(وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ)، الفروضُ: جمعُ فَرضٍ، وهُو لُغةً: التَّأثيرُ، وشرعًا؛ قِيل: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُهُ.
وهُو عِبارةٌ عن استعمالِ الماءِ الطَّهور في الأعْضاء المخصوصةِ على صفةٍ مفتتحة بالنية، وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه (^٢).
ثمَّ اعلم أنَّ الْفرضَ والشَّرطَ يَشترِكان في تَوقُّف العبادة على وجودِهما، ويَفترِقان: بِأنَّ الشَّرْط خارجٌ عنها، والفرضَ داخلَها، وبِأنَّ الشَّرْطَ يُستصحَبُ فيها إلى انقضائِها، والفرْض يَنقضِي، ويَخلُفُه غيره.
فمِنهمْ من نظَر إلى المعْنى الأوَّلِ؛ فَسَمَّى النِّيَّةَ ونحوَها فرْضًا (^٣)، وهِي بالمعْنى الثَّانِي شرْطٌ.
(غَسْلُ الْوَجْهِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]، (وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ)؛ أي: من الوجْهِ؛ لدُخولِهِمَا فِي حَدِّه.
(وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦].
(وَمَسْحُ الرَّأْسِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المَائدة: ٦].
(وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦]؛ أي: كلَّ واحدة منهما، وهو فرضٌ عندنا وعند الجَماهيرِ؛ لقراءةِ نافعٍ وابنِ
_________________
(١) قوله: (وشرطه) سقط من (و).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٦٢)، وأحمد (١٧٤٨٠)، من حديث زيد بن حارثة ﵁، وفي إسناده ابن لهيعة، قال أبو حاتم: (حديث كذب باطل).
(٣) كتب على هامش الأصل: (هو الخرقي، فإنه جعل الماء الطاهر وإزالة الحدث والنية فروضًا؛ نظر إلى المعنى الأول، وهي بالمعنى الثاني شرائط).
[ ١ / ١٥٧ ]
عامِرٍ والكِسائِيِّ وحفصٍ بالنَّصبِ في (^١): عطفًا على اليديْنِ، وقرأ الباقُون بالخفضِ للمجاورةِ (^٢)، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥].
وقِيل: لمَّا كانتِ الأرْجُلُ في مَظِنَّةِ الإسراف في الماءِ، وهو منهيٌّ عنه مذمومٌ؛ عطفَها على المَمْسوح لا للتَّمسُّح، بل للتَّنبيه (^٣) على الاقتصار على مقدارِ الواجِبِ، ثمَّ قيل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] دَفْعًا لِظَنِّ ظانٍّ أنَّها مَمْسوحة؛ لأنَّ المسح لم يضرب له غاية في الشرع.
ولفعله ﵇ (^٤)، وقولِه: «ثمَّ يغسل رجليه كما أمره الله تعالى» رواه أحمد، والطَّبراني، وابن خزيمة، والدَّارقطني، وصحَّحاه (^٥)، وقال سعيدٌ: ثنا يونسُ بن أبي يعفور (^٦)، عن أبي الجَحَّاف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين» إسناده حسن،
_________________
(١) قوله: (في) سقط من (أ).
(٢) كتب على هامش الأصل: (وعن الشافعي أن النصب أريد به قوم، والخفض أريد به آخرون، وقال أبو علي: يسمى خفيف الغسل مسحًا، وعن الحسن وابن جرير وأبي عليّ الجبائي: يخير بين المسح والغسل، وعن الإمامية: الفرض المسح، وعن الظاهرية: يجب الجمع بينهما).
(٣) في (و): للتعبد.
(٤) منها ما أخرجه مسلم (٢٤٦)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق».
(٥) الحديث أخرجه مسلم (٨٣٢)، في قصة إسلام عمرو بن عبسة ﵁، ولفظه: «ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء»، وأخرجه أحمد (١٧٠١٩)، وابن خزيمة (١٦٥)، والدارقطني (٣٧٨)، ولفظه عندهم: «ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ﷿».
(٦) في باقي النسخ: (يعقوب) وهو تصحيف، إذ إن شيخ سعيد بن منصور الذي يروي عنه هو يونس بن أبي يعفور العبدي، قال ابن حجر في التقريب (ص ٦١٤): (بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء واسمه وقدان بالقاف).
