يُسَنُّ الخروجُ إليها بسكينةٍ ووَقَارٍ؛ لخبر أبي هريرة في الصَّحيحين (^١)، ويقارِب خُطاه، ويقول ما ورد، فمنها: ما رواه أحمدُ عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ خرجَ من بيتِهِ إلى الصَّلاةِ فقال: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بحقِّ السَّائلينَ عليك، وأسألُكَ بحقِّ مَمْشايَ هذا، فإنِّي لم أخرُج أشَرًا، ولا بَطَرًا، ولا رِياءً، ولا سُمعةً، خرجتُ اتِّقاءَ سخطِكَ، وابتغاءَ مرْضاتِكَ، فأسألك أن تُنقِذني مِنَ النَّار، وأن تَغفِرَ لي ذنوبي، إنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنتَ؛ أقبل اللهُ إليه بوجهِهِ، واستغفرَ له سبعونَ ألفَ ملَكٍ» (^٢).
فإذا وصل (^٣) المسجدَ؛ قدَّم رِجلَه اليُمنَى في الدُّخول، واليُسرَى في عكْسه، ويقول ما ورد، ولا يُشبِّك أصابعَه، ولا يخوض في حديث الدُّنيا، ويجلِس مستقبِل القِبلةِ.
وإن سَمِع الإقامةَ؛ لم يَسْعَ إليها إذا كان خارجَه، ونصُّه: (لا بأْسَ به يسيرًا إن طمِع أنَّه يدرك التَّكبيرةَ الأُولى)، واحتجَّ بأنَّه جاء عن الصَّحابة، وهم مختلِفون (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢).
(٢) أخرجه أحمد (١١١٥٦)، وابن ماجه (٧٧٨)، من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية، عنه به، وعطية هو العوفي وهو صدوق يخطئ كثيرًا كما في التقريب، وأعله أبو حاتم بالوقف، وأخرجه موقوفًا ابن أبي شيبة (٢٩٢٠٢)، وله شاهد من حديث بلال ﵁، أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٥)، لكن في إسناده الوازع بن نافع العقيلي الجزري، قال عنه ابن معين وأحمد: (ليس بثقة)، وقال البخاري: (منكر الحديث)، وضعفه الألباني. ينظر: علل ابن أبي حاتم ٥/ ٣٦٥، ميزان الاعتدال ٤/ ٣٢٧، السلسلة الضعيفة (٢٤).
(٣) في (د) و(و): دخل.
(٤) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٦٦، المغني ١/ ٣٢٨. احتج أحمد في رواية مهنى بفعل الصحابة كما في الطبقات ١/ ٣٦٦، فمما ورد: أثر ابن مسعود ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٣٤١٠)، ومن طريقه الطبراني (٩٣٦٠)، عن سلمة بن كهيل، أن ابن مسعود سعى إلى الصلاة، فقيل له: فقال: «أوليس أحق ما سعيت إليه الصلاة»، وأخرجه ابن أبي شيبة (٧٣٩٨)، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن ابن مسعود نحوه. وهذا مرسل. وأخرج ابن المنذر (١٩٢٩)، والطبراني (٩٢٥٩)، عن ليث بن أبي سليم، عن رجل من طيئ، عن أبيه، قال: كان عبد الله ينهانا عن السعي إلى الصلاة، فخرجت ليلة، فرأيته يشتد إلى الصلاة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، كنت تنهانا عن السعي إلى الصلاة، فرأيتك الليلة اشتددت إليها؟ قال: «إني بادرت حد الصلاة»، يعني التكبيرة الأولى. ليث ضعيف، وفيه رجلان مبهمان، ولعل أحد الطريقين يتقوى بالآخر. وأثر ابن عمر ﵄: أخرج مالك (١/ ٧٢)، ومن طريقه الشافعي (٧/ ٢٦٥)، وعبد الرزاق (٣٤١١)، وابن أبي شيبة (٧٣٩٥)، عن نافع: «أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ١٦١ ]
(السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)، كذا في «الكافي» وغيرِه؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفعَل ذلك» رواه ابن أبي أَوْفَى (^١)، ولأنَّه دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ، فاستُحبَّ المبادرةُ إليها، قال ابن المنذر: (أجمع على هذا أهلُ الحرمَين) (^٢).
وهذا إنْ رأى الإمامَ، وإلاَّ قام عند رُؤيته.
وقيل: إن كان الإمام غائبًا لم يَصِلْ إلى المسجد.
وقيل: أو في المسجد؛ لم يقوموا حتَّى يرَوه.
وذكر في «الشَّرح»: أنَّه إن كان في المسجد أو قريبًا منه؛ قاموا قبل رُؤيته، وإلاَّ فلا.
وعنه: ينبغي أن تُقام (^٣) الصُّفوف قبل أن يدخل الإمام.
_________________
(١) أخرجه البزار (٣٣٧١)،، وابن عدي في الكامل ٢/ ٥٣٥، والبيهقي (٢٢٩٧)، ولفظه عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: «كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة؛ نهض رسول الله ﷺ بالتكبير»، وفي سنده الحجاج بن فروخ قال ابن معين: (ليس بشيء).
(٢) لم نجده في كتب ابن المنذر، وينظر: المغني ١/ ٣٣١.
(٣) في (و): يقام.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وذكر بعض أصحابنا: الأَوْلى أن يقوم إمامٌ، ثمَّ مأمومٌ.
ولا يُحرِم الإمامُ حتَّى تَفرُغَ الإقامةُ، نَصَّ عليه (^١)، وهو قول جلِّ أئمَّة الأمصار.
وعُلم منه: جوازُ إقامةِ المقيمِ قبل ذلك.
والمراد بالقيام إليها: هو التَّوجُّه إليها؛ ليَشمَل العاجِزَ عنه.
(ثُمَّ يُسَوِّي الْإِمَامُ الصُّفُوفَ) بالمناكِبِ والأَكعُبِ استحبابًا، فيَلتَفِت عن يمينه فيقول: استوُوا رحمكم الله، وعن يساره كذلك، وفي «الرِّعاية»: يقول عن يساره: اعتدِلوا رحمَكم اللهُ.
ويُكمَل الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويَتراصُّون، قال أَنَسٌ: «كانَّ النَّبيُّ ﷺ يُقبِل علينا بوجهه قبل أن يكبِّرَ فيقول: تراصُّوا واعتَدِلوا» متَّفقٌ عليه، زاد البخاريُّ: «فإنِّي أراكُم من وراءِ ظَهْري» (^٢)، ورُوي عن عمرَ وعُثمانَ (^٣).
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه: يجبُ تسويةُ الصُّفوف، وهو ظاهِر كلام شيخنا؛ «لأنَّه ﵇ رأى رجلًا بادِيًا صدرُه، فقال: لتُسَوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالِفَنَّ اللهُ بين وُجوهِكم» (^٤)، ومَن ذَكَر الإجماعَ على استحبابه؛ فمرادُه ثبوتُ استحبابه، لا نَفيُ وجوبِه).
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦١، زاد المسافر ٢/ ٢٠٥.
(٢) أخرجه البخاري (٧١٩)، ومسلم (٤٣٣).
(٣) أثر عمر ﵁ أخرجه مالك في موطأ محمد بن الحسن (٩٧)، وعبد الرزاق (٢٤٣٩)، وبكر بن بكار في جمهرة الأجزاء الحديثية (٣٩)، عن نافع عن ابن عمر قال: «كان عمر لا يكبر حتى تعتدل الصفوف، يوكل بذلك رجالًا»، وإسناده صحيح. وأثر عثمان ﵁ أخرجه مالك (١/ ١٥٨)، ومن طريقه عبد الرزاق (٢٤٠٨) والطحاوي في مشكل الآثار (١٤/ ٢٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٢٩٣)، عن مالك الأصبحي قال: كنت مع عثمان بن عفان، فقامت الصلاة، وفيه: حتى جاءه رجال قد كان وكَّلهم بتسوية الصفوف فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: «استوفي الصف، ثم كبَّر»، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦).
[ ٢ / ١٦٣ ]
فائدة: يمينُه والصَّفُّ الأوَّل، وهو ما يقطعه المنبر، وعنه: ما يليه للرِّجال؛ أفضل، وله ثوابه وثواب من وراءه ما اتَّصلت الصُّفوف، وكلَّما قرُب منه فهو أفضل، وظاهر ما حكاه أحمد عن عبد الرَّزَّاق: أنَّ بقربه أفضل (^١)، ومرادُهم: أنَّ بُعْدَ يمينه ليس أفضلَ من قُرْبِ يَساره.
وللأفضلِ تأخيرُ المفضولِ والصَّلاةُ مكانَه، فتُستثنَى (^٢). وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا.
وفي كراهة ترك الصَّف الأوَّل لقادِرٍ وجهان.
والصَّفُّ الأخيرُ للنِّساءِ أفضلُ.
(ثُمَّ يَقُولُ) قائمًا في فرض مع القدْرة: (اللهُ أَكْبَرُ)، فلا تَنعَقِد (^٣) إلاَّ بها نُطقًا، وما رُوي عن بعضهم أنَّه سنَّةٌ، وأنَّ الدُّخول فيها يكفي فيه مجرَّد النِّيَّة؛ فقال النَّوَوِيُّ: (إنَّه لا يصحُّ عنهم مع هذه الأحاديث) (^٤).
(لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا)، نَصَّ عليه؛ لما رَوى عليٌّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مفتاحُ الصَّلاةِ الطُّهورُ، وتحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، ورُوي مرسَلًا، قال التِّرمذي: (هذا أصحُّ شَيء في هذا الباب، والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم) (^٥)، وقال النَّبيُّ
_________________
(١) هكذا في الأصل وباقي النسخ الخطية المعتمدة، والذي في الفروع ٢/ ١٦٠: (تقدمه أفضل).
(٢) في (ب) و(و): فيستثنى.
(٣) في (أ) و(ب): ولا تنعقد.
(٤) ينظر: شرح مسلم للنووي ٤/ ٩٦، وعبارته: (لا أظن هذا يصح عن هؤلاء الأعلام مع هذه الأحاديث الصحيحة).
(٥) أخرجه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁ به، وفي سنده ابن عقيل وهو صدوق في حديثه لين، وللحديث شواهد أخرى تقويه، وصححه ابن السكن، وحسنه البغوي، وروي من حديث جابر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وغيرهم، ﵃. ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ٣٤٨، البدر المنير ٣/ ٤٤٧، صحيح أبي داود ١/ ١٠٢.
[ ٢ / ١٦٤ ]
ﷺ: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ امرئٍ حتَّى يضعَ الطُّهورَ مواضِعَهُ، ثمَّ يستقبِلَ القِبلةَ، ويقول: اللهُ أكبرُ» رواه أبو داود من حديثِ رِفاعة (^١)، وقال ﵇ للمسيء في صلاته: «إذا قمتَ فكبِّرْ» متَّفقٌ عليه (^٢)، ولم يُنقَل أنَّه كان يستفتِحها بغير ذلك.
فلا تنعقِد (^٣) بقول (^٤): اللهُ الأكبر (^٥)، أو الكبيرُ، أو الجليل، ولا: (الله أقبر) بالقاف، ولا: (الله) فقط. وقيل: يكره، ويصحُّ في الأُوليين (^٦).
وظاهره: أنَّه إذا نَكَّسه لا يصحُّ، وهو المشهور.
مسألة: إذا مدَّ همزةَ (اللهُ) لم تنعقِد (^٧)؛ لأنَّه غيَّر المعنى، فصار استفهامًا، وكذا إن قال: أكْبار؛ لأنَّه بقي (^٨) جمع كَبَرٍ، وهو الطَّبْل، وإن مطَّطه (^٩)؛ كُرِه مع بقاء المعنى وصحَّت.
فرع: إذا تمَّمه راكعًا، أو أتى به فيه، أو كبَّر قاعدًا، أو أتمَّه قائمًا؛ انعقد (^١٠) في الأصحِّ نفلًا؛ لسقوط القيام فيه، ويدرك الرَّكعة إن كان الإمام
_________________
(١) أخرجه أبو داود من طريقين (٨٥٧، ٨٥٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٤٥٢٦)، ولفظه عند أبي داود: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء يعني مواضعه ثم يكبر …»، وعند الطبراني: «فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر» وهو حديث صحيح، ووقع في طريق أبي داود الأول علة خفية أشار إليها أبو حاتم، وحسن إسناده البزار، وصححه الألباني. ينظر: مسند البزار ٩/ ١٧٧، صحيح أبي داود ٤/ ٧.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
(٣) في (أ) و(ب) و(د): ولا ينعقد.
(٤) في (أ) و(ب) و(د): بقوله.
(٥) في (د) و(و): أكبر.
(٦) في (د) و(و): الأولين.
(٧) في (و): ينعقد.
(٨) في (أ): نفى.
(٩) في (أ): شطَّه.
(١٠) في (ز): انعقدت.
[ ٢ / ١٦٥ ]
في نفل، ذكره القاضي.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا؛ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا)؛ لأنَّها ركن في الصَّلاة، فلزمه تعلُّمها كالفاتحة، زاد في «الرِّعاية»: في مكانه أو فيما قرُب منه.
وقال في «التَّلخيص»: إن كان في البادية؛ لزِمه قصدُ البلد لتعلُّمه، ولا يكفيه التَّرْجمة بدلًا، بخلاف التيمُّم.
(فَإِنْ) عجَز، أو (خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ؛ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ)، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه، وصحَّحه ابن تميم، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه عجَز عن اللفظ، فلزمه الإتيانُ بمعناه؛ كلفظة النِّكاح.
وعنه: لا يكبِّر إلاَّ بالعربيَّة، اختاره الشَّريف؛ لأنَّه ذِكرٌ تعيَّنتْ صيغته، فلم يترجم عنه؛ كالقراءة، وكالقادر، فيُحرِم بقلبه، وقيل: يجب تحريك لسانه، وإن قدر على البعض قاله.
وحكم الذِّكر الواجبِ؛ كالتَّكبير في ذلك، بخلاف المسنون، فإنَّه لا يَأتِي به بغير العربيَّة، نَصَّ عليه، فإن ترجم عنه؛ بطلت.
فرعان:
الأوَّل: إذا عرف لسانًا فارسيًّا وسريانيًّا؛ فثالثها: يخيَّر، ويقدَّمان على التُّركي، وقيل: يخيَّر كما يخيَّر بين التُّركي والهنديِّ.
الثَّاني: يَلزَم الأخرسَ ومن سقط عنه النُّطقُ؛ تحريكُ لسانه بقدر الواجب من القراءة ونحوِها، ذكره القاضي وصاحب «التَّلخيص» وغيرُهما؛ لأنَّ الصَّحيحَ يَلزَمه النُّطقُ بتحريك لسانه، فإذا عجَز عن أحدهما لزِمه الآخَرُ.
واختار المؤلِّف، ورجَّحه في «الشَّرح»: لا، كمن سقط عنه القيامُ سقط عنه النُّهوضُ إليه وإن قدَر عليه؛ لأنَّه عبَثٌ، ولم يَرِدِ الشَّرع به؛ كالعبَثِ بسائر جوارحه، وإنَّما لزم القادر ضرورةً.
(وَ) يُستحبُّ أن (يَجْهَرَ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ) بحيث يُسمِع مَنْ خلفَه، وأدناه
[ ٢ / ١٦٦ ]
سماعُ غيره، وذلك مطلوبٌ؛ لما فيه مِنْ متابَعة المأمومين لإمامهم، وكذا جهره بتسميعٍ وسلامٍ وقراءةٍ في جهرية، فإن لم يمكنه إسماعهم؛ جهَر به بعضهم ليُسمِعهم؛ لما في الصَّحيح عن جابر قال: «صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ وأبو بكر خلفَه، فإذا (^١) كبَّر رسولُ الله ﷺ كبَّر أبو بكرٍ ليُسمِعَنا (^٢)» (^٣).
وكذا حكم جهرِه (^٤) بتحميدٍ وسلامٍ لحاجةٍ، فيُسنُّ.
(وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ)؛ أي: بالتَّكبير (وَبِالْقِرَاءَةِ)؛ لأنَّه لا حاجة إليه، وربَّما لبَّس على المأمومِين، وإنَّما سُنَّ له الإسرارُ بها في حال إخفاء الإمام لا في حال جهره؛ لأنَّه يُسنُّ له الإنصاتُ، والجمعُ بين مسنونيَّة الإسرارِ والإنصاتِ متناقِضٌ.
(بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ)؛ لأنَّه يجب على كل مصلٍّ أن يجهَر بكلِّ (^٥) قولٍ واجب بقدر ما يُسمِعُ نفسَه؛ لأنَّه لا يكون كلامًا بدون الصَّوت، وهو ما يتأتَّى سماعُه، وأقرب السَّامعين إليه نفسه، وهذا ليس يفيد في مسنونية ذلك؛ لأنَّه لو رفع صوتَه بحيث يُسمِعُ من يليه فقط؛ لكان مُسِرًّا آتيًا بالمقصود.
وهذا إن (^٦) لم يَمنَع مانِعٌ من سماع نفسه، فإن كان؛ فبحيث يحصل السَّماع مع عدمه.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) ندبًا بغير خلاف نعلمه (^٧) عند افتِتاحها، وليس بواجب اتِّفاقًا، ويقال لتاركه: تارك السُّنَّة، وقال القاضي: لا بأس أن يقال: هو مبتدِعٌ.
_________________
(١) في (و): فلما.
(٢) في (أ) و(ب): يسمعنا.
(٣) أخرجه مسلم (٤١٣).
(٤) في (أ) و(ب) و(د) و(و): جهرٍ.
(٥) في (د): كل.
(٦) في (و): إذا.
(٧) ينظر: الأوسط ٣/ ١٣٧، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ١٢٧.
[ ٢ / ١٦٧ ]
فإن عجَز عن رفع إحدى يديه؛ رفع الأخرى، فإن (^١) كانتا في كُمَّيه رفعهما؛ لخبر وائل بن حجر (^٢).
(مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ)؛ أي: يكون ابتداءُ الرَّفع مع ابتداء التَّكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، نَصَّ عليه (^٣)، وهو الصَّحيح؛ لما رَوى وائلُ بنُ حُجْر: «أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ يرفع يدَيه مع التَّكبير» (^٤)، ولأنَّ الرَّفع للتَّكبير فكان معه.
وعنه: يرفعهما قبل التَّكبير (^٥)، ثمَّ يحطُّهما بعده؛ لأنَّه يَنفِي الكبرياءَ عن غير الله، وبالتَّكبير يُثبِتُها لله، والنَّفي مقدَّم؛ ككلمة الشَّهادة.
وقيل: يُخَيَّر، قال في «الفروع»: (وهو أظهر).
فإن ترك الرَّفع حتَّى فَرَغ من التَّكبير؛ لم يرفَع؛ لأنَّها سنَّةٌ فات محلُّها.
(مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ)؛ لقول أبي هريرة: «كان النَّبيُّ ﷺ يرفَع يدَيه مدًّا» رواه
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ز): وإن.
(٢) كتب على هامش (و): (قوله: "لخبر وائل بن حجر"، هو ما أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما عن وائل: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبَّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، كلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع ..» الحديث، وعنه أيضًا قال: «أتيت النبي ﷺ في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة» رواه أبو داود).
(٣) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ١٣.
(٤) أخرجه أحمد (١٨٨٤٨)، من طريق أبي البختري، عن عبد الرحمن بن اليحصبي، عن وائل بن حجر به، وفي سنده عبد الرحمن بن اليحصبي الكوفي، وثقه ابن حبان. وأخرجه أبو داود (٧٢٥)، والبيهقي (٢٣١٢)، من طريق المسعودي، حدثني عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن أبي أنه حدثهم، وحسنه الألباني. ينظر: الإرواء ٣/ ١١٣.
(٥) كتب على هامش (و): قوله: (وعنه يرفعهما قبل التكبير) هذا هو الأظهر؛ لحديث أبي حميد الذي رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والتِّرمذي وابن ماجه ولفظ أبي داود: «كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر حتى يقر كل عضو في موضعه معتدلًا».
[ ٢ / ١٦٨ ]
أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (^١).
(مَضْمُومًا بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)، هذا هو المذهبُ؛ لأنَّ الأصابع إذا ضُمَّت تَمتدُّ.
وعنه: مُفرَّقَةً (^٢)؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كبَّرَ نَشَر أصابعَهُ» ذكره أحمدُ، ورواه التِّرمذي، وقال: (إنَّه خطأٌ) (^٣)، ثمَّ لو صحَّ كان معناه المدُّ؛ لأنَّ النَّشر لا يقتضي التَّفريق؛ كنشر الثَّوب.
ويكون مستقبِلًا ببطونهما القِبلة، ذكره ابن تميم و«المبهج» و«الفروع»، ولم يذكرْه آخرون منهم المؤلِّف.
وقيل: قائمةً حال الرَّفع والحطِّ.
(إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ إِلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ)، ذكره في «التَّلخيص» وغيرِه، واختاره الخِرَقِيُّ، قال في «الفروع»: (وهي أشهر)؛ لما روى ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة رفع يدَيه حتَّى يكونا حَذوَ منكبَيه، ثمَّ يكبِّر» متفق عليه (^٤)، وعن مالك بن الحُوَيْرِث: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يرفع إلى فروع
_________________
(١) قوله: (لقول أبي هريرة: «كان النبي ﷺ يرفع يديه مدًّا») إلى هنا سقط من (د). والحديث: أخرجه أحمد (٨٨٧٥)، وأبو داود (٧٥٣)، والترمذي (٢٤٠)، وابن خزيمة (٤٧٣)، وإسناد صحيح، رجاله ثقات، وهو أصح من اللفظ الذي سيأتي تخريجه قريبًا: «إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعَهُ».
(٢) كتب فوقها في (و): (وهو قول الشافعي).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٣٩)، وابن خزيمة (٤٥٨)، وفي سنده يحيى بن اليمان وهو صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغير، قاله ابن حجر في التقريب، وهو مع هذا خالف غيره من الثقات في رواية الحديث، قال الترمذي: (وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا» وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن اليمان في هذا الحديث)، وكذا رجح أبو حاتم خطأ ابن اليمان في هذا الحديث. ينظر علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٣٤.
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠).
[ ٢ / ١٦٩ ]
أذنَيه» رواه مسلم (^١)، وظاهره التَّخيير؛ لصحَّة الرِّواية بهما.
وعنه: يرفعهما إلى منكبَيه، اختاره الأكثرُ، وذكر في «الشَّرح»: أنَّ مَيلَ أبي عبد الله إلى هذا أكثرُ؛ لكثرة رُواته من الصَّحابة، وقربِهم.
وعنه: إلى فروع أذنيه، اختاره (^٢) الخلاَّل وصاحبُه.
وعنه: إلى صدره.
ونقل أبو الحارِث: يجاوِز بهما أذنيه (^٣)؛ لأنَّه ﵇ فَعَلَه.
وقال أبو حفص: يجعل يدَيه حذوَ منكبَيه، وإبهامَيه عند شحمة أذنيه؛ جمعًا بين الأخبار، وقاله في التَّعليق.
ومن لم يقدِر على الرَّفع المسنون؛ رفع حسبَ إمكانه، وإن لم يمكن رفعهما إلاَّ بزيادة على أذنيه؛ رفعهما؛ لأنَّه يأتي بالسُّنَّة وزيادةٍ، ويسقط بفراغ التَّكبير كلِّه (^٤).
فائدة: كشْفُ يدَيه هنا وفي الدُّعاء أفضلُ، ورفعُهما إشارةً إلى رفع الحجاب بينه وبين ربِّه، كما أنَّ السَّبَّابةَ إشارةٌ إلى الوحدانية، ذكره ابن شهاب.
(ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ (^٥) الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى)، نَصَّ عليه (^٦)؛ «لأنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٩١).
(٢) في (و): رواه مسلم واختاره.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ١٦٨.
(٤) كتب على هامش (و): قال في المغني: فأما المرأة؛ قد ذكر القاضي فيها روايتين عن أحمد؛ إحداهما: ترفع؛ لما روى الخلاَّل بإسناده عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين: (أنهما كانا يرفعان أيديهما)، وهو قول طاوس، ولأنَّ من شرع في حقِّه التكبير شرع في حقه الرفع كالرجل، فعلى هذا ترفع قليلًا، قال أحمد: (رفع دون رفع). والثانية: لا يشرع؛ لأنه في معنى التجافي، ولا يشرع ذلك لها، بل تجمع نفسها في الركوع والسجود وسائر صلاتها.
(٥) قوله: (كف يده) هو في (أ) و(ب) و(د): كفه من.
(٦) ينظر: الفروع ٢/ ١٦٨.
