النَّواقِضُ: جمْع ناقِضَةٍ لا ناقِض؛ لأنَّه لا يُجمع على فَواعِلَ إلَّا المؤنَّثُ، وشذَّ: فوارِس، وهوالِك، ونواكِس، جمع فارس، وهالك، وناكس، يقال: نقضتُ الشيءَ إذا أفسدته.
فنواقضُ الوضوء: مفسِداتُه، واستعمالُه فيه مجازٌ؛ كاستعماله في العلَّة، وإنَّما حقيقته في البناء، واستُعمِل في المعاني بعلامة الإبطال.
(وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ):
(الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ)؛ أي: على سبيلِ البدَل، واحدُهما: سبيلٌ، وهُو الطريق، وهما مخرج البول والغائط، والمراد: إلى ما هو في حكم الظَّاهر (^١)، ويلحقُه حكم التَّطهير، إلَّا ممَّن (^٢) حدثه دائم، (قَلِيلًا كَانَ) الخارجُ (أَوْ كَثِيرًا)، ذُكر لمقابلَة الأوَّل، وهو مُغنٍ عنه، (نَادِرًا أو مُعتادًا)، فالمُعتاد؛ كالبول والغائط، فيَنقُضُ إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وقوله ﵇: «ولكن من غائط، وبول (^٣)، ونوم» (^٤).
والنَّادِرُ؛ كالدُّود والحَصى، حتَّى دم الاستحاضة؛ لما روى عروة عن فاطمةَ بنت أبي حُبَيْشٍ: أنَّها كانت تُستحاض، فسألت النَّبيَّ ﷺ فقال: «إذا كان دم الحيض، فإنَّه أسودُ يُعرف، فإذا كان كذلكِ فأمسكي عن الصَّلاة، وإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي؛ فإنَّما هو دم عِرْقٍ» رواه أبو داود، والدَّارقطني
_________________
(١) في (و): الطاهر.
(٢) في (أ): فمن.
(٣) في (أ): أو بول.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٢٠١ حاشية (٦).
[ ١ / ٢١٩ ]
وقال: (إسنادُه كلُّهم ثِقاتٌ) (^١)، فقد أمر (^٢) بالوضوء لكلِّ صلاةٍ (^٣)، ودمُها غيرُ معتادٍ، ولأنَّه خارِج من (^٤) السبيل، أشبه المعتاد، مع أنَّه لا يخلو عن بِلَّة تتعلَّق به، فينتقضُ بها.
وهو شامِلٌ للمَنِيِّ والرِّيح، وإن خرجت من القُبُل على المشهور؛ لعموم قوله ﵇: «لا وضوء إلَّا من حدث أو ريح» (^٥) رواه التِّرمذي وصحَّحه من حديث أبي هريرة (^٦).
وقال أبو الحسيْن: قياس المذهب النَّقْض بالريح من قُبُل المرأة دون قُبُل الرَّجل (^٧)، وعلَّله ابن عَقيل: لأنَّ قبُلها له منفذ إلى الجوف، بخلاف الرجل، وريح الدُّبر إنَّما نقض لاستصحابه جزءًا لطِيفًا من النَّجاسة، بدليل نَتَنِها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٦)، والنسائي (٢١٥)، وابن حبان (١٣٤٨)، وضعفه أبو داود، وأبو حاتم، وصححه ابن حبان، وابن حزم، والنووي، وأُعل الحديث بالانقطاع والاضطراب، وذكر الدارقطني والطحاوي وغيرهما أن لفظة: «أسود يعرف»، مما تفرد به محمد بن عمرو بن علقمة. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١١٧)، علل الدارقطني ١٤/ ١٠٣، التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٥٦، حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٢٣، صحيح أبي داود للألباني ٢/ ٥٩.
(٢) في (أ): أمرنا.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٨)، بلفظ: «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت»، وأشار مسلم في صحيحه (٣٣٣) إلى أنه حذفها عمدًا.
(٤) قوله: (من) سقط من (و).
(٥) قوله: (وإن خرجت من القبل على المشهور، لعموم قوله ﵇: لا وضوء إلا من حدث أو ريح) سقط من (و).
(٦) أخرجه أحمد (١٠٠٩٣)، والترمذي (٧٤)، وابن خزيمة (٢٧)، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن الصلاح، وأشار أبو حاتم إلى أنه وهم، وأن شعبة رواه بالمعنى، وأصله الحديث المتفق عليه: «إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه؛ فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٠٧).
(٧) قوله: (النَّقض بالريح من قبل المرأة دون قبل الرَّجل) هو في (و): الريح من قبل المرأة ينقض دون قبل الرَّجل.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وكما (^١) إذا قَطَّر في فرجه دُهنًا ثمَّ سال، أو احتَشى (^٢) قُطْنًا ثمَّ خرج منه، أو كان في وسط القطن (^٣) ميل، فسقط (^٤) بلا بِلَّة في وجهٍ؛ إناطةً بالمظنَّة. ولا نقض في آخرَ؛ لانتفاء الخارج.