[ ١ / ١٥٨ ]
وقالتْ عائشةُ: «لَأَن يقطعا (^١) أحبُّ إليَّ أن أمسح القدَميْن» (^٢).
وهذا (^٣) في حقِّ غير لابِس الخُفِّ، فأمَّا لابِسُه؛ فغسلُهما ليس فرضًا مُتعيِّنًا (^٤) في حقِّه.
(وَتَرْتِيبُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى)، هذا هو الأصحُّ، وفي «الكافِي»: أنَّه ظاهِرُ المذهب؛ لأنَّ الله تعالى أدْخَل المَمْسوح بيْن المَغْسولاتِ، ولا يُعلم لهذا فائدةٌ غيرُ التَّرتيبِ، والآيةُ سِيقتْ لبيان الواجب، والنَّبيُّ ﷺ رَتَّب الوُضوءَ، وقال: «هذا وضوءٌ لا يَقبلُ الله الصَّلاة إلا به» (^٥)، ولأنَّه عبادةٌ تَبطُل بالحدث، فكان التَّرتيب من شرطِه؛ كالصَّلاة يَجِبُ فيها (^٦) الرُّكوعُ قبْل السُّجودِ، ولو كان التَّنْكيس جائِزًا؛ لَفَعَلَهُ ولَوْ مَرَّةً لِيتَبينِ الجَوازِ.
_________________
(١) في (أ): نقطعا.
(٢) ذكره المصنف بمعناه على قول، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤٤)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٤)، عن عائشة ﵂ بلفظ: «لأن أحزُّهما بالسكاكين أحب إليَّ من أن أمسح عليهما»، وإسناده صحيح. وهذا المعنى الذي ذكره المصنف نقله أبو عبيد في الطهور فقال: (بعض أصحاب الحديث كان يتأوله في المسح على القدمين، ويصدِّق ذلك: حديثها عن النبي ﷺ: «ويل للأعقاب من النار»، فهل يكون هذا إلا على الأقدام؟! وهي كانت أعلم بمعنى حديثها). والمعنى الآخر للأثر: أنها أرادت به المسح على الخفين، وهو صريح صنيع ابن أبي شيبة في مصنفه، حيث ذكر الأثر تحت باب: (من كان لا يرى المسح)، بعد باب: (في المسح على الخفين كيف هو)، وتأوله البيهقي في الكبرى (١/ ٤٠٩)، بقوله: (فإنها كرهت ذلك، ثم ثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على علي ﵁، وعلي أخبر عن النبي ﷺ بالرخصة فيه)، وما ذكره من إحالتها العلم به على علي؛ وارد في صحيح مسلم (٢٧٦).
(٣) في (أ): وهو.
(٤) في (أ) و(ب): معينًا.
(٥) سبق تخريجه ١/ ١٥٥ حاشية (٥)، من حديث ابن عمر ﵁ عند ابن ماجه، وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ.
(٦) في (و): لا يجب فيها.
[ ١ / ١٥٩ ]
وهذا كلُّه على أنَّ الواوَ للْجمعِ المُطْلَق، فأمَّا إذا قِيل: إنَّها للتَّرتيبِ فواضِحٌ، فعلى هذا: لو بدأ بشيء من الأعضاء قبل غسل الوجه؛ لم يُحسَب له.
نعم؛ إن تَوضَّأَ مُنَكِّسًا أربعَ مرَّاتٍ؛ صحَّ وضوءُه إن قرُب الزَّمَنُ؛ لأنَّه حَصل له في كلِّ مرَّةٍ غَسْل عُضْوٍ.
ولَوْ غسلَها جميعًا بانغِماسٍ واحدٍ، أوْ وضَّأَه أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ؛ لم يُجْزِئْه.
وإنْ لبِثَ في جارٍ، فمرَّتْ عليه أربعُ جَرَياتٍ متعاقبة؛ سقَط التَّرتيبُ إن قيل بإجْزاءِ الغَسلِ عنِ المسحِ. وقِيلَ: إنْ أَمَرَّ يدَه على رأسِه كَفاهُ، وإلَّا فلا.
