الأَعذارُ: جَمعُ عُذرٍ، كأقْفالٍ جَمعُ قُفلٍ.
(وَيُصَلِّي المَرِيضُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» خ)، كذا وُجِد بخطِّ المؤلِّف بخاء مُعجمةٍ، إشارةً إلى أنَّ البخاريَّ أخرجه، وكذا رواه جماعةٌ، زاد النَّسائيُّ: «فإن لم تستطع فمُستلْقيًا» (^١)، وعن عليٍّ مرفوعًا: «يصلِّي المريضُ قائمًا، فإن لم يستطع صلَّى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجدَ أومأَ، وجعلَ سجودَهُ أخفضَ من ركوعِهِ، فإن لم يستطع أن يصلِّي قاعدًا صلَّى على جنبِهِ الأيمنِ مستقبلَ القبلةِ، فإن لم يستطع صلَّى مستلقيًا، رجلاه ممَّا يلي (^٢) القبلةَ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ (^٣).
فإذا أمكنه القيام؛ لزمه إجماعًا، ولو معتمدًا (^٤) إلى حائط ونحوه، أو على إحدى رجليه.
وقال ابن عقيل: لا يلزمه اكتراء من يقيمه ويعتمد عليه، فإن عجز عنه، أو
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢)، والترمذي (٣٧٢)، وابن ماجه (١٢٢٣)، والزيادة التي ذكرها المصنف عند النسائي، لم نقف عليها في السنن الكبرى ولا الصغرى، وعزاها للنسائي ابن قدامة في المغني ٢/ ١٠٦، والمجد ابن تيمية في المنتقى مع النيل ٢/ ٢٣٦، والزيلعي في نصب الراية ٢/ ١٧٥، وابن حجر في التلخيص ٣/ ٢٨٥.
(٢) في (أ): تلي.
(٣) أخرجه الدارقطني (١٧٠٦)، ومن طريقه البيهقي (٣٦٧٨)، قال الدارقطني: (حديث منكر)، الحسن بن الحسين العرني قال فيه ابن عدي: (منكر الحديث)، وقال ابن حجر: (متروك)، وفيه الحسين بن الحكم، قال ابن القطان: (لا يعرف حاله)، وضعف الحديث النووي وابن الملقن وغيرهما. ينظر: الخلاصة ١/ ٣٤١، البدر المنير ٣/ ٥٢٤، لسان الميزان ٣/ ٣٣، الإرواء ٢/ ٣٤٤.
(٤) في (أ) و(ب): متعمدًا.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
يلحقه بالقيام ضرر من زيادة مرض أو ضعف أو تأخر برء (^١)؛ صلَّى قاعدًا (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨].
متربِّعًا ندبًا، وقيل: وجوبًا، ويَثنِي رجليه في ركوعٍ، وسجود (^٣) كمتنفِّل.
وفي «النِّهاية» و«الرِّعاية»: إن قدر أن يرتفع إلى حد الرُّكوع؛ لزمه، وإلاَّ ركع جالسًا.
وعنه: إن أطال القراءة تربَّع، وإلاَّ افترش، ولا يفترش مطلقًا.
وعنه: لا يقعد إلاَّ إن عجز عن قيامه لدنياه، وهي قول ميمون بن مهران.
وأسقطه القاضي بضرر متوهَّم، وأنَّه لو تحمَّل الصِّيام والقيام حتَّى ازداد مرضه؛ أثِم.
ثمَّ إنَّ الإمام والأصحاب اعتبروا الخوف، وهو ضدُّ (^٤) الأمن، فقالوا: يُصلِّي صلاة الخوف إذا لم يُؤمن هجوم العدو.
والمذهب: أنَّه يصلِّي كما ذكرنا، ولو كان بتعدِّيه بضرب ساقه، كتعدِّيها بضرب بطنها فنُفِست.
فإن عجز؛ فعلى جنبه، والأيمن أفضل، فإن صلَّى على الأيسر، فظاهر كلام جماعة جوازه؛ لظاهر خبر عمران، ولأنَّ المقصود استقبال القبلة، وهو حاصلٌ.
وقال الآمِديُّ: يكره مع قدرته على الأيمن.
(فَإِنْ) تركه قادِرٌ، و(صَلَّى (^٥) عَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ؛ صَحَّتْ
_________________
(١) قوله: (برء) سقط من (و).
