يقال: كسَفت بفتح الكاف، وضمِّها، ومثله خسفت، وقيل: الكسوف للشَّمس، والخسوف للقمر، وقيل: عكسه؛ وهو مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القِيَامَة: ٨]، وقيل: الكسوف في أوَّله، والخسوف في آخره، وقيل: الكسوف بذهاب (^١) بعض ضوئه والخسوف لذهاب كلِّه.
وفعلها ثابِتٌ بالسُّنَّة المشهورة، واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فُصّلَت: ٣٧].
(وَإِذَا كَسَفَتِ (^٢) الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ (^٣) استعمله فيهما؛ (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ)، هي سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، حكاه ابن هُبيرة والنَّوويُّ إجماعًا (^٤)، وقد مرَّ؛ لقوله ﵇: «إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يُخسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُمْ ذلك فصلُّوا» متَّفقٌ عليه (^٥)، فأمر بالصَّلاة لهما أمرًا واحدًا، وروى أحمد معناه، ولفظه: «فافزعوا إلى المساجدِ» (^٦)، وروى
_________________
(١) في (ز): لذهاب.
(٢) في (أ): خسفت.
(٣) في (و): والقمر.
(٤) ينظر: الإفصاح ١/ ١٨٧، المجموع للنووي ٥/ ٤٤.
(٥) أخرجه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١)، من حديث أبي مسعود ﵁.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٢٩٩)، وأحمد (٦٤٨٣)، وابن حبان (٢٨٢٩)، من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو ﵁، وعطاء بن السائب صدوق اختلط، وسماع ابن فضيل منه بعد الاختلاط، لكن تابعه سفيان وشعبة وغيرهما، وعلقه البخاري مختصرًا بصيغة التمريض (٢/ ٦٥)، وأخرجه أحمد (٢٣٦٢٩)، من حديث محمود بن لبيد ﵁، قال الهيثمي: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). ينظر: مجمع الزوائد ٢/ ٢٠٧، تغليق التعليق ٢/ ٤٤٦.
[ ٣ / ٣٨ ]
الشَّافعيُّ من رواية إبراهيم بن أبي يحيى: إنَّ القمرَ خُسِفَ، وابنُ عبَّاسٍ أمير على البصرة، فخرج فصلَّى بالنَّاس ركعتين، في كلِّ ركعةٍ ركعتين، وقال: «إنَّما صلَّيتُ كما رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي» (^١).
وهو شامِلٌ للحضر والسفر، والرِّجال والنِّساء، وإن حضرها غير ذوي الهيئات مع الرِّجال فحسَنٌ، وكذا للصِّبيان حضورها، واستحبَّه ابن حامدٍ لهم، ولعجائز (^٢)؛ كجمعة وعيدٍ.
(جَمَاعَةً) في جامع أفضل؛ لقول عائشة: «خرج رسولُ الله ﷺ إلى المسجد، فقام وكبَّر، وصفَّ النَّاسَ وراءه» متَّفقٌ عليه (^٣)، ولما فيه من المبادرة بها؛ لخوف فوتها بالتَّجلِّي.
وعنه: بالمصلَّى أفضل.
(وَفُرَادَى)؛ لأنَّها نافلةٌ ليس من شرطها الاستيطان، فلم يشترط لها الجماعة؛ كالنَّوافل.
(بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وغَيْرِ (^٤) إِذْنِهِ)؛ لأنَّها نافلةٌ، وإذنه ليس شرطًا فيها، وكصلاتها منفردًا.
وعنه: بلى؛ كالعيد.
(وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث مُناديًا فنادَى: الصَّلاةَ
_________________
(١) أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦٣٥٨)، وفي سنده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك، وهو من رواية الحسن ابن عباس، ولم يسمع منه. ينظر: جامع التحصيل للعلائي (ص ١٦٣).
(٢) في (ب) و(ز): وكعجائز.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١).
(٤) في (أ): غير.
[ ٣ / ٣٩ ]
جامِعةً» متَّفقٌ عليه (^١)، والأوَّلُ منصوبٌ على الإغراء، والثَّاني على الحال، وفي «الرِّعاية»: برفعهما ونصبهما.
ووقتها (^٢): من حين الكسوف إلى الانجلاء، ولا تُقضَى؛ كاستسقاءٍ وتحيَّةِ مسجدٍ.
(فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) من غير تعيينٍ، وذكر جماعةٌ (^٣): أنَّه يقرأ قدر سورة البقرة، أو (^٤) هي، (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) على الأصحِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمس.
(ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا) من غير تقديرٍ، وقال القاضي، وجزم به في «التَّلخيص» وغيره: إنَّه بقدر مائة آيةٍ، وقال ابن أبي موسى: بقدر مُعظَم القراءة، وقيل: نصفها.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ (^٥) كغيرها، (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ)، قيل: كمعظمها، (ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ؛ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ)، نسبته إلى القراءة كنسبة الأوَّل منها.
(ثُمَّ يَرْفَعُ)، وظاهره: من غير إطالةٍ، (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) في الأصحِّ، وقيل: يُطيله كالرُّكوع، وقيل: وكذا الجلوس بينهما، وظاهره: أنَّه لا يطيله، وصرَّح به ابن عقيل والأكثر؛ كما لا يطيل القيام عن ركوع يسجد بعده، وحكاه القاضي عياض إجماعًا (^٦)؛ لعدم ذكره في الرِّوايات (^٧)، وانفرد
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٥١)، ومسلم (٩١٠)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
(٢) في (و): ووقتهما.
(٣) كتب على هامش (و): (قلت: منهم الشارح).
(٤) زيد في (ز): لو.
(٥) قوله: (ويحمد) سقط من (و).
(٦) ينظر: شرح مسلم للنووي ٦/ ٢٠٦.
(٧) في (و): الزيادات.
[ ٣ / ٤٠ ]
أبو الزُّبَير عن جابر مرفوعًا بإطالته (^١)، فيكون فعَلَه مرَّة ليبيِّن الجوازَ، أو أطاله قليلًا ليأتيَ بالذِّكر الوارد فيه.
والأصل فيه: ما روت عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام في خسوف الشمس، فاقترأ (^٢) قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع (^٣) ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ (^٤) قراءةً طويلةً هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا هو أدنى من الرُّكوع الأوَّل، ثمَّ سمَّع وحمَّد، ثمَّ فعل في الرَّكعة الآخِرة مثل ذلك، حتَّى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشَّمسُ قبل أن ينصرف» متَّفقٌ عليه (^٥)، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «خُسِفَتِ الشَّمسُ، فقام النَّبيُّ ﷺ قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة» (^٦)، وفي حديث أسماء: «ثمَّ سجدَ فأطالَ السُّجود» (^٧)، وفي حديث عائشة: «أنَّه جهرَ بقراءته».
قال ابن عبد البر (^٨): هذا أصحُّ ما في الباب، وباقي الرِّوايات معلَّلةٌ ضعيفةٌ، وقال أحمد: أصحُّ حديث في الباب حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٠٤)، ورجح النووي شذوذها، وتعقبه ابن حجر بما أخرجه أحمد (٦٧٦٣)، وابن خزيمة (١٣٩٣)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ولفظ ابن خزيمة: «ركع فأطال الركوع حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع رأسه فأطال القيام حتى قيل: لا يسجد». ينظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٠٦، الفتح لابن حجر ٢/ ٥٣٩.
(٢) في (و) و(ز): فقرأ.
(٣) في (أ): وركع.
(٤) في (ز): فقرأ.
(٥) أخرجه البخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١).
(٦) أخرجه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).
(٧) أخرجه البخاري (١٠٥٣)، ومسلم (٩٠٦).
(٨) قوله: (البر) سقط من (أ). ينظر: التمهيد ٣/ ٣٠٥.
(٩) ينظر: الممتع لابن المنجى ١/ ٥٧٧.
[ ٣ / ٤١ ]
(ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ)، لكن يكون دون الأُولى في كلِّ ما يفعل فيها، قال القاضي وابنُ عَقِيلٍ: القراءةُ في كلِّ قيامٍ أقصر ممَّا قبله، وكذا التَّسبيح، وذكر أبو الخطَّاب وغيره: قراءة القيام الثَّالث أطول من الثَّاني.
(ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ)؛ لما روى النَّسائي عن عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تشهَّد ثمَّ سلَّم» (^١).
وظاهِرُه: أنَّه لا يُشرع لها خطبةٌ على المذهب؛ «لأنَّه ﵇ أمر بها دون الخُطبة».
وعنه: لها خطبتان، تَجلَّى الكسوف أو لَا، اختاره ابن حامد والسَّامَرِّيُّ، ولم يذكر القاضي نصًّا بعَدَمهما، إنَّما أخذوه من نصِّه: (لا خطبةَ للاستسقاء).
(فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا؛ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً)؛ لقوله ﵇ في حديث أبي مسعودٍ: «فصلُّوا وادْعوا حتَّى ينكشفَ ما بِكُمْ» متَّفقٌ عليه (^٢)، ولأنَّ المقصودَ التَّجلِّي وقد حصل.
وظاهره: أنَّه لا يَقطعها؛ لكونه منهيًّا عنه، وشُرع تخفيفُها؛ لزوال السَّبب.
وقال القاضي: إن كان بعد الرُّكوع الأوَّل؛ أتمَّها صلاةَ كسوفٍ، وإن كان فيه أو قبله؛ أتمَّها بركوعٍ واحدٍ.
(وَإِنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا)؛ لم يصلِّ؛ لقوله ﵇: «إذا رأيتُمْ ذلك فافزعوا إلى
_________________
(١) أخرجه النسائي (١٤٩٧)، وابن حبان (٢٨٤٢)، من رواية عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة ﵂، وأخرجه البخاري معلقًا (١٠٦٦)، ومسلم مختصرًا (٩٠١)، من غير ذكر التشهد والتسليم.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١)، من حديث أبي مسعود ﵁.
[ ٣ / ٤٢ ]
الصَّلاةِ حتَّى ينجليَ» (^١)، فجعله غايةً للصَّلاة، والمقصود منها زوال العارِض، وإعادة النِّعمة بنورهما، وقد حصل.
فإن خفَّ قبلها؛ شرَع فيها وأوجزه (^٢).
(أَوْ غَابَتْ) الشمس (كَاسِفَةً، أَوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ؛ لَمْ يُصَلِّ)؛ لأنَّه ذهب وقت الانتفاع بهما.
وقيل: إن طلعت والقمرُ خاسِفٌ؛ صلَّى، ويعمل بالأصل في بقائه، فلو شكَّ في التَّجلِّي لغَيم، أتمَّها من غير تخفيفٍ، ولو انكشف الغَيم عن بعض النيِّر (^٣) ولا كسوف عليه؛ أتمَّها؛ لأنَّ الباقيَ لا يُعلم حالُه، والأصل بقاؤه.
والأشهر: يصلِّي إذا غاب القمر خاسفًا ليلًا؛ لأنَّه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره.
والثاني: لا؛ لغيبوبته كالشَّمس.
وفي منع الصَّلاة له بطلوع الفجر كطلوع الشَّمس وجهان إن فُعلت وقت نهيٍ.
فرعٌ: إذا فرغ منها، ولم يذهب الكسوف؛ لم يُعِدها، بل يذكر ويدعو، ويعمل (^٤) بالأصل في بقائه وذهابه.
وقال ابن حامِدٍ: يُصلِّي ركعتين ركعتين حتَّى ينجليَ؛ لفعله ﵇، رواه
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٦٠)، من حديث المغيرة ﵁ بلفظ: «فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي»، وعند أحمد (١٤٧٦٢) من حديث جابر ﵁: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى ينجلي»، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن الحديث ثابت لشواهده الكثيرة في الصحيحين وغيرها.
(٢) في (ب) و(و): وأوجز.
(٣) في (و): النهي.
(٤) في (ز): أو يعمل.
[ ٣ / ٤٣ ]
أبو داود عن النُّعمان بن بشيرٍ (^١).
(وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ؛ فَلَا بَأْسَ (^٢)، وفي «المحرَّر» و«الفروع»: جاز كصلاة الخوف، روى مسلمٌ من حديث جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ستَّ ركعاتٍ بأربع سَجَدات»، وعن أُبيِّ بن كعبٍ: «أنَّه ﷺ صلَّى ركعتين، في كلِّ ركعةٍ خمسَ ركوعاتٍ وسجدتينِ» رواه أبو داود وعبدُ الله بن أحمد (^٣).
قال المؤلِّف: لا يزيد على أربعٍ؛ لأنَّه لم يَرِد (^٤)، وفيه نظرٌ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٣٦٥)، وأبو داود (١١٩٣)، والنسائي (١٤٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٣٥)، من رواية أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وإسناده منقطع، فإن أبا قلابة لم يسمع من النعمان، كما قاله ابن معين وغيره، قال البيهقي: (هذا مرسل، أبو قلابة لم يسمعه من النعمان بن بشير، إنما رواه عن رجل عن النعمان، وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة)، وصححه النووي، وقال الألباني عن الحديث: (مضطرب الإسناد والمتن). ينظر: الخلاصة ٢/ ٨٦٤، جامع التحصيل للعلائي (ص ٢١١)، الإرواء ٣/ ١٣١.