ولوْ لم يَمرَّ (^١) عليه إلَّا جَريةٌ واحدةٌ؛ لم يجزئْه.
وإنِ (^٢) انغَمَسَ فِي كثيرٍ راكِدٍ؛ فمَنصوصُهُ (^٣) - وقَطَعَ به جَمْعٌ -: إن خرَج مُرَتَّبًا جازَ، وإلَّا فَلَا.
والثَّانِيَةُ، وحكاها أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: بِعَدِم الوجوبِ، وأخَذُوا ذلك من نصِّه على جوازِ تأخيرِ المضْمضةِ والاِستِنشاق (^٤)، وأبَى ذلك عامَّة الأصحابِ (^٥).
وقِيل: يَسقُط بالجهلِ والنسيان.
(وَالْمُوَالَاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ذكَره ابنُ هُبَيرَة أنَّها المشهورةُ، وصحَّحها فِي «الرعاية»، وجزَم بها في «الوجيز»، ورَجَّحها فِي «الشَّرح»؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦]؛ لأنَّ الأوَّلَ
_________________
(١) في (و): تمر.
(٢) في (و): فإن.
(٣) في (أ): بمنصوصه. وينظر: مسائل عبد الله: ص ٤٥٥.
(٤) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٦٦، الروايتين والوجهين ١/ ٧٢.
(٥) في (و): أصحابنا.
[ ١ / ١٦٠ ]
شرطٌ، والثَّانِي جَوابٌ، وإذا وُجِدَ الشَّرط، وهو القيام؛ وجب ألا يتأخَّر عنه جوابُه، وهو غسلُ الأعضاء.
يُؤيِّده ما رَوَى خالِدُ بن مَعْدان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا يُصلِّي وفي ظهْر قَدَمِه لمعةٌ قدْرَ الدِّرْهم لم يُصِبْها الماء، فأمره أنْ يُعيدَ الوُضوءَ» رواه أحمدُ وأبو داودَ، وزاد: «والصَّلاةَ»، وهذا صحيحٌ، وفيه بَقِيَّةُ (^١)، وهُو ثِقةٌ رَوى له مُسلمٌ (^٢).
والثَّانِيةُ، - ونقلها حنبل عنه -: أنَّها لا تَجِبُ، وهي قولُ ابن المنذر؛ لأنَّ الله تعالَى أمرَ بالغَسل، ولم يَشتَرِطِ المُوالاةَ، وعن ابن عمر أنَّه غسل رجليه بعدما جفَّ وضوءُه (^٣).
ونصَر الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ ذلك (^٤) (^٥)، وزَعم أنَّه الأَشْبه بأُصولِ الشَّرِيعةِ، ولهُ
_________________
(١) في (أ): ثقة.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٤٩٥)، وأبو داود (١٧٥)، قال أحمد: (إسناده جيد)، واحتج به، وفي سنده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد صرح بالتحديث كما في المسند، قال ابن عبد الهادي: (وتكلم فيه البيهقي وابن حزم وغيرهما بغير مستند قوي)، وله شاهد عند مسلم (٢٤٣) من حديث عمر ﵁ بلفظ: «ارجع فأحسن وضوءك». ينظر: تنقيح التحقيق (١/ ٢٢٥)، البدر المنير (٣/ ٢٣٧).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٤٣)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٣٩٧)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه بال في السوق، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دُعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها»، قال البيهقي: (وهذا صحيح عن ابن عمر)، وصححه النووي. وقد علقه البخاري بصيغة التمريض في باب تفريق الغسل والوضوء (١/ ٦١)، قال الحافظ ابن حجر: (وهذا إسناد صحيح، ما أدري لِمَ لَمْ يجزم به البخاري، ثم تبين لي أن ذلك لذِكْره له بالمعنى). ينظر: المجموع للنووي ١/ ٤٥٥، تغليق التعليق ٢/ ١٥٧.
(٤) قوله: (ذلك) سقطت من (أ).
(٥) كلامه فيه نظر، بل ذهب شيخ الإسلام إلى أن الموالاة واجبة، لكن تسقط للعذر. ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٣٥.
[ ١ / ١٦١ ]
نَظائِرُ؛ مِنْها: التَّتَابُعُ في صوم شَهرَيِ الكفَّارةِ.