(٢) قوله: (فإن عجز عنه، أو يلحقه بالقيام ضرر من زيادة مرض أو ضعف أو تأخر برء صلَّى قاعدًا) سقط من (أ).
(٣) في (أ): ويجوز.
(٤) في (و): حد.
(٥) في (و): صلَّى.
[ ٢ / ٥٣١ ]
صَلَاتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذكره في «التَّلخيص» و«المذهب» و«المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» مع الكراهة، وهو ظاهِرُ كلام أحمدَ؛ لأنَّه نوع استقبالٍ، ولهذا يُوجَّه الميت إليه عند الموت.
والثَّاني: لا يَصحُّ، قال في «الشَّرح»: (وهو أظهَرُ؛ لأنَّه نقله (^١) عند العجز عن الصَّلاة على جَنْب، فدلَّ أنَّه لا يجوز مع القدرة عليه)؛ ولأنَّه ترك الاستقبال بوجهه وجملته.
ونقل الأثرم (^٢): يُصلِّي كيف شاء، كلاهما جائزٌ، فظاهره التَّخيير بينهما.
أمَّا إذا عجز عن الصَّلاة على جَنْب؛ تعيَّن أن يُصلِّيَ مُستلقيًا وجهًا واحدًا.
(وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)؛ لقوله ﵇: «وإذا (^٣) أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما اسْتَطعْتُم» (^٤)، واعتبارًا بالأصل ما أمكنه، نَصَّ عليه (^٥).
وقال أبو المعالي: وأقلُّ ركوعه مقابَلةُ وجهه ما وراء ركبتَيه من الأرض أدنى مقابَلةٍ، وتَتمَّتها الكمالُ.
(وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ للخبر، وليتميَّز أحدُهما عن الآخَر.
وإن سجد ما أمكنه على شَيءٍ رَفَعه؛ كُرِه وأجزأه، نَصَّ عليهما (^٦)؛ لأنَّه أتى بما (^٧) يمكنه من الانحطاط، أشبه ما لو أومأ. وعنه: يُخيَّر. وذكر ابنُ
_________________
(١) في (أ): فعله.
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ٦٨.
(٣) في (د) و(و): إذا.
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).
(٥) ينظر: مسائل عبدالله ص ١٠٥.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٨٨.
(٧) في (و): ما.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
عَقِيلٍ روايةً بالمنع؛ كيَدِه.
ولا بأس بسجوده على وِسادة ونحوها. وعنه: هو أَوْلى من الإيماء.
واحتجَّ بفعل أمِّ سلَمةَ وابن عبَّاس وغيرهما (^١)، قال: ونهى عنه ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ (^٢).
(فَإِنْ عَجَزَ) هو بفتح الجيم في الماضي، وكسرها في المستقبل في
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٨٨. أثر أم سلمة ﵂: أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٥)، والشافعي في الأم (١/ ١٠٠)، وابن أبي شيبة (٢٨٠١)، وابن المنذر في الأوسط (٢٣١٥)، والبيهقي في الكبرى (٣٦٧٥)، عن أم الحسن البصري قالت: «رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تسجد على مرفقة، وهي قاعدة؛ من رمد كان بها»، وإسناده حسن. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٦)، وابن أبي شيبة (٢٨٠٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢٣١٦)، عن أبي فزارة السلمي قال: سألت ابن عباس عن المريض يسجد على المرفقة الطاهرة، فقال: «لا بأس به»، فيه ضعف، أبو فزارة السلمي مجهول، ويقويه ما أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٨)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢٣١٧)، عن ابن عباس قال: «لا بأس بأن يلف المريض الثوب ويسجد عليه»، وفيه ضعف أيضًا، والأثر ثابت بمجموع الطريقين، وقد احتج به الإمام أحمد كما في مسائل ابن منصور. وأخرج ابن المنذر في الأوسط (٢٣١٨)، نحوه عن حذيفة، وفيه ضعف، وعن أنس (٢٣١٩)، وإسناده صحيح.