(٢) قوله: (فلا بأس) سقط من (و).
(٣) حديث جابر ﵁: أخرجه مسلم (٩٠٤)، وحديث أُبي بن كعب ﵁: أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١٢٢٥)، وأبو داود (١١٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٢٦)، وضعفه ابن عبد البر والبيهقي وابن القيم وغيرهم. ومال إلى تصحيح جميع الروايات جماعةٌ، قال ابن حجر: (وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم). وذهب الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم من الأئمة: إلى أن الصواب أنه صلى ركوعين في ركعتين، قال ابن تيمية: (والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه). ينظر: صحيح ابن خزيمة ٣/ ٣١٧، التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٣٠٧، شرح النووي على مسلم ٦/ ١٩٩، مجموع الفتاوى ١/ ٢٥٦، زاد المعاد ١/ ٤٣٦، فتح الباري لابن حجر ٢/ ٥٣٢.
(٤) في (ب) و(و): يزد.
[ ٣ / ٤٤ ]
وفي السُّنن: كصلاة النَّافلة.
وعنه: أربع ركوعاتٍ في كلِّ ركعة أفضل.
قال النَّوويُّ: (وبكلِّ نوع قال به بعض الصَّحابة، وحمل بعضهم ذلك على اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات (^١) تأخَّر الانجلاء، فزاد في عدد الرُّكوع، وفي بعضها أسرع فاقتصر، وفي بعضها توسَّط فتوسط) (^٢).
واعتُرض عليه: بأنَّ تأخُّر الانجلاء لا يُعلم في الرَّكعة الأولى، وقد اتَّفقت الرِّوايات على أنَّ عدد الرُّكوع في الرَّكعتين سواءٌ.
وقال بعض السَّلف: هو محمولٌ على بيان الجواز في جميعها، قال النَّوويُّ: (وهذا أقوى) (^٣).
وظاهره: أنَّه لا يجوز الزِّيادة في السُّجود، وصرَّح به في «الفروع»؛ لأنَّه لم يَرِد.
فرعٌ: الرُّكوع الثَّاني سنَّةٌ، وتُدرَك (^٤) به الرَّكعة في وجهٍ، واختاره (^٥) أبو الوفاء إن صلاَّها الإمامُ بثلاثِ ركوعات؛ لإدراكه مُعظَم الرَّكعة.
(وَلَا يُصَلِّي لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الآْيَاتِ)؛ لعدَمِ نَقْله عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابِه، مع أنَّه وُجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرِّياح، والصَّواعق، وروى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا هبَّت ريحٌ شديدةٌ اصفَرَّ لونُهُ، وقال: «اللَّهمَّ اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا» (^٦)؛ لأنَّ الرِّياح نعمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ
_________________
(١) في (د) و(و): الروايات.
(٢) ينظر: شرح مسلم للنووي ٦/ ١٩٩.
(٣) ينظر: شرح مسلم للنووي ٦/ ١٩٩.
(٤) في (أ): يدرك.
(٥) في (د) و(و): واختار.
(٦) أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٨١)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٧٢٤٦)، والبغوي في التفسير (٤/ ٣٧٦)، وفي إسناده راوٍ مجهول وهو شيخ الشافعي قال: (أخبرنا من لا أتهم)، وأخرجه الطبراني من وجه آخر في المعجم الكبير (١١٥٣٣)، وفيه أبو علي الرحبي الحسين بن قيس وهو متروك، واستنكر الحديث الطحاوي، وقال الألباني: (منكر). ينظر: شرح معاني الآثار ٢/ ٣٧٩، السلسلة الضعيفة (٥٦٠٠).
[ ٣ / ٤٥ ]
آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الرُّوم: ٤٦].
(إِلاَّ لِلزَّلْزَلَةِ (^١)، هي رجْفة الأرض واضطرابُها وعدمُ سكونها، (الدَّائِمَةِ) نَصَّ عليه (^٢)؛ لفعل ابن عبَّاسٍ، رواه سعيدٌ والبَيهَقيُّ (^٣)، وروى الشَّافعيُّ عن عليٍّ نحوَه (^٤)، وقال: (لو ثبت هذا الحديث لقُلْنا به) (^٥).