فإن تيقَّن خروج بِلَّة؛ نقضَ على الأعرف، وأبْعدَ من قال: لا نقضَ حتَّى يخرُجَ بَولٌ، قاله الزركشي.
وتبعيدُه بعيد، فإنَّه ظاهر نقل (^٥) عبد الله (^٦)، واختاره القاضي.
وفي وجه: ينقض الدهن دون غيره.
وفي نجاسة الدهن وجهان؛ لنجاسة باطنه، أو لأنَّه باطِنٌ فلم يتنجَّس به؛ كنُخامة الحلق وهو مخرج القيء.
وكذا إذا ظهرت مقعدتُه يعلم أنَّ عليها بَلَلًا، ولم ينفصل؛ فإنَّه ينتقض على المنصوص (^٧)، وكذا طرف مُصرانٍ، أو رأس دودة.
وخرج منه: ما إذا احتقن ولم يخرج منها شيء، أو وطئ في الفرج، أو دونه، فدخل (^٨) فرجَها ولم يخرج، في وجه.
_________________
(١) في (و): ولما.
(٢) في (أ): احتبس.
(٣) قوله: (القطن) سقط من (و).
(٤) في (و): فيسقط.
(٥) في (أ) و(و): نقله. والمثبت هو الموافق لما في الفروع. وينظر: مسائل عبد الله ص ٢٠، الفروع ١/ ٢١٩.
(٦) لعله يريد ما جاء في مسائل عبد الله (ص ٢٢): سئل أبي وأنا أسمع: عن الرجل يحشي ذكره القطن بعد الوضوء، فإذا صلى أخرجه فيجد في القطن بللًا. قال: لا بأس به ما لم يظهر. يعني خارجًا.
(٧) قال أبو الحارث: سألت أحمد عن رجل به علة، ربما ظهرت مقعدته؟ قال: (إن علم أنه يظهر معها ندىً توضأ، وإن لم يعلم فلا شيء عليه). ينظر: المغني ١/ ١٢٦.
(٨) أي: دخل ماؤه فرجها. ينظر: شرح الزركشي ١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٢٢١ ]
ومجرَّد الحقنة فيها أوجه، ثالثها: ينقض من دُبُره، وظاهر كلامهم فيما تحمَّله لا فرق بين (^١) كون طرَفِه خارجًا، أوْ لا.
(الثَّانِي: خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ)؛ أي: باقي (الْبَدَنِ؛ فَإِنْ كَانَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا؛ نَقَضَ قَلِيلُهَا) بغير خلاف في المذهب لما سبَق، وكالخارج من السبيليْن، وسواءٌ كانا مُنْسدَّيْن أو مفتوحيْن، فوقَ المعدة أو تحتَها.
وإن استدَّ المخرجُ المعتادُ، وانفتح غيرُه؛ قال ابن عقيل: أسفل المعدة، فخرج منه ريح؛ لم ينقض في الأشهر، وإن خرج منه بول أو غائط، ورُجي انقطاعُه؛ نقضَ كثيرُه، وفي يسيرِه روايتان.
قال في «النهاية»: إن (^٢) اسْتَدَّ المخرجُ المعتادُ خِلقَةً؛ فسبيلُ الحدَثِ الُمنفَتِحُ والمسدودُ كعُضوٍ زائدٍ مِنْ الخُنثى.
وعُلم منه: أنَّ الخارِجَ إذا كان طاهِرًا؛ فإنَّه لا ينقُضُ، سواء كان بُصاقًا، أو نُخامةً، أو بَلْغمًا، وهو أصحُّ الرِّوايتين فيه.
وعنه: بَلَى، وهو قول أبي يوسف.
وأصلهما: هل يفَطِّر الصَّائمَ؟ والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّها تُخْلَقُ من البَدَنِ كبَلْغَمِ الرأسِ.
وقيل: هو نجَس إذا انعقَد وازْرَقَّ، وحكاه بعضهم روايةً.
(وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا؛ لَمْ يَنْقُضْ إِلَّا كَثِيرُهَا)، وهو قول عمر (^٣)
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) في (و): إذا.
(٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥٩)، عن عمر بن الخطاب ﵁: «أنه كان يصلي بأصحابه، فرعف فأخذ بيد رَجُل فقدمه، ثم ذهب فتوضأ، ثم جاء فصلى ما بقي عليه من صلاته ولم يتكلم». وأخرج نحوه ابن أبي شيبة (٥٨٩٩)، عن عمر بن الخطاب، في الرجل إذا رعف في الصلاة قال: «ينفتل فيتوضأ، ثم يرجع فيصلي ويعتد بما مضى»، ومدار الإسنادين على حجاج بن أرطاة، وهو صدوق كثير الخطأ، وقد اضطرب فيه، فتارة يرويه عن رجل، وتارة عن خالد بن سلمة، وتارة يجعل الراوي عن عمر عمرو بن الحارث، وتارة محمد بن الحارث. وينظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام ١/ ٢٩٩.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وابن عبَّاس (^١)؛ لقوله ﵇ لفاطمة: «إنَّه دمُ عِرْقٍ» (^٢)، فعلَّل بكونه دمَ عرق، والقيح والدم كذلك، ولأنَّها نجاسة خارجة من البدن أشبه الخارج من السبيل، وفيه نظر.