(٢) أثر ابن مسعود ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٤١٤٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٣٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٣٦٧٣)، عن زيد بن معاوية، عن علقمة: دخلت مع عبد الله على أخيه عتبة نعوده وهو مريض، فرأى مع أخيه مروحة يسجد عليها، فانتزعها منه عبد الله، وقال: «اسجد على الأرض، فإن لم تستطع فأوم إيماءً، واجعل السجود أخفض من الركوع»، وهذا لفظ البيهقي، وعند عبد الرزاق: علقمة والأسود. ولا بأس بإسناده، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٢٩)، من وجه آخر صحيح. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٤١٣٨)، وابن أبي شيبة (٢٨٠٧)، والشافعي في القديم كما في المعرفة للبيهقي (٤٣٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢٣١١)، عن عطاء قال: دخل ابن عمر على ابن صفوان بن الطويل، فوجده يسجد على وسادة، فنهاه، وقال: «أومئ، واجعل السجود أخفض من الركوع»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الأَشهَر، (عَنْ ذَلِكَ؛ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ)؛ أي: بعَينه؛ لما روى زكريَّا السَّاجِيُّ بإسناده عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين، عن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «فإن لم يستطع أومأَ بطرفِهِ» (^١).
وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَلزَمه، وصوَّبه في «الفروع»؛ لعدَم ثبوتِه.
وفي «المستوعب»: يُومِئُ بطَرفه أو قلبه.
وفي «الفروع»: يُومِئ بطَرفه ناويًا، مُستحضِر الفعل والقول إن عجز عنه بقلبه، كأسيرٍ عاجِزٍ لخوفه.
وفي «الخلاف» زيادةً عليهما: أو حاجبيه (^٢)، وقاسه على الإيماء برأسه.
ولا يلزم عليه الإيماء بيديه (^٣)؛ لأنَّه لا يمتنع أن يلزمه، وقد قال أحمد: يصلِّي (^٤) مضطجعًا ويُومئ (^٥)، فأطلق وجوب الإيماء، ولم يخصَّه ببعض الأعضاء.
(وَلَا تَسْقُطُ (^٦) عَنْهُ (^٧) الصَّلَاةُ) ما دام عقلُه ثابِتًا، ذكره ونصره جماعةٌ؛ لأنَّه مسلِمٌ بالغٌ عاقِلٌ، أشبه القادر على الإيماء برأسه.
وعنه: تسقط (^٨)، اختارها الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٩)؛ لظاهِرِ خبر عِمرانَ، وروي عن أبي سعيد نحوه (^١٠).
_________________
(١) سبق تخريجه ٢/ ٥٣٠ حاشية (٣).
(٢) في (د) و(و): وحاجبيه.
(٣) في (د) و(و): ببدنه.
(٤) في (أ): إنه يصلي.
(٥) ينظر: الفروع ٣/ ٧٠.
(٦) في (و): ولا يسقط.
(٧) قوله: (عنه) سقط من (ب) و(ز).
(٨) في (و): يسقط.
(٩) ينظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٤٠، الفروع ٣/ ٧١.
(١٠) قال القاضي في الروايتين والوجهين ١/ ١٧٩: (والحديث الذي ذهب إليه: رواه إسماعيل بن رجاء، عن أبيه قال: لما مرض أبو سعيد الخدري وضأته. قال: ثم قلت: الصلاة، قال: «قد كفاني، إنما العمل في الصحة»). وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٢٦)، وابن عساكر في تاريخه (٢٠/ ٣٩٥)، من طريق إسماعيل بن رجاء بن ربيعة، عن أبيه، بلفظ: كنا عند أبي سعيد الخدري في مرضه الذي توفي فيه وهو ثقيل، قال: فأغمي عليه، قال: فلما أفاق، قلنا: الصلاة يا أبا سعيد، فقال: «كفانِ»، وإسناده حسن.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
(وَإِنْ) صلَّى قاعدًا، ثمَّ (قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، أَوْ) صلَّى على جَنْبٍ، ثمَّ قدر على (الْقُعُودِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ انْتَقَلَ إِلَيْهِمَا (^١) وَأَتَمَّهَا)؛ لأنَّ المبيحَ العجزُ، وقد زال، ولأنَّ ما صلَّى كان العُذْرُ موجودًا، وما (^٢) بقي قد أتى بالواجب فيه.