[ ٢ / ١٧٠ ]
النَّبيَّ ﷺ وضَع اليمنى على اليسرى» رواه مسلم من حديث وائل، وفي رواية لأحمد وأبي داود: «ثمَّ وضَع يدَه اليُمنى على كفِّه اليُسرى (^١) والرُّسْغِ والسَّاعِدِ» (^٢). (^٣)
ونقل أبو طالب (^٤): بعضُها على الكفِّ، وبعضُها على الذِّراع، لا بطنها على ظاهر كفِّه اليسرى، وجزم بمثله القاضي في «الجامع».
ومعناه: ذُلٌّ بين يدَيْ عِزٍّ، نقله أحمد بن يحيى الرَّقِّي (^٥).
وعنه: يخيَّر.
وعنه: يرسلهما في صلاة الجنازة.
وعنه: في صلاة التطوُّع.
(وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) في أشهر الرِّوايات، وصحَّحها ابن الجوزي وغيره؛ لقول عليٍّ: «من السُّنَّة وضع اليمنى على الشِّمال تحت السرَّة» رواه أحمد وأبو داود، وذكر في «التَّحقيق»: أنَّه لا يصحُّ (^٦).
قيل للقاضي: هو عورة فلا يضعهما عليه كالعانة والفخذ؛ فأجاب: بأنَّ العورة أولى وأبلغ بالوضع عليه لحفظه.
وعنه: تحت صدره، وفوق سرَّته.
_________________
(١) قوله: (رواه مسلم من حديث وائل) إلى هنا سقط من (أ).
(٢) كتب فوقها في (و): (وفي رواية ابن خزيمة: أنه وضعهما على صدره).
(٣) أخرجه مسلم (٤٠١)، وأحمد (١٨٨٧٠)، وأبو داود (٧٢٧).
(٤) ينظر: الفروع ٢/ ١٦٨.
(٥) في (أ): البرقي. والمثبت هو الصواب. وهو: أحمد بن يحيى بن حيان الرقي، ممن روى عن الإمام أحمد. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٨٤، المقصد الأرشد ١/ ٢٠٨. وتنظر الرواية في طبقات الحنابلة ١/ ٨٤.
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده (٨٧٥)، وأبو داود (٧٥٦)، والدارقطني (١١٠٢)، وفيه: عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو متروك، واضطرب في سنده، وشيخه زياد بن زيد السوائي مجهول. ينظر: التحقيق ١/ ٣٣٩، التلخيص الحبير ١/ ٦٥٠، الإرواء ٢/ ٦٩.
[ ٢ / ١٧١ ]
وعنه: يُخيَّر، اختاره في «الإرشاد»؛ لأنَّ كلًّا منهما مأثورٌ.
وظاهره: يكره وضعهما على صدره، نصَّ عليه (^١) مع أنَّه رواه (^٢).
(وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ)؛ لما روى أحمدُ في «النَّاسخ والمنسوخ» عن ابن سيرين: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقلِّبُ بصرَهُ إلى السَّماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، فطأطأ رأسَه» (^٣)، ورواه سعيد، حدثنا حمَّاد بن زيد، حدثنا أيُّوب، عن ابن سيرين، وزاد فيه، قال: «كانوا يستحبُّون للرَّجل أن لا يجاوِز بصرُه مصلاَّه» (^٤)، ولأنَّه أخشعُ وأكفُّ لنظره.
إلاَّ في: صلاة الخوف عند الحاجة، وحال إشارته في التَّشهُّد؛ فإنَّه يَنظُر إلى سبَّابته (^٥)؛ لخبر ابن (^٦) الزُّبَير، وصلاته تجاه الكعبة؛ فإنَّه ينظر إليها (^٧).
وفي «الغُنية»: يُكرَه إلصاقُ الحَنَك بالصَّدر وعلى الثَّوب، وأنَّه (^٨) يُروى عن الحسن: أنَّ العلماء من الصَّحابة كرهَتْه (^٩).
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٨.
(٢) كتب على حاشية (و): قلت: الصحيح عدم الكراهة؛ لما روى ابن خزيمة في حديث وائل: أنه ﷺ وضعهما على صدره.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٢٦٢)، وابن أبي شيبة (٦٣٢٢)، والبيهقي (٣٥٣٩)، مرسلًا، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣٤٨٣) موصولًا، ورجح البيهقي والذهبي إرساله. ينظر: الإرواء ٢/ ٧١.
(٤) لم نقف عليه في كتب سعيد بن منصور، وقد قال البيهقي في الكبرى ٢/ ٤٠٢: (ورواه حماد بن زيد، عن أيوب مرسلًا)، وقد أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٤٣)، وابن جرير في التفسير (١٧/ ٧)، والبيهقي في الكبرى (٣٥٤١)، وإسناده صحيح.
(٥) في (أ) و(د) و(و) و(ز): سبابتيه.
(٦) قوله: (ابن) سقط من (ب) و(ز).
(٧) كتب على هامش (د): (وظاهره إطلاقه، فشمل الأعمى والمصلي في ظلمة، وفيه شيء). وعليها إشارة تصحيح.
(٨) في (و): فإنه.
(٩) لم نقف على كلام الحسن ولا على شيء بمعناه عن الصحابة ﵃، والذي في الغنية لعبد القادر الجيلاني ٢/ ١٨٩: (مروي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: كان العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: خمس وأربعون خصلة مكروهة منهي عنها في صلاة الفريضة)، وذكر منها: (إلصاق الحنك بالصدر).
[ ٢ / ١٧٢ ]
(ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)، ذكره مُعظَم الأصحابِ، قال التِّرمذيُّ: (العملُ عليه عند أهل العلم من التَّابعين وغيرِهم) (^١)، ونَصَّ عليه (^٢)؛ «لأنَّه ﵇ كان يَستفتِح بذلك» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي ولفظه له، من حديث أبي سعيدٍ، وهو من رواية عليِّ بن عليٍّ الرِّفاعيِّ، وقد وثَّقه أبو زُرعةَ وابن مَعينٍ، وتَكلَّم فيه بعضُهم (^٣)، وصحَّح أحمدُ قولَ عمرَ بمحضَرٍ من الصَّحابة، وهو من رواية عَبدةَ عن عمر، ولم يدركه، وبأنَّه رُوي عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ لَيستْ بذاك.
_________________
(١) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٣٢٤. وكتب فوقها في (و): (منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي).
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٦، مسائل عبد الله ص ٧٥.
(٣) أخرجه أحمد (١١٤٧٣)، وأبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، قال الترمذي: (وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث)، وفي سنده علي بن علي الرفاعي أبو إسماعيل البصري، تكلم فيه بعض الأئمة ووثقه آخرون، قال أحمد: (لم يكن بهذا الشيخ بأس إلا أنه رفع أحاديث)، ونقل الترمذي عنه أنه قال: (لا يصح هذا الحديث). وأخرج مسلم (٣٩٩)، عن عبدة، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، قال ابن عبد الهادي: (ذكره مسلم في صحيحه؛ لأنه سمعه مع غيره، وليس هو على شرطه، فإن عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، بل ولم يسمع من ابنه، إنما رواه رواية). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٨٧) عن عمر بإسناد صحيح، ينظر: العلل ومعرفة الرجال ١/ ٦٧، تنقيح التحقيق ٢/ ١٥٣، المحرر ص ٢١٩، الإرواء ٢/ ٤٨.
[ ٢ / ١٧٣ ]
ولَيستْ: (وجَّهت وجهي) والآية بعدها أفضل؛ لخبر عليٍّ (^١).
واختار الآجُرِّيُّ: قَولَ ما في خبر عليٍّ كلِّه.
واختار ابن هُبَيرة والشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أنَّ جمعَهما أفضلُ (^٢).
ويجوز ما ورد، نَصَّ عليه (^٣).
قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (الأفضل أن يأتي بكلِّ نوع أحيانًا، وكذا صلاة الخوف) (^٤).
ولا يجهر به إمامٌ، وإنَّما جهَر به ليعلِّم النَّاسَ.
(ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا قبل القراءة، نَصَّ عليه (^٥): (أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ذكره في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، واختاره القاضي في «الجامع»؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النّحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت القراءة، وكان النبي ﷺ يقولها قبل القراءة.
وعنه: (أعوذ بالله السميع العليم (^٦) من الشيطان الرجيم)، جزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «التَّلخيص»؛ لحديث أبي سعيدٍ المرفوعِ (^٧)، قال التِّرمذيُّ: (هو أشهر حديث في الباب) (^٨)، وهو متضمِّن للزِّيادة، والأخذُ بها
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٠٣.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٠٩.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٥٩.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١١٦.
(٦) قوله: (أي: إذا أردت القراءة) إلى هنا سقط من (أ).
(٧) كتب على هامش (و): (قوله: "لحديث أبي سعيد المرفوع" هو ما رواه التِّرمذي عن أبي سعيد: «أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه»).
(٨) سبق تخريجه ٢/ ١٧٣ حاشية (٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢ / ١٧٤ ]
أَولى، لكن ضعَّفه أحمدُ (^١).
وعنه - بعد كمالها -: إنَّ الله هو السَّميعُ العليمُ، اختارها في «التَّنبيه»، والقاضي في «المجرد»، وابن عَقيل والسَّامَرِّيُّ؛ جمعًا بين الأدِلَّة.
وكيفما تعوَّذ فحسَنٌ، وهذا كلُّه واسِعٌ.
مسألة: الاستِفتاحُ والتَّعوُّذ سنَّتانِ، نَصَّ عليه (^٢). وعنه: واجبان، اختاره ابن بَطَّة. وعنه: التعوُّذ.
ويَسقُطان بفوات محلِّهما، وكالبسملة (^٣).
واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: التَّعوُّذَ أوَّل كل قُربةٍ (^٤).
(ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في (^٥) أوَّل الفاتحة، وأوَّل كلِّ سورة في قول أكثرهم؛ لما رَوى نُعَيمٌ المُجْمِرُ قال: «صلَّيت وراءَ أبي هريرة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ (١)﴾، ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن حتَّى بلغ: ﴿ولا الضالين﴾ …» الحديث، ثمَّ قال: «والذي نفسي بيده إنِّي لأَشْبهكم صلاةً برسول الله ﷺ» رواه النَّسائي، وفي لفظٍ لابنِ خُزَيمةَ والدَّارَقُطْنِيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُسرُّ ببِسم الله الرَّحمن الرَّحيم، وأبو بكرٍ، وعمرُ» وزاد ابن خُزَيمة: «في الصَّلاة» (^٦).
(وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ)، جزم به أكثرُ الأصحاب، وصحَّحه ابنُ الجَوْزيِّ وابنُ تَميم والجَدُّ، وحكاه القاضي إجماعًا سابقًا، وكغيرها؛ لما روى
_________________
(١) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٣٢٤.
(٢) نص عليه في مسائل حرب. ينظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد ٢١/ ١٤١.
(٣) في (أ) و(ب): كالبسملة.
(٤) ينظر: الفروع: ٢/ ١٧٠. والذي في الاختيارات ص ٧٧، والفتاوى الكبرى ٥/ ٣٣٢: (يستحب التعوذ أول كل قراءة).
(٥) في (د): من.
(٦) أخرجه النسائي (٩٠٥)، وابن خزيمة (٤٩٩)، والحاكم (٨٤٩)، والدارقطني (١١٦٨)، وهو حديث مختلف فيه، فقد صححه البيهقي، وقال الدارقطني: (هذا صحيح ورواته كلهم ثقات) كذا في السنن، قال ابن حجر: (وهو أصح حديث ورد في ذلك)، وضعفه ابن الجوزي ونقل عن الدارقطني قوله: (كل ما روي عن النبي ﷺ من الجهر فليس بصحيح فأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف)، وقال ابن تيمية: (اتفق أهل المعرفة على أنه ليس في الجهر حديث صحيح)، وأعله الزيلعي وأشار إلى أن ذكر البسملة في حديث نعيم شذوذ، وأنه تفرد بذكرها، دون سائر الروايات المخرجة في الصحيحين وغيرها. ينظر: تنقيح التحقيق ٢/ ١٧٧، مختصر الفتاوى المصرية ص ٤٦، نصب الراية ١/ ٣٣٥، الفتح ٢/ ٢٦٧.
[ ٢ / ١٧٥ ]
أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نِصفَين، فإذا قال العبد:، قال الله تعالى (^١): حمِدني عبدي» رواه مسلم (^٢)، ولو كانتْ آيةً لعدَّها (^٣) وبدأ بها، ولما تحقَّق التَّنصيف؛ لأنَّ ما هو ثناء وتمجيد أربعُ آياتٍ ونصفٌ، وما هو للآدمي آيتان ونصفٌ؛ لأنَّها سبع آيات إجماعًا (^٤)، لكن حكى الرَّازي عن الحسن البَصريِّ: أنَّها ثمان آيات (^٥)، وقال النَّبيُّ ﷺ في (^٦) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك: ١]: «إنَّها ثلاثون آيةً» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (^٧)، ولا يختلِف العادُّون أنَّها ثلاثون آيةً بدون (^٨) البسملة.
وهي قرآن على الأصحِّ، آية منه، وكانت تنزل فصلًا بين السُّور غير «براءة».
_________________
(١) قوله: (الله تعالى) سقط من (ز).
(٢) أخرجه مسلم (٣٩٥).
(٣) في (د): يعدها.
(٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٣/ ١٢٢.
(٥) ينظر: التفسير الكبير ١/ ١٧٨.
(٦) قوله: (في) سقط من (د) و(و).
(٧) أخرجه أحمد (٧٩٧٥)، وأبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، وقال: (هذا حديث حسن)، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن الملقن، ينظر: البدر المنير ٣/ ٥٦١.
(٨) في (أ): بخلاف.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وعنه: ليست من القرآن إلاَّ في «النَّمل»، فإنَّها بعض آية فيها إجماعًا (^١)، فلهذا نقل ابن الحكم: لا تكتب (^٢) أمام الشِّعر (^٣) ولا معه، وذكر الشَّعبي: أنَّهم كانوا يكرهونه، قال القاضي: لأنَّه يَشوبُه الكذب والهجو (^٤) غالبًا.
(وَعَنْهُ: أنَّهَا مِنْهَا)، اختارها ابن بَطَّة وأبو حفص، وصحَّحه ابن شهاب (^٥)؛ لما روى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُنْزِلَ عليَّ سورةٌ، فقرأ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾» رواه مسلمٌ (^٦)، و«كان النَّبيُّ ﷺ أمر (^٧) بقراءتها مع الفاتحة» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ (^٨)، واحتجَّ أحمدُ: بأنَّ الصحابة أجمعوا على كتابتها في المصاحف.
ثمَّ اعلم: أنَّ مسألة البسملة عظيمةٌ صنَّف فيها الأئمَّة، منهم الخطيب البغداديُّ، قال الأصوليُّون: وقوَّة الشبهة في (^٩) (بسم الله الرحمن الرحيم) منعت التَّكفير من الجانبين، فدلَّ على أنَّها ليست من المسائل القطعيَّة، خلافًا للقاضي أبي بكر.
فائدة: تُكتب (^١٠) أوائل الكتب (^١١)، كما كتبها سليمان والنَّبيُّ ﷺ في
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع ص ١٧٤، الإقناع في مسائل الإجماع ١/ ٤٦.
(٢) في (و): يكتب.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ١٧١.
(٤) في (أ) و(ب): والهجر.
(٥) كتب على هامش (و): (وهو قول ابن المبارك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد مغني).
(٦) أخرجه مسلم (٤٠٠).
(٧) قوله: (أمر) سقط من (ز).
(٨) أخرجه الدارقطني (١١٧٦)، ولفظه عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟» قلت: أقرأ: (الحمد لله رب العالمين) قال: «قل: (بسم الله الرحمن الرحيم)».
(٩) قوله: (الشبهة في) سقطت من (أ).
(١٠) زاد في (أ) و(ب): في.
(١١) في (و): السور.
[ ٢ / ١٧٧ ]
صلح الحُدَيبيَة، وإلى قَيصَرَ وغيرِه (^١)، نَصَّ عليه، فتُذكرُ في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل، والخروج منه للتَّبرُّك، وهي تطرد الشَّيطان، وإنَّما يُستحبُّ إذا ابتدأ فعلًا تبَعًا لغيرها لا مستقلَّةً، فلم تُجعل كالحمدلة، ونحوها.
(وَلَا يُجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ)، قد مضى شرحه، والآن لا يجهر بالبسملة وإن قلنا هي من الفاتحة، قال في «الشَّرح»: (لا خلاف عنه فيه)، وحكى التِّرمذيُّ أنَّه قولُ أكثرِ العلماء من الصَّحابة والتَّابعين، منهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ (^٢)، وقد روى أحمد والنَّسائي على شرط الصَّحيح: «لا يجهرون ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، وفي لفظ البخاريِّ عن أنَسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ كانوا يفتتحون الصَّلاة ب: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾»، وفي رواية مسلمٍ: «لا يذكرون بسم الله الرَّحمن الرَّحيم في أوَّل قراءةٍ، ولا في آخرها» (^٣).
_________________
(١) كتبها سليمان ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [النَّمل: ٣٠]، وأما النبي ﷺ في صلح الحديبية فأخرجه البخاري (٢٧٣١)، وإلى قيصر كما في البخاري (٧).
(٢) كتب على هامش (و): (وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وعمار، وبه يقول الحكم بن عتيبة، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، ومالك، وأصحاب الرأي). أخرج مالك (١/ ٨١)، عن أنس بن مالك أنه قال: «قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان؛ فكلهم كان لا يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا افتتح الصلاة»، وإسناده صحيح. وأما أثر علي ﵁: فأخرجه عبد الرزاق (٢٦٠١)، وابن أبي شيبة (٤١٤٦)، والبيهقي في الخلافيات (١٥٤٤)، وفيه ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف.
(٣) أخرجه أحمد (١٢٨٤٥) والنسائي (٩٠٧)، من حديث أنس ﵁، وأخرجه البخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩)، ولفظه عندهما: «أنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾»، وعند مسلم: «لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أوَّل قراءة ولا في آخرها».
[ ٢ / ١٧٨ ]
وعنه: يجهر (^١)؛ لأخبارٍ منها ما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أمَّ النَّاسَ قرأ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، قال الدَّارَقُطْني: إسنادُه كلُّهم ثقاتُ (^٢). (^٣)
وعنه: بالمدينة؛ ليتبيَّن أنَّها سنَّةٌ؛ لأنَّ أهل المدينة ينكرونها، كما جهر ابن عبَّاس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة (^٤).
وعنه: يجهَر في نفل.
وقيل: إن قلنا: هي من الفاتحة جهَر بها.
واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: يجهَر بها وبالتَّعوُّذ وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانًا؛ فإنَّه المنصوص عن أحمد؛ تعليمًا للسُّنَّة، وللتَّأليف (^٥).
_________________
(١) كتب على هامش (و): (وهو قول الشافعي، وروي عن عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير).
(٢) كتب على هامش (و): (قال الشيخ في المغني: وحديث أبي هريرة ليس فيه أنه جهر بها، ولا يمتنع أن يسمع منه حال الإسرار؛ كما سمع الاستفتاح والاستعاذة من النبي ﷺ مع إسراره بهما، وقد روى أبو قتادة: «أن النبي ﷺ كان يسمعهم الآية أحيانًا في صلاة الظهر» متفق عليه).
(٣) أخرجه بمعناه النسائي (٩٠٥)، والبزار (٨١٥٦)، وابن خزيمة (٤٩٩)، وابن حبان (١٧٩٧)، والدارقطني (١١٦٨)، قال الدارقطني: (هذا صحيح ورواته كلهم ثقات)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي والخطيب وغيرهم، وذكر ابن عبد الهادي أن ذكر البسملة فيه معلول، وكذا قال الزيلعي: (فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدَّث عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، وقد أعرض عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة صاحبا الصحيح)، ينظر: الخلاصة للنووي ١/ ٣٧٠، المحرر في الحديث (٢٣١)، نصب الراية ١/ ٣٣٦، فتح الباري ٢/ ٢٦٧.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٣٥)، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: «ليعلموا أنها سنة».
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧٥، الاختيارات ص ٧٧.
[ ٢ / ١٧٩ ]
ويخيَّر في غير صلاة في الجهر بها، نقله الجماعةُ (^١)، وكالقراءة والتعوُّذ. وعنه: يجهر. وعنه: لا.
(ثمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ)، وهي ركنٌ في كلِّ ركعة (^٢) في ظاهر المذهب (^٣)؛ لما روى عُبادةُ مرفوعًا: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب» متفق عليه (^٤)، وفي لفظ: «لا تُجزئُ صلاةٌ لمن لم يقرأ بفاتحةِ (^٥) الكتاب» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، (وقال: إسناده صحيحٌ)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِداجٌ»، يقوله ثلاثًا رواه مسلم (^٦)، والخِداجُ: النُّقصان في الذَّات نقصَ فساد وبطلانٍ، تقول العرب: أخدجت النَّاقة ولدها؛ أي: ألقته وهو دم لم يَتمَّ خَلْقُه.
فإن نسيها في ركعة؛ لم يَعتدَّ بها، وذكر ابن عَقيل أنَّه يأتي بها فيما بعدها مرَّتين، ويعتدُّ بها، ويسجد للسَّهو.
وعنه: في الأُوليَين (^٧).
وعنه: يكفي آيةٌ من غيرها، وظاهره: ولو قصُرت، ولو كانت كلمةً.
وعنه: سبع.
وعنه: ما تيسَّر.
وعنه: لا تجب قراءة في غير الأُوليَين والفجر؛ لقول عليٍّ (^٨).
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٤٧.
(٢) كتب على هامش (و): (قال في المغني: وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي).
(٣) كتب على هامش (د): لما روى أحمد وابن حبان في صحيحه أنه ﵇ قال للمسيء في صلاته: «إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اصنع ذلك في كل ركعة».
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).
(٥) في (و): فاتحة.
(٦) أخرجه مسلم (٣٩٥).
(٧) كتب على هامش (و): (ونحوه عن النخعي والثوري وأبي حنيفة. مغني).
(٨) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٥٧)، وابن أبي شيبة (٣٧٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٣٥)، عن الحارث، عن علي أنه قال: «يقرأ في الأوليين، ويسبح في الأخريين»، وإسناده ضعيف جدًّا، مداره على الحارث الأعور، قال ابن المنذر: (فأما حديث الحارث فغير ثابت، كان الشعبي يكذبه)، وضعفه إسحاق بن راهويه فيما نقله عنه حرب في مسائله (ص ١٠٤). وثبت عن علي ﵁ خلافه: أخرجه عبد الرزاق (٢٦٥٦)، وابن أبي شيبة (٣٧٢٦)، والبخاري في جزء القراءة (٢٤)، والحاكم (٨٧٤)، والدارقطني (١٢٢٩)، عن علي أنه كان يقول: «يقرأ الإمام ومن خلفه في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب»، صحح الدارقطني إسناده.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وحكى أبو الخَطَّاب عن بعض العلماء: أنَّ الفاتحة تتعيَّن في ركعة.
ويأتي حكم المأموم في قراءتها.
بديعةٌ: سُمِّيت بالفاتحة؛ لأنَّه يُفتتَح بقراءتها في الصَّلاة، وبكتابتها في المصاحف، وتسمَّى الحمدَ، والسَّبعَ المثاني، وأمَّ الكتاب، والواقية، والشَّافية، والأساسَ، والصَّلاةَ، وأمَّ القرآن؛ لأنَّ المقصود منه تقرير أمور الإلهيات والمعاد والنُّبوَّات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، ف ﴿الحمد لله﴾ الى ﴿الرحيم﴾: يدلُّ على الإلهيات (^١)، و﴿مالك يوم الدين﴾: يدل (^٢) على المعاد، و﴿اياك نعبد واياك نستعين﴾: يدلُّ على نفي الجَبر والقدر، وعلى إثبات أنَّ الكلَّ بقضاء الله تعالى، و﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخرها: يدلُّ على النبوات (^٣).
وتُسمَّى: الشِّفاء، والشَّافية، والسُّؤال، والدُّعاء.
وقال الحسنُ: (أودع الله تعالى فيها (^٤) معانيَ القرآن كما أَوْدع فيه (^٥) معنى الكتبِ السَّابقةِ).
_________________
(١) قوله: (والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى فالحمد لله إلى الرحيم يدل على الإلهيات) سقط من (و).
(٢) قوله: (يدل) سقط من (أ).
(٣) في (أ) و(ب): الثواب.
(٤) قوله: (فيها) سقط من (ز).
(٥) قوله: (فيه) سقط من (أ) و(ب) و(د).
[ ٢ / ١٨١ ]
وهي أفضل سورة، قاله ابن شهاب (^١) وغيره.
وهي مكِّيَّة، وقال مجاهد: (مدنيَّة)، وخُطِّئَ في ذلك، وقيل: نزلت مرَّتين، فهي مكِّيَّةٌ مدنيَّةٌ.
(وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) بغير خلاف (^٢)، وهذا على المذهب، وعلى أنَّ البسملة آية منها فيصير فيها أربعة عشرة (^٣) تشديدةً؛ لأنَّ فيها ثلاثة، ويلزمه أن يأتي بقراءتها مرتَّبة (^٤) مشدَّدة، غير ملحون فيها لحنًا يُحيل المعنى، مثل كسر كاف ﴿إِيَّاكَ﴾ [الفَاتِحَة: ٥]، أو ضم تاء ﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفَاتِحَة: ٧]، أو فتح همزة الوصل في ﴿اهْدِنَا﴾ [الفَاتِحَة: ٦].
(فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَةً مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ؛ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا)، وفيه مسائل:
الأولى: إذا ترك ترتيبَ الفاتحة؛ ابتدأها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرؤها مرتَّبة متوالية، وقال: «صلُّوا كما رأَيْتُموني أصلِّي» (^٥)، ولأنَّ القرآن مُعجِز، والإعجاز يتعلَّق بالنَّظم والتَّرتيب، وهي ركن، فلم يَجُز تنكيسها؛ كتكبيرة الإحرام.
الثانية: إذا ترك شَدَّةً منها؛ لزِمه استئنافُها؛ لأنَّ الشَّدَّةَ (^٦) أُقِيمت مقامَ حرف، ومن ترك (^٧) حرفًا منها؛ فكأنَّه لم يقرأها؛ لأنَّ المُركَّب ينعدِم بعدَم جزءٍ من أجزائه.
وذكر القاضي في «الجامع»: أنَّها لا تَبطُل بترك شَدَّةٍ؛ لأنَّها غير ثابتة في
_________________
(١) الزهري، كما في الاختيارات ص ٧٩.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٣٤٨.
(٣) في (ب) و(ز) و(و): عشر.
(٤) قوله: (مرتبة) سقط من (و).
(٥) أخرجه البخاري (٦٣١).
(٦) في (و): المدة.
(٧) في (أ): بدَّل.
[ ٢ / ١٨٢ ]
خطِّ المُصحف، وإنَّما هي صفة للحرف، ويُسمَّى تاركُها قارئًا للفاتحة، ولا يختلِف المذهب أنَّه إذا ليَّنها ولم يحقِّقها على الكمال؛ أنَّه لا يعيد الصَّلاة؛ لأنَّ ذلك لا يُحيل المعنى، ويختلِف باختلاف الناس.
قال في «المغني» و«الشَّرح»: ولعلَّه إنَّما أراد في «الجامع» هذا المعنى، فيكون قوله متَّفِقًا، وفيه نَظَرٌ.
الثَّالثة: إذا أطال قطْعَها بذِكرٍ كثيرٍ، أو سُكوتٍ طويلٍ غيرُ مأموم؛ لزِمه استئْنافُها؛ لأنَّه يعدُّ مُعرِضًا عن الفاتحة بذلك، وهو على أضرُبٍ:
أحدها: قطْعٌ بذِكرٍ أو سُكوتٍ مشروعٍ؛ كالتَّأمين، وسجود التِّلاوة، والتَّسبيح بالتَّنبيه، واستماع قراءة الإمام، فإنَّه لا يؤثِّر وإن طال، ذكره ابن تميم، وكذا إذا سمع آيةَ رحمةٍ فسأل؛ أنَّه لا يُعدُّ مُعرِضًا، وفي «الشَّرح»: أنَّه إذا كثُر استأنَفَها.
الثَّاني: قطْعٌ غيرُ مشروعٍ؛ كالتَّهليل والتَّسبيح، فذكر القاضي أنَّ ذلك مُبطِل لها، والأصحُّ أنَّ الكثيرَ مُبطِلٌ؛ لأنَّه أخلَّ بالموالاة، بخلاف اليسير فإنَّه يُعفى عنه.
الثَّالث: قطعٌ بسكوتٍ طويلٍ غيرِ مشروعٍ، فهذا مُبطِل لها في ظاهر كلام الجماعة، وسواءٌ كان باختيار أو مانِعٍ من عقله، أو أُرْتِجَ عليه، لكن إن كان يسيرًا جرت العادةُ به؛ لم يقطع قراءتَها، سواءٌ نوى قطْعها أو لا (^١)؛ لأنَّه يسيرٌ فعُفِي عنه. وقال القاضي: يكون قطعًا (^٢) مع النِّيَّة؛ لتحقُّق الإعراض.
ولو نوى قطْعَ القراءة لم تنقطع؛ لأنَّ القراءة باللِّسان، فلم تنقطع، بخلاف نيَّة الصَّلاة. وقيل: إن سكت مع ذلك يسيرًا؛ انقطعت.
_________________
(١) قوله: (لا) سقط من (أ) و(ب) و(و).
(٢) في (أ) و(ب) و(و): قطعها.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الرَّابع: قطْعٌ بسكوتٍ طويلٍ مشروعٍ؛ كالمأموم يَشرَع في القراءة، ثمَّ يَسمع قراءةَ الإمام فينصِتُ، ثمَّ يُتِمُّها بعد فراغ إمامه، فهذا لا يؤثِّر؛ لأنَّه مشروع كالذِّكر.
مسألة: يُستَحبُّ أن يقرأها مرتَّلةً مُعرَبةً، يقف عند كل آية؛ كقراءته ﵇، ويُكرَه الإفراطُ في التَّشديد والمدِّ والتَّرجيع، وإن أحال منها معنًى بلحن يَقدِر على إصلاحه؛ لم يعتدَّ به، وإن لم يُحِلْ صحَّ، ذكره جماعة، فإن قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَة: ٧] بظاء قائمة؛ فأوجُهٌ، ثالثها: إن عرف الفرق بينهما بطلت (^١)، وإلاَّ فلا.
(فَإِذَا (^٢) قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: آمِينَ)، بعد سكتةٍ لطيفةٍ؛ ليُعلم أنَّها ليست من القرآن، وإنَّما هي طابِع الدُّعاء، ومعناه: اللَّهم استجِبْ، وقيل: اسم من أسمائه تعالى.
ويَحرُم تشديدُ الميمِ، لأنه يصير بمعنى (^٣) قاصدين، ويخيَّر في مدِّ همزته وقصرها، والمدُّ أَوْلى، ذكره القاضي (^٤).
(يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الجَهْرِ)؛ لما رَوى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّه مَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له» متَّفَقٌ عليه (^٥)، وروى أبو وائلٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقولُ: آمينَ، يمدُّ
_________________
(١) زاد في (د) و(و): (فإن الضاد من الضلال والظاء من ظل يفعل كذا، ظلولًا، إذا فعله نهارًا).
(٢) في (د): وإذا.
(٣) في (أ): معنى.
(٤) زاد في (د) و(و): (قال البيهقي: حسدنا اليهود على القبلة التي هدينا إليها وضلوا عنها، وعلى الجمعة، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين). وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢٤٤٢) مرفوعًا من حديث عائشة ﵂.
(٥) أخرجه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠).
[ ٢ / ١٨٤ ]
بها صوتَه» رواه أحمد وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ وصحَّحه (^١)، وقال عَطاءٌ: (كان ابن الزُّبير يؤمِّن ويؤمِّنون حتَّى إنَّ للمسجد للجَّة (^٢) رواه الشَّافعيُّ (^٣).
وعن أحمدَ: تَرْك الجهر.
وعلى الأولى، -وهي الأصحُّ-: يقولها المأمومُ بعد الإمام.
وذكر جماعةٌ: معًا، فإن (^٤) تركه إمامٌ أو أَسرَّه (^٥)؛ جهَر به مأمومٌ ليُذكِّرَ النَّاسَ، فإن تركه حتَّى قُرِئ غيرُه؛ لم يقله.
ولم يتعرَّض المؤلِّف لذكر المنفرِد، وحكمه (^٦): الجهرُ بها؛ قياسًا عليهما.
فرع: إذا قال: آمين ربَّ العالَمين؛ فقياسُ قولِ أحمدَ في التَّكبير: اللهُ أكبرُ كبيرًا؛ لا يُستحَبُّ.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ)؛ لزمه (^٧) تعلُّمها؛ لأنَّها واجبةٌ في الصَّلاة، فلزِمه تحصيلُها إذا أمكنه كشروطها، فإن لم يَفعَلْ مع القُدرة عليه؛ لم تَصِحَّ صلاتُه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٨٤٢)، وأبو داود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨)، والدارقطني (١٢٦٧)، من حديث وائل بن حجر ﵁، قال الترمذي: (حديث حسن)، واختلف في هذا الحديث سفيان وشعبة في ألفاظ من متنه وإسناده، ورجح أحمد، وأبو زرعة، والبخاري وجماعة حديث سفيان، قال النووي: (ورواه شعبة، وقال: «خفض بها صوته» واتفق الحفاظ على غلطه فيها، وأن الصواب المعروف: مد، ورفع بها صوته). وينظر: بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٧٤، خلاصة الأحكام ١/ ٣٨١، تنقيح التحقيق ٢/ ٢٠٠، التلخيص الحبير ١/ ٥٨١.
(٢) في (أ): للحجة.
(٣) أخرجه الشافعي (ص ٥١)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٢٤٥٤)، بلفظ مقارب للفظ المذكور، وفيه ضعف. وأخرجه بهذا اللفظ: عبد الرزاق (٢٦٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٧٠)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٢٩٤)، وإسناده صحيح، وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ١٥٦).
(٤) في (أ): فلو.
(٥) في (أ) و(ز): أسر به.
(٦) في (د): وحكم.
(٧) في (أ): لزمها.
[ ٢ / ١٨٥ ]
فإن كان عاجِزًا عنه، إمَّا لبُعدِ حفْظه، (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا)؛ سَقَطَ، قال أبو الفرَج: إذا طال زمنه، (قَرَأَ)؛ لما رَوى رفاعة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فإن كان معك قراءة فاقرأ، وإلاَّ فاحمَد الله وهلِّله وكبِّر (^١)، ثمَّ اركَعْ» رواه أبو داود والتِّرمذي (^٢)، وظاهِرُه: أنَّه لا يَنتقِل إلى الذِّكر إلاَّ عند العجز عن القراءة.
ويُعتبَر أن يكون ذلك (قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الحُرُوفِ)، هذا قولٌ في المذهب؛ لأنَّ الثَّوابَ مقدَّرٌ بالحرف (^٣)، فكفى اعتباره (^٤).
(وَقِيلَ: فِي (^٥) عَدَدِ الآْيَاتِ) دون عدد الحروف، (مِنْ غَيْرِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحِجر: ٨٧]، ولأنَّه ﵇ عدَّ الفاتحةَ سبْعًا (^٦)، ولأنَّ من فاته صومٌ طويلٌ لم يُعتبَر في القضاء مثلُه.
والمذهب: أنَّه يُعتبَر أن يكون بعدد الآي والحروف من غير نقص؛ لأنَّ الحرف مقصود، بدليل تقدير الحسنات (^٧) به كالآي، وليكون البدل كالمبدَل حسب الإمكان.
_________________
(١) في (و): وكبره.
(٢) أخرجه أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، وابن خزيمة (٥٤٥)، من حديث رفاعة بن رافع ﵁، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة، وقال ابن عبد البر: (حديث ثابت)، وصححه الألباني. ينظر: البدر المنير ٣/ ٤٥٨، صحيح أبي داود ٤/ ١١.
(٣) في (د) و(و): يقدر بالحرف.
(٤) زيد في (و): (وهي مائة وبضع وثلاثون حرفًا، وبالبسملة خمس وخمسون حرفًا، إلا لمن أدغم أو قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإنها تنقص حرفًا وتزيد حرفًا).
(٥) في (د): من.
(٦) لعل مراده حديث أبي سعيد بن المعلى في البخاري (٤٧٠٣) الذي فيه: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد» فذهب النبي ﷺ ليخرج من المسجد فذكرته، فقال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته».
(٧) في (أ): الحساب.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وعنه: يُجزئه قراءة آيةٍ.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ آيَةً؛ كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا)، قدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه (^١) بمثابة من قرأها لكونها من جنس الواجب.
وظاهره: لو أحسن آيةً منها فقطْ كرَّرها في الأصحِّ؛ لأنَّ الآية منها أقرب شبهًا إلى بقيَّة الفاتحة من غيرها.
والثَّاني: يقرؤها مرَّةً، ويَعدِل إلى الذِّكر بقدر بقيَّتها؛ لأنَّه إذا قرأها مرَّة فقد أسقط فرضَها، فيجب أن لا يعيدها؛ كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله؛ فإنَّه يستعمله ثمَّ ينتقل إلى البدَل في الباقي.
وذكر بعضُهم: أنَّه إذا كان يحسن آخرَها؛ أتى قبله بالبدل، ثمَّ أتى بما يحسن منها.
وعنه: لا يلزمه تَكرار آيةٍ، اختاره ابن أبي موسى.
وقيل: يقرأ الآية وشيئًا من غيرها.
وظاهر ما سبق: أنَّه إذا أحسَن بعضَ آيةٍ لا يكرِّرها، ذكره في «المغني» وغيره، بل يَعدِل إلى غيرِه.
وقيل: هي كآية.
والآية الطَّويلة كآية الدَّين؛ لا تحتاج إلى تَكرار، بخلاف القصيرة.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى) في المنصوص (^٢)، وصحَّحه ابن تميم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُف: ٢]، و﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٩٥]، قال أحمدُ: (القرآنُ مُعجِز بنفسه) (^٣)؛ أي: في اللَّفظ والمعنى.
_________________
(١) في (و): لأنها.
(٢) ينظر: الانتصار ١/ ١٢١.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ١٧٧.
[ ٢ / ١٨٧ ]
قال الأصحاب: ترجمتُه بالفارسيَّة لا تُسمَّى قرآنًا، فلا يَحرُم على الجنب، ولا يَحنَث بها (^١) من حلف لا يقرأ.
وقيل: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعَام: ١٩]، وإنَّما يُنذَر كلُّ قوم بلسانهم. وجوابه ما سبق.
(وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِله، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)؛ لما رَوى عبد الله بن أبي أَوْفى: «أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ ﷺ: إنِّي لا أستطيع أن آخذ (^٢) شيئًا من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني، فعلَّمه هؤلاء الخمسَ» (^٣) رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائي، والدَّارَقُطْنِيُّ وزاد: «في صلاتي» بإسنادٍ حسنٍ (^٤)، ولم يأمره ﵇ أن يصلِّي خلْفَ قارِئٍ، زاد بعضُهم في الحوقلة: (العليِّ العظيمِ)، ولأنَّ هذا بدَلٌ من غير الجنس أشبه التيمُّم.
وعنه: يكرِّره بقدر الفاتحة، وقاله ابن عقيل وابن الجوزي.
والمذهبُ: إسقاط الحوقلة، كما ذكره في «المحرَّر» وقدَّمه في «الفروع».
وعنه: يزيد على الخمس جُملتَين؛ لتَصيرَ سبْعَ جُمَل بدل آيات الفاتحة من أيِّ ذكرٍ شاء.
_________________
(١) في (و): بهما.
(٢) قوله: (أن آخذ) هو في (أ): أخذ.
(٣) كتب على هامش (و): (لفظ الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: «قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» والمصنف رحمه الله تعالى رواه بالمعنى).
(٤) أخرجه أحمد (١٩١١٠)، وأبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٩٢٤)، والدارقطني (١١٩٥)، وفي سنده إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي الكوفي، ضعفه شعبة وأحمد وجماعة، إلا أن للحديث متابعة يتقوى بها، قال المنذري: (إسناده جيد)، وحسنه الألباني: ينظر: تهذيب التهذيب ترجمة إبراهيم السكسكي ١/ ١٣٨، الإرواء ٢/ ١٢.
[ ٢ / ١٨٨ ]
فذكر الحُلْوانيُّ: يَحمَد (^١) ويكبِّر. وذكر ابنه (^٢) في «التَّبصرة»: يسبِّح، ونقله صالِحٌ (^٣). ونقل ابن منصور: ويكبِّر (^٤). ونقل الميموني: ويهلِّل. ونقل عبد الله: يحَمِد ويكبِّر ويهلِّل (^٥)، واحتجَّ بخبر رفاعة، فدلَّ أنَّه لا يُعتبَر الكلُّ، ولا شيء معيَّن.
فرعٌ: إذا صلَّى وتلقَّف (^٦) القراءةَ من غيره؛ صحَّتْ، ذكره في «النَّوادر» وفي «الفروع».
ويتوجَّه على الأشهَر: يلزم (^٧) غير حافِظٍ يَقرَأُ من مُصحَفٍ.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إِلاَّ بَعْضَ ذَلِكَ؛ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ)، كما قلنا فيمن يُحسِن بعضَ الفاتحة.
(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ)، زاد بعضُهم: وعجَز عن قارِئٍ يَؤُمُّه، (وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ)؛ أي: قراءة الفاتحة، ذكره في «المحرَّر» و«الوجيز»؛ لأنَّ القيامَ مقصودٌ في نفْسِه؛ لأنَّه لو ترَكه مع القدرة عليه؛ لم يُجزئْه.
وإن كان أخرسَ؛ فمع القدرة تَجِب القراءةُ والقيامُ بقدرها، فإذا عجز عن أحدِهما؛ لزِمه الآخَرُ؛ لقوله ﵇: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتُم» (^٨).
مسألة: يُستحَبُّ سُكوتُ الإمام بقدر (^٩) الفاتحة، ليقرأ مَنْ خلفَه؛ لئلاَّ
_________________
(١) في (ب) و(د) و(و): ويحمد.
(٢) في (و): أنه.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ١٧٨.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٣٠.
(٥) ينظر: الفروع ٢/ ١٧٨.
(٦) في (ز): وتلقن.
(٧) في (أ): يكرر.
(٨) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) في (د): بعد.
[ ٢ / ١٨٩ ]
ينازَع فيها، كنصِّه على السُّكوت قبلها.
ونقل عبدُ الله (^١): يسكت قبل القراءة وبعدها.
وقيل: ظاهر كلام أحمد: أنَّ السَّكتةَ إذا فرغ من القراءة كلِّها؛ لئلاَّ يَصلَ القراءةَ بتكبيرةِ الرُّكوع، ولا يسنُّ السُّكوتُ ليقرأ المأموم.
(ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً) كاملةً نَدْبًا، يَبتدِئُها بالبسملة، نَصَّ عليه سِرًّا (^٢)، وفي «المغني» و«الشَّرح»: أنَّ الخلاف في الجهر هنا كالخلاف في أول الفاتحة.
(تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ)، وهو من «قافْ»، وفي الفنون (^٣): من «الحجرات»، وقيل: من «القتال»، وقيل: من «والضُّحى»، وهو غريب.
(وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ)؛ لما رَوى سُليمان بن يَسَار عن أبي هريرة قال: «ما رأيتُ رجلًا أشبهَ صلاةً برسولِ الله ﷺ من فُلانٍ، قال سليمان: فصلَّيتُ خلفَهُ فكان يقرأُ في الغداةِ بطوالِ المفصَّل، وفي المغربِ بقصارِهِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المفصَّل» رواه أحمد، والنَّسائي ولفظه له، ورُواته ثقاتٌ (^٤).
وإن قرأ على خلاف ذلك؛ فظاهر كلام جماعةٍ: أنَّه يُكرَه، وصرَّح به في «الواضح» في المغرب.
وهذا إن لم يكن عُذْرٌ، فإن كان عُذْرٌ؛ لم يُكرَه بأقصرَ من ذلك؛ كمرضٍ، وسفرٍ ونحوهما، وإن لم يكن عُذْرٌ كُرِه بقصاره في فجر، لا بطواله في
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٧٥.
(٢) ينظر: مسائل صالح ١/ ٤٨٠، مسائل ابن منصور ٢/ ٥٣٦.
(٣) في (أ): العيون. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ١٧٩، والإنصاف ٣/ ٤٥٩.
(٤) أخرجه أحمد (٧٩٩١)، والنسائي (٩٨٢)، وابن خزيمة (٥٢٠) وابن حبان (١٨٣٧)، قال النووي: (إسناده حسن)، وقال ابن عبد الهادي: (إسناده صحيح). ينظر: الخلاصة ١/ ٣٨٧، المحرر (٢٣٨).
[ ٢ / ١٩٠ ]
مغرب، نَصَّ عليهما (^١).
وعنه: يجب بعدها قراءة شيء، فظاهره: ولو بعض آية؛ لظاهر الخبر.
وعلى المذهب: تُكرَه الفاتحة فقط، وقراءة السُّورة -وإن قصرت- أفضل من بعضها.
قال القاضي وغيره: تجوز آيةٌ، إلاَّ أنَّ أحمد استحبَّ كونَها طويلةً (^٢)؛ كآية الدَّين والكرسِيِّ.
ونصَّ أحمد على جواز تفريق السُّورة في ركعتين (^٣)؛ لفعله ﵇ (^٤).
وإن قرأ السُّورة قبل الفاتحة؛ لم تقَع موقعها.
فائدة: ذكر جماعةٌ أنَّه يقرأ في الثَّانية أقلَّ من الأولى، وفي الظُّهر أكثرَ من العصر، وذكر الخِرَقِيُّ وتبعه ابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يقرأ في الأولى من الظُّهر بنحو ثلاثين آيةً، وفي الأولى من العصر على النِّصف؛ لفعله ﵇، رواه مسلم من حديث أبي سعيد (^٥)، ونَصَّ عليه في رواية حرب (^٦)، قاله القاضي في «الجامع».
(وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ (^٧) فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ (^٨) مِنَ المَغْرِبِ
_________________
(١) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ١٢٥، بدائع الفوائد ٦/ ١٣٧.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٢٠.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٥٣.
(٤) ورد في عدَّة أحاديث منها: قراءته ﵇ الطور في المغرب، أخرجه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣) من حديث جبير بن مطعم ﵁، وقراءته ﵇ المرسلات في المغرب، أخرجه البخاري (٧٦٣) من حديث أم الفضل ﵂.
(٥) أخرجه مسلم (٤٥٢).
(٦) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ٦٩.
(٧) في (ب) و(ز): بالقراءة.
(٨) في (و): وفي الأولتين.
[ ٢ / ١٩١ ]
والعِشَاءِ)، وهو مُجمَعٌ على استحبابه (^١)؛ لفعله ﵇، وقد ثبت ذلك بنقل الخلَف عن السَّلف.
وظاهره: أنَّه لا يُشرع للمأموم بغير خلاف (^٢)؛ لأنَّه مأمورٌ بالإنصات، وصرَّح (^٣) غيرُ واحِدٍ بالكراهة. وقيل: يجهر في صلاة الجهر بالحمد.
ولا للمنفرِد، والأشهَر: أنَّه يُخيَّر؛ لأنَّه لا يُراد سماع غيره، أشبه المأمومَ في سكتات الإمام بخلاف الإمام.
وعنه: يسنُّ له؛ لأنَّه غير مأمورٍ بالإنصات، أشبه الإمام.
ونقل الأثرمُ: تركُه أفضلُ (^٤).
وقيل: يجهر في غير بدل الجمعة.
وأمَّا المرأةُ: فإذا لم يَسمَعها أجنبِيٌّ؛ فقيل: تجهَر كالرَّجل. وقيل: يَحرُم. قال أحمد: لا ترفع صوتها (^٥)، قال القاضي: أطلَق المنعَ (^٦).
فرع: يُخيَّر القائمُ لقضاء ما فاته بين جهر وإخفاتٍ، ويُسِرُّ (^٧) في قضاء صلاةِ جَهْرٍ نهارًا مطلقًا، ويَجهَرُ بها ليلًا في جماعةٍ.
مسألة: يُكرَه جهْرُ إمامٍ أو منفرِدٍ نهارًا في نفل، زاد بعضهم: لا يُسنُّ (^٨) له الجماعةُ، وقيل: لا، ويُخيَّر ليلًا. والأَوْلى تركُه إذا كان فيه ضرَرٌ، وفعلُه إذا كان فيه نفعٌ.
_________________
(١) ينظر: الأوسط ٢/ ٣١٨، مراتب الإجماع ص ٣٣.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٤٠٧.
(٣) في (د): وخرج.
(٤) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ١١٣، الفروع ٢/ ١٨٦.
(٥) ينظر: الفروع ٢/ ١٨٦.
(٦) كتب على هامش (و): (وقال الشيخ تقي الدين: تجهر إن صلت بنساء جماعة، ولا تجهر إن صلت وحدها). ينظر: الاختيارات ٨٢.
(٧) في (ز) و(و): ويسن.
(٨) في (و): تسن.
[ ٢ / ١٩٢ ]
(وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ)؛ كقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ) (^١)؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وذكر ابن المُنَجَّى (^٢) أنَّه المذهبُ؛ لأنَّ القرآن ثبت بطريقٍ مقطوعٍ به، وهو التَّواتر، ولا تَواتُرَ فيها، بل أجمعت الصَّحابة على خلاف ذلك.