وقيل: لا يَنقض دمٌ وقَيحٌ ودودٌ.
وعنه: لا ينقض قَيحٌ ولا صديدٌ ولا مِدَّةٌ (^٣)، إلَّا أن يخرج ذلك من السَّبِيلِ.
فلو خرجَ دمٌ كثيرٌ بمَصِّ عَلَقٍ أو قُرادٍ؛ نَقَضَ، فإن لم يخرج بنفسه بل بقُطنَةٍ ونحوِها فكذلك، بخلاف مصِّ ذُبابٍ وبَعُوضٍ؛ لقِلَّتِه، ومشقَّةِ الاحترازِ منها، ذكره أبو المعالي.
وظاهره: أنَّ اليسيرَ لا ينقُض، وهو كذلك، ذكره القاضي روايةً واحدةً، وحكاه أحمد عن ابن عمر (^٤)،
_________________
(١) أخرجه الأثرم في سننه (ص ٢٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٤١٠٠)، عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا كان الدم فاحشًا فعليه الإعادة، وإن كان قليلًا فليس عليه إعادة»، وإسناده حسن، وقد احتج به أحمد كما عند الأثرم.
(٢) سبق تخريجه ١/ ٢٢٠ حاشية (١).
(٣) المدة: بالكسر، القيح، وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٦٦.
(٤) ذكره عنه الأثرم في السنن (ص ٢٦٧) أخرجه عبد الرزاق (٥٥٣)، وابن أبي شيبة (١٤٦٩)، والأثرم في سننه (١١٤)، وابن المنذر في الأوسط (٦٥)، والبيهقي في الكبرى (٦٦٧)، عن بكر بن عبد الله المزني قال: «رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دم، فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ»، وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٤٦)، وقد احتج به أحمد، وصححه ابن حزم في المحلى (١/ ٢٣٩)، وصحح إسناده ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ١٢٠).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وروي عن ابن أبي أوفى (^١) وجابر (^٢)، واشتهر ذلك ولم يُنكَر، فكان إجماعًا.
قال أحمد: (قال ابن عبَّاس في الدم: «إذا كان فاحشًا أعادَ الوُضوءَ»، والقليلُ لا أرى فيه الوضوءَ (^٣)؛ لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ رخَّصوا فيه) (^٤).
ثمَّ بيَّن حد (^٥) الكثيرَ فقال: (وَهُوَ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ)؛ أي: كلُّ أحد بحسبه، نصَّ عليه (^٦)، واحتجَّ بقول ابن عبَّاس: «الفاحِش ما فحُش في قلبك» (^٧)، قال الخلَّال: (إنَّه الذي استقر عليه قوله)، وذكره المؤلف المذهب، قال في «الشرح»: (لأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسانِ بما يَستفْحِشه غيرُه حَرَجٌ، فيكون مَنفِيًّا).
وعنه: يعتبر نفوس أوساط الناس، اختاره القاضي وجماعةٌ كثيرةٌ، وجزم به في «التلخيص» و«المحرر»، وقدَّمه في «الفروع» كما رجع في يسير اللقطة إليهم.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥٧١)، وابن أبي شيبة (١٣٣٤)، والأثرم في السنن (١١١)، عن عطاء بن السائب قال: «رأيت عبد الله بن أبي أوفى بصق دمًا، ثم صلى ولم يتوضأ»، علقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٤٦)، وإسناده صحيح، وقد احتج به أحمد، وعطاء بن السائب وإن كان قد اختلط إلا أنه من رواية الثوري وابن عيينة عنه، وهما ممن رواه عنه قبل الاختلاط.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٧٤)، وأحمد كما في سنن الأثرم (ص ٢٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٦٧)، عن أبي الزبير عن جابر ﵁: «أنه أدخل إصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فمسحه بالأرض أو بالتراب ثم صلى»، وإسناده صحيح، واحتج به أحمد.
(٣) في (ب) و(و): وضوء.
(٤) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٢٧٤، ومسائل عبد الله ص ٦٤. وأثر ابن عباس ﵄ تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) قوله: (حد) سقط من (أ).
(٦) ينظر: مسائل عبد الله ص ٦٤.
(٧) لم نقف عليه مسندًا، وقد ذكره ابن هانئ في مسائله عن أحمد (١/ ٩)، قال ابن هانئ: وسألته عن الرجل يتمخط فيخرج من أنفه دم؟ قال: (القليل، لا أرى أن يتوضأ منه، فإذا فحش يتوضأ منه)، قلت له: مثل أيش يكون الفاحش؟ قال: (قال ابن عباس: ما فحش في قلبك).