ولا يقرأ حال نهوضه إلى القيام، لكن إن قدر على القيام قبل القراءة؛ لزِمه أن يأتيَ بها بعد قيامه، وإن كان بعد القراءة؛ قام فركع من غير قراءةٍ، وعكسه لو مرِض في أثنائها جلَسَ.
وله القراءة في هُوِيِّه، ويأتي بها على حسَب حاله.
(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ)؛ لزِمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، ولخبر عِمرانَ، ولأنَّه رُكنٌ قدَر عليه، فلم يَسقُط بالعجز عن غيره كالقراءة.
(وَعَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا)؛ لأنَّ الرَّاكع كالقائم في نَصْب رجلَيه، فوجب أن يومئ به في قيامه، (وَ) أَوْمأَ (بِالسُّجُودِ قَاعِدًا)؛ لأنَّ السَّاجد كالجالس في جمع رجلَيه، فوجب أن يُومِئ في جلوسه ليحصل الفرق بين الإيماءين.
مسائل:
منها: إذا كان في بَيتٍ سقفُه قصيرٌ يَتعذَّر خروجُه منه، أو في سَفينةٍ يَعجِز
_________________
(١) في (ز) و(ب) و(د): إليه، وزيد في (و): إلى الصَّلاة.
(٢) في (أ): ما.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
عن القيام فيها والخروجِ منها؛ صلَّى جالسًا، نَصَّ عليه (^١). وقيل: بل يقوم ما أمكنه كالأحدب.
ومنها: إذا قدَر قائِمًا مُنفرِدًا، وجالسًا جماعةً؛ خُيِّر بينَهما، قال في «الشَّرح»: لأنَّه يَفعَل في كلٍّ منهما واجبًا، ويترك واجبًا. وقيل: جماعةً أَوْلى. وقيل: يَلزَمه قائمًا مُنفرِدًا؛ لأنَّه رُكنٌ بخلاف الجماعة.
ومنها: لو تقوَّس ظَهرُه فصار كالرَّاكع، فمتى ركع زاد في انحنائه قليلًا؛ ليَقَع الفرق، وإن لم يمكنه أن يَحنِيَ ظَهرَه؛ حَنَى (^٢) رَقَبتَه، وإذا سجد قرَّب وجهه من الأرض ما أمكنه، وإن قدَر أن يَسجُد على صُدْغَيه (^٣)؛ لم يَلْزَمه؛ لأنَّه ليس من أعضاء السُّجود.
(وَإِذَا قَالَ ثِقَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ)، ومعناه في «المحرَّر»، (لِلْمَرِيضِ) أو لمن به رَمَدٌ ونحوه: (إِنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ؛ فَلَهُ ذَلِكَ (^٤)؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى جالسًا حين جُحِش شِقُّهُ» (^٥)، والظَّاهِر أنَّه لم يَكن لعجزه عن القيام، بل فعله إمَّا للمشقَّة، أو خَوفِ الضَّرَر، وكلاهما (^٦) حجَّةٌ، «وأمُّ سلمة تركت السُّجود لرَمَدٍ بها» (^٧)، ولأنَّه يُخاف منه الضرر (^٨) أشبَه المرض، وذلك وسيلةٌ إلى عافيته، وهي مطلوبةٌ شرعًا.
ويُشترَط: إسلامُهم وثقتهم (^٩)؛ لأنَّه أمْرٌ دِينيٌّ، فاشترط له ذلك كغيره.
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٤٥، مسائل أبي داود ص ١١٠.
(٢) في (د) و(و): يحني.
(٣) في (ب) و(د) و(و) و(ز): صدغه.
(٤) قوله: (فله ذلك) سقط من (أ).
(٥) أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).
(٦) في (أ): كلاهما.
(٧) تقدم تخريجه ٢/ ٥٣٣ حاشية (١).
(٨) قوله: (الضرر) سقط من (أ).
(٩) في (أ): وفِقهُهم.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وظاهره: أنَّه لا يُقبَل فيه أقلُّ من ثلاثةٍ؛ لأنَّه جَمْعٌ، قال ابن المُنَجَّى: وليس بمرادٍ؛ لأنَّ قولَ الاِثنَينِ كافٍ، صرَّح (^١) به المؤلِّف وغيره (^٢)، وحكاه في «الفروع» قولًا.
وقيل: عن يَقِينٍ.