وجوابُه: النَّصُّ والإجْماعُ، ثمَّ لوْ تركه لِعُذْرٍ؛ لم يَنقطِعْ، وكذا الموالاةُ في قراءةِ الفاتحةِ، وفي الطَّواف والسَّعْيِ؛ لا يَبطُل بِفعْلِ (^١) المكْتوبةِ.
(وَهُوَ: أَلَّا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الذِي قَبْلَهُ) في زمَنِ مُعْتدِلٍ، أو بمقدارِه في الشِّتاءِ والصَّيفِ والْهواءِ، وهلِ الاِعتبارُ بما يَلِي (^٢) العُضوَ المغسولَ، أو أوَّلِها، أو جميعِها؟ فِيهِ أقْوالٌ.
والتَّفريقُ المُبطِلُ: ما يُعدُّ في العُرْف تفْريقًا، قال الخَلَّالُ: (هو الأشبهُ بقوْله، والعملُ عليْه).
فلو جَفَّ الأوَّلُ لاِشتغالِه فِي الثَّاني بسُنَّةٍ؛ كتخْليلٍ وإِسْباغٍ لم يَضُرَّ، وكذا إنْ كان لِوَسْوسةٍ، وإزالةِ وسَخٍ فِي الأَصحِّ، وإن كان للاِشْتِغال (^٣) بتحصيلِ الماء؛ فَرِوايتانِ.
ويضُرُّ إسْرافٌ، وإزالةُ وَسَخٍ لغيرِ الطَّهارةِ، وزيادةٌ علَى الثَّلاثِ؛ لأنَّه ليس من (^٤) الطَّهارةِ شرعًا.
ولا تسقط هي، وترتيبٌ سهوًا؛ كبقيةِ الفُروض.
(وَالنِّيَّةُ) لغةً: القصدُ يقال: نَواك اللهُ بِخيرٍ؛ أي: قصدك به، ومحلُّها القلبُ فلا بدَّ أن يَقصِدَ بقلبِه، وأن يخلِصها لله تعالى؛ لأنَّه عملُ القلب، والنَّصُّ دلَّ على الثَّواب في كلِّ وضوء، ولا ثواب في غير مَنْوِيٍّ بالإجماعِ.
(شَرْطٌ) وهو لغةً: العلَامةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محَمَّد:
_________________
(١) في (أ): بنفل.
(٢) قوله: (بما يلي) هو في (ب): بماء.
(٣) في (ب) و(و): الاشتغال.
(٤) في (أ) و(ب): في.
[ ١ / ١٦٢ ]
١٨].
واصْطِلاحًا: ما يَلزَمُ من عدمه العدمُ، ولا يَلزَمُ من وُجودِه (^١) وُجودٌ ولا عَدَمٌ.
(لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا)، بغيرِ خِلافٍ نعلمُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيّنَة: ٥]، والإخلاصُ مَحْضُ النِّيَّةِ، وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، وأكَّدهُ بقوله: «وإنَّما لامْرِئٍ ما نَوَى» (^٢)، وقوله: «لا عملَ إلَّا بِنِيَّة» (^٣)، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ؛ لقوله ﵇: «الطُّهور شَطرُ الإيمانِ» رواه مسلم (^٤)، وأخبر أنَّ الخطايا تَخرجُ بالوُضوءِ، وكلُّ عبادة لا بدَّ لها من نيَّة.
فالعِبادةُ: ما أُمِر به شرْعًا من غير اطِّرادٍ عُرْفِيٍّ، ولا اقتِضاءٍ عقْليٍّ.
قِيل لأبي البَقاءِ: الإسلامُ والنِّيَّةُ عبادتان، ولا يَفتقِرانِ إلى النِّيَّةِ؟ فقال: الإسلامُ ليس بعبادةٍ؛ لصدوره من الكافرِ، وليس من أهلها، سَلَّمنا، لكن صحَّ للضرورة؛ لأنَّه لا يصدر إلَّا من كافرٍ، وأمَّا النِّيَّة فَلِقطْع التَّسلْسُل.