(وَعَنْهُ: يَصِحُّ (^٣)، جزم به في «المغني»، وقدَّمه ابنُ تميمٍ، وفي «الفروع»: مع الكراهة (^٤)، وذكر الشَّيخ تقي الدين (^٥) أنَّها أنصُّهما (^٦)؛ لصلاة الصَّحابة بعضهم خلف بعض، وقال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ أحبَّ أن يقرأ (^٧) القرآنَ غَضًّا كما أُنزِلَ؛ فليقرأْ بقراءةِ ابنِ (^٨) أمِّ عَبدٍ» رواه أحمدُ، وفي ابن المُنَجَّى: رواه البخاريُّ، وهو وهَمٌ (^٩)، وقال أئمَّةٌ من السَّلف: مصحفُ عثمان أحد الحروف السَّبعة، وشرْطُه اتصال سنده.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٦١٠٢، وما بعده)، من طرق عن ابن مسعود، قال البيهقي في سننه (٢٠٠١٢): (وكل ذلك مراسيل عن عبد الله بن مسعود ﵁، إلا أن منها رواية مجاهد عنه، قال الألباني: (فقد يكون قرأها في مصحفه، وقد يكون سمعها منه صغيرًا، فإن بين وفاة ابن مسعود وولادة مجاهد عشر سنين)، ثم قال: (وبالجملة فالحديث أو القراءة ثابت بمجموع هذه الطرق عن هؤلاء الصحابة: ابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي). ينظر: إرواء الغليل ٨/ ٢٠٣.
(٢) في (ز): منجى.
(٣) في (ز): تصحُّ.
(٤) في (أ) و(ب) و(و): الكراهية.
(٥) قوله: (تقي الدين) سقط من (أ).
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٤٠٣.
(٧) قوله: (أن يقرأ) سقط من (أ).
(٨) قوله: (ابن) سقط من (ز).
(٩) أخرجه الطيالسي (٣٣٢)، وأحمد (٣٥)، وابن حبان (٧٠٦٦)، وحسنه الألباني، وله شاهد في مسلم (٢٤٦٤) بلفظ: «اقرؤوا القرآن من أربعة نفر: من ابن أم عبد - فبدأ به …» الحديث. ينظر: الصحيحة (٢٣٠١).
[ ٢ / ١٩٣ ]
وفي تعليق الأحكام به (^١) الرِّوايتان، وظاهر كلام ابن تميم: أنَّ الأحكام لا تتعلَّق بذلك عليهما.
واختار المجْدُ: لا تَبطُل الصَّلاةُ به (^٢)، ولا تُجزئ عن ركن القراءة.
تنبيه: ظاهِر ما سبق: أنَّها تصحُّ بما وافق مصحف عثمان، زاد بعضهم: على الأصحِّ، وصحَّ سندُه، وإن لم يكن من قراءة العشرة، نَصَّ عليه (^٣)، وفي تعليق (^٤) الأحكام به روايتان.
واختار أحمدُ قراءةَ نافع (^٥)، قال في «المغني» و«الشَّرح»: من طريقِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ.
وعنه: قراءةُ أهلِ المدينةِ كلُّها سواءٌ، ثمَّ قراءة عاصم من طريق أبي بكر بن عيَّاش، ثمَّ قراءة ابن عامر.
وأثنى أحمدُ على قراءة أبي عمرو (^٦)، غير أنَّه كَرِه إدغامَه الكبيرَ.
وعنه: يحرم.
وعنه: تُكرَه قراءةُ حمزةَ والكِسائيِّ؛ لما فيهما من الكسر والإدْغام الشَّديدَيْن، وزيادة المدِّ، فعلى هذا: إن أظهرَ ولم يُدغِم، وفتح ولم يُمِل (^٧)؛ فلا كراهةَ.
والصَّلاة بجميع ذلك صحيحةٌ، نَصَّ عليه (^٨)، وذكر في «الشَّرح»: أنَّ
_________________
(١) قوله: (به) سقط من (أ) و(ب).
(٢) قوله: (به) سقط من (و).
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٢٢، الفروع ٢/ ١٨٣.
(٤) زاد في (أ): (به).
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ١٠٢.
(٦) ينظر: المغني ١/ ٣٥٤، مختصر ابن تميم ٢/ ١٣٦.
(٧) في (أ): يُمد. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ١٨٤
(٨) ينظر: المغني ١/ ٣٥٤، مختصر ابن تميم ٢/ ١٣٦.
[ ٢ / ١٩٤ ]
أحمد لم يَكره قراءة أحد من العشرة إلاَّ ما ذكر عن حمزة والكسائيِّ.
وإن كان في القراءة زيادةُ حرف؛ فهي أَوْلى؛ لأجل العشرِ حسناتٍ، واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أنَّ الحرفَ الكلمةُ (^١).
وفي المذهب: يُكرَه (^٢) بما خالف عُرْفَ البلد.
(ثُمَّ) إذا فرغ من قراءته ثبت قائمًا، وسكت حتَّى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يَصِلُ قراءتَه بتكبيرة الرُّكوع، قاله أحمدُ (^٣)؛ لحديث سَمُرةَ: «فإذا فرغَ مِنَ القراءةِ سكتَ» رواه أبو داود (^٤).
(يَرْفَعُ يَدَيْهِ) مع ابتداء الرُّكوع، وذلك مستحَبٌّ في قول خلائق من الصَّحابة ومن بعدهم؛ لما روى ابن عمر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا استفتحَ الصَّلاةَ رفعَ يديه حتَّى يُحاذيَ منكبَيهِ، وإذا أراد أن يركعَ، وبعد ما (^٥) يَرفع رأسَه» متَّفَقٌ عليه (^٦)، وروى أحمد بإسنادٍ جيِّدٍ عن الحسن: «أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا يفعلون ذلك» (^٧)، «وكان ابن عمر إذا رأى رجلًا لا يَرفع يدَيه؛ حَصَبَه، وأمره أن يَرفعَ» (^٨)، ومضى عمَلُ السَّلف على هذا.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ١٢/ ١٠٣، ١٠٧.
(٢) في (د) و(و): كره.
(٣) ينظر: مسائل صالح ١/ ٤٠٠.
(٤) أخرجه أحمد (٢٠١٢٧)، وأبوداود (٧٧٧)، وابن خزيمة (١٥٧٨)، من حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁، والحسن مختلف في سماعه من سمرة، ورجح ابن المديني والبخاري سماعه منه مطلقًا، وبعضهم لم يثبت إلا سماعه لحديث العقيقة فقط، ونفى آخرون سماعه منه مطلقًا. ينظر: البدر المنير ٤/ ٦٨، الإرواء ٢/ ٢٨٤.
(٥) قوله: (وبعدما) في (د) و(و): بعده.
(٦) أخرجه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠).
(٧) لم نقف عليه في شيء من كتب أحمد، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٣٢)، والبخاري في رفع اليدين (٢٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٥٢٤)، وإسناده صحيح.
(٨) أخرجه البخاري في رفع اليدين (١٤)، وعبد الله بن أحمد في مسائله (ص ٧٠)، وابن هانئ في مسائله (٩٠٩)، والبيهقي في المعرفة (٣٣٦١)، وصححه ابن الملقن. ينظر: البدر المنير ٣/ ٤٧٨.
[ ٢ / ١٩٥ ]
(وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا)، وهو مشروعٌ في كل خفضٍ ورفْعٍ في قول عامَّتهم؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يكبِّر إذا قام إلى الصَّلاة، ثمَّ يكبِّر حين يَركَعُ» متَّفقٌ عليه (^١).
(فَيَضَعُ يَدَيْهِ) مفرَّجتي الأصابعِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) استحبابًا في قول الأكثر.
وذهب قومٌ إلى التَّطبيق، وهو أن يجعل المصلِّي إحدى كفَّيه على الأخرى، ثمَّ يجعلهما بين ركبتَيه إذا ركع، وهذا كان في أوَّل الإسلام ثمَّ نُسِخ، وقد فعله مُصعَب بن سعد فنهاه أبوه، وقال: «كنَّا نفعل ذلك، فأُمرنا أن نضعَ أيديَنا على الرُّكب» متَّفقٌ عليه (^٢)، وفي حديث رفاعة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «وإذا ركعتَ فضعْ راحتَيكَ على ركبَتيكَ (^٣)» رواه أبو داود (^٤).
والمذهبُ: أن يفرِّج بين أصابِعِه؛ «لأنَّه ﵇ فرَّج أصابعَه من وراء ركبتَيه» رواه أحمد من حديث ابن مسعود (^٥).
وذكر ابن الجوزي وفي «الكافي»: أنَّه يكون قابِضًا لرُكبتَيه.
(وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا، وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ) اتِّفاقًا، (وَلَا يَرْفَعُهُ، وَلَا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٧٩٠)، ومسلم (٥٣٥).
(٣) قوله: (على ركبتيك) سقط من (أ) و(ب).
(٤) أخرجه أبو داود (٨٥٩)، وصححه ابن حبان، وحسنه الألباني. ينظر: صحيح أبي داود ٤/ ١٠.
(٥) صوابه أبي مسعود كما في مصادر التخريج. أخرجه أحمد (١٧٠٨١)، والنسائي (١٠٣٧)، والطبراني في الكبير (٦٧٠)، من طريق زائدة، عن عطاء، عن سالم أبي عبد الله، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، وأخرجه أبو داود (٨٦٣)، وابن خزيمة (٥٩٨) والحاكم (٨١٦)، من طريق جرير بن عطاء به، وعطاء بن السائب اختلط، وسماع زائدة منه قبل الاختلاط، وصححه ابن خزيمة والحاكم والألباني بشواهد وتوقف في بعض ألفاظه. ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٦، صحيح سنن أبي داود ٤/ ١٥.
[ ٢ / ١٩٦ ]
يَخْفِضُهُ)؛ لما روتْ عائشةُ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا ركع لم يرفع رأسَه، ولم يصوِّبْه، ولكن بين ذلك» متَّفقٌ عليه (^١)، ورُوي «أنَّه ﵇ كان إذا ركَع لو كان قَدَحُ ماءٍ على ظهره ما تحرَّك؛ لاستِواء ظهره» ذَكَره في «المغني» و«الشَّرح» (^٢)، والمحفوظ ما رواه ابن ماجَهْ عن وابِصةَ بنِ مَعبَدٍ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي، وكان إذا ركعَ سوَّى ظهرَهُ حتَّى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ» (^٣).
(وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ)؛ لما رَوى أبو حُمَيْدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ركع فوضع يدَيه على ركبتَيه كأنَّه قابضٌ عليهما، ووتَّر يدَيه فنحَّاهما عن جنبَيه» رواه أبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه (^٤).
(وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ فِي رُكُوعٍ (^٥): الاِنْحِنَاءُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ (^٦) رُكْبَتَيْهِ) بيدَيه، كذا ذكره السَّامَرِّيُّ وجماعةٌ؛ لأنَّه لا يُسمَّى راكعًا بدونه، ولا يخرج عن حدِّ القيام إلى الرُّكوع إلاَّ به، والاعتبار بمتوسِّطي النَّاس، لا بطويل اليدَين، ولا بقصيرهما، قاله (^٧) ابن تميم.
وفي «الفروع»: (أو قدره من غيره، وقيل: في أقلَّ منه احتمالان).
وفي «التَّلخيص» وغيرِه: أدناه الانحناءُ بحيث يَنالُ كفَّاه رُكبتَيه، وفي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٩٨)، ولم نقف عليه عند البخاري، وأُعل الحديث بالانقطاع. ينظر: صحيح أبي داود ٣/ ٣٦٨.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٩٩٧)، من حديث عليٍّ ﵁، قال في مجمع الزوائد ٢/ ١٢٣: (وفيه رجل لم يسم وسنان بن هارون اختلف فيه).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٧٢)، وإسناده ضعيف جدًّا فيه طلحة بن زيد الرقي وهو متروك، والراوي عنه عبد الله بن عثمان بن عطاء، وهو لين الحديث، كما في التقريب.
(٤) أخرجه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
(٥) في (و): في الرُّكوع. وقوله: (في ركوع) سقط من (أ) و(د).
(٦) قوله: (مس) سقط من (أ).
(٧) في (أ) و(ب): قال. وينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ١٤٠.
[ ٢ / ١٩٧ ]
«الوسيلة»: نَصَّ عليه (^١)، وذكر ابن هُبَيرة: أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ هذا مشروع.
وقال المجْد: وضابط الإجزاء الذي لا يختلف: أن يكون انحناؤه إلى الرُّكوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدِل.
فإن كانتا (^٢) عليلتين لا يمكنه وضعهما؛ انحنى ولم يضعهما، فإن كانت إحداهما عليلة وضع (^٣) الأخرى، ذكره في «المغني».
فرع: إذا سقط من قيامٍ أو ركوعٍ، ولم يطمئنَّ؛ عاد إلى الرُّكوع فاطمأنَّ، ولا يلزمه أن يقوم ثمَّ يركع، وإن اطمأنَّ في ركوعه ثمَّ سقط؛ انتصب قائمًا ثمَّ سجد، ولا يعيد الرُّكوع؛ لأنَّ فرضه قد سقط، والاعتدال عنه قد سقط بقيامه.
وإن ركع، ثمَّ عجَز عن القيام؛ سجد عن الرُّكوع، فإن قدَر على القيام قبل سجوده؛ عاد إليه، وإن (^٤) كان بعده؛ لم يلزمه العَود إلى (^٥) القيام؛ لأنَّ السُّجود قد صحَّ وأجزأ (^٦)، فسقط ما قبله.
قال في «الشَّرح»: (فإن (^٧) قام من سجوده عالِمًا بتحريم ذلك؛ بطلت؛ لأنَّه زاد فعلًا، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فلَا، ويعود إلى جِلسة الفَصْل، ويسجد للسَّهو).
(وَيَقُولُ) في ركوعه: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)؛ لما رَوى حُذَيفةُ قال:
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ١٩٦، وفي مسائل أبي داود ص ٥٣: (سئل عمن أدرك الإمام راكعًا فكبر، ثم ركع فرفع الإمام؟ قال: إذا أمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام فقد أدرك).
(٢) في (أ) و(ب) و(د) و(و): كانا.
(٣) في (أ): أو وضع.
(٤) في (د) و(و): فإن.
(٥) زيد في (و): العود لأن.
(٦) في (ز): وأجزأه.
(٧) في (ز): وإن.
[ ٢ / ١٩٨ ]
«صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ فكان يقولُ في ركوعه: سبحان ربِّي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربِّي الأعلى» رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ (^١)، وعن عُقبةَ بنِ عامِرٍ قال: لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقِعَة: ٧٤] قال النَّبيُّ ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم»، فلمَّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وأبو داود (^٢).
والاقتصارُ عليها أفضلُ من غير زيادةٍ. وعنه: الأفضل وبِحمده، اختاره المجْد، قال أحمد: (جاء هذا وهذا) (^٣).
والواجب مرَّة.
(ثَلَاثًا)، وهو أدنى (الْكَمَالِ)؛ لما روى أبو داود والتِّرمذي من حديث عَون عن ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ركعَ أحدُكم فقالَ في ركوعِهِ: سبحانَ ربِّيَ العظيم (^٤) ثلاثَ مرَّاتٍ؛ فقد تمَّ ركوعُهُ، وإذا سجدَ قالَ مثلَ ذلك»، هذا مرسَلٌ؛ لأنَّ عَونًا لم يلقَ ابن مسعود (^٥). (^٦)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧٢)، وأبو داود (٨٧١)، والترمذي (٢٦٢)، والنسائي (١٠٠٨)، وابن ماجه (٨٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٤١٤)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن خزيمة (٦٧٠)، وابن حبان (١٨٩٨)، وفي سنده إياس بن عامر الغافقي قال العجلي عنه: (لابأس به) وصحح له ابن خزيمة، وابن حبان، وذكره في ثقاته، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وحسن إسناده النووي. ينظر: الخلاصة ١/ ٣٩٦، الإرواء ٢/ ٤٠.
(٣) من رواية أحمد بن نصر. ينظر: المغني ١/ ٣٦١.
(٤) في (أ) و(ب) و(د): الأعلى.
(٥) كتب على هامش (و): (أقول: عون ثقة، أخرج له مسلم في الصحيح، وسمع جماعة من الصحابة).
(٦) أخرجه أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وحكما بانقطاعه وأن عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود، وأخرج البزار في مسنده (١٩٤٧)، موقوفًا على ابن مسعود: «إن من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا»، وفي سنده السري بن إسماعيل وهو متروك الحديث.
[ ٢ / ١٩٩ ]
فالكمال (^١) للمنفرد: العرف (^٢). وقيل: ما لم يخف سهوًا. وقيل: بقدر قيامه. وقيل: سبع، وهو ظاهر كلامه. وقيل: عشر.
والإمام إلى عشر. وقيل: ثلاث ما لم يُؤْثر مأموم. وقيل: ما لم يشقَّ. وظاهر «الواضح»: قدر قراءته. وقال الآجُرِّيُّ: خمس؛ ليدرك المأموم ثلاثًا.
وأمَّا الوسَط؛ فقال أحمد (^٣): (جاء عن الحسن أنَّه قال: التَّسبيح التَّامُّ سبعٌ، والوسَطُ خمسٌ، وأدناه ثلاثٌ).
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لأنَّه ﵇ كان يقول ذلك، ورَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبريدةَ: «يا بريدةُ! إذا رفعتَ رأسَكَ من الرُّكوع فقل: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ، ربَّنا ولكَ الحمدُ» (^٤).
وظاهره: أنَّ ترتيب هذا الذِّكرَ واجبٌ، فلو قال: من حمد الله سمع له؛ لم يُجزئْه؛ لتغيُّر المعنى، فإنَّ الأول صيغة تصلح للدُّعاء، ومعنى سمع: أجاب، والثاني صيغة شرط وجزاء، فافترقا، أشبه ما لو نكس التَّكبير.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ)؛ لحديث ابن عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من الرُّكوع رفعهما» متَّفقٌ عليه (^٥).
فيرفعهما (^٦) مع رفع رأسه في رواية؛ لما تقدَّم.
_________________
(١) في (أ) و(ب): بالكمال.
(٢) في (أ) و(ب) و(د) و(و): بالعرف.
(٣) في رسالته في الصلاة. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٥٨، المغني ١/ ٣٦١.
(٤) أخرجه الدارقطني (١٢٨٤)، وفيه: عمرو بن شمر الجعفي وهو متروك، وجابر الجعفي وهو ضعيف، قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢٤٤/ ٢): (إسناده ساقط)، وأخرجه البزار (١٢٨٤) من وجه آخر بإسناد واهٍ جدًّا.
(٥) أخرجه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩١).
(٦) في (و): فرفعهما.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وعنه: بعد اعتداله، نقل أحمد بن الحسين (^١) أنَّه رأى أحمد يفعله (^٢).
وقيل: يرفعهما المأموم مع رأسه روايةً واحدةً؛ لأنَّه ليس في حقِّه ذكر بعد الاعتدال، والرَّفع إنَّما جُعل هيئةً للذِّكر.
وكذا المنفرِد إن قلنا: لا يقول بعد الرَّفع شيئًا.
(فَإِذَا قَامَ)؛ أي: اعتدل قائمًا (قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)، هذا مشروع في حقِّ كلِّ مصلٍّ في قول أكثر أهل العلم؛ لما روى أبو هريرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقول: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ؛ حين يرفعُ صلبَهُ من الرُّكوع، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: ربَّنا ولكَ الحمدُ» متَّفقٌ عليه (^٣).
ويُخيَّر بين إثبات الواو وحذفها، وبها أفضل، نَصَّ عليه (^٤)، وهو الأصحُّ؛ للاتِّفاق عليه من رواية ابن عمر وأنس وأبي هريرة (^٥)، ويكون أكثر حروفًا، ويتضمَّن الحمدَ مقدَّرًا ومظهَرًا، فإنَّ التَّقدير: ربَّنا حمدناك، ولك الحمد؛ لأنَّ الواو لمَّا كانت للعطف، ولا شيء ههنا يعطف عليه ظاهرًا؛ دلَّ أنَّ في الكلام مقدَّرًا.
وله قول: اللَّهمَّ ربَّنا ولك الحمدُ، وبلا (وَاوٍ) أفضل، نَصَّ عليه (^٦)؛ لأنَّه متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة، وأكثر فعله ﵇: «اللهمَّ ربَّنا لك الحمدُ».
وعنه: يقول: ربَّنا ولك الحمدُ، ولا يَتخيَّر.
_________________
(١) هو أحمد بن الحسين بن حسان، من أهل سر من رأى، صحب الإمام أحمد، وروى عنه أشياء. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٩، المقصد الأرشد ١/ ٨٩.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٣٦٤.
(٣) أخرجه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٣٩٢)، واللفظ لمسلم.
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥١، مسائل صالح ١/ ٣٨٩، مسائل عبد الله ص ٧٣.
(٥) حديث ابن عمر ﵁ أخرجه البخاري (٧٣٥)، وحديث أنس ﵁ أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١)، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٣٩٢).
(٦) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥١، مسائل صالح ١/ ٤٣٠.
[ ٢ / ٢٠١ ]
قال في «المغني» و«الشَّرح»: (وكيفما قال جاز وكان حسنًا؛ لأنَّ السُّنَّة وردت به).
فرع: إذا عطَس حال رفعه، فحمد الله لهما؛ لا يجزئه، نَصَّ عليه (^١)؛ لأنَّه لم يخلصه للرَّفع. وصحَّح المؤلِّف الإجزاء؛ كما لو قاله ذاهلًا.
وإن نوى أحدهما تعيَّن، ولم يجزئه عن الآخر.
(مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ (^٢) الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)؛ أي: حمدًا لو كان (^٣) أجسامًا لملأ (^٤) ذلك، ولمسلم وغيره: «وملء (^٥) ما بينهما»، والأوَّل أشهر في الأخبار، واقتصر عليه الإمام (^٦) والأصحاب؛ لما روى ابن أبي أوفى قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ ظهرَهُ (^٧) من الرُّكوعِ قالَ: سمعَ الله لمن حمدَهُ، ربَّنا لك الحمدُ ملءَ السَّماءِ، وملءَ الأرضِ، وملءَ ما شئتَ مِنْ شيءٍ بعدُ» رواه أحمدُ ومسلمٌ (^٨).
والمعروف (^٩) في الأخبار (السَّماوات)؛ لما روى عليٌّ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من الرُّكوعِ قال: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ، ربَّنا ولك الحمدُ ملءَ السَّماواتِ، وملءَ الأرضِ، وملءَ ما شئتَ مِنْ شيءٍ بعدُ» رواه
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ١/ ٣٨٨.
(٢) قوله: (وملء الأرض) هو في (أ): والأرض.
(٣) في (أ): لكان.
(٤) في (ز): لملأه.
(٥) في (د) و(و): ملء.
(٦) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥١، مسائل صالح ١/ ٣٩٠.
(٧) في (و): رأسه.
(٨) أخرجه أحمد (١٩١٠٤)، ومسلم (٤٧٦).
(٩) كتب على هامش (و): (تبع جده، والحمد لله تعالى على هذا، وأقول: بل كلاهما صحيح معروف؛ الإفراد والجمع. حسن).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
أحمدُ، ومسلمٌ، والتِّرمذي (^١) وصحَّحه (^٢).
وفي «المحرَّر» و«الوجيز» ك «المقنع»: وهذا في حقِّ الإمام والمنفرِد؛ كسائر الأذكار، وهو اختيار الأصحاب؛ إذ الأصل التَّأسِّي بالنَّبيِّ ﷺ، لا سيما وقد عضَده قوله ﵇: «صلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي».
وعنه: يَقتصِر المنفرِد على التَّسميعِ والتَّحميدِ فقطْ؛ حطًّا له عن رتبة الإمام، ورفعًا له عن رتبة المأموم؛ لأنَّه أكمل منه؛ لعدَم تبَعِيَّته.
وعنه: يسمِّع فقط.
وعنه: عكسُه.
وظاهِرُه: أنَّه لا يستحبُّ الزِّيادةُ على ذلك في روايةٍ، وخصَّها في «المغني» و«الشَّرح» بالفريضة، وكلام (^٣) أحمد عامٌّ.
ونقل عنه أبو الحارث: إن شاء قال: أهلَ الثَّناءِ والمجْدِ؟ قال أحمدُ: (وأنا أقوله) (^٤)، فظاهره: يُستحَبُّ، واختاره أبو حفْصٍ، وصحَّحه في «المغني» و«الشَّرح».
(فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) في ظاهر المذهب؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قالَ الإمامُ: سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ؛ فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ» متَّفقٌ عليه (^٥)، واقتصارُه على أمرهم بذلك يدلُّ على أنَّه لا يُشرع في حقِّهم سواه.
_________________
(١) قوله: (إذا رفع رأسه من الرُّكوع قال) إلى هنا سقط من (و).
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١)، والترمذي (٣٢٢٢) من حديث علي، وأخرجه أحمد (٢٤٨٩)، ومسلم (٤٧٨)، من حديث ابن عباس بهذا اللفظ.
(٣) في (د) و(و): وظاهر.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٣٨٨.
(٥) أخرجه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٤١٤)، ولفظ مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «اللهم ربنا لك الحمد».