والمذهبُ: أنَّه يُقبَل قولُ مسلمٍ ثقةٍ، ونصَّ أحمد أنَّه يُفطر بقولِ واحدٍ: إنَّ الصَّوم ممَّا (^٣) يمكِّن العلَّة (^٤).
(وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ)؛ لأنَّه قادِرٌ على رُكن الصَّلاة، فلم يَجُزْ تركُه، كما لو لم يكُن فيها، وظاهِرُه: الجوازُ إذا عجَز، وقد سبَق، فلو قدَر فيها على انتصابٍ يَخرُج به عن حدِّ الرَّاكع؛ فظاهِرُه اللُّزومُ.
وإن كان لا يَقدِر على الخروج (^٥) منها؛ صلَّى (^٦) على حسَب حاله فيها، وأتى بما يَقدِر عليه من التَّيامُن (^٧) وغيره.
وكلَّما (^٨) دارت؛ انحرف إلى القِبلة في الفرض. وقيل: لا يَجِب؛ كالنَّفل في الأصحِّ فيه.
فإن كانت ضيِّقةً لا يُمكن كلَّ من فيها الصَّلاةُ قائمًا في حالة؛ صَلَّوا
_________________
(١) في (أ): وصرَّح.
(٢) في (أ): في غيره.
(٣) في (د) و(و): ما.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ٧٩.
(٥) قوله: (على الخروج) هو في (ب) و(ز): أن يخرج.
(٦) قوله: (صلَّى) سقط من (و).
(٧) هكذا في الأصل وباقي النسخ الخطية، والذي في مختصر ابن تميم ٣/ ٢٤١، وشرح العمدة لابن تيمية ٢/ ٥٢٥، والإنصاف ٥/ ٢٠: القيام.
(٨) في (أ): كلما.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فُرادَى، ما لم يَضِقِ الوقتُ.
وإن أمكن الإتيانُ فيها بجميع واجبات الصَّلاة؛ لم يلزمه الخروجُ، حاضِرًا كان أو مسافرًا، واقفةً كانت أو سائرة (^١)، فرضًا كانت الصَّلاةُ أو نفلًا، قدَّمه جماعةٌ، وصحَّحه في «الشَّرح»، كالصَّلاة على الأرض.
وعنه: يلزمه؛ لأنَّها ليست حالَ استقرار.
قال جماعةٌ: متى كان فيه مشقَّةٌ على أصحابه، لم يَجِب، نَصَّ عليه (^٢).
وظاهره: أن النَّفل فيها يصح مطلقًا.
مسألة: تقام الجماعة في السفينة. وعنه: لا إذا صلَّوا جلوسًا، نص عليه (^٣) (^٤)، «وصلَّى جماعةٌ فيها قيامًا جماعةً، وهم يَقدِرون على الخروج، منهم أبو هُريرةَ وأبو سعيدٍ» رواه سعيدٌ والبَيهَقيُّ (^٥).
(وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ)، واقِفةً وسائِرةً، وعليه الاِستقبالُ وما يَقدِر عليه، (خَشْيَةَ التَّأَذِّي بِالْوَحَلِ)، نصره المؤلِّف، وقدَّمه جماعةٌ، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لما رَوى يعلى (^٦) بنُ مُرَّةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ انتهى إلى مَضيقٍ هو وأصحابُه وهو على راحلته، والسَّماءُ من فوقهم،
_________________
(١) في (أ) و(د) و(و): مسافرة.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦٨، الروايتين والوجهين ١/ ١٧٨.
(٣) قوله: (وظاهره: أن النَّفل فيها يصح مطلقًا) إلى هنا سقط من (أ).
(٤) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦٨، بدائع الفوائد ٤/ ١٠٧.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٥٥٧)، وابن أبي شيبة (٦٥٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٩٢)، عن عبد الله بن أبي عتبة قال: «كنت مع جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، - وأراه ذكر أبا هريرة - في سفينة، فأمَّنا الذي أمَّنا قائمًا، ولو شئنا أن نخرج لخرجنا»، وأخرجه سعيد بن منصور كما في شرح العمدة لشيخ الإسلام (٢/ ٥٢٤)، وإسناده صحيح، وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٨٥).