ولأنَّها طهارةٌ حُكميَّةٌ، فافتقرتْ إلى النِّيَّةِ؛ كالكفَّارة، بخلاف طهارةِ الخبَث، فإنَّها نقلُ عيْنٍ، أشبه ردَّ الوَديعةِ، ولأنَّ طهارة الحدَثِ بابُها الفعلُ أشبهتِ الصَّلاةَ، وطهارةُ النَّجاسةِ بابُها التَّرْكُ أشبهتْ تركَ الزِّنى.
وذكَرَ بعضُ أصحابنا عن طوائِفَ من العُلَماءِ: أنَّه ليس من شرْط العبادة النِّيَّةُ؛ بدليل السِّتارةِ، واستقبالِ القِبلةِ، وهما شَرْطانِ للعبادةِ.
وأُجيب: بأنَّهما يُوجدان في جميع الصَّلاة لوجودِهما قبلها، فنيَّةُ الصَّلاةِ
_________________
(١) قوله: (وجوده) سقطت من (أ).
(٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧٩)، من حديث أنس ﵁، قال ابن حجر: (وفي سنده جهالة)، وجاء موقوفًا على عمر ﵁، بسند منقطع، ذكره ابن رجب. ينظر: جامع العلوم والحكم (ص ٦٨)، التلخيص الحبير ١/ ٤٠٠.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
[ ١ / ١٦٣ ]
متضمِّنةٌ لهما، بخلافِ طهارةِ الحَدَثِ، ولهذا لو حَلف لا يَتطهَّرُ وهو متطهِّر؛ لم يحنَثْ بالاستدامة (^١)، ولو حَلَف لا يَستتِرُ، ولا يَسْتقبِل؛ حنِث باستِدامتِهِما.
وظاهرُه (^٢): أنَّها ليست بشرطٍ في طهارةِ النَّجَسِ، وهو كذلك في الأصحِّ.
وفيه وَجْهٌ: يُشتَرط إن كانت على البدَنِ. وفي رواية: أنَّها شرط مطلقًا.
(وَهِيَ: أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ)، وهُو المانِعُ ممَّا تُشْتَرَطُ له الطَّهارةُ، والمراد رفع حكمه، وإلا فالحدث إذا وقع لا يرتفع (^٣)، (أَوِ الطَّهَارَةَ لِمَا لَا يُبَاحُ إِلَّا بِهَا)؛ أي: يَقصِدُ (^٤) استباحةَ عِبادةٍ لا تُستباح إلَّا بالطَّهارة؛ كالصَّلاةِ، والطَّوافِ، ومسِّ المُصحَفِ؛ لأنَّ ذلك يَستلزِم رفعَ الحدثِ، ضَرورةَ أن صحَّة (^٥) ذلك لا يَجتمِعُ معهُ.
فإن نوى التَّبرُّدَ وما لا يُشرع له الطَّهارةُ؛ كأكلٍ وبيعٍ، ونوى مع ذلك الطَّهارة؛ صحَّتْ، وإلَّا فلَا.
فإن غسَل أعضاءَه ليزيل عنها النَّجاسةَ، أو ليُعلِّم غيرَه؛ لم يجزئْه.
وإن نوى صلاةً مُعيَّنة لا غيرَها؛ ارتَفع مطلقًا.
وإن نوى طهارةً مُطلقةً، أو وُضوءًا مُطلقًا؛ فالرَّاجح أنَّه لا يرتفِع.
وإن نوى الجنُبُ بغسله القراءةَ؛ ارتفعَ الأكبرُ، وفي الأصغر وجهان.
وإن نَوى بغسله اللُّبْثَ في المسجدِ؛ ارتفع الأصغرُ، وفي الأكبرِ في أعضاءِ الوُضوءِ - وقِيل: وغيرِها - وجهان.
وإن نَوى مَنْ حدَثُه مستمِرٌّ استباحةَ الصَّلاة؛ صحَّ، وارتفع حدثُه، ولا
_________________
(١) في (أ): باستدامته.
(٢) في (و): فظاهره.
(٣) قوله: و(المراد رفع حكمه وإلا فالحدث إذا وقع لا يرتفع) زيادة من الأصل.
(٤) في (و): بقصد.
(٥) في (أ) و(و): صح.
[ ١ / ١٦٤ ]
يحتاج إلى تعيين النِّيَّة للفرض، فلو نَوى رفعَ الحدث؛ لم يرتفعْ في الأَقْيسِ.