[ ٢ / ٢٠٣ ]
ويأتي به حين يرفع؛ لأنَّه يأخذ في الرَّفع عُقَيبَ تسميع الإمام، فيحمَد (^١) حينئذٍ (^٢)، وأمَّا الإمامُ (^٣) والمنفرِدُ؛ فيقولان ذلك بعد الاعتدال من الرُّكوع؛ لأنَّهما في حال الرَّفع يَشرَعان في التَّسميع.
(إِلاَّ عِنْدَ أَبِي الخَطَّابِ)، فإنَّه يزيد على ذلك: (مِلْءَ السَّماء …) إلى آخره، وهو رِوايةٌ نقلها الأثرم (^٤)، واختارها صاحب «النَّصيحة» والشَّيخ تقِيُّ الدِّين (^٥)؛ لأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ في الصَّلاة، أشبه بقيَّة الأذكار.
وظاهره: اختصاص الزِّيادة عنده بما بعد التَّحميد، وفي «المغني»: (لا أعلم فيه خلافًا أنَّ المُؤتَمَّ لا يُسمِّع)؛ لأنَّه أُمِر بالتَّحميد عُقَيبَ تسميع إمامه.
وعنه: ويُسمِّع، وحكاه في «المحرَّر» قولًا؛ كالإمام والمنفرِد، ولأنَّه ذِكرٌ مشروعٌ لهما، فشُرع للمأموم؛ كسائر الأذكار.
وجوابُنا: بأنَّ حديثنا خاصٌّ بالمأموم، وحديث بُرَيدةَ عامٌّ، وتقديم الصَّحيح الخاصِّ أَوْلى، مع أنَّ إسناد حديث بُرَيدةَ فيه جابر الجُعفِيُّ وعمْرُو بن شَمِر، وهما ضعيفان عند أكثر المحدِّثين.
مسألة: لم يتعرَّض المؤلِّف لهيئة اليدين بعد الرَّفع، والمنصوص عنه: إن شاء أرسلهما، وإن شاء وضع يمينه على شماله (^٦). وفي المذهب و«التَّلخيص»: يرسلهما.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا)؛ للنُّصوصِ، (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) في ظاهر المذهب؛
_________________
(١) في (و): يحمد.
(٢) في (و): فحينئذ.
(٣) في (د): للإمام.
(٤) ينظر: المغني ١/ ٣٦٧.
(٥) ينظر: الاختيارات ص ٨٣.
(٦) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٢٠٥.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
لقول ابن عمر: «وكان لا يَفعل ذلك في السُّجود» متَّفقٌ عليه (^١).
وعنه: بلى.
وعنه: في كل خفض ورفع، وفيه عن ابن عمر وأبي حُمَيدٍ أحاديث صحاح (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠).
(٢) تبع المصنف في ذلك ما ذكره صاحب الشرح الكبير ٣/ ٤٩٩، حيث قال: (وسئل - أي: الإمام أحمد - عن رفع اليدين في الصلاة فقال: يرفع في كل خفض ورفع، وقال: فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث صحاح)، فجعل حديث ابن عمر وأبي حميد ﵃ في الرفع في كل خفض ورفع، وكلام أحمد إنما هو في رفع اليدين إذا نهض من الركعتين، قال ابن رجب في الفتح ٦/ ٣٤٩: (قال إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد: إذا نهض الرجل من الركعتين يرفع يديه؟ قال: إن فعله فما أقربه؛ فيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وأبي حميد أحاديث صحاح)، وحديث ابن عمر ﵄ في رفع اليدين عند النهوض من الركعتين أخرجه البخاري (٧٣٩)، وحديث أبي حميد ﵁ أخرجه أبو داود (٧٣٠). وأخرج أحمد (٦١٦٤)، عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر ويفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد»، ثم أسند عن ابن عمر ﵄، وقال مثل ذلك، لكنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، وإسماعيل بن عياش روايته عن الحجازيين ضعيفة وهذه منها. وأخرج أحمد (١٨٨٥٣)، من حديث وائل بن حجر ﵁: «فكان يكبر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير». وأخرج الدارقطني في العلل (٩/ ٢٨٣)، عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: «كان يرفع يديه في كل خفض ورفع»، قال الدارقطني: (ولم يتابع عمرو بن علي على ذلك، وغيره يرويه: «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع»، وهو الصحيح). وروي من حديث أنس ﵁، أخرجه الدارقطني (١١١٩)، وأعله بالوقف، وأعله ابن رجب بذلك أيضًا، وقال ابن القيم: (وقد روي عنه: أنه كان يرفعهما أيضًا، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله تعالى، وهو وَهَم، فلا يصح ذلك عنه البتة، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: «كان يكبر في كل خفض ورفع»، إلى قوله: «كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع»، وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه؛ فصحَّح). ينظر: زاد المعاد ١/ ٢١٥، فتح الباري ٦/ ٣٥٢ - ٣٥٤.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وحيث استُحبَّ رفعُهما؛ فقال أحمد: هو من تمام الصَّلاة، من رفع أتمُّ صلاةً (^١).
وعنه: لا أدري (^٢)، قال القاضي: إنَّما توقَّف على نحو ما يقوله ابن سيرين: إنَّ الرَّفع من تمام صحَّتها (^٣)؛ لأنَّه قد حكي عنه: أنَّ من تركه يعيد، ولم يتوقَّف أحمد عن (^٤) التَّمام الذي هو تمام فضيلة وسنَّة، ومن تركه فقد ترك السُّنَّة.
(فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ)، على المشهور في المذهب، وهو قول عامَّتهم؛ لما روى وائلُ بن حُجْر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا سجدَ وضعَ ركبتيه قبلَ يدَيه، وإذا نهضَ رفعَ يديه قبلَ ركبتَيه» رواه النَّسائي، وابن ماجه، والتِّرمذي وقال: (حسن غريب لا نعرف (^٥) أحدًا رواه غير (^٦) شَريك، والعملُ عليه عند أكثرهم)، ورواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ من غير (^٧) طريق شَرِيكٍ (^٨)، ولأنَّه أرْفق بالمصلِّي، وأحسن في الشَّكل ورأيِ العَين.
_________________
(١) في (د) و(و): صلاته. وينظر: مسائل صالح ٢/ ٢٠٥.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥٠.
(٣) أخرجه البخاري في رفع اليدين (٣٩)، وذكره أبو داود في مسائله (ص ٥٠)، وابن هانئ في مسائله (٢٤٠).
(٤) في (أ): من.
(٥) في (و): يعرف.
(٦) في (د) و(و): عنه.
(٧) قوله: (غير) سقط من (أ) و(د).
(٨) أخرجه أبو داود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (١١٥٤)، وابن ماجه (٨٨٢)، وابن خزيمة (٦٢٦)، من طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر به، وأُعل بتفرد شريك بن عبد الله النخعي به، قال الترمذي: (وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم)، وقال الدارقطني: (وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به)، وأعله بعض الحفاظ بالإرسال، وصحح الحديث ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن. ينظر: العلل الكبير للترمذي ١/ ٦٩، التلخيص الحبير ١/ ٦١٦، الإرواء ٢/ ٧٥.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وعنه: عكسه؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا قال: «إذا سجدَ أحدُكم فليَضَعْ يدَيه قبلَ رُكبتَيه، ولا يَبْرُك بُروكَ البعيرِ» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي، لكن قال الخَطَّابي: (حديثُ وائلٍ أصحُّ)، وقال الحاكم: (هو على شرط مسلم) (^١)، وبتقدير (^٢) مساواته؛ فهو منسوخ بما روى ابن خُزَيمة عن أبي سعيد قال: «كنَّا نضعُ اليدَين قبلَ الرُّكبتين، فأُمرنا بوضع الرُّكبتين قبل اليدَين»، لكنَّه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وقد تَكلَّم فيه ابن مَعينٍ والبخاريُّ (^٣).
والمراد باليدين (^٤) ههنا: الكفَّان.
(ثَمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) بغير خلاف (^٥)؛ لما روى أبو حميد (^٦) السَّاعدي قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا سجدَ أمكنَ جبهتَهُ وأنفَهُ من الأرضِ» رواه التِّرمذي، وصحَّحه (^٧).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٩٥٥)، وأبو داود (٨٤٠)، والنسائي (١٠٩١)، والدارقطني (١٣٠٤)، وفي سنده محمد بن عبد الله بن حسن الملقب بالنفس الزكية وثقه النسائي، قال البخاري بعد أن أخرج حديثه: (لا يتابع عليه)، ومال إلى تقوية الحديث النووي، والألباني، وغيرهما، قال النووي: (إسناده جيد). ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ١٣٩، مستدرك الحاكم (٨١٤)، معالم السنن ١/ ٢٠٨، خلاصة الأحكام ١/ ٤٠٣، الإرواء ٢/ ٧٨.
(٢) في (أ): وتقدير.
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٨)، وفي سنده إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، هو وأبوه متروكان، قال ابن معين عن يحيى: (ليس بشيء)، والبخاري: (في حديثه مناكير)، ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨، تاريخ ابن معين رواية الدوري ٣/ ٢٧٧، تنقيح التحقيق ٢/ ٢٥٣.
(٤) قوله: (باليدين) سقط من (أ) و(د).
(٥) ينظر: مراتب الإجماع ص ٣٠.
(٦) في (أ) و(و): أبو سعيد.
(٧) أخرجه الترمذي (٢٧٠)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وصححه الألباني ينظر: الإرواء ٢/ ١٥.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
(وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ)؛ أي: أصابع رِجلَيه، ويَثْنِيهما إلى القِبلة، ذكره في «المغني» و«الشَّرح»؛ لقوله ﵇: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعْظُمٍ» (^١)، ذكر منها أطراف القدمين، وفي الصَّحيح: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجدَ غيرَ مفترِشٍ، ولا قابضِهما، واستقبلَ بأطرافِ رجلَيه القِبلةَ»، وفي رواية: «وفتخَ (^٢) أصابعَ رجلَيه» (^٣).
وفي «المستوعب»: أنَّه يقيم قدميه، ويجعل بطون أصابعهما على الأرض، وقال في «التَّلخيص»: يجب جعل باطن أطرافها إلى القِبلة، إلاَّ أن يكون بهما (^٤) نَعل أو خُف، وقيل: يجب فتحها إن أمكن، قاله في «الرِّعاية».
ويُكرَه أن يلصق كعبه في سجوده، قاله في «المستوعب».
فرع: إذا سقط على جنبه بعد قيامه من الرُّكوع، ثمَّ انقلب ساجدًا؛ لم يُجزئْه سجوده حتَّى ينويَه؛ لأنَّه خرج عن سَنن الصَّلاة وهيْئتها.
وإن سقط منه ساجدًا؛ أجزأه بغير نيَّة؛ لأنَّه على هَيئتها، فلو قطع النِّيَّة عن ذلك؛ لم يجزئه، قال ابن تميم وغيره: ولا تبطل صلاته.
(وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ)؛ أي: ركن مع القدرة، اختاره الأكثر، وذكره ابن الجوزي قولًا واحدًا.
وعنه: لا يجب على غير الجبهة، ذكرها الآمِديُّ؛ لقوله ﵇: «سجدَ وجْهِي» (^٥)، فدلَّ على أنَّ السُّجود على الوجه، وبه يسمَّى ساجدًا، لا بوضع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)، من حديث ابن عباس ﵁.
(٢) كتب على هامش الأصل، وكذا على (د) وقال قبلها: (حاشية بخط المؤلف): (فتخ: هو بالخاء المعجمة، قال في النهاية: فتخ أصابع رجليه؛ أي: نصبها وغمز موضع الأصابع منها وثنى بها إلى باطن الرجل).
(٣) أخرجه البخاري (٨٢٨)، من حديث أبي حميد ﵁، ورواية: «فتح أصابع رجليه»، أخرجها الترمذي (٣٠٤)، والنسائي (١١٠١).
(٤) في (ب) و(د) و(ز): فيهما.
(٥) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث علي ﵁.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
غيره من الأعضاء، ولأنَّه لو وجب السُّجود على هذه الأعضاء؛ لوجب كشفها كالجبهة.
قال القاضي في «الجامع»: هذا ظاهر كلام أحمدَ، فإنَّه قد نصَّ في المريض يرفع شيئًا يسجد (^١) عليه (^٢)، ومعلوم أنَّه قد أخلَّ بالسُّجود على يدَيه، ذكره في «المغني» و«الشَّرح»، فعلى هذه؛ فيكون السُّجود على البقيَّة سُنَّة.
والأوَّل أَوْلى؛ لما روى ابن عبَّاس مرفوعًا: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أَعظُمٍ: على الجبهةِ - وأشار بيده إلى أنفه - واليدَين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» متَّفقٌ عليه (^٣)، وقال: «إذا سجدَ أحدُكم سجدَ معه سبعةُ آرابٍ: وجهه، وكفَّاه، ورُكبتاه، وقدماه» رواه مسلم (^٤).
وأجاب في «المغني» و«الشَّرح»: بأنَّ سجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السُّجود، فإنَّا نمنع (^٥) في الجبهة على روايةٍ، ولو سُلِّم فالجبهة هي الأصل في السُّجود، وهي تُكشَف عادة بخلاف غيرها.
(إِلاَّ الْأَنْفَ)؛ فإنَّه لا يَجِبُ السُّجود عليه (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) اختارها جماعةٌ، وهي ظاهر «الوجيز»، وصحَّحها القاضي، قاله (^٦) في «الوسيلة»؛ لأنَّه ﵇ لم يَذكُر الأنفَ منها، وعن جابر قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ سجدَ بأعلى
_________________
(١) في (ب) و(ز): فيسجد.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٨٠.
(٣) سبق تخريجه ٢/ ٢٠٧ حاشية (٧).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٧٦٤)، وأبو داود (٨٩١)، والترمذي (٢٧٢)، والنسائي (١٠٩٤)، وابن ماجه (٨٨٥)، ولفظ مسلم (٤٩١): «سبعة أطراف»، وهو من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁.
(٥) قوله: (فإنا نمنع) هو في (و): فأما منع.
(٦) في (ب) و(ز): قال.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
جبهتِهِ على قُصاصِ الشَّعرِ» رواه تَمَّامٌ في «فوائده» (^١)، وإذا سجد بأعلى الجبهة؛ لم يَسجُد على الأنف.
والثَّانية: ركن، ذكر ابن هُبَيرة أنَّها المشهورة، وقدَّمها ابن تميم والجَدُّ، وصحَّحها ابن منجَّى وغيرُه؛ لما تقدَّم، فمتى أخلَّ بالسُّجود على عُضوٍ من هذه؛ لم تَصحَّ (^٢).
تنبيه: إذا عجز عن السُّجود بغير الجبهة؛ سجد بما يَقدِر عليه ما أمكنه، ولا يجب أن يرفع إليه شيئًا يَسجُد عليه؛ لأنَّه هو الهبوط (^٣)، ولا يحصل بالرَّفع.
وإن عجز عن الجبهة لعارِض من مرَض أو غيرِه؛ سقط عنه السُّجود بما يَقدِر عليه، قال أحمدُ في المريض يرفع إلى جبهته شيئًا يَسجُد عليه: إنَّه يجزئه (^٤)، حكاه في «المغني» و«الشَّرح»، وصحَّحه ابن تَمِيم.
وقيل: لا يَسقُط، جزم به القاضي في «التَّعليق»؛ لأنَّه لا يمكن وضعه بدون بعضها، ويمكن رفعه بدون شيءٍ منها.
ويجزئه بعض كل عضو منها، وذكر في «التَّلخيص»: أنَّه يجب سجوده بباطن كفِّه أو بعضه، وفي «الرِّعاية»: وقيل: وأصابعه، وهو قول ابنِ حامِدٍ.
ولا يُجزِئُ سجودُه على أنفه عن جَبهتِه وِفاقًا، وحكى ابن المنذر عن هـ الإجزاء، قال: (ولا أعلم أحدًا سبَقه إلى هذا) (^٥)، قلت: ولعلَّه ذهب إلى أنَّ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٢)، وتمام في فوائده (٤٢٨)، وفي سنده: أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٩٧)، والدارقطني (١٣٢٠)، من وجه آخر وفي سنده: عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة الحمصي وهو واهي الحديث. ينظر: تنقيح التحقيق ٢/ ٢٥٨، البدر المنير ٣/ ٦٤٦، تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤٨.
(٢) في (ب) و(و): يصح.
(٣) قوله: (هو الهبوط) هو في (و): هوى بالهبوط.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٨٠، المغني ١/ ٣٧٠.
(٥) السجود على الأنف دون الجبهة يجوز عند أبي حنيفة مع الكراهة، وعنه واختارها صاحباه: لا يجوز إلا للعذر. ينظر: الأوسط ٣/ ١٧٥، العناية شرح الهداية ١/ ٣٠٣، الذخيرة ٢/ ١٩٣، الحاوي الكبير ٢/ ١٦٢، المغني ١/ ٣٧١.
[ ٢ / ٢١٠ ]
الجبهةَ والأنفَ عُضوٌ واحِدٌ، لإشارته ﵇ إليه، والعُضوُ الواحِدُ يُجزِئُ (^١) السُّجودُ على بعضِه.
(وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا)؛ أي: من أعضاء السُّجود، وهو إجماعٌ في القدَمَين (^٢)؛ لصحَّة صلاة لابِس الخُفَّين، وفي الرُّكبتَين؛ لاتِّصالهما بالعورة أو منها عند بعض، وقول الجمهور في اليدَين؛ لما روى عبد الله بن عبد الرَّحمن قال: «جاءنا النَّبيُّ ﷺ فصلَّى بنا في مسجد بني عبدِ الأشْهَل، فرأيته واضعًا يدَيه في ثوبه إذا سجد» رواه أحمد وابن ماجه (^٣).
(إِلاَّ الجَبْهَةَ)؛ فإنَّه يَجِب عليه مباشرةُ المصلَّى بها (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ذكرها أبو الخَطَّاب؛ لقول خَبَّابٍ: «شكَوْنا إلى رسول الله ﷺ حرَّ الرَّمضاءِ في جِباهِنا وأَكُفِّنا؛ فلم يُشكِنا» رواه البَيْهَقِيُّ، ومُسلِمٌ وليس فيه: «جِباهنا وأكفِّنا» (^٤)، وعن عليٍّ قال: «إذا سجد أحدُكم فليَحسِر العِمامةَ عن جَبهتِه» رواه البَيْهَقِيُّ (^٥)،
_________________
(١) في (و): يحصل.
(٢) ينظر: نهاية المطلب ٢/ ١٦٣، كفاية النبيه ٣/ ١٨٧.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٩٥٣)، وابن ماجه (١٠٣١)، وهو حديث ضعيف، فيه: إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، وفيه ضعف، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (١٠٣٢) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده به، وإسناده ضعيف أيضًا؛ إبراهيم ضعيف كوالده، وترجم البخاري لعبد الرحمن بن ثابت بن الصامت في كتابه الضعفاء وقال: (لم يصح حديثه). ينظر: الضعفاء للبخاري ص ٦٩، بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٧٦، الإرواء ٢/ ١٧.
(٤) أخرجه مسلم (٦١٩)، والبيهقي (٢٠٦٥)، ولفظة: «جباهنا وأكفنا» هي عند السراج في مسنده (٢٦٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٦٥٧). وكتب على هامش (و): (وليس عند "مسلم" ذكر الحر فليُعلم. حسن).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٥٦)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٦٠)، وفيه عبد الأعلى الثعلبي، قال عنه الذهبي في المهذب ١/ ٥٥٢: (فيه ضعف)، وضعفه أحمد وغيره. ينظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٩٤.
[ ٢ / ٢١١ ]
وكان (^١) ابن عمر يَكرَه السُّجود على كَوْرِ العِمامة (^٢)، ولأنَّه سجد على ما هو حائِلٌ له، أشبه ما لو سجد على يديه.
والثَّانية: لا يَجِب، وهي الأصحُّ في المذهب، ونصرها في «المغني» و«الشَّرح»، وقدَّمها في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لما رَوى أنَسٌ قال: «كنَّا نُصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ؛ فيَضَعُ أحدُنا طرَفَ الثَّوبِ من شدَّةِ الحرِّ في مكانِ السُّجودِ» متَّفقٌ عليه (^٣)، قال البخاري: قال الحسن: «كان القوم يسجدون على العِمامة والقَلَنسُوَة، ويداه في كُمَّيه» (^٤)، وروى البَيهَقيُّ عن الحسن قال (^٥): «كان أصحاب النَّبيِّ ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم وعلى عمائمهم» (^٦).
وذكر القاضي: أنَّه لو سجد على كَور العمامة، أو كمِّه، أو ذَيله؛ صحَّت صلاتُه روايةً واحدةً.
والجواب عن حديث خبَّاب: أنَّهم طلبوا منه ما يُزيل عنهم ضرر الرَّمضاء في جباههم وأكفِّهم بتأخير الصَّلاة أو تسقيف المسجد أو نحوه، لا أنَّهم
_________________
(١) في (ب): فكان.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٥٧)، وحرب الكرماني - الطهارة والصلاة - (١٢٤١)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٦١)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٦١)، وأسانيده صحيحة.
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٥)، ومسلم (٦٢٠).
(٤) علقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٦٨)، ووصله عبد الرزاق (١٥٦٦)، عن هشام بن حسان، عن الحسن.
(٥) قوله: (كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة، ويداه في كمه. وروى البيهقي عن الحسن قال) سقط من (و).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٣٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٦٧)، وقال: (وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢١٢ ]
طلبوا الرُّخصة في السُّجود على العمائم والأكمام؛ لأنَّه إنَّما طلبه الفقراء، ولم يكن لهم عمائم ولا أكمام طوال يتَّقون بها الرَّمضاء.
وعلى الصِّحَّة؛ ففي كراهة حائل متَّصل - حتَّى طين كثير- روايتان، ولا يكره لعذر، نقله صالح وغيره (^١).
وذكر السَّامَرِّيُّ: أنَّ ظاهر ما نقله أكثر الأصحاب لا فرق، قال في «الفروع»: (وليس بمرادٍ، بل قال جماعةٌ: يُكرَه بمكانٍ شديدِ الحرِّ والبرد، قال ابن شهاب: لترك الخشوع؛ كمُدافَعة الأخبثين).
مسألتان:
الأولى: إذا سجد على يدَيه؛ لم يُجزِئْه قولًا واحدًا؛ لأنَّ السُّجود عليها يفضي إلى تداخُل أعضاء السُّجود، قال القاضي في «الجامع»: لم أجِدْ عن أحمد نصًّا فيها، ويُجزئُه إن قلنا: لا يجب السُّجود على غير الجبهة، وإن قلنا بالوجوب فلا؛ لئلاَّ يتداخَل محلُّ السُّجود بعضه في بعض.
الثَّانية: إذا علا موضِعُ رأسه على موضع قدمَيه، فلم يستعلِ (^٢) الأسافِل بلا حاجة؛ جاز. وقيل: يُكرَه. وقيل: تبطل. وقيل: إن كثر (^٣). وقال في «التَّلخيص»: التَّنكيس في السُّجود - وهو استعلاء الأسافل-؛ واجب، والصَّحيح: أنَّ اليسير لا بأس به دون الكثير.
ولم يَذكُر جماعةٌ التَّنكيس في الواجبات والسُّنن.
(وَ) يسنُّ أن (يُجَافِي (^٤) عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ)، وفخذَيه عن ساقَيه؛ لما في الصَّحيح: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجد يُجَنِّحُ حتَّى يُرى
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٦٤، الفروع ٢/ ٢٠٢.
(٢) في (ب) و(ز): تستعل، وفي (و): تشتغل.
(٣) في (د): كره.
(٤) في (ز): ويجافي.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وَضَحُ إبْطَيهِ» (^١)، وعن أبي حُمَيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ أمكنَ أنفَهُ وجبهتَهُ من (^٢) الأرض، ونحَّى يدَيه عن جنْبَيه، ووضعَ كفَّيه حذوَ منكبَيه» رواه أبو داود (^٣)، وقال (^٤) أبو عبد الله في «رسالته»: (جاء عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّه كان إذا سجدَ لو مرَّت بهيمةٌ لنفذت (^٥) (^٦)، وذلك لشدَّةِ رفعِ مِرفَقَيه وعَضُدَيه») (^٧)، وهذا ما لم يؤذِ جارَه.
(وَيَضَعُ يَدَيْهِ) يعني: راحتَيه على (^٨) الأرض مبسوطتَين مضمومتَي الأصابِع، مستقبِلًا بهما القِبلة؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سجدَ ضَمَّ أصابِعَه» رواه أبو حاتِمٍ والبَيهَقيُّ (^٩)، (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ)؛ لما تقدَّم، ونقل عبدُ الله: حذاء أذنَيه (^١٠)، ونقل أبو طالِبٍ: قريبةً من أذنيه (^١١).
(وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) ورِجْلَيه؛ «لأنَّه ﵇ كان إذا سجدَ (^١٢) فرَّج بين فخِذَيه» (^١٣)، وذكر ابن تميم وغيرُه: أنَّه يَجمَع بين عَقِبَيه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٩٥).