(٦) في (أ) و(ز): معلى.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
والبلَّةُ من أسفلَ منهم، فحضرت الصَّلاةُ، فأمَر (^١) المؤذِّنَ فأذَّن وأقام، ثمَّ تقدَّم النَّبيُّ ﷺ فصلَّى بهم، يُومِئُ إيماءً، يَجعل السُّجودَ أخفضَ من الرُّكوع» رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ، وقال: (العملُ عليه عند أهل العلم) (^٢)، وفَعَله أنسٌ (^٣)، ذَكَره أحمدُ، ولم يُنقَل عن غيره خلافُه.
فإن قدَر على النُّزول من غير مَضرَّة؛ لزِمه ذلك، والقيامُ والرُّكوعُ كغير حالةِ المطر، ويُومِئُ بالسُّجود؛ لما فيه من الضَّرر.
وعنه: لا يجوز ذلك؛ لقول أبي سعيد: «أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ انصرفَ وعلى جبهتِهِ وأنفِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ» متَّفقٌ عليه (^٤)، ولأنَّ القيامَ والسُّجودَ من أركان الصَّلاة، فلم يَسقط بالمطر؛ كبقيَّة الأركان.
وأُجِيب: بأنَّه عُذرٌ يُبيح الجمعَ، فأثَّر في أفعال الصَّلاة؛ كالسَّفر والمرض، والحديثُ محمولٌ على اليسير عملًا بالظَّاهِرِ؛ لأنَّه كان في مسجده في المدينة فلم يُؤثِّر، بخلاف الكثير الذي يُلوِّث الثِّيابَ والبَدنَ.
(وَهَلْ يَجُوزُ ذِلِكَ لِلْمَرِيضِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يجوز، قدَّمها في «المحرَّر»، واختارها أبو بكر، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّ مشقَّةَ النُّزول في المرض أكثر من مشقَّة النُّزول بالمطر، لكنْ قيَّدها في رواية إسحاقَ (^٥): إذا لم يستطع النُّزول، ولم يصرِّح أحمدُ بخلافه.
_________________
(١) في (ب) و(ز): قام.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٥٧٣)، والترمذي (٤١١)، والبيهقي (٢٢٢٤)، وقال الترمذي: (حديث غريب)، وضعفه البيهقي والألباني. ينظر: الإرواء ٢/ ٣٤٧.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (ص ٤٥١١)، وابن أبي شيبة (٤٩٦٥)، والطبراني في الكبير (٦٨٠)، عن أنس بن سيرين قال: «كنت مع أنس بن مالك في يوم مطير حتى إذا كنا بأطيط، والأرض فضفاض، صلى بنا على حماره صلاة العصر، يومئ برأسه إيماء، وجعل السجود أخفض من الركوع»، وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٨).
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٣.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
والثَّانية: المَنْعُ، قال في «الفروع»: نقله واختاره الأكثرُ؛ «لأنَّ ابن عمر كان يُنزِل مرضاه»، واحتجَّ به أحمد (^١)؛ لأنَّ الصَّلاة (^٢) على الأرض أسْكنُ له وأمكنُ، بخلاف صاحب الطِّين.
وظاهر المذهب: أنَّه لا يلزمه النُّزول مع مشقَّةٍ شديدةٍ أو زيادةِ ضرَرٍ، وصرَّح به في «الشَّرح»، وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّ فيه الرِّوايتيْنِ.
أمَّا إذا خاف انقطاعًا عن الرُّفقة، أو العجز عن الرُّكوب؛ فيصلِّي كخائفٍ على نفسه من عدُوٍّ.
فرعٌ: من أتى بكلِّ فرضٍ أو شرطٍ للصَّلاة، وصلَّى عليها بلا عُذرٍ، أو في سفينةٍ ونحوِها مَنْ أمكنَه الخروجُ واقِفةً أو سائِرةً؛ صحَّتْ.
ومَن كان في ماءٍ وطينٍ؛ أَوْمأَ كمصلوبٍ ومربوطٍ، والغريقُ يَسجُد على مَتْن الماء.
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٣. أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٢٢٣)، من طريق الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. والأوزاعي لم يسمع من نافع شيئًا، قاله ابن معين وأبو زرعة، وله علة أخرى ذكرها البيهقي، وقد احتج به أحمد في مسائل ابن هانئ. ينظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٢٤٠.
(٢) زيد في (و): كانت.
[ ٢ / ٥٤٠ ]