[ ١ / ٢٢٤ ]
وعنه: الفاحِش قدرُ الكَفِّ.
وعنه: قدرُ عشرِ أصابع.
(وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ)؛ لما روى مَعْدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاءَ فتوضَّأ، فلقيتُ ثوبانَ في مسجد دمشق فسألته (^١)، فقال: صدق، أنا صببتُ له وَضوءَه» رواه أحمد، واحتجَّ به، وقال التِّرمذي: (هو أصحُّ شيء في الباب) (^٢)، وعن عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من أصابه قيْءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ، أو مذي؛ فلينصرف فليتوضَّأ» رواه ابن ماجه والدَّارقطني، من رواية إسماعيل بن عيَّاش، عن ابن جريج، وهو حجازي، وروايته عن الحجازيين ضعيفة عند أكثر المحدِّثين (^٣)، وكخارِجٍ معتادٍ، لكن قال في «المغني»: (لا نعرف (^٤) هذه الرِّواية، ولم يذكرها الخلَّال في جامعه إلَّا في القلَس، واطَّرَحَها).
وقال الشَّيخ تقي الدِّين: لا ينقض (^٥) مطلقًا (^٦)، واختاره الآجُرِّي في غير القيء.
فإن شرب ماء وقذفه في الحال؛ فنَجِسٌ.
وبالجملة: فيحملان على الفاحش؛ جمعًا بين الأدلَّة.
فائدة: القَلَسُ بالتحريك، وقيل بالسكون: ما خرج من الجوف ملءَ الفم، أو دونه، وليس بقيءٍ، فإن عاد فهو قيْءٌ.
_________________
(١) : قوله: (فسألته) سقطت من (أ).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٥٣٧)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في الكبرى (٣١١٦)، ووقع في الحديث اختلاف في إسناده. ينظر: نيل الأوطار ١/ ٢٣٧، الإرواء ١/ ١٤٧.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٢١)، والدارقطني (٥٦٨)، وأعله أبو حاتم بالإرسال، وضعفه الشافعي، وأحمد، والدارقطني وغيرهم. ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ٢٨٥.
(٤) في (أ): يعرف.
(٥) في (ب) و(و): نقض.
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥٢٦، الاختيارات ص ٢٦.
[ ١ / ٢٢٥ ]
(الثَّالِثُ: زَوَالُ الْعَقْلِ) أو تغطيتُه، قال أبو الخطاب وغيره: ولو تلجَّم ولم يخرج شيء؛ إلحاقًا بالغالِب؛ لأنَّ الحِسَّ يذهب معَه.
والمُزِيلُ له على ضَربيْن: نومٌ وغيرُه.
فغيرُ النوم؛ كالجُنون والإغماء والسُّكْر؛ ينقض كثيرها ويسيرُها إجماعًا على كلِّ الأحوال؛ لأنَّ هؤلاء لا يشعُرون بحال، بخلاف النائم، وفي إيجاب الوضوء بالنَّوم تنبيهٌ على وجوبِه بما هو آكد منه.
وأمَّا النَّوم؛ فرحمةٌ من الله تعالى على عبده ليستريح بدنه عند تعبِه، وهو غَشْيةٌ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، فينقض في الجملة؛ لما روى علي بن أبي طالب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العين وكاء السَّه (^١)، فمن نام فليتوضَّأ» رواه أحمد وأبو داود عن بقيَّة عن الوَضِين بن عطاء (^٢)، ولأنَّه مَظِنَّة خروج الحدث، فأقيم مقامَه؛ كالتقاء الختانين.
ونقل الميموني: أنَّه لا ينقض، قال الخلَّال: (هو خطأ بيِّن)، واختاره الشَّيخ تقي الدِّين إذا ظنَّ بقاء طُهره، ولا تفريع عليها.
ثمَّ هو (^٣) ينقسم إلى أقسام، فقال: (إلَّا النَّوم اليسير (^٤) عُرْفًا؛ لأنَّه لا حدَّ
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: قال الهروي: السَّه: حلق الدبر.
(٢) أخرجه أحمد (٨٨٧) وأبو دواد (٢٠٣)، من طريق عبد الرحمن بن عائذ، عن علي ﵁، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده (١٦٨٧٩)، والدارمي (٧٤٩)، من حديث معاوية ﵁، وسئل عنهما أبو حاتم فقال: (ليسا بقويين)، وقال أبو زرعة عن حديث علي: (ابن عائذ عن علي مرسل)، وفي إسناد حديث علي الوضين بن عطاء، وهو صدوق سيئ الحفظ، وأُنكر عليه هذا الحديث، ورجح ابن عبد الهادي أن حديث معاوية موقوف، وضعَّف الحديث الساجي، وابن عبد البر، وابن القطان، وابن حجر، وحسنه النووي، والمنذري، وابن الصلاح. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٠٦)، بيان الوهم والإيهام ٣/ ٧، تنقيح التحقيق ١/ ٢٥٢، التلخيص الحبير ١/ ٣٣٣، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٦٧.