ويُسنُّ نُطقُه بها سِرًّا، ولا يضرُّ سبقُ لسانه بخلاف قصدِه.
تنبيه: يُشتَرَط لصحَّة وضوءٍ: عقلٌ، وتمييزٌ، وإسلامٌ، ودخولُ وقتٍ على مَنْ حدَثُه دائمٌ لِفرضِه، وإزالةُ ما يمنعُ وصولَ الماء، وطهرٌ من حيضٍ ونفاسٍ، وفَراغُه من خروجِ خارج، وطَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه.
(فَإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ (^١) لَهُ الطَّهَارَةُ)؛ كقِراءةِ قُرآنٍ، وأذانٍ، ونحوِهما، (أَوِ التَّجْدِيدَ) ناسيًا حدَثَه؛ (فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: لا يرتفع، اختارها ابن حامِد والشِّيرازي وأبو الخَطَّاب؛ كمن نوى التَّبرُّد.
والأخرى: يرتفِع، اختارها أبو حفْص، والشَّيخان، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه نوى طهارةً شرعيَّةً.
وصحَّح السَّامَرِّيُّ: أنَّه لا يرتفع إذا نوى ما تسنُّ له الطَّهارة.
وفي «الرعاية»: إن جَدَّد محدِثٌ وضوءَه ناسيًا حدَثَه؛ لم يرتفِعْ في الأشهر، وفي حصول التَّجديدِ إذا لم يرتفِع احتمالان.
(وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا)؛ كغسلِ الجمُعة (فَهَلْ يُجْزِئُ (^٢) عَنِ الْوَاجِبِ)؛ كغسلِ الجَنابةِ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) هما مَبنيان على الخِلافِ السَّابِقِ، والمذهبُ: الإجزاء؛ كعكسِه.
فإن لم يرتفِع الواجِبُ؛ حصل المسنونُ. وقيل: لا. وقيل: يجزئه الواجِب؛ لأنَّه أعلى.
فإن نواهما حصَلا، نصَّ عليه.
(وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ)؛ متنوِّعةٌ، قيل: معًا،
_________________
(١) في (و): يسن.
(٢) في (و): يجزئه.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقيل: أو متفرِّقة، (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهُمَا)، وقيل: وعلى ألا يرتفع غيره (^١)، (فَهَلْ يَرْتَفِعُ سَائِرُهَا)؛ أي: باقيها، قال ابن هشام (^٢): (ولا أعلم أحدًا من أئِمَّةِ اللُّغَة ذكر أنَّها بمعنى الجميع إلَّا الجوهري، وهو وهَمٌ) (^٣)، (عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما: يرتفع، وهو قول القاضي، وجزم به في «الوجيز»، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ الأحداث تتَداخَل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الجميع.
والآخَر: لا يرتفع إلَّا ما نواه، وقاله أبو بكر عبد العزيز؛ لأنَّه لم يَنوِه، أشبَه ما لو لم ينوِ شيئًا. فعلى قوله؛ إذا اغتسلت من هي حائض جُنُب للحيض؛ حلَّ وطؤها دون غيره؛ لبقاء الحرمة.
وفيه وجهٌ: إن سبق أحدُهما ونواه؛ ارتفع غير المَنْوِي (^٤)، وإلَّا فلا.
وفيه وجهٌ: تجزئ نيَّةُ حَيْضٍ (^٥) عن جنابة من غير عكس، وما سوى ذلك يرتفع.
وفيه وجه: لا يُجزِئ أحدُهما عن الآخر، ويجزئ في (^٦) غيرهما.
وظاهِرُه (^٧): أنَّه إذا نوى الجميعَ ارتفع، وهو كذلك عند الأكثر؛ لأنَّه لم
_________________
(١) قوله: (فنوى بطهارته أحدهما، وقيل: وعلى ألا يرتفع غيره) سقطت من (أ).
(٢) هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام، من أئمة العربية، من تصانيفه: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وعمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب، ورفع الخصاصة عن قراء الخلاصة، وشذور الذهب، توفي سنة ٧٦١ هـ. ينظر: المقصد الأرشد ٢/ ٦٦، الإعلام ٤/ ١٤٧.