(٢) في (د): في.
(٣) سبق تخريجه ٢/ ١٩٧ حاشية (٣).
(٤) في (د): قال.
(٥) في (ز): لتعدت، وفي (و): لنفدته.
(٦) أخرجه مسلم (٤٩٦)، وأبو داود (٨٩٨) عن ميمونة، قالت: «كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمةٌ أن تمر بين يديه لمرت».
(٧) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٦٣.
(٨) في (و): في.
(٩) أخرجه ابن خزيمة (٦٤٢)، وابن حبان (١٩٢٠)، والبيهقي (٢٦٩٥)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الملقن، وغيرهم. ينظر: البدر المنير ٣/ ٦٦٨.
(١٠) ينظر: المغني ١/ ٣٧٤ من رواية الأثرم.
(١١) ينظر: الفروع ٢/ ٢٠٣.
(١٢) زيد في (و): ضم أصابعه.
(١٣) أخرجه أبو داود (٧٣٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٥٤٨)، هذا حديث ضعيف، في سنده عبد الله بن عيسى العمري، وصوابه: عيسى بن عبد الله كما نبه عليه البيهقي، وهو مقبول، والراوي عنه: عتبة بن أبي حكيم الهمداني، وهو صدوق يخطئ كثيرًا كما في التقريب. ينظر: الإرواء ٢/ ٨٠.
[ ٢ / ٢١٤ ]
ويُكرَه افتراشُ الذِّراع في السُّجود؛ للنَّهي المتِّفَقِ عليه من حديث أنَسٍ (^١).
مسألة: له أن يَعتمِد بمِرفَقَيه على فخذَيه إن طال، ولم يقيِّده جماعةٌ؛ لخبر أبي هريرة: أنَّ الصَّحابة شَكَوْا إلى رسول الله ﷺ مشقَّة السُّجود عليهم، فقال (^٢): «استعينوا بالرُّكَب» (^٣)، قال ابن عَجْلانَ: (هو أن يَضَع مِرفَقَيه على رُكبتَيه إذا طال (^٤) السُّجود) (^٥)، وقيل: في نفلٍ، وعنه: يُكرَه.
قال في «الفروع»: (وظاهر المسألة: لو وضَع جبهتَه بالأرض ولم يَعتمِد عليها؛ يُجزئُه، وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بأمره ﵇ بتمكين الجبهة من الأرض، وبفعله (^٦)، ووجوب الرُّجوع إليه، وهذا يقتضي الوجوب، فهذان
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣)، ولفظه: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
(٢) في (أ) و(ب) و(ز): قال.
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٧٧)، وأبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦)، ورجح البخاري وأبو حاتم والترمذي إرساله، وحسن إسناده النووي، ينظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٩٩، الخلاصة ١/ ٤١٢، ضعيف سنن أبي داود ١/ ٣٤٧.
(٤) في (د): أطال.
(٥) ينظر: مستدرك الحاكم ١/ ٣٥٢.
(٦) أما أمره ﷺ: فأخرجه أحمد (٢٦٠٤)، من حديث ابن عباس ولفظه: «وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض»، قال ابن رجب: (في إسناده لين)، وصححه الألباني، وله شاهد عند ابن حبان (١٨٨٧)، من حديث ابن عمر ﵄، بلفظ: «وإذا سجدت فمكِّن جبهتك، ولا تنقر نقرًا»، وإسناده لا بأس به، وآخر من حديث رفاعة بن رافع عند الشافعي (ص ٣٤)، وأحمد (١٨٩٩٥)، والطَّبراني في الكبير (٤٥٣٠)، ولفظه: «وإذا سجدت فمكِّن لسجودك»، وفي لفظٍ للطَّبراني (٤٥٢٧): «ثم اسجد فأمكن جبهتك من الأرض»، قال الذهبي: (إسناده جيد). ينظر: تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ١٦١، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٤٩، الصحيحة (١٣٤٩). وأما فعله ﷺ: فأخرجه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٧٠)، وابن حبان (١٨٧١)، من حديث أبي حميد الساعدي: «أن النبي ﷺ كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض»، قال الترمذي: (حديث أبي حميد حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان، والألباني، وأصله في البخاري (٢٩٨). ينظر: الإرواء ٢/ ١٥.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وجهان، وقد ذكروا لو سجد على حَشِيش أو قُطن أو ثلْج وبرَد، ولم يَجِد حجمه؛ لم يصحَّ (^١)؛ لعدم المكان المستقَرِّ عليه).
(وَيَقُولُ: سَبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا)؛ كالتَّسبيح في الرُّكوع على ما مرَّ.
وفي «المغني»: أنَّه يُستحَبُّ الدُّعاء بما ورد؛ لقوله ﵇: «وأمَّا السُّجودُ فأكثِروا فيه من الدُّعاءِ، فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم» رواه مسلمٌ (^٢)، ومعناه: حَقِيقٌ وجَدِيرٌ.
وقال القاضي: لا تُستحَبُّ (^٣) الزِّيادة عليه في الفرض، وفي النَّفل روايتان.
وردَّه المؤلِّف بما صحَّ من الأخبار (^٤)، وسنَّتُه ﵇ أحقُّ بالاتِّباع.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) إذا قضى سُجودَه (مُكَبِّرًا)، ويكون ابتداؤه مع ابتدائه، وانتهاؤه مع انتهائه.
_________________
(١) في (د): تصحُّ.
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٩)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) في (ب) و(و): يستحب.
(٤) منه حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن. أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤). وحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره»، أخرجه مسلم (٤٨٣). وحديث عائشة ﵂: أنه كان يقول ﵇ في سجوده: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، أخرجه مسلم (٤٨٦).
[ ٢ / ٢١٦ ]
(وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى)، ويَفتَح أصابِعَه نحو القِبلة؛ لقول أبي حُمَيد في صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ: «ثمَّ ثَنَى رجلَه (^١) اليسرى، وقَعَد عليها، واعتَدَل حتَّى رجع كلُّ عظمٍ في موضعه» (^٢)، وفي حديث عائشةَ: «وكان يَفرُش (^٣) رجلَه اليسرى، ويَنصِب اليمنى» متَّفَقٌ عليه (^٤).
قال جماعةٌ منهم الجَدُّ: ويَبسُط يدَيه على فخِذَيه مضمومةَ الأصابِعِ، زاد في «التَّلخيص»: ويَضُمُّ الإبهامَ، ولم يَذكُره آخرون.
(ثُمَّ يَقُولُ) بين السَّجدَتينِ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ثَلَاثًا)، ذكره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و«الفروع» وغيرُهم؛ لما رَوى حُذَيفةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول بين السَّجدتين: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» رواه النَّسائيُّ وابن ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ (^٥).
وقال ابن أبي موسى: مرَّتَين، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ؛ للخبر.
وفي «الرِّعاية»: يقول (^٦): ربِّ اغفر لي أو لنا، ثلاثًا.
وفي «الشَّرح»: إن قال: ربِّ اغفر لنا؛ فلا بأس.
ولم يُعيِّن (^٧) أحمدُ في رواية جماعةٍ ثلاثًا، بل قال: يقول: ربِّ اغفر لي (^٨).
قال حَرْبٌ: (ومذهبُه: إن قال (^٩)؛
_________________
(١) في (و): رجليه.
(٢) سبق تخريجه ٢/ ١٩٧ حاشية (٣).
(٣) في (د) و(و): يفترش.
(٤) أخرجه مسلم (٤٩٨)، وهو من أفراد مسلم، ولم يخرجه البخاري.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٣٧٥)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (١١٤٥)، وابن ماجه (٨٩٧)، وهو حديث صحيح. ينظر: الإرواء ٢/ ٤١.
(٦) في (د): بقوله.
(٧) في (يعين) هو في (ز): يعتن.
(٨) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥٢، مسائل ابن منصور ٢/ ٥٧٦، مسائل ابن هانئ ١/ ٤٧.
(٩) زيد في (ز): شيء. والمثبت موافق لما في مسائل حرب.
[ ٢ / ٢١٧ ]
جاز (^١)، وإن لم يقل؛ جاز، والأمر عنده واسعٌ) (^٢)، والأصحُّ خلافه.
ولا يُكرَه في الأصحِّ ما ورد عن ابن عبَّاس قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقول بين السَّجدتَين: اللهمَّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني» رواه أبو داود (^٣).
وعنه: يُستحَبُّ في نفل. واختار المؤلِّف: وفَرْضٍ.
(ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى)، من التَّكبير والتَّسبيح والهيئة (^٤)؛ لأنَّه ﵇ كان يفعل ذلك.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا)؛ لأنَّه «﵇ كان يُكبِّر في كلِّ رفعٍ وخفضٍ» (^٥).
(وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ)؛ نَصَّ عليه (^٦)؛ لحديث وائِل ابنِ حُجْرٍ (^٧)، وعن ابن عمر قال: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن يَعتمِد الرَّجل على يدَيه إذا
_________________
(١) قوله: (جاز) سقط من (د) و(و).
(٢) ينظر: مسائل حرب، الصلاة ص ١٧٦.
(٣) أخرجه أحمد (٣٥١٤)، وأبو داود (٨٥٠)، وفي سنده كامل بن العلاء التميمي، وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال ابن سعد: (ليس بذاك)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، قال ابن حجر في التقريب: (صدوق يخطئ)، وحسن إسناد الحديث النووي، وصححه ابن الملقن، وحسنه الألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٤١٥، البدر المنير ٣/ ٦٧٢، تهذيب التهذيب ٨/ ٤٠٩، صحيح أبي داود ٣/ ٤٣٦.
(٤) قوله: (والهيئة) سقط من (أ).
(٥) أخرجه البخاري (٧٨٤) عن عمران بن حصين، أنه صلى مع علي ﵁ بالبصرة، فقال: «ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع». وأخرجه أيضًا (٧٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁: «أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف، قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ». وأخرجه أحمد (٤٢٢٤)، عن ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ كان يكبر في كل رفع وخفض»، وله طرق أخرى كثيرة. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥٩١، الإرواء ٢/ ٣٥.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٦٦، مسائل حرب، الصلاة ص ١٥٩.
(٧) سبق تخريجه ٢/ ٢٠٦ حاشية (٥).
[ ٢ / ٢١٨ ]
نهض في الصَّلاة» رواه أبو داود (^١)، ولأنَّه أشقُّ، فكان أفضل كالتَّجافي.
قال القاضي: لا يَختلِف قولُه أنَّه لا يَعتمِد على الأرض، سواءٌ قلنا يَجلِس للاستراحة أو لا.
(إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ؛ فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ)؛ لما رَوى الأثرمُ عن عليٍّ قال: «من السُّنَّة في الصَّلاة المكتوبةِ إذا نَهَض؛ ألاَّ يَعتمِد بيدَيه على الأرض، إلاَّ أن يكون شَيخًا كبيرًا لا يَستطيعُ» (^٢)، وذكر في «الشَّرح»: (أنَّه إذا شقَّ عليه؛ اعتمد على الأرض، لا نعلم فيه خلافًا).
واقتضى كلامُه: أنَّه لا يَجلِس جِلسة الاِستراحةِ، وهو المذهب المنصور عند أصحابنا؛ لما رَوى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنهَضُ على صدورِ قدميه» رواه التِّرمذيُّ بإسنادٍ فيه ضعف (^٣) (^٤)، ورُوي ذلك عن عمرَ (^٥)،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٩٢)، وابن خزيمة (٦٩٢)، وهذا اللفظ مرجوح، والصواب اللفظ الذي أخرجه أحمد وغيره (٦٣٤٧): «نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو يعتمد على يديه»، ونص على شذوذها البيهقي، وابن القطان، والنووي، وغيرهم. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٢٨٠٨)، بيان الوهم والإيهام ٥/ ٣٩، الخلاصة ١/ ٤٢٣، السلسلة الضعيفة (٩٦٧).
(٢) ذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ٢٥٦: (وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل إذا نهض يعتمد على فخذيه، وذكر عن علي ﵁ قال: إن من السنة) ثم ذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٩٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٠٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٨١٢)، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، قال أحمد: (منكر الحديث)، وضعفه ابن معين وأبو داود وآخرون. ينظر: تهذيب التهذيب ٦/ ١٣٦.
(٣) قوله: (فيه ضعف) هو في (أ): ضعيف.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٨٨)، وهو حديث ضعيف جدًّا، في سنده خالد بن إلياس، ويقال: ابن إياس، وهو متروك الحديث كما في التقريب. ينظر: الدراية ١/ ١٤٧، الإرواء ٢/ ٨١.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٩٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٠٢)، عن الشعبي: «أن عمر وعليًّا وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم»، فيه عيسى بن ميسرة ضعفه أحمد، بل قال غير واحد: (متروك). ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وابنِه (^١)، وعليٍّ (^٢)، وابنِ مسعودٍ (^٣)، وابنِ عبَّاسٍ (^٤)، قال أحمدُ: (أكثرُ الأحاديث على هذا) (^٥)، قال التِّرمذي: (وعليه العملُ عند (^٦) أهل العلم) (^٧)، قال أبو الزِّناد: (تلك السُّنَّة) (^٨).
وفي «الغُنْية»: يُكرَه أن يقدِّم إحدى رِجلَيه، وإنَّه قيل: يقطع الصَّلاة، وكذا في رسالة أحمد: (يُكرَه) (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٠٢٤ طبعة الشثري)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٩٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٦٣)، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر ﵄ قال: «رأيته ينهض في الصلاة على صدور قدميه»، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٠٢٢ طبعة الشثري)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١٥٠١)، عن عبيد بن أبي الجعد قال: «كان عليٌّ ينهض في الصلاة على صدور قدميه»، وعبيد صدوق قليل الحديث، وهو إنما يروي عن علي بواسطة، ولا ندري إن كان قد أدرك عليًّا أو لا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٩٩٩ طبعة التأصيل)، والطبراني في الكبير (٩٣٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٦٤)، عن عبد الرحمن بن يزيد: «كان عبد الله ينهض في الصلاة على صدور قدميه»، قال البيهقي: (هو عن ابن مسعود صحيح)، وصححه ابن رجب في الفتح ٧/ ٢٩١، وابن حجر في الفتح ٢/ ٣٠٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢٩٦٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٩٥)، عن أبي عطية الوادعي، عن ابن عمر وابن عباس ﵄ بنحو ما روي عن ابن مسعود، ورجاله ثقات.
(٥) ينظر: المغني ١/ ٣٨٠.
(٦) زيد في (و): أكثر.
(٧) ينظر: سنن الترمذي ٢/ ٨٠.
(٨) هكذا في النسخ الخطية: (قال أبو الزناد)، وهو موافق لما في المغني ١/ ٣٨٠، والشرح الكبير ٣/ ٥٢٧، وشرح الزركشي ١/ ٥٧٤، وكذلك في التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ٢٥٤، وشرح البخاري لابن بطال ٢/ ٤٣٨. وعلقه ابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٩٧، إلا أنه قال: (قال ابن أبي الزناد)، ولفظه: «السنة أن يعجل الإمام الوثوب من كل سجدة، ولا يجلس في الواحدة والثالثة»، وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، وكان فقيهًا.
(٩) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٦٣.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
(وَعَنْهُ: يَجْلِسُ جِلْسَةَ الاِسْتِرَاحَةِ)، اختارها أبو بكر عبد العزيز، وشيخُه الخلاَّل، وذكر أن أحمد رجع عن الأولى؛ لما روى مالك بن الحُوَيرِث: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِس إذا رفع رأسه من السُّجود قبل أن يَنهَض» رواه البخاري (^١).
وقيل: له ذلك إن كان ضعيفًا، قال المؤلِّف: (وفي هذا جَمعٌ بين الأخبار)، وإلاَّ فمِثلُ هذا لا يخفى على عمرَ وعليٍّ ومن سمَّينا.
فيجلِس (عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ)، نَصَّ عليه في رواية المَرُّوذيِّ (^٢)، وذكر ابن الجوزي: أنَّه ظاهر المذهب؛ لأنَّه لو جلس مُفترِشًا لم يَأمَنِ السَّهو، وليفارق الجلسة بين السَّجدتين، وعليه يُحمَل قول ابن عبَّاس في الإقعاء على القدَمين: «هو (^٣) سنَّةُ نبيِّكم ﷺ» (^٤)؛ للاتِّفاق على أنَّه لا يُستحَبُّ في هذه الصُّورة، وذَكَر الآمِديُّ: أنَّ أصحابنا لا يختلِفون في ذلك.
وقيل: يَجلِس مُفترِشًا؛ كالجلوس بين السَّجدتَين، قدَّمه في «الشَّرح» و«الفروع»، وذكره القاضي والمؤلِّف في «المغني» احتِمالًا، واحتجَّ بحديث أبي حُمَيدٍ، وقال: هو صحيحٌ صريحٌ لا ينبغي العدولُ عنه.
وقال الخَلاَّل: (رُوي عن أحمدَ ما لا أُحصيه كثرةً أنَّه يجلس على أَليتَيه) (^٥).
وهل هي فصْلٌ بين الرَّكعتين أو من الثَّانية؟ فيه وجهان.
(ثُمَّ يَنْهَضُ) بغير تكبير؛ لأنَّه انتهى تكبيره عند انتهاء جلوسه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٧).
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٨١، الروايتين والوجهين ١/ ١٢٨.
(٣) في (ب) و(ز): وهو.
(٤) أخرجه مسلم (٥٣٦).
(٥) ينظر: المغني ١/ ٣٨٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقال أبو الخَطَّاب: يَنهَض مكبِّرًا.
وردَّه في «المغني»: بأنَّه يُفضِي إلى أن يُواليَ بين تكبيرتَين (^١) في رُكنٍ واحدٍ لم يرد الشَّرع بجمعهما فيه.
بُشْرَى: رَوى ابنُ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ العبدُ يصلِّي أُتِيَ بذنوبه فوُضِعَتْ على رأسِهِ أو عاتقِهِ، فكلَّما ركعَ أو سجدَ تساقطَتْ عنهُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» (^٢).
(ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى)؛ لقوله ﵇ للمسيء في صلاته لما وصف له الركعة الأولى: «ثمَّ افعَل ذلكَ في صلاتِك كلِّها» (^٣)، وفهم منه: مساواة قراءة الثانية للأولى (^٤)، وسيأتي.
(إِلاَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ)؛ لأنَّها وضعت للدُّخول في الصَّلاة، وهو مُنتفٍ.
(وَالاِسْتِفْتَاحِ)، بغير خلاف نعلمُه (^٥)؛ لما رَوى أبو هُرَيرةَ، قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا نَهَضَ إلى الرَّكعةِ الثَّانيةِ استَفتحَ القراءةَ ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ولم يَسكُتْ» رواه مسلم (^٦).
واستَثنَى أبو الخَطَّاب و«المغني» و«الوجيز» و«الفروع»: تجديد النِّيَّة؛ لاستصحابها حُكمًا، ولأنَّها تُراد للعقد، وقد انعقدت.
قال المجْدُ: وترك استثنائها أَوْلى؛ لأنَّها شرط لا ركن، ويجوز أن تتقدَّم
_________________
(١) في (أ) و(ز): التكبيرتين. والمثبت موافق لما في المغني ١/ ٣٨١.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٧٣٢)، وابن حبان (١٧٣٤)، والبيهقي (٤٦٩٧)، وصححه الألباني. ينظر: الصحيحة (١٣٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
(٤) في (أ): كالأولى.
(٥) ينظر: المغني ١/ ٣٨١.
(٦) أخرجه مسلم (٥٩٩).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الصَّلاة؛ اكتفاءً بالدَّوام الحُكْميِّ.
(وَفِي الاِسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المغني»:
إحداهما: لا يتعوَّذ من تعوَّذ في الأولى، قدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»، وهو قول عَطاءٍ، والحسن، والثَّوريِّ؛ لظاهر خبر أبي هُريرةَ المتقدِّم، ولأنَّ الصَّلاة جملةٌ واحدةٌ، فإذا أتى بالاستعاذة في أوَّلها كفى، فلو تركها في الأولى؛ أتى بها في الثَّانية، قال ابن الجوزي: رواية (^١) واحدة (^٢)، بخلاف الاستفتاح، نَصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه يراد (^٤) لافتتاح الصَّلاة، وهي للقراءة (^٥). وقيل: يَفتَتِح إن وجب (^٦).
والثَّانية: يستعيذ في كل ركعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النّحل: ٩٨]، ولحصول الفصل؛ كالصَّلاتين.
فعلى هذه؛ يستعيذ المسبوقُ، وعلى الأولى لا (^٧) كالاستفتاح، فإذا قام للقضاء استفتح واستعاذ، نَصَّ عليه (^٨)؛ لأنَّ ما يدركه المأموم مع الإمام آخر صلاته.
(ثُمَّ يَجْلِسُ) للتَّشهُّد إجماعًا (^٩)، (مُفْتَرِشًا)؛ كجُلوسه بين السَّجدتَين؛
_________________
(١) في (أ): رواه.
(٢) قوله: (فإذا أتى بالاستعاذة في أولها كفى) إلى هنا سقط من (و).
(٣) ينظر: المغني ١/ ٣٨٢.
(٤) قوله: (يراد) سقط من (و).
(٥) في (ب) و(د) و(و): القراءة.
(٦) أي: عند من يقول بوجوب الاستفتاح، قال الآمدي: (متى قلنا بوجوب الاستفتاح فنسيه في الأولى؛ أتى به في الثانية). ينظر الإنصاف ٣/ ٥٢٩.
(٧) قوله: (لا) سقط من (أ) و(ب) و(د).
(٨) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ٤٢.
(٩) ينظر: مراتب الإجماع ص ٣٠، الإقناع لابن القطان ١/ ١٣٥.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لحديث أبي حميد (^١): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا جلسَ للتَّشهُّد جلسَ على رِجلِه اليُسرى، ونَصَبَ الأخرى، وقعدَ على مَقْعَدَتِه» رواه البخاريُّ (^٢).
وعنه: إن توَّرك في أثنائه جاز ولا فَضْلَ فيه؛ لما رَوى ابنُ مسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجلِسُ في وسَط الصَّلاة وفي آخرها مُتورِّكًا» (^٣).
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ حديثَ أبي حُمَيدٍ مقدَّمٌ على حديثِ ابنِ مسعودٍ، فإنَّ أبا حُمَيدٍ ذكره في عشَرةٍ من الصَّحابة فصدَّقوه، وهو متأخِّرٌ عن ابنِ مسعودٍ، فالأخذ (^٤) به مُتعيِّنٌ (^٥).
(وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى)، وكذا اليُسرى؛ لأنَّه أشهر في الأخبار، لا (^٦) يُلْقِمُهما (^٧) رُكبتَيه.
وفي «الكافي»، واختاره صاحبُ «النَّظم»: التَّخيير، كذا في الأخبار: «يدَيه»، وفيها: «كفَّيه» (^٨)، وفي حديث وائل بن حُجْر: «ذراعيه» (^٩).
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ز): سعيد.
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨).
(٣) أخرجه أحمد (٤٣٨٢)، وابن خزيمة (٧٠٨)، ولفظه عندهما: «إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى»، قال الألباني: (منكر بهذا التمام)، ينظر: السلسلة الضعيفة (٥٦٢٤).
(٤) في (ز): والأخذ.
(٥) زيد في (د) و(و): والحكمة فيه: أن التشهد الأول خفيف، والمصلي بعده يبادر إلى القيام، فناسب فيه الافتراش؛ لأنه هيئة المستوفز، وأما الأخير فليس بعده عمل، بل يسن فيه المكث للتسبيح والدعاء.
(٦) في (ب): ولا.
(٧) في (ز) و(و): يلقهما.
(٨) أخرجه مسلم (٥٨٠)، من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه»، وفي لفظ له: «وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى … ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى».
(٩) أخرجه النسائي (١٢٦٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٨)، من حديث وائل ﵁ بلفظ: «ووضع ذراعيه على فخذيه»، وأخرجه الترمذي (٢٩٢) بلفظ: «ووضع يده اليسرى - يعني - على فخذه اليسرى»، وهو حديث صحيح، صححه الترمذي والبيهقي والنووي وجماعة. ينظر: الخلاصة للنووي ١/ ٤٢٦، الإرواء ٢/ ٦٨.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
(يَقْبِضُ (^١) مِنْهَا الْخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى)، كذا ذكره السَّامَرِّي وابنُ الجوزي، وجزم به في «المحرَّر»، وقدَّمه في «التَّلخيص» و«الفروع»؛ لما رَوى وائِلُ بنُ حُجْرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضعَ مِرفَقَهُ الأيمنَ على فخذِهِ اليمنى، ثمَّ عقدَ من أصابعه الخِنصِرَ والتي تليها، وحلَّقَ حلْقةً بأصبعه الوسطى على الإبهام، ورفع السَّبَّابةَ يشيرُ بها» رواه أحمد وأبو داود (^٢).