(٣) قوله: (هو) سقطت من (أ).
(٤) كتب على هامش الأصل: من أصل مسودة المصنف: النوم غشية ثقيلة على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، انتهى. وهو - أي: النوم- رحمة من الله ﷾ على عبده؛ ليستريح بدنه عند تعبه، لما علم الله عجز الروح المدبر عن القيام بتدبير البدن دائمًا، انتهى.
[ ١ / ٢٢٦ ]
له في الشرع. وقيل: ما لم يتغير عن (^١) هيئته؛ كسقوطِه. وقيل: مقدار الكثير ركعتين، ونصَّ أحمد أنَّه إذا رأى فيه حُلُمًا (^٢).
ومن لم يَغْلِبْ على عقله؛ فلا وضوء عليه، فلو شكَّ في كثرتِه؛ لم ينتقِض.
(جَالِسًا أَوْ قَائِمًا)، اختاره الخِرَقي، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه ابن تميم؛ لما روى أنسٌ قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة (^٣) حتَّى تخفِق رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّون ولا يتوضَّؤون» رواه أبو داود بإسناد صحيح (^٤)، وهو محمول على اليسير؛ لأنَّه اليقين، والقائِمُ كالقاعِدِ؛ لاشتراكهما في انضمام محلِّ الحدث.
وظاهره: أنَّه يَنقُض إذا كان كثيرًا، وهو كذلك على المذهب؛ لأنَّ (^٥) مع الكثرة لا يُحِسُّ بما يخرج منه، بخلاف اليسير. وعنه: لا.
(وَعَنْهُ: أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ)؛ لأنَّهما من أحوال الصَّلاة، أشبه الجالس.
وظاهره: أنَّه ينقض اليسير منهما على المذهب، وهو (^٦) كذلك، وقياسهما على الجالس غير مستقيم؛ لأنَّ محلَّ الحدث فيهما منفتح، بخلاف الجالس.
_________________
(١) في (و): على.
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ ص ٨.
(٣) في (ب) و(و): الأخيرة.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٠)، وأصله في مسلم (٣٧٦)، بلفظ: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون».
(٥) في (أ): لأنَّه.
(٦) قوله: (هو) سقطت من (أ).
[ ١ / ٢٢٧ ]
وقدَّم في «المحرر» و«البلغة» استثناءَ اليسير في الحالات الأربع.
وعنه: ينقض اليسير إلَّا في الجالس.
وعنه: لا نقض فيها، وهي اختيار القاضي والشريف وأبي الخطاب والشِّيرازي وابن عقيل؛ لما رَوى أحمد في «الزهد» عن الحسن البصري: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا نام العبدُ وهو ساجد؛ يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وهو ساجد» (^١)، فسمَّاه ساجدًا مع نومه، ولأنَّ الأصل الطَّهارة، فلا تزول (^٢) بالشَّك.
وظاهره: أنَّ نوم المستند، والمتَّكئ، والمحتَبِي؛ كالمضطجع، وهو كذلك على الأشهر.
(الرَّابِعُ: مَسُّ الذَّكَرِ)؛ أي: ذَكَرِ الآدمي في ظاهر المذهب، لما رَوتْ بُسْرةُ بنتُ صفْوان: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من مسَّ ذكره فليتوضَّأ» رواه مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصحَّحه أحمد وابن معين، قال البخاري: (أصحُّ شيء في هذا الباب حديث بسرة) (^٣)، وعن أمِّ حبيبة معناه، رواه ابن ماجه
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد (١٦٠٦)، وابن نصر المروزي في عظيم قدر الصلاة (٢٩٨)، وروي من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁، والحسن لم يسمع منه، وروي من حديث أبان عن أنس، وأبان متروك. ينظر: التلخيص الحبير (١/ ٣٣٧).
(٢) في (و): يزول.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ من رواية يحيى (١/ ٤٢)، والشافعي (ص ١٢)، وأحمد (٢٧٢٩٣)، والترمذي (٨٢)، وابن حبان (١١١٤)، من حديث بسرة بنت صفوان ﵂، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه ابن حبان، والدارقطني، ورُوي عن ابن معين أنه ضعفه، وقال ابن الجوزي: (لا يثبت هذا عنه). بل نقل ابن عبد البر تصحيح ابن معين له، وغاية ما عُلل به الحديث أمران: الأول: سماع عروة من بسرة ومروان منها، والثاني: الكلام على رواية مروان، وعن هذا أجوبة ذكرها الأئمة. ينظر: التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ١٩٢، البدر المنير ٢/ ٤٥١، التلخيص الحبير ١/ ٣٤٠، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٢٧.