(٣) لم نقف على كلام ابن هشام، وقد ذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٤٠ اعتراض بعض أهل اللغة على الجوهري في ذكره (سائر) بمعنى (جميع)، وذكر خلاف أهل اللغة في تصويبه وتخطئته.
(٤) في (و): عن المنوي. وقوله: (غير المنوي) سقطت من (أ). والمثبت موافق لما في الإنصاف ١/ ٣١٨.
(٥) في (و): الحيض.
(٦) في (و): من.
(٧) في (و): فظاهره.
[ ١ / ١٦٦ ]
ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ اغتسل من الجنابة إلَّا غسلًا واحدًا، وهو يتضمَّن التقاء الختانين والإنزال.
(وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ)؛ لأنَّ النِّيَّة شرطٌ لصحَّتها، فيُعتبر وجودُها في أوَّلها، فلو فعل شيئًا من الواجباتِ قبل وجود النِّيَّة؛ لم يُعتدَّ به.
ويجوزُ تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ كالصَّلاة. وقيل: وطويلٍ ما لم يَفسخْها.
والأصحُّ: أنَّه لا يُبطلها عملٌ يسير.
(وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا)؛ أي: يُستحَب تقديمُها على أوَّلِ المسنوناتِ منها (^١)؛ كغَسل اليد إذا لم يكن قائمًا من نوم اللَّيل؛ ليشمَل مفروضَ الوضوء ومسنونَه، فلو فرَّق النِّيَّة على أعضاء الطَّهارة؛ صحَّ في الأَشهَر.
فرع: غسل الذِّمِّيَّة من الحيض لا (^٢) يفتقِر إلى نيَّة، واعتبره الدِّيْنَوَرِيُّ (^٣)، قال في «الرعاية»: والنَّصُّ: أنَّه لا يُجزِئ غُسلٌ بلا نيَّة.
(وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا)، قال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ: (وهُو أفضلُ؛ لتكون أفعالُه (^٤) مقرونةً بالنِّيَّةِ) (^٥).
(وَإِنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا؛ أَجْزَأَهُ)، ومعناهُ: أن (^٦) ينويَ المتطهِّرُ في (^٧)
_________________
(١) في (أ): المسنونات منهما.
(٢) في (أ): ولا.
(٣) هو أحمد بن محمد أبي الفتح بن أحمد، الدينوري، أبو بكر، الفقيه، من أئمة الحنابلة ببغداد، برع في الفقه وتقدم في المناظرة، صنف كتاب «التحقيق في مسائل التعليق». توفي سنة ٥٣٢ هـ. ذيل الطبقات ١/ ٤٢٩، المقصد الأرشد ١/ ١٧٠.
(٤) في (أ): لئلا تكون أفعاله.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٦/ ٢٩.
(٦) في (و): بأن.
(٧) في (و): من.
[ ١ / ١٦٧ ]
أوَّلِها، ثم لا يَنوِيَ قَطْعَها (^١)، فإن عزَبت عن خاطرِه وذَهِل عنها؛ لم يؤثِّر ذلك في قَطْعِها؛ كالصَّلاة والصِّيامِ.
فرع: إذا شكَّ في النِّيَّة في أثناءِ طهارتِه؛ لزِمه استئنافُها، إلَّا أن يكون وَهْمًا؛ كالوسواس فلا يَلتفِتْ.
والأصحُّ: أنَّها لا تبطلُ بعد فراغه؛ كالشَّكِّ في حدَث.
والثَّاني: تبطُل؛ لأنَّ حكمَها باقٍ بخِلاف الصَّلاةِ.
وإن أبطلها في أثناء طهارته؛ بطل ما مضى في الأصحِّ، ولم تبطل (^٢) في آخر؛ لأنَّه وقع صحيحًا، فلم تبطُلْ (^٣) بقطْع النِّيَّة، كما لو نوى قطعَها بعد الفَراغِ من الوضوء.
ثمَّ هل يُتِمُّ على الأوَّلِ؟ يَنبَنِي على وُجوبِ الموالاة.
_________________
(١) في (و): قطعًا.
(٢) في (و): يبطل.
(٣) في (و): يبطل.
[ ١ / ١٦٨ ]