وعنه: يَبسُطُهما، ويحلِّق الإبهام مع الوسطى، وهي ظاهر الخِرَقيِّ.
وعنه: يَقبِض أصابعَه الثَّلاثَ، ويَعقِد إبهامَه كخَمسِين، قدَّمه ابن تميم، واختاره المجْدُ في «شرح الهداية»؛ لخبر ابن عمر (^٣).
وعنه: هي كيُسراه، فيَضَعُ أصابعَها مضمومةً مستقبِلًا بها القِبلةَ لا مُفرَّجةً.
(وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ)؛ سمِّيت به لأنَّهم كانوا يُشيرون بها إلى السَّبِّ، وسَبَّاحةً لأنَّه يُشار بها للتَّوحيد (^٤)، والمراد سبَّابة اليمنى؛ لفعله ﵇، وظاهره: لا بغيرها ولو عُدِمت، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ؛ لأنَّ علته (^٥) التَّنبيه على التَّوحيد).
_________________
(١) في (د) و(و): فيقبض.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٥٢٢)، وأحمد (١٨٨٧٦)، وأبو داود (٧٢٦)، والنسائي (١٢٦٥)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والنووي، وابن القيم. ينظر: الهدي ١/ ٢٣١، الفتح ٢/ ٣٦٦، الإرواء ٢/ ٦٨.
(٣) أخرجه مسلم (٥٨٠).
(٤) في (ب): إلى التوحيد.
(٥) قوله: (لأن علته) هو في (أ) و(و) و(د): (لأن عليه). والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ٢١٠.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
(فِي تَشَهُّدِه مِرَارًا)، وكذا في «المستوعب»، وظاهره: أنَّه يشير بها في كلِّ تشهُّده، وهو رواية.
والأشهر: أنَّ موضِعَ الإشارة بها عند ذكر الله؛ لينبِّه (^١) على الوحدانية، زاد ابن تميم: وذِكْرِ (^٢) رسولِه (^٣).
وقدَّم في «التَّلخيص»: أنَّه يَرفعُها (^٤) في تشهُّده مرَّتَين أو ثلاثًا.
وذكر جماعةٌ: أنَّه يشير بها، ولم يقولوا مِرارًا، وظاهره: ولو مرَّةً، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ (^٥) والأخبارِ.
وعلى كل حال؛ لا يحرِّكها في الأصحِّ؛ لفعله ﵇ (^٦).
قال في «الغُنية»: (ويُديم نظرَه إليها كلَّ تشهُّده)؛ لخبر ابن الزُّبَير، رواه أحمد (^٧).
فائدة: يشير بالسَّبَّاحة إذا دعا في صلاته أو غيرها، نَصَّ عليه (^٨)؛ لحديث
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ز): لتنبه.
(٢) في (ب): ذكر.
(٣) في (و): قوله.
(٤) في (أ): يرفعهما.
(٥) ينظر: الفروع ٢/ ٢١٠.
(٦) أخرجه أبو داود (٩٨٩)، عن عبد الله بن الزبير، أنه ذكر: «أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها»، قال ابن القيم: (فهذه الزيادة في صحتها نظر، وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في صحيحه عنه، ولم يذكر هذه الزيادة). ينظر: الهدي ١/ ٢٣١، السلسلة الضعيفة (٥٥٧٢).
(٧) أخرجه أحمد (١٦١٠٠)، وأبو داود (٩٩٠)، والنسائي (١٢٧٥)، وابن خزيمة (٧١٨)، وأبو عوانة (٢٠١٨)، وابن حبان (١٩٤٤)، ولفظه: «وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته»، وصححه ابن الملقن، والألباني، وأصله في مسلم (٥٧٩). ينظر: البدر المنير ٤/ ١١، صحيح أبي داود ٤/ ١٤٥.
(٨) ينظر: الفروع ٢/ ٢١١.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وائلٍ قال: «فرأيته يحرِّكها يدعو بها» رواه (^١) أبو داود (^٢).
(وَيَبْسُطُ (^٣) الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ (^٤) الْيُسْرَى)؛ لما رَوى ابنُ عمرَ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا جلس في الصَّلاة وضع يدَيه على رُكبتَيه، ورفع أصبعَه (^٥) التي تلي الإبهامَ فدعا بها، ويدُه اليسرى على رُكبتِه (^٦) باسطَها عليها» رواه مسلمٌ (^٧).
قوله: (على فخذه (^٨) اليسرى)؛ أي: لا يخرج بها عنها، بل يجعل أطراف أصابعه مُسامِتَةً لركبته.
زاد في «المحرَّر» وغيره: مضمومةَ الأصابِعِ، زاد في «المغني» وغيره: مستقبِلًا بأطراف أصابعها القِبلة، قال في «التَّلخيص»: (قريبًا من الركبة)، وفي (^٩) «الكافي»: أو يُلْقِمُها (^١٠) ركبتَه (^١١)، وقال ابن تميم: (إن قبض بها على ركبته فلا بأس).
(ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) سرًّا؛ لخبر ابن مسعودٍ، وهو في الصَّحيحَين وغيرِهما،
_________________
(١) قوله: (وائل قال: «فرأيته يحركها يدعو بها» رواه) سقط من (ز).
(٢) سبق تخريجه ٢/ ٢٢٥ حاشية (٢)، وزيادة: «يحركها» أخرجها ابن خزيمة (٧١٤)، وابن حبان (١٨٦٠)، وهي شاذة؛ تفرد بها زائدة بن قدامة دون بقية الرواة من أصحاب عاصم بن كليب، قاله ابن خزيمة في صحيحه، وغيره. ينظر: السلسلة الضعيفة (٥٥٧٢).
(٣) زيد في (ب): كفه.
(٤) في (ز): الفخذ.
(٥) في (أ): أصبعيه.
(٦) في (ب) و(د) و(و): ركبتيه.
(٧) أخرجه مسلم (٥٨٠).
(٨) في (ب) و(ز): الفخذ.
(٩) قوله: (وفي) هو في (أ): قال في.
(١٠) في (أ): أو يُلْقِمُهما.
(١١) في (أ) و(ب) و(ز): ركبتيه.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
(فَيَقُولُ: «التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»)، ولفظُه: كنَّا إذا جلسْنا مع النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة قلنا: السَّلام على الله من عباده، السَّلام على جبريل، السَّلام على ميكائيل، السَّلام على فلانٍ، فسمعَنا رسولُ الله ﷺ فقال: «إنَّ الله هو السَّلام، فإذا جلس أحدُكم فلْيقُل: التَّحيَّات لله …» إلى آخره، قال (^١): «ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء أعجبَهُ إليه فيدعُو»، وفي (^٢) لفظ: «علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني السُّورةَ من القرآن»، قال التِّرمذيُّ: (هو أصحُّ حديث في التشهُّد، والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين) (^٣)، وليس في المتَّفَقِ عليه حديث غيره، ورواه أيضًا ابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وعائشة (^٤)، ويترجَّح: بأنَّه اختصَّ بأنَّه ﵇ أمره بأن (^٥) يُعلِّمه (^٦) النَّاس، رواه أحمد (^٧).
وليس تشهُّد ابن عبَّاس أفضلَ، وهو: «التَّحيَّاتُ المباركاتُ، الصَّلواتُ
_________________
(١) قوله: (قال) سقط من (د) و(و).
(٢) في (ز): أو في.
(٣) ينظر: سنن الترمذي ٢/ ٨٢.
(٤) أما حديث ابن مسعود ﵁: فأخرجه البخاري (٨٣١، ٨٣٥، ٦٢٦٥)، ومسلم (٤٠٢). وأما حديث عمر ﵁: فأخرجه مالك في الموطأ (٥٣)، والبيهقي (٢٨٣١). وأما حديث جابر ﵁: فأخرجه النسائي (١١٧٥). وأما حديث عائشة ﵂: فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٩٣)، والبيهقي (٢٨٤٠). ولم نقف عليه من حديث أبي هريرة ﵁، لكن ذكر ابن حجر أن أبا بكر بن مردويه أخرجه في كتاب التشهد له، وقال: (إسناده صحيح). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٦٤١.
(٥) في (د) و(و): أن.
(٦) في (أ): يعلم.
(٧) قوله: (رواه أحمد) سقط من (د) و(و).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الطَّيِّبات لله …» إلى آخره، ولفظ مسلم: «وأشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ الله» (^١).
ولا تشهُّد عمر، وهو: «التَّحيَّاتُ لله، الزَّاكياتُ لله (^٢)، الطَّيِّبات الصَّلواتُ لله، سلام عليك …» إلى آخره (^٣).
فإن تشهَّد بأحدها؛ أجزأه، حكاه ابن هُبَيرة اتِّفاقًا، لكن قال بعض أصحابنا، وهو الذي في «التَّلخيص»: إنَّه لا يُجزِئُ غير (^٤) تشهُّد ابن مسعود، فعلى هذا لو ترك منه حرفًا؛ لم يُجزِئْه.
وقد ذكر المؤلِّفُ، وصحَّحه هو وغيرُه: أنَّه متى أخلَّ بلفظةٍ ساقطةٍ في بعض التَّشهُّدات؛ فلا بأس، وقدَّمه جماعةٌ، كما إذا أسقط لفظًا لا يَسقُط المعنى به.
فعلى هذا: الواجبُ خمسُ كلماتٍ، وهي: «التَّحيَّاتُ لله، سلامٌ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله (^٥)، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله»، أو: «رسول الله»؛ لأنَّ هذا يأتي على معنى الجميع، وهو المتَّفَقُ عليه في الرِّوايات.
وظاهره: أنَّه لا يُسمِّي في أوَّله، وصرَّح (^٦) القاضي بالكراهة، وأنَّه يرتِّب (^٧) الجُمَل، وهو وجهٌ؛ لأنَّه إذا لم يرتِّب؛ فقد أخلَّ به في ذكر مشروعٍ،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦٦٥)، ومسلم (٤٠٣).
(٢) قوله: (لله) سقطت من (أ).
(٣) أخرجه مالك (١/ ٩٠)، والشافعي في المسند (ص ٢٣٧)، وعبد الرزاق (٣٠٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٢)، والحاكم في المستدرك (٩٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٣٨)، وإسناده صحيح. ينظر: نصب الراية ١/ ٤٢١، أصل صفة الصلاة ٣/ ٩٠١.
(٤) في (و): عن.
(٥) زيد في (ب) و(ز): وبركاته. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ٢٠٨ وغيره.
(٦) في (أ): خرَّج.
(٧) في (د) و(و): ترتب.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فلم يصحَّ كالأذان.
فائدة: إذا قال: (السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين)؛ يَنوي به النِّساءَ ومن لا شركة له (^١) في صلاته في ظاهر كلامهم (^٢)؛ لقوله ﵇: «أصابت كلَّ عبدٍ لله صالحٍ في السَّماءِ والأرضِ».
مُهمَّات: التَّحيَّات جمع تحيَّة، وهي العظمة، وقال أبو عمرو: الملك، وقال ابن الأنباري: السَّلام، وقيل: البقاء (^٣).
والصَّلوات: هي الخمسُ، وقيل: الرَّحمة، وقيل: الأدعية، وقيل: العبادات.
والطَّيِّبات: هي الأعمال الصَّالحة، وقال ابن الأنباري: (الطَّيِّبات من الكلام) (^٤).
ومن (^٥) خواصِّ الهَيللة (^٦): أنَّ حروفها كلها مُهمَلة؛ تنبيهًا على التَّجرُّد من كل معبودٍ سوى الله تعالى، وجوفيةٌ (^٧) ليس فيها شيء من (^٨) الشَّفوية؛ إشارة إلى أنَّها تخرج من القلب.
(هَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ)، وظاهره: تخفيفه، وأنَّه لا يُستحَبُّ الزِّيادة عليه، ونصُّه فيها: أساء (^٩)، ذكره القاضي في «الجامع».
_________________
(١) في (أ): يشركه له.
(٢) قوله: (في ظاهر كلامهم) سقط من (ب) و(ز).
(٣) ينظر: الزاهر ١/ ٦٠، تهذيب اللغة ٥/ ١٨٨، المطلع ص ١٠٠.
(٤) ينظر: الزاهر ١/ ٦١.
(٥) في (و): وفي.
(٦) في (د) و(و): التهليلة.
(٧) في (أ): وجوفه.
(٨) قوله: (من) سقط من (أ) و(ب) و(و).
(٩) في (ز): إنشاء. وينظر: الفروع ٢/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
واختار ابن هُبَيرة: تُسنُّ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، واختاره الآجُرِّيُّ، وزاد: (وعلى آله).
وذكر جماعةٌ: لا بأس بزيادة: (وحده لا شريك له). وقيل: قولها أَولى.
ويكرِّره مسبوقٌ، نَصَّ عليه (^١)، فإن سلَّم قبل تمامه؛ قام ولم يُتِمَّه.
(ثُمَّ يَقُولُ) في التَّشهُّد الذي يعقبه السَّلام: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ (^٢) إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)، هذا هو المشهورُ في المذهب، واقتصر عليه أكثرُ أصحابنا؛ لما رَوى كعْب بن عُجْرَةَ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلِّمُ عليك، فكيف نصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلَّيتَ على آل (^٣) إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركتَ على آل (^٤) إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد» متَّفَقٌ عليه (^٥).
قال جَدِّي: (في «الانتصار» (^٦): إلاَّ أنَّ البخاريَّ قال: «وآل محمَّد» بإسقاط على)، وليس كذلك، فإنَّه رواه في كتاب «بدء الخلق»: «وعلى آل محمَّد» بإثباتها (^٧).
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٠.
(٢) قوله: (آل) سقط من (أ) و(ب) و(و) و(ز).
(٣) قوله: (آل) سقط من (و).
(٤) قوله: (آل) سقط من (و).
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).
(٦) ينظر: الانتصار في أحاديث الأحكام (ويسمى: كفاية المستقنع لأدلة المقنع) لجمال الدين يوسف المرداوي ١/ ٢٣٧.
(٧) أخرجه البخاري في مواضع منها: (٣٣٧٠)، (٤٧٩٧)، (٤٧٩٨)، (٦٣٥٧)، (٦٣٥٨).
[ ٢ / ٢٣١ ]
(وَإِنْ شَاءَ قَالَ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ)؛ لما روى أحمد والنَّسائي والتِّرمذي، وصحَّحه من حديث كعْبٍ، وقال فيه: «اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمَّد وآل محمَّد، كما باركتَ على إبراهيم وآل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مَجيدٌ» (^١)، قلتُ: ورواه البخاريُّ من حديثه أيضًا (^٢).
وظاهره: أنَّه مخيَّرٌ بينهما، وهو رواية؛ لورود الرِّواية بهما (^٣).
وعنه: يقتَصِر على الأخير (^٤) فقط، اختاره ابن عقيل، وقدَّمه في «المذهب».
والأوَّل أَوْلى؛ لأنَّها وردت بألفاظ مختلِفة، فوجب أن يجزِئَ منها ما اجتمعت عليه الأحاديث، وهو الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ حَسْبُ، اختاره القاضي والشَّيخانِ، وصحَّحه ابن تميم والجَدُّ في «فروعه».
وقال ابن حامد وأبو الخَطَّاب: تَجب (^٥) الصَّلاةُ على ما في خبر كعْبٍ، وهو ظاهر كلامه في «التَّلخيص» و«المذهب»؛ لظاهر الأمر به (^٦).
مسائل:
الأولى: أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، فكيف تُطلَب صلاة النَّبيِّ ﷺ وتُشَبَّه
_________________
(١) قوله: (وبارك على محمَّد وآل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد) سقط من (و).
(٢) أخرجه أحمد (١٨١٠٤)، والبخاري (٣٣٧٠)، والنسائي (١٢٨٧).
(٣) في (د) و(و): بها.
(٤) في (و): الآخر.
(٥) في (أ) و(د) و(و): يجب.
(٦) في (أ): الآية.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
بالصَّلاة على إبراهيم وآله؟! (^١).
وجوابُه: بأنَّه يحتمل أنَّ مراده أصلُ الصَّلاة بأصلها، لا (^٢) القدْرُ بالقدر؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ …﴾ [البَقَرَة: ١٨٣].
ويَحتمِل: أنَّ التَّشبيه وقع في الصَّلاة على الآل (^٣)، لا على النَّبيِّ ﷺ، فيكون (وعلى آل محمَّد) متَّصل بما بعده، ويقدَّر له ما يتعلَّق به، والأوَّل مقطوعٌ عن التَّشبيه. وفيهما نَظر.
ويَحتمِل - وهو أحسنها -: أنَّ المشبَّه الصَّلاة على النَّبيِّ وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآله، فتقابلت الجملتان، وتعذَّر (^٤) أن يكون لآل الرَّسول ما لآل (^٥) إبراهيم الذين هم الأنبياء، فكان ما يوفر (^٦) من ذلك حاصلًا للرَّسول ﷺ، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرَّحمة والرِّضوان، ومن كانت في حقِّه أكثرَ كان أفضلَ.
الثَّانية: السُّنَّة تقديمُ (^٧) التَّشهُّد على الصَّلاة، فإن لم يفعل من غير تغيير المعنى ولا إخلال (^٨) بشيء من الواجبات؛ فالأصحُّ عدَم الإجزاء.
_________________
(١) كتب على هامش الأصل و(و): (في كتاب الصَّلاة لابن القيم: وشرعت الصَّلاة على آله مع الصَّلاة عليه؛ تكميلًا لقرة عينه بإكرام آله والصَّلاة عليهم، وأن يصلَّى عليه وعلى آله كما صلِّي على أبيه إبراهيم وآله، والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله، ولذلك كان المطلوب لرسول الله ﷺ مثل الصَّلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصَّلاة أكمل مما يصلَّى على رسول الله ﷺ بها وأفضل).
(٢) في (و): إلا.
(٣) في (و): الأول.
(٤) في (أ): ومقدر. وفي (و): ويقدر.
(٥) قوله: (لآل الرسول ما لآل) هو في (أ) و(ز): (الآل الرسول بالآل).
(٦) في (و): توفر.
(٧) قوله: (تقديم) سقط من (و).
(٨) في (أ): والإخلال.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وكذا لو أبدل (آلَ) ب (أهل)، وقال القاضي: يجزئه.
الثَّالثة: كان يلزمه ﵇ أن يقول في تشهُّده: (وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد …) إلى آخره، والشَّهادتين في الأذان، ذكره ابن عقيل، وفيه وجْهٌ ذكره ابن حمدان.
الرَّابعة: لا تَجِبُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ خارج الصَّلاة. وقيل: بلى، اختاره أبو جعْفرٍ الطَّحاويُّ، وأبو عبد الله الحَلِيمِيُّ (^١)، واللَّخْمِيُّ (^٢)، وأبو عبد الله بن بَطَّة.
والقائلون به؛ قيل: تجب في العمر مرَّةً واحدةً. وقيل: كلَّما ذُكر، ودليلُه ظاهِرٌ.
وله الصَّلاة على غيره منفرِدًا، نَصَّ عليه (^٣)، وكرهها جماعةٌ، وحرَّمها آخرون، وقاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين مع الشِّعار (^٤).
الخامسة: آل محمَّد (^٥) ﵇: أتباعُه على دينه، ذكره القاضي؛ لقوله تعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عِمرَان: ١١]؛ يعني: أتباعه على دينه.
وقيل: كلُّ تقيٍّ؛ للخبر، رواه تَمَّامٌ في «فوائده» (^٦).
_________________
(١) هو الحسين بن الحسن بن محمد الحليمي الشافعي، أبو عبد الله، القاضي العلامة، رئيس المحدثين والمتكلمين بما وراء النهر، من أصحاب الوجوه في المذهب، توفي سنة ٤٠٣ هـ، من مصنفاته: المنهاج في شعب الإيمان. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ١٣٧، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٣١.
(٢) هو علي بن محمد الربعي اللخمي، أبو الحسن. من أهل الأندلس، كان فقيهًا فاضلًا، ذا حظ من الأدب، انتهت إليه رئاسة الفتوى بإفريقية. توفى سنة ٤٧٨. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ١٣٧، الأعلام ٤/ ٣٢٨.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ١١٣.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٧٢.
(٥) في (و): مسجد.
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٣٣٢)، وتمامٌ في فوائده (١٥٦٧)، والبيهقي (٢٨٧٣)، وهو حديث ضعيف جدًّا، فيه نافع أبو هرمز، كذبه يحيى بن معين، وضعفه أحمد وغيره من الحفاظ. ينظر: العلل المتناهية ١/ ٢٦٥، السلسلة الضعيفة (١٣٠٤).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وقيل: أزواجه، ومن آمن به من عشيرته (^١).
وقيل: هم بنو هاشم المؤمنون.
ونصَّ أحمد على أنَّهم أهل بيته (^٢)، فمنهم بنو هاشم، وفي بني المطَّلِب روايتا زكاةٍ.
وأفضل أهل بيته: عليٌّ، وفاطمةُ، وحسنٌ، وحسَينٌ (^٣)، وظاهر كلامه في موضع (^٤): أنَّ حمزة أفضل من حسن وحسين.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا فرغَ أحدُكم من التشهُّدِ الأخيرِ فليستَعِذْ بالله من أربعٍ»، وذكرهنَّ، رواه مسلم، وكان النَّبيُّ ﷺ يدعو بذلك، متَّفَقٌ عليه (^٥).
وذكر ابن الجوزي وابن تميم: تَكرار (أعوذ بالله) في كل جملة.
وحكى القاضي وجوب ذلك، وذكره في «الرِّعاية» روايةً؛ لظاهر الأمر به.
(وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ)؛ أي: أخبارِ النَّبيِّ ﷺ وأخبار أصحابه، زاد في «المغني» و«الشَّرح»: وأخبارِ السَّلف، وبأمر الآخرة، ولو لم يُشبِه ما ورد؛ (فَلَا بَأْسَ)، وكذا ذكر الخِرَقِيُّ والسَّامَرِّي؛ لقوله: «ثمَّ ليتخيَّر (^٦) من
_________________
(١) في (ب) و(و): عترته.
(٢) ينظر: الاختيارات للبعلي ص ٨٤.
(٣) كتب فوقها في (ز): (هذا متفرع عن تفسيرهم بأهل بيته، فذكره تكرار).
(٤) أي: كلام شيخ الإسلام كما في الفروع ٢/ ٢١٥. وينظر: الاختيارات ص ٨٤.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).
(٦) في (أ): يتخير.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الدُّعاء أعجبَهُ إليه فيدعو» (^١).
وذكر ابنُ تميم: أنَّه يدعو بما ورد، وجزم به في «الوجيز» و«الفروع (^٢)»؛ لما رُوي عن أبي بكر الصِّدِّيق أنَّه قال: يا رسولَ الله! علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللَّهمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا (^٣)، ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» متَّفَقٌ عليه (^٤)، وعن عليٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: اللَّهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلنْتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّمُ والمؤخِّر (^٥)، لا إله إلاَّ أنت» رواه التِّرمذِيُّ، وصحَّحه (^٦)، وعن معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أوصيكَ بكلماتٍ تقولهنَّ في كلِّ صلاة: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكركَ، وشُكركَ، وحسنِ عبادتكَ» رواه أحمدُ (^٧)، وقال عبد الله: سمعت أبي يقول في سجوده: (اللَّهمَّ كما صُنتَ وجهي عن السجود لغيرك؛ فصُنْ وجهي عن المسألة لغيرك)، قال: (وكان عبد الرَّحمن يقوله)، وقال (^٨): (سمعت الثَّوريَّ يقوله) (^٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣٥).
(٢) في (ب): وقدمه في الفروع.
(٣) زيد في (ب): فاغفر لي.
(٤) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).
(٥) في (أ) و(ب): وأنت المؤخر.
(٦) أخرجه مسلم (٧٧١)، والترمذي (٣٤٢١).
(٧) أخرجه أحمد (٢٢١١٩)، وأبو داود (١٥٢٢)، وابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠) و(٢٠٢١)، والحاكم (١٠١٠)، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وصحح إسناده النووي، وقال ابن حجر في البلوغ: (سنده قوي)، وصححه الألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٤٦٨، بلوغ المرام (٣٢٥)، صحيح أبي داود ٥/ ٢٥٣.
(٨) قوله: (وقال) هو في (أ): عمر قال.
(٩) ينظر: المغني ١/ ٣٩٣.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ومحلُّه: ما لم يَشُقَّ على مأموم، أو يخفْ سهوًا إن كان منفرِدًا.
وظاهره: أنَّه لا يدعو بغير ذلك.
وعنه: لا بأس أن يدعو بجميع حوائج دنياه وآخرته، اختاره في «المغني»، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لظواهر الأخبار.
وظاهِرُ كلام جماعةٍ: جوازُ الدُّعاءِ بما كان قربةً إلى الله تعالى وإن لم يَرِدْ (^١) به أثَرٌ، وقَطع به في «المحرَّر».