[ ١ / ٢٢٨ ]
والأثرم، وصحَّحه أحمد وأبو زرعة (^١)، وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أفْضى أحدُكم بيده إلى ذكره؛ فقد وجب عليه الوضوء» رواه الشافعي وأحمد، وفي رواية له: «وليس دونه ستر (^٢)» (^٣)، وقد روي ذلك عن بضعة عشر صحابيًّا (^٤)، وهذا لا (^٥) يدرك بالقياس، فعُلم أنَّهم قالوه عن توقيف.
وعنه: لا ينقض (^٦)؛ لما روى قيس بن طَلْقٍ عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن الرَّجل يمَسُّ ذكره وهو في الصَّلاة، هل عليه وضوء؟ قال: «لا، إنَّما هو
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٨١)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٧١٤٤)، ونقل الخلال تصحيح أحمد له، ونقل ابن عبد البر عنه أنه قال: (حسن ثابت)، وفي موضع آخر: (حسن الإسناد)، ونقل الترمذي عن أبي زرعة تصحيحه، وأعله أبو حاتم، والبخاري وغيرهما بالانقطاع. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٨١)، العلل الكبير للترمذي (٥٤) والجامع له (٨٤)، التمهيد ١٧/ ١٩١ - ١٩٢، التلخيص الحبير ١/ ٣٤٤.
(٢) في (أ): شيء.
(٣) أخرجه الشافعي (٨٨)، وأحمد (٨٤٠٤)، وابن حبان (١١١٨)، وفي سنده يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف، وتابعه نافع بن أبي نعيم المقرئ، وهو ثبت في القراءة إلا أنه متكلم فيه من جهة الحديث، وقد وثقه ابن معين، وقال ابن المديني: (كان عندنا لا بأس به)، وأما أحمد فقال: (كان يؤخذ عنه القرآن، وليس بشيء في الحديث)، وقال أبو حاتم: (صدوق)، وصحح الحديث ابن السكن، وابن عبد البر، وغيرهما. ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٤٢، التلخيص الحبير ١/ ٣٤٧.
(٤) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة ١/ ٣١٣: (وجاء النقض بمسه عن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃. فعمر: أخرجه عبد الرزاق (٤١٦)، وابن المنذر في الأوسط (٨٣)، وسعد: أخرجه عبد الرزاق (٤١٤)، وابن أبي شيبة (١٧٣١). وأبو هريرة: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٨٧). وابن عمر: أخرجه عبد الرزاق (٤١٧)، وابن أبي شيبة (١٧٣٢). وابن عباس: أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٣٦). وزيد والبراء وجابر: ذكرها ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٢٤٨). وأنس: لم نقف عليه.
(٥) في (أ): لما.
(٦) في (و): لا نقض.
[ ١ / ٢٢٩ ]
بَضْعة منك» رواه الخمسة، ولفظه لأحمد، وصحَّحه الطحاوي وغيره (^١)، ولأنَّه جزء من جسده أشبه رجله.
فعليها: يستحبُّ الوضوء من مسِّه، واختارها الشَّيخ تقي الدِّين في فتاويه (^٢).
والأولى أصحُّ؛ لأنَّ حديث قيس ضعَّفه الشافعي وأحمد، قال أبو زرعة وأبو حاتم: (قيس لا تقوم بروايته حجَّة)، ولو سُلِّم صحَّتُه فهو منسوخٌ؛ لأنَّ «طَلْق بن علي قدم على النَّبيِّ ﷺ وهو يؤسِّس في المسجد» رواه الدَّارقطني (^٣)، وفي رواية أبي داود قال: «قدمنا على النَّبيِّ ﷺ فجاءه رجل كأنَّه بدوي، فسأله …» الحديث، ولا شكَّ أنَّ التَّأسيس كان في السَّنة الأولى من الهجرة، وإسلام أبي هريرة كان في السَّنة السابعة، وبُسرة في السَّنة الثامنة عام الفتح، هذا وإن لم يكن نصًّا في النَّسخ؛ فهو ظاهِرٌ فيه، وحديثُهم مبقٍ على الأصل، وأحاديثنا ناقِلة عنه، وهي أولى، فإن كان الأمر به هو المنسوخ؛ لزم التغيير مرَّتين، وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ؛ لم يلزم (^٤)
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٢٨٦)، وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥)، وابن ماجه (٤٨٣)، وصححه ابن حبان، وابن حزم، وقال ابن عبد الهادي: (والذي يظهر أن حديث قيس حسن أو صحيح)، وضعفه الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١١١)، إعلام الموقعين ٢/ ٦٣، تعليقة على علل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي (ص ٨٦)، حاشية ابن القيم على مختصر أبي داود ١/ ٢١٤، مطبوع مع عون المعبود، البدر المنير ٢/ ٤٦٥، نيل الأوطار ١/ ٢٥٠.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤١، الإنصاف (٢/ ٢٧)، وقال البعلي في الاختيارات (١٧): (ويستحب الوضوء عَقِيبَ الذَّنْب، ومن مس الذَّكَرِ إذا تحركت الشهوة بمسه، وتردد فيما إذا لم تتحرك).
