإمام في الجمعة، وصلاَّها مع ذكره، فإن سقط التَّرتيب لضيق الوقت؛ صحَّت الجمعة، وقضى ما عليه، وإن قلنا: لا
_________________
(١) قوله: (صلى الحاضرة) سقط من (أ).
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٤٧.
(٣) في (أ): لتحصل.
(٤) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٣٥.
(٥) في (د) و(و): لضيق.
(٦) في رواية مهنى. ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٣٣.
[ ٢ / ٤٥ ]
يسقط؛ أعاد الجمعة إن (^١) كان الوقت باقيًا.
فإن ذكر الفائتة قبل إحرامه بالجمعة؛ استناب فيها، وقضى الفائتة، فإن (^٢) أدرك الجمعة مع نائبه (^٣)، وإلاَّ صلَّى ظهرًا.
وإن لم يفعل، وصلَّى بهم؛ فعلى الخلاف.
وقيل: يلزمه أن يقضي، ثمَّ يأتي بما يدرك به الجمعة، وهو أشبه.
(أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ) بين فوائت حالَ قضائِها، أو بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتَّى فرَغ منها؛ (سَقَطَ وُجُوبُهُ)، وليس عليه إعادةٌ، نصَّ عليه في رواية الجماعة (^٤)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لأمَّتي عن الخطأ والنِّسيان» (^٥)، ولأنَّ المنسيَّة ليس عليها أَمَارة، فجاز أن يؤثِّر فيها النِّسيان؛ كالصِّيام.
_________________
(١) في (أ): إذا.
(٢) في (د) و(و): وإن.
(٣) في (د) و(و): فائتة.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٣٢.
(٥) روي هذا الحديث من طرق عدة، منها: حديث ابن عباس، مرفوعًا: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان (٧٢١٩)، والحاكم (٢٨٠١)، وأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣)، من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، وهذا الحديث اختلف فيه: فممن قواه العقيلي حيث خرجه من حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر ﵄ ثم قال: (وهذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد)، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وحسنه النووي، وصححه الألباني، وأعله الإمام أحمد وأبو حاتم، ومحمد بن نصر المروزي،، سأل عبد الله الإمام أحمد عن الحديث: (فأنكره جدًّا، وقال: ليس يُروى فيه إلا عن الحسن عن النبي ﷺ، وحكم عليها أبو حاتم بأنها منكرة، ولا يثبت منها شيء، وقال ابن رجب بعد ذكره لإسناد حديث ابن عباس: (وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في الصحيحين وقد خرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، كذا قال، ولكن له علة …)، ثم ذكر كلام أحمد وأبي حاتم، ورجح إرساله. وللحديث شاهدان صحيحان يؤيدان معناه: الأول: حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧)،: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم». والثاني: ما أخرجه مسلم (١٢٦) وغيره عن ابن عباس ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦] قال الله تعالى: قد فعلت» الحديث، وبوَّب أبو عوانة في مستخرجه (٢١٩) على الحديث بقوله: (بيان رفع الخطأ والنسيان عن المسلمين وما حدثت به أنفسها ووسوست). واللفظ الذي ذكره المصنف: (عفي لأمتي)، مشهور عند الفقهاء، وهو عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٩٤)، قال ابن عدي: (منكر). ينظر: العلل للإمام أحمد ١/ ٥٦١، علل ابن أبي حاتم (١٢٩٦)، الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٤٥، المحلى لابن حزم ٣/ ٤٢٧، جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، التلخيص الحبير ١/ ٦٧١، الإرواء ١/ ١٢٣.
[ ٢ / ٤٦ ]
وعنه: لا يسقط مع النِّسيان؛ كالمجموعتَين.
وجوابه: أنَّه لا يتحقَّق فيهما؛ إذ لا بدَّ من نيَّة الجمع، وهو متعذِّر (^١) مع النِّسيان.
وظاهره: لا فرق بين أن يكون ذكر الفائتة ثمَّ نسيها، أو لم يسبق لها ذكر.
وأنَّه لا يسقط التَّرتيب بخشية فوات الجماعة في الحاضرة على الأصحِّ.
ولا بالجهل بوجوبه (^٢) في الأصحِّ؛ لأنَّه نادرٌ، ولأنَّه (^٣) اعتقد بجهله خلاف الأصل، وهو التَّرتيب، فلم يعذر.
فلو صلَّى الظُّهر، ثمَّ الفجر جاهلًا، ثمَّ صلَّى العصر في وقتها؛ صحَّت عصره (^٤) لاعتقاده (^٥) لا صلاة عليه، كمن صلاها ثمَّ تبيَّن (^٦) أنَّه صلَّى الظُّهر بلا وضوء؛ أعاد الظُّهر.
_________________
(١) في (د) و(و): يتعذر.
(٢) قوله: (بالجهل بوجوبه) هو في (أ): (بالجهل بوضوئه).
(٣) في (د) و(و): وأنه.
(٤) زيد في (د): الطهارة إن.
(٥) قوله: (لاعتقاده) سقطت من (أ).
(٦) في (أ): تيقن.
[ ٢ / ٤٧ ]
وإن نسي ظهرًا وعصرًا من (^١) يومين، وجهل السَّابقة؛ فعنه: يبدأ بالظُّهر، ثمَّ بالعصر؛ اعتبارًا بالتَّرتيب الشَّرعي. وعنه: يتحرَّى.
فإن استويا؛ فعنه: بما شاء. وعنه: يصلِّي ظهرين بينهما عصرًا، وبالعكس؛ لأنَّه أمكنه أداء فرضه بيقين، قال في «المغني»: وهو القياس.
فرع: إذا ذكر فائتةً في حاضرةٍ؛ أتمَّها غير الإمام. وعنه: وهو نفلًا. وقيل: فرضًا. وعنه: تبطل (^٢).
وإن نسي صلاةً من خمس يجهل عينَها؛ صلَّى خمسًا، نصَّ عليه (^٣)، بنيَّة الفرض. وعنه: فجرًا، ثمَّ مغربًا، ثمَّ رُباعيةً.
وإن ترك عشر سجدات من صلاة شهر (^٤)؛ قضى صلاة عشرة أيَّام؛ لجواز تركه كلَّ يوم سجدة، ذكره أبو المعالي.
_________________
(١) في (د) و(و): في.
(٢) في (ب) و(د) و(و): يبطل.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٤٨، زاد المسافر ٢/ ١٧٨.
(٤) في (و): فجر.
[ ٢ / ٤٨ ]