وعن أحمد (^٦): يصلِّي لكلِّ آيةٍ، وذكره (^٧) الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين قولَ المحقِّقين من العلماء (^٨)؛ لأنَّه ﵇ علَّل الكسوفَ بأنَّه آيةٌ (^٩)، وهذه صلاةُ رهبةٍ وخوفٍ، كما أنَّ صلاة الاستسقاء صلاةُ رغبةٍ ورجاءٍ، وقد أمر الله تعالى عباده أن يَدعوه خوفًا وطمَعًا.
وفي «النَّصيحة»: يصلُّون لكلِّ آيةٍ ما أحبُّوا، ركعتين أم أكثر؛ كسائر الصَّلوات، وأنَّه يَخطُب.
_________________
(١) في (أ): الزلزلة.
(٢) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٢٣٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٢٩)، وابن أبي شيبة (٨٣٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٢٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٨٢)، عن عبد الله بن الحارث: «أن ابن عباس صلى بهم في زلزلة كانت أربع سجدات، فيها ست ركوعات»، وصححه البيهقي.
(٤) أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ١٧٧)، ومن طريقه البيهقي (٦٣٨١)، عن علي: «أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات: خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة»، وضعفه النووي. ينظر: المجموع ٥/ ٥٥.
(٥) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ٤٧٧.
(٦) زاد في (أ): (أنه).
(٧) في (أ): ذكره.
(٨) ينظر: الاختيارات ص ١٢٦.
(٩) سبق تخريجه ٣/ ٣٨ حاشية (٥).
[ ٣ / ٤٦ ]
تنبيهٌ: تُقدَّم الجنازةُ على الكسوف، ويُقدَّم هو على الجمعة إن أُمن فوتُها أو لم يشرع في خطبتها، وكذا على العيد والمكتوبة مع سعة الوقت في (^١) الأصحِّ، فإن خاف (^٢) بدأ بالفرض.
وفي تقديم الوتر إن خيف فوتُه، والتَّراويح عليه؛ وجهان، وقيل: إن صُلِّيت التَّراويح جماعةً قُدِّمت؛ لمشقَّة الانتظار.
وإن كَسَفت بعرفةَ؛ صلَّى ثم دفَع.
وإن مُنعت وقتَ نهيٍ؛ ذَكَر ودعا.
وقيل: لا يُتصوَّر كسوفٌ إلاَّ في ثامنِ أو تاسعِ وعشرين، ولا خسوفٌ إلاَّ في إبدار (^٣) القمر، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٤).
وردَّه في «الفروع» بما ذكره أبو شامة (^٥) في «تاريخه» (^٦): (أنَّ القمر خسف ليلة السَّادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكسفت الشَّمس في (^٧) غَدِه، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ)، قال: (واتَّضح بذلك ما صوَّره الشَّافعي من اجتماع الكسوف والعيد، واستبعده أهل النِّجامة).
_________________
(١) في (ب) و(ز): على.
(٢) في (ب) و(ز): ضاق.
(٣) في (د): أنوار.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٧ - ٣٥/ ١٧٥.
(٥) في (أ): (ابن شامة)، وفي (ب) و(ز): أبو أسامة. وهو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، شهاب الدين، أبو شامة المقدسي الشافعي، الفقيه المقرئ النحوي، من مصنفاته: مختصر تاريخ ابن عساكر، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، والباعث على إنكار البدع والحوادث، توفي سنة ٦٦٥ هـ. ينظر: فوات الوفيات ٢/ ٢٦٩، طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ١٦٥.
(٦) ينظر: الذيل على الروضتين ص ١٨٩.
(٧) في (ب) و(ز): من.
[ ٣ / ٤٧ ]
وكسفت الشَّمس يوم مات إبراهيم عاشر ربيع الأوَّل (^١)، قاله غيرُ واحدٍ (^٢).
ويُستحبُّ العتقُ في كسوفها، نَصَّ عليه (^٣)؛ لأمره به (^٤) ﵇ (^٥)، قال في «المستوعب» وغيره: لقادِرٍ، وهو الظَّاهر.
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: (في السنة التاسعة من الهجرة، ذكر ذلك جمهور أهل السير).
(٢) منهم الواقدي، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٧: (وما يروى عن الواقدي من ذكره: أن إبراهيم بن النبي ﷺ مات يوم العاشر من الشهر وهو اليوم الذي صلى فيه النبي ﷺ صلاة الكسوف: غلط، والواقدي لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد، وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ، فأما هذا فيعلم أنه خطأ).
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ٢٢٥.
(٤) قوله: (به) سقط من (ب) و(د) و(و).
(٥) أخرجه البخاري (١٠٥٤)، من حديث أسماء ﵂ قالت: «لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس».
[ ٣ / ٤٨ ]