(٣) أخرجه ابن حبان (١١٢٢)، الدارقطني (٥٤٠)، وضعف سنده أبو زرعة، وأبو حاتم. ينظر: شرح السنة للبغوي ١/ ٣٤٣.
(٤) في (أ): يلزمه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
التَّغيير إلَّا مرَّةً واحدةً، فيكون أولى.
وقياسهم الذَّكر على بقيَّة البدن؛ لا يستقيم؛ لأنَّه يتعلَّق به أحكام ينفرد بها من إيجاب الغُسل بإيلاجه، والحدِّ، والمهر، وغير ذلك.
ومنهم من حمله على المسِّ من وراء حائل؛ لأنَّه كان في الصَّلاة، والمُصَلِّي في الغالب إنَّما يمسُّه من فوق ثيابه، ولهذا علَّل بأنَّه بَضعة منه.
قلت: وقد روى الطَّبراني بإسناده وصحَّحه، عن قيس، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من مسَّ ذكره فليتوضَّأ»، قال: (ويشبه أن يكون طَلْقٌ سمع الناسِخَ والمنسوخَ) (^١)، وفي تصحيحه نظرٌ؛ فإنَّه من (^٢) رواية حماد بن محمَّد الحنفي وأيوب بن عتبة، وهما ضعيفان، وحينئذ فتتعارض روايتاه (^٣)، ويرجع إلى أحاديث النقض.
(بِيَدِهِ)، وهي (^٤) من رؤوس الأصابع إلى الكوع؛ كالسَّرقة والتَّيمُّم (^٥)، (أَوْ بِبَطْنِ (^٦) كَفِّهِ (^٧)؛ للعموم، والأوَّل مُغنٍ عنه؛ لأنَّه يشمله.
وعنه: يختصُّ النَّقض ببطن الكفِّ؛ لأنه آلة (^٨) اللَّمس، وفي حَرْفِ كَفِّه وجهان.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨٢٥٢)، وهو من رواية حماد بن محمد الحنفي، عن أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، وحماد ضعفه الحافظ صالح جزرة، قال العقيلي: (لا يثبت). ينظر: تعليقة على علل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي (ص ٨٧)، نصب الراية للزيلعي ١/ ٦٢.
(٢) في (أ): في.
(٣) في (أ): روايتان.
(٤) في (أ): وهو.
(٥) في (و): كالتَّيمُّم والسرقة.
(٦) قوله: (أو) سقط من (و).
(٧) زاد في (ب): أو بظهره.
(٨) قوله: (لأنَّه آلة) هو في (و): لآلة.
[ ١ / ٢٣١ ]
وظاهرُه: أنَّه لا فرقَ بين:
- ذَكَرِ نفسِه وذكَرِ غيرِه؛ لقوله ﵇: «ويتوضَّأ من مس الذَّكر» رواه أحمد والنَّسائي (^١). وعنه: يختص بذكر نفسِه.
-والصغيرِ والكبيرِ على المنصوص (^٢). وعنه: لا نقضَ بمسِّ ذكر طفل، ذكرها الآمِدِيُّ.
-والحيِّ والميِّتِ على المذهب.
وسواءٌ مسَّه سهوًا، أو لغيرِ شَهوةٍ على المشهور. وعنه: إن تعمَّد مسَّه نقَضَ. وعنه: إن مسَّه من فوقِ حائلٍ لشهوةٍ نَقَضَ.
ولا فرق أيضًا بين أصل الذَّكر ورأسه على المذهب. وعنه: يختصُّ بالثُّقْب. وعنه: بالحَشَفَة، وهما بعيدان.
ومراده: إذا كان أصليًّا، سواءٌ كان صحيحًا أو أشلَّ، فلو كان زائدًا؛ لم ينقُض في الأصحِّ.
وشمل كلامُه: اليدَ الصَّحيحةَ والشلَّاءَ والزائدةَ على الصَّحيح.
والمذهب: أنَّه ينقُض إذا مسَّه من غيرِ حائِلٍ، ولو بزائِدٍ، خلا ظفره.
(وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ) في ظاهر المذهب، كالعَضُد؛ لأنَّ الحُكم المعلَّق على مُطلق اليد لا يتجاوزُ الكُوع. وعنه: بلى، وهي قول الأوزاعي؛ لأنَّها في الوضوء كذلك، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه إنَّما غَسله فيه لتقييده بها.
وعُلم منه: أنَّه لا ينقض مسُّه بغير اليد. زاد ابن تميم: وفي الفرجِ وجهان، واختار الأكثرُ النقضَ بمسِّه بفرجٍ، والمراد: لا ذكرُه بذَكرِ غيره، وصرَّح به أبو المعالي.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٧٢٩٦)، والنسائي (١٦٤)، من حديث بسرة ﵂، وسبق التعليق عليه.
(٢) جاء في مسائل عبد الله (ص ١٧): سألت أبي عن الرجل يمس ذكر الصبي الصغير. قال: (أعجب إليَّ أن يتوضأ).