فأمَّا ما يُقصَد به ملاذُّ الدُّنيا وشهواتُها؛ كقوله: اللَّهمَّ ارزقني جاريةً حسناءَ، وحُلَّةً خضراءَ؛ لم يَجُزْ؛ لأنَّه من (^٢) كلام الآدميين.
وعنه: يجوز؛ لقوله: «ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاء (^٣) …» إلى آخره.
وأجيب: بحمله على الدُّعاء المأثور.
فرع: يجوز الدُّعاء لمعيَّنٍ على الأصحِّ، رُوي عن عليٍّ (^٤) وأبي الدَّرداء (^٥). وقيل: في نفل. وعنه: يكره.
والمراد: بغير (^٦) كاف الخطاب، ذَكره جماعةٌ، وإلاَّ بطلت؛ لخبر تشميت
_________________
(١) في (أ): ترد.
(٢) في (أ): في.
(٣) قوله: (من الدعاء) سقط من (د) و(و).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٧٦)، وابن أبي شيبة (٧٠٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢٧٢٢)، والبيهقي في الكبرى (٣٣٢٤)، من طرق عن عبد الرحمن بن معقل: «أن عليًّا قنت في المغرب، فدعا على ناس وعلى أشياعهم، وقنت قبل الركوع»، وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٨١٠٢)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٣٣٢٦)، عن معاوية بن قرة قال: قال أبو الدرداء: «إني لأدعو لسبعين من إخواني وأنا ساجد»، قال الذهبي في المهذب ٢/ ٦٨٤: (منقطع)، واحتج به يحيى بن معين كما في تهذيب الكمال ٢٨/ ١٣٦.
(٦) في (و): لغير.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
العاطِس (^١)، وقوله ﵇ لإبليس: «ألعنُكَ بلعنةِ الله» (^٢)؛ قبل التَّحريم، أو مُؤوَّل.
ولا تَبطُل (^٣) بقوله: (لعنه (^٤) الله) عند اسمه على الأصحِّ، ولا من عوَّذ نفسه بقرآنٍ لِحُمَّى ونحوها، ولا من لدغته (^٥) عقربٌ فقال: باسم الله، ولا بالحَوقلة في أمر الدُّنيا.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ) وهو جالِس بلا نزاعٍ، وأنَّه تحليلُها، وهو منها؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليم»، وليس لها تحليلٌ سواه.
(عَنْ يَمِينِهِ)، فيقول مطلقًا؛ لأنَّه أحد طرفيها، فاشترط (^٦) له كالأوَّل: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ)، رُوي ذلك عن أبي بكرٍ (^٧)، وعمرَ (^٨)، وعليٍّ (^٩)،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم ﵁ لما قال لمن عطس وهو في الصلاة: «يرحمك الله»، فقال له النبي ﷺ بعد الصلاة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».
(٢) أخرجه مسلم (٥٤٢)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٣) في (و): يبطل.
(٤) في (و): لعنة.
(٥) في (ب) و(د) و(و): لدغه.
(٦) في (و): فأشرط.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٣١٢٧)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٧٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦١٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٤٢)، عن مسروق: «أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم انفتل ساعتئذ كأنما كان جالسًا على الرضف»، وإسناده حسن، وثبَّت البخاري سماع مسروق من الحسن في التاريخ الأوسط ١/ ١٢٣.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٨)، عن شقيق قال: قد صليت خلف عمر وعبد الله، فكلاهما يقولان: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، ورجاله ثقات.
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٥١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦٢١)، وابن المنذر في الأوسط (١٥٤٤)، عن شقيق بن سلمة قال: صليت خلف علي، فسلم عن يمينه وعن شماله، وقال: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، ولا بأس بأسانيده.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وعمَّارٍ (^١)، وابنِ مسعودٍ (^٢)؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُسلِّمُ عن يمينه وعن يساره: السَّلامُ عليكم ورحمة الله، السَّلام عليكم ورحمة الله، حتَّى يُرى بياضُ خدِّه» رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ وقال: (حسَنٌ صحيحٌ، والعملُ عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم) (^٣). وأصحُّ الرِّوايات عنه ﵇ أنَّها تسليمتانِ، فعن سعد قال: «كنتُ أرى النَّبيَّ ﷺ يسلِّمُ عن يمينه ويساره حتَّى يُرى بياضُ خدِّه» رواه مسلمٌ (^٤).
ويُسنُّ التفاتُه فيهما، قال أحمد: (ثبت عندنا من غير وجه أنَّه كان ﵇ يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتَّى يُرى بياض خدِّه) (^٥).
ويكون التِفاتُه في الثَّانية أكثرَ، قاله المؤلِّف؛ لفعله ﵇، رواه ابن صاعِدٍ (^٦).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣١٣٤)، وابن أبي شيبة (٣٠٤٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦٢٥)، عن حارثة بن مضرب: «أن عمار بن ياسر كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن يساره مثل ذلك»، صححه البخاري كما في العلل الكبير (١٠٧).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا مع أثر عمر ﵁. وأخرج السرَّاج (٨٧١)، عن الرَّبيع بن خُثيم: «أنه سمع عبد الله بن مسعود يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، وإسناده حسن.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي (١٣٢٤)، وابن الجارود (٢٠٩)، وابن خزيمة (٧٢٨)، وابن حبان (١٩٩١)، وهو حديث صحيح، صححه العقيلي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وهو في مسلم (٥٨١) لكن بلفظٍ مختصر، وله شاهد عند مسلم (٥٨٢)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٧/ ٣٦٤ - ٣٦٦، الإرواء ٢/ ٢٩.
(٤) أخرجه مسلم (٥٨٢).
(٥) ينظر: مسائل عبد الله ص ٨٣.
(٦) أخرجه الدارقطني (١٣٤٧) من حديث عمار بن ياسر، قال: «كان النبي ﷺ إذا سلَّم عن يمينه يُرى بياض خده الأيمن، وإذا سلَّم يرى بياض خده الأيمن والأيسر، وكان تسليمه: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، ورجَّح البخاري وقفه، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: الصحيح عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عمار من فعله)، وأخرجه ابن ماجه (٩١٦) ووقع خلاف في نسخ ابن ماجه في تعيين صحابيه، هل هو عمار أم حذيفة. ينظر: العلل الكبير للترمذي (ص ٧٢)، تنقيح التحقيق ٢/ ٢٨٦، نصب الراية ١/ ٤٣٠، مصباح الزجاجة ١/ ١١٣.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وذكر ابن عَقيل وابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يَبتدِئُ بقوله: (السَّلام عليكم) إلى القِبلة، ثمَّ يَلتفِتُ عن يمينه ويساره في قوله: (ورحمة الله)؛ جمْعًا بين الأحاديث.
ويَجهَر بالأولى، ويُسِرُّ بالثَّانية (^١)، نَصَّ عليه (^٢)، لتقدُّمها (^٣)، أو لحصول التحلُّل بها.
واختار ابن حامِدٍ، وقدَّمه في «الرِّعاية»: خلافَها؛ لئلاَّ يُسابِقَه المأمومُ في السَّلام، أو في القيام للقضاء إن كان مسبوقًا.
وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّه يَجهَر، وبالأولى (^٤) أكثرَ.
وقيل: يسرُّهما؛ كمأمومٍ (^٥)، قال في «المذهب»: ومنفرِدٍ.
ويُستحبُّ حذفه، ويَجزِمُه، ولا يُعرِبُه.
فرعٌ: إذا نكَّس السَّلامَ مطلقًا؛ لم يُجزِئْهُ. وقيل: بلى، وبعَّده المؤلِّف.
فإن نكَّره؛ فأوْجُهٌ، ثالثُها: يُجزِئُ مع التَّنوين؛ لإقامته مقام الألف واللاَّم، وقيل: تنكيره أفضل، وفيه ضَعْفٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللهِ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)، اختاره أبو الخَطَّاب وابن عَقيل
_________________
(١) في (أ) و(د) و(و): الثانية.
(٢) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٤٧٠.
(٣) في (ب) و(و): لقدمها.
(٤) في (ب) و(و): بالأولى.
(٥) في (ب) و(و): المأموم.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وصحَّحه، وقدَّمه في «المستوعب» و«الرِّعاية»؛ لأنَّه ﵇ كان يقوله، وهو سلامٌ في صلاةٍ، فيَرِدُ (^١) مقرونًا بالرَّحمة، فلم يُجزِئْه بدونها؛ كالسَّلام في التَّشهُّد، فعلى هذا: هي ركنٌ، وصحَّحه في «المذهب».
(وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ)، قال: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليمُ»، وهو حاصِلٌ بدون ذكر الرَّحمة، وجعله في شرح «المحرَّر» دليلًا للأول (^٢)، وحمله على السَّلام المعهود، وفيه نَظَرٌ، وعن عليٍّ: «أنَّه كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره السَّلام عليكم، السَّلام عليكم» رواه سعيدٌ في «سننه» (^٣)، ولأنَّ ذِكر الرَّحمة تكريرٌ للثَّناء، فعلى هذا: هي سنَّة.
(وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ (^٤)، من حيث إنَّها صلاةٌ مفروضةٌ، واقتصر فيها على السَّلام من غير ذِكر الرَّحمة، لكنَّ الفرقَ ظاهِرٌ.
وفي «التَّلخيص» و«المحرَّر»: في وجوبها روايتانِ.
تَتِمَّة: إذا زاد: (وبركاتُه (^٥)؛ فلا بأْسَ؛ لفِعلِ النَّبيِّ ﷺ، رواه أبو داود من حديثِ وائِلٍ (^٦)، وتركُها أفضل.
(وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ)، هذا الأَوْلى؛ لتكونَ النِّيَّةُ شامِلةٌ لطرَفَيِ الصَّلاة.
(فَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ جَازَ)، نَصَّ عليه (^٧)، وقدَّمه ابن تمِيمٍ والجَدُّ، وجزم به في
_________________
(١) في (ز): ورد.
(٢) قوله: (للأول) سقط من (أ).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣١٣١)، والشافعي في الأم (٧/ ١٧٤)، وإسناده صحيح.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٨٣.
(٥) في (ب) و(د) و(و): بركاته.
(٦) أخرجه أبو داود (٩٩٧)، وابن خزيمة (٧٢٨)، وصحح هذه الزيادة النووي، وابن عبد الهادي، وابن الملقن، ينظر: المحرر (٢٧١)، البدر المنير ٤/ ٦٤.
(٧) ينظر: المغني ١/ ٤٠٠.
[ ٢ / ٢٤١ ]
«الوجيز»، ونَصَره في «الشَّرح»؛ لأنَّ نيَّةَ الصَّلاة قد شَمِلت جميعَها، والسَّلامُ من جملتها، فاكتفى فيه بالنِّيَّة المستصحَب حكمُها، وكتكبيرة الإحرام، ولأنَّها عبادةٌ فلم تَجِب النِّيَّةُ للخروج منها؛ كسائر العبادات.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ)، هو روايةٌ عن أحمدَ، وصحَّحه في «المذهب»، واقتصر عليه ابن هُبَيرةَ؛ لأنَّه أحدُ طرَفَيِ الصَّلاة، فوجبتْ فيه النِّيَّةُ؛ كالطَّرَفِ الأَوَّلِ، فعلى هذا: هي رُكْنٌ.
وقيل: إن سها عنها سجد (^١) للسَّهو.
فإن نوى الخروجَ منها مع الحفَظَةِ والإمامِ والمأمومِ؛ جاز، نَصَّ عليه (^٢)؛ لما رَوى سَمُرةُ بن جُندَبٍ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نَرُدَّ على الإمام، وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعضٍ» رواه أبو داود، وإسناده ثقات (^٣). وقيل: تَبطُل للتَّشريك. وقيل: يُستحَبُّ.
وقال أبو حَفْصٍ: السُّنَّةُ أن يَنوِيَ بالأولى الخروجَ، وبالثَّانية على الحَفَظَة ومن معه إن كان في جماعةٍ.
وإن نوى بسلامه الحاضرين، ولم ينوِ الخروجَ؛ فقال ابن حامِدٍ: تبطل وجهًا واحدًا؛ لتمحُّضه خطابَ آدمِيٍّ. والأشهر: يجوز.
وعنه: لا يترك السَّلام على إمامه.
وإن وجبت الثَّانية؛ اعتبر نية (^٤) الخروجِ منها.
(وَإِنْ كَانَ فِي مَغْرِبٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ؛ نَهَضَ مُكَبِّرًا إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ)؛
_________________
(١) في (ب) و(و): يسجد.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٤٠٠.
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٠١)، وهو حديث ضعيف؛ فإنه من رواية سعيد بن بشير عن قتادة، وأغلب الأئمة على تضعيفه، وروايته عن قتادة خاصة منكرة، قال الساجي: (حدث عن قتادة بمناكير). ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٨، الإرواء ٢/ ٨٧.
(٤) في (أ): فيه.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
كنهوضه من السُّجود، قائمًا على صدور قدمَيه كما تقدَّم.
وظاهره: أنَّه لا يرفع يدَيه، وحكاه بعضهم وِفاقًا (^١).
وعنه: بلى، اختاره المجْدُ وحفيدُه (^٢)، وهي أظهر، وقد صحَّحه أحمد وغيره عن النَّبيِّ ﷺ (^٣)، قال الخَطَّابيُّ: (وهو قولُ جماعةٍ من أهل الحديثِ) (^٤).
(وَصَلَّى الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ مِثْلَ الثَّانِيَةِ)؛ لقوله: «ثمَّ افعل ذلك في صلاتِكَ كلِّها» (^٥).
واقتضى كلامُه: مساواةَ الثَّالثةِ للرَّابِعةِ في عدَم التَّطويل؛ لأنَّها مثلُها.
(إِلاَّ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) فيهما بغير خلاف نعلمه (^٦).
(وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، قال ابن سيرين: «لا أعلَمُهم يختلِفون (^٧) فيه» (^٨)؛ لحديث أبي قَتادةَ: «أنَّه كان ﵇ يَقرَأ (^٩) في الرَّكعتين الأُخرَيَين (^١٠) بأمِّ الكتاب» (^١١)، «وكتب عمرُ إلى شُرَيحٍ يأمرُه بذلك» (^١٢).
_________________
(١) ينظر: المبسوط ١/ ١٤، شرح التلقين ١/ ٥٤٩، البيان ٢/ ٢٢٨، الفروع ٢/ ٢١١.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٥٢.
(٣) أخرجه البخاري (٧٣٩)، من حديث ابن عمر ﵁.
(٤) ينظر: معالم السنن ١/ ١٩٤.
(٥) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
(٦) ينظر: الأوسط ٢/ ٣١٨، مراتب الإجماع ص ٣٣.
(٧) في (و): مختلفون.
(٨) أخرجه الشالنجي بإسناده كما قال في المغني ١/ ٤١٢.
(٩) قوله: (يقرأ) سقط من (ز).
(١٠) في (ب) و(و): الأخيرتين.
(١١) أخرجه البخاري (٧٧٦).
(١٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٣٠)، عن شريح، أن عمر بن الخطاب كتب إليه: «أن اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب»، ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ويُستثنَى: الإمامُ في صلاة الخوف إذا قلنا: يَنتظِر الطَّائفةَ الثَّانيةَ في الرَّكعة الثَّالثة، فيَقرَأُ سورةً معها.
وعنه: يُستحَبُّ؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ، رواه مسلمٌ من حديث أبي سعيدٍ (^١).
وظاهِرُ كلامِهم: لا فرْقَ بين الفرض والنَّفل.
(ثُمَّ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مُتَوَرِّكًا)؛ لحديث أبي حُمَيدٍ، فإنَّه وصف جلوسَه في التَّشهُّد الأوَّل مُفترِشًا، والثَّاني مُتورِّكًا، وهذا بيانُ الفرق بينهما، وزيادةٌ يَجِب الأخذُ بها والمصير إليها، وحينئذٍ لا يُسَنُّ التَّورُّكُ إلاَّ في صلاةٍ فيها تشهُّدان أصليَّان، في الأخير منهما.
وعنه: لا تورُّكَ في المغرب، والأوَّلُ المذهبُ.
وصِفتُه كما رواه الأثرمُ عن الإمامِ (^٢): (يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ)، واختاره أبو الخَطَّاب، وجزم به في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لقول أبي حُمَيدٍ: «فإذا كان في الرَّابعة؛ أفْضَى بوَرِكه اليُسرى إلى الأرض، وأخرَج قدمَيه من ناحيةٍ واحدةٍ» رواه أبو داود، وفي لفظ: «جلس على أليتَيه، ونصَب قدَمه اليمنى» (^٣).
وذكر الخِرَقِيُّ والقاضي والسَّامَرِّيُّ: أنَّه يَجعل باطنَ قدمِه اليسرى تحت فخِذِه اليمنى، وقدَّمه ابن تمِيمٍ، وصحَّحه (^٤) المجْدُ في «شرح الهداية»؛ لأنَّه ﵇ كان يَفعلُه، رواه مسلمٌ من حديث ابن الزُّبَير (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٥٢).
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٨٠، مسائل حرب - الصلاة ص ١٨٨.
(٣) سبق تخريجه ٢/ ١٩٧ حاشية (٣).
(٤) زيد في (و): ابن.
(٥) أخرجه مسلم (٥٧٩).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وعنه: يُخرِج قدمَه الأَيسرَ من تحت ساقِه الأيمنِ؛ لحديث أبي حُمَيد أيضًا.
وأيَّها فعل جاز.
فرعٌ: سُئل أحمدُ: هل يُتورَّك في تشهُّد سجود السَّهو؟ قال: نعم، هو من بقيَّة الصَّلاة (^١)، وحمله في «الشَّرح» على ما إذا كان السَّهوُ في صلاة (^٢) فيها تشهُّدان (^٣)، وعلَّله: بأنَّ تشهُّدها (^٤) يُتورَّك فيه، وهذا تابِعٌ له.
وفيه نَظَر؛ فإنَّ مقتضى هذا أنَّه يتورَّك في كل تشهُّدٍ؛ كسجود (^٥) السَّهو بعد السَّلام في الرُّباعيَّة وغيرِها، وقاله القاضي؛ لأنَّه تشهُّد ثانٍ في الصَّلاة، فيحتاج (^٦) إلى الفرق.
(وَالمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ لشُمولِ الخِطاب لهما (^٧)؛ لقوله: «صلُّوا كما رأيْتُموني أُصلِّي»، (إِلاَّ أَنَّهَا تَجْمَعُ (^٨) نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)؛ أي: لا يُسنُّ لها التَّجافِي؛ لما رَوى يزيدُ بن أبي حَبِيب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتَين تُصلِّيانِ (^٩) فقال: «إذا سجدتُما فضمَّا بعضَ اللَّحمِ إلى بعضٍ، فإنَّ المرأةَ لَيستْ في ذلك كالرَّجُلِ» رواه أبو داود في «مراسيله» (^١٠)، ولأنَّها
_________________
(١) ينظر: المغني ١/ ٣٨٨.
(٢) في (أ): حالة.
(٣) في (و): يشهدان.
(٤) في (و): يشهدها.
(٥) في (ز): لسجود.
(٦) في (أ): يحتاج.
(٧) في (د): لها.
(٨) في (ب): مجمع.
(٩) في (ب) و(و): يصليان.
(١٠) أخرجه أبو داود في المراسيل (٨٧)، ومن طريقه البيهقي (٣٢٠١)، عن يزيد بن أبي حبيب، وروي فيهما حديثان مرفوعان ضعيفان أخرجهما البيهقي في السنن، وذكر أن المرسل خير منهما مع إرساله: الأول: من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: «وكان يأمر الرجال أن يتجافوا في سجودهم، ويأمر النساء ينخفضن في سجودهن»، وفي سنده: عطاء بن عجلان وهو ضعيف، وقال البيهقي عن حديثه: (منكر). والثاني: من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «إذا جلست المرأة في الصلاة وضعت فخذها على فخذها الأخرى، وإذا سجدت ألصقت بطنها في فخذيها كأستر ما يكون لها، وإن الله تعالى ينظر إليها ويقول: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لها»، وفي سنده: الحكم بن عبد الله، أبو مطيع البلخي، وهو ضعيف أيضًا. ينظر: السلسلة الضعيفة (٢٦٥٢).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
عورةٌ، فكان الألْيَقُ بها الاِنضمامَ.
وذَكَر في «المستوعب» وغيره: أنَّها تَجمع نفسَها في جميع أحوال الصَّلاة؛ لقول عليٍّ ﵁ (^١).
(وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً)؛ لأنَّ ابنَ عمر كان يأمر النِّساء أن يتربَّعْنَ في الصَّلاة (^٢).
(أَوْ تَسْدِلُ (^٣) رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا)، وكذا في «الخِرَقِيِّ» و«المحرَّر» و«المذهب»، ونَصَّ عليه (^٤)؛ لأنَّه غالِبُ فعل عائشةَ (^٥)، وأشْبهُ
_________________
(١) أخره عبد الرزاق (٥٠٧٢)، وابن أبي شيبة (٢٧٧٧)، والبيهقي في الكبرى (٣١٩٧)، عن الحارث الأعور، عن علي قال: «إذا سجدت المرأة فلتحتفز، ولتلصق فخذيها ببطنها»، قال الذهبي في المهذب ٢/ ٦٦٢: (الحارث لين). وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في العلل (١١٧٧)، من طريق آخر بلفظ: «سجود الرجل في الصلاة أن يخوِّي ولا يفترش ذراعيه، وسجود المرأة تفرش فخذيها بطنها وتضمهما»، وفيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٨٩)، وعبد الله بن أحمد في مسائله (ص ٧٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢٣٠١)، من طريق عبد الله بن عمر العمري، عن نافع عنه. والعمري ضعيف.
(٣) في (د): يسدل.
(٤) ينظر: مسائل صالح ١/ ٤٥٧، مسائل عبد الله ص ٧٩، مسائل ابن منصور ٢/ ٥٥٥.
(٥) لم نقف عليه.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
بجِلسة الرَّجل، وأبلَغُ في الإكمال والضَّمِّ، وأسهلُ عليها.
وظاهره (^١): أنَّها مخيَّرة بين الجلوس متربِّعةً أو السَّدلِ؛ لاستوائهما، ولكن السَّدل أفضل، نَصَّ عليه (^٢)، واختاره في «شرح الهداية».
ولا تَجهَر بقراءة إن سمعها أجنَبِيٌّ، وإلاَّ جَهَرت كذِكْرٍ.
(وَهَلْ يُسَنُّ لَهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما (^٣): يُسنُّ، قدَّمه ابنُ تميمٍ والجَدُّ، وهو عُمومُ كلامِ الأصحابِ؛ «لأنَّ أمَّ سلمة كانت تَرفَع يدَيها (^٤)، ورواه (^٥) سعيدٌ عن أمِّ الدَّرداء (^٦)، ورواه الخلاَّلُ عن حفصةَ بنتِ سِيرِينَ (^٧)، وقياسًا على الرَّجل.
والثَّانيةُ: لا يُسنُّ، جزم بها في «الوجيز»، قال القاضي، وتبعه في «الشَّرح»: لأنَّه في معنى التَّجافِي.
فعلى هذا: هل (^٨) يُكرَه أو يجوز؟ على روايتَين.
_________________
(١) في (ب) و(و): فظاهره.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٧٩، مسائل ابن منصور ٢/ ٥٥٥.
(٣) كتب على هامش (ز): وهي المذهب.
(٤) لم نقف عليه. وقد ذكره أيضًا في الشرح الكبير ٣/ ٥٨٦.
(٥) في (أ): رواه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٧٨)، وفي رفع اليدين (٢٣، ٢٤)، عن عبد ربه بن سليمان بن عمير قال: رأيت أم الدرداء ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها حين تفتتح الصلاة، وحين تركع، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفعت يديها وقالت: «ربنا ولك الحمد». وعبد ربه قال فيه الذهبي: (مجهول)، ووثقه ابن حبان ومروان بن محمد الطاطري، وأم الدرداء هي الصغرى، تابعية ثقة فقيهة. ينظر: تاريخ أبي زرعة ص ٣٣٤، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤٤، التقريب ص ٧٥٨.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٧٥)، وحرب الكرماني - الطهارة والصلاة - (٧٥٢)، عن عاصم الأحول قال: «رأيت حفصة بنت سيرين تصلي، فإذا ركعت رفعت يديها عند ثدييها»، وفيه يحيى بن ميمون، قال في التقريب ص ٥٩٧: (متروك).
(٨) في (و): كله.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والثَّالثة: تَرفَع (^١) دونه (^٢)، قاله أبو بكر، وهو أوسط الأقوال، قاله المجْدُ.
فائدةٌ: لم يتعرَّض المؤلِّف لذِكر الخُنثى المُشكِلِ، وحكمُه: كامرأةٍ، قاله ابن تميمٍ وابنُ حمدانَ وغيرُهما.
_________________
(١) في (و): يرفع.
(٢) أي: دون رفع الرجل. قال في الإنصاف ٣/ ٥٨٨: (ترفعهما قليلًا).
[ ٢ / ٢٤٨ ]