[ ١ / ٢٣٢ ]
(وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ) المنفصِلِ (وَجْهَانِ)، وقيل: روايتان، كذا في «المحرر» و«الفروع»، ظاهر المذهب: أنَّه لا ينقض؛ لذهاب الحُرمة.
والثَّاني: ينقض (^١)، وقطع (^٢) به الشِّيرازي؛ لبقاء الاسم.
وكذا الخلاف في مسِّ محلِّه، وذكر الأَزَجِيُّ وأبو المعالي فيه: ينقُض.
ولا يتعلَّق بالذكر البائن شيء من أحكام الخِتَانَينِ (^٣)؛ لأنَّه كيَدٍ بائنَةٍ، بخلافِ فرجٍ بائنٍ.
وحكم لَمْسِ القُلْفَةِ، وهي الجِلْدَةُ التي تُقطَع في الختان قبلَ قطعِها كالحشفةِ؛ لأنَّها منه، ولا ينقض مسُّها بعد قطعها؛ لزوال الاِسمِ والحُرمةِ.
(وَإذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ؛ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ)؛ لأنَّ لمس الفرجِ متيقَّنٌ؛ لأنَّ الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره، وإن كان امرأةً فقد مسَّ فرجَها.
(وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ)؛ لاحتمال أن يكون غيرَ فرْج، فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال، (إِلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ)؛ أي: الخنثى (لِشَهْوَةٍ)؛ فإنَّه ينتقض؛ لأنَّ الخنثى إن كان رجلًا فقد لمس ذكرًا، وإن كان امرأةً فقد لمس الرَّجل امرأةً لشهوة.
وفي «المحرر» و«الوجيز» و«الفروع» صورة أخرى، وهي: إذا لمَست المرأةُ قُبُلَه؛ لأنَّ الخنثى إن كان امرأة، فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان رجلًا فقد لمسته لشهوة.
(وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ، وَمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا) هو اسم لمخرَج الحدَث، وهو ما
_________________
(١) في (ب) و(و): بلى.
(٢) في (أ): قطع.
(٣) قوله: (أحكام الختانين) هو في (أ): الأحكام التقاء الختانين. والمثبت موافق لما في الفروع ١/ ٢٢٧.
[ ١ / ٢٣٣ ]
بين شُفريْها دون إِسْكَتَيْها؛ (روايتان):
إحداهما، - ونقلها أبو داود (^١) -: أنه يَنتقِض، قدَّمها في «المحرر» و«الفروع»، واختارها أكثر الأصحاب؛ لقوله ﵇: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ» رواه ابن ماجه وغيره (^٢)، والفرج: اسم جنس مضاف، فيعمُّ، ولقوله ﵇: «أيُّما امرأة مسَّت فرجها فلتتوضَّأ» رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، وإسناده جيِّد إليه (^٣)، وكالذَّكر.
والأخرى: لا ينقض، أمَّا الدُّبُر، فقال الخلَّال: (إنَّها الأشْيَع في قوله)، واختارها (^٤) جماعةٌ، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لأنَّ غالب الأحاديث تقييده (^٥) بالذَّكَر.
وأمَّا الفرج؛ فقال المرُّوذي: قيل لأبي عبد الله: الجارية إذا مسَّت فرجها أعليها وضوء؟ قال: (لم أسمع فيه بشيء) (^٦)، ولا يُفضي مسُّه (^٧) إلى خروج خارِج، بخلاف الذَّكر.
وظاهره: أنَّ الخلاف مختصٌّ بما إذا مسَّت فرجَ نفسِها (^٨)، والأشهر: لا فرق بين مسِّ فرجها وفرج غيرها.
_________________
(١) لم نجده في مسائل أبي داود، وينظر: زاد المسافر ٢/ ٤٩.
(٢) سبق تخريجه من حديث أم حبيبة ﵂ ١/ ٢٢٩ حاشية (١).
(٣) بياض في (أ). أخرجه أحمد (٧٠٧٦)، وصححه البخاري، وابن الملقن، وقوَّى إسناده ابن عبد الهادي. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٢٧١، التلخيص الحبير ١/ ٣٤٣، نيل الأوطار ١/ ٢٥٢.
(٤) في (و): واختاره.
(٥) في (أ): تقيده.
(٦) ينظر: المغني ١/ ١٣٤، مسائل عبد الله ١/ ١٩.
(٧) في (و): ومسه لا يفضي.
(٨) قوله: (فرج نفسها) هو في (و): فرجها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفي «التلخيص» و«البلغة»: ينقض مسُّ فرج المرأة، وفي مسِّ فرج غيرها وجهان.
وظاهر كلامهم: لا يشترط للنقض بذلك الشهوة، وهو مفرَّع على المذهب، وشرطها ابن أبي موسى.
(وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ)؛ لما سبق.
وظاهره: أنَّه لا نقض بمسّ (^١) غير الفرجين من (^٢) البدن، وهو كذلك في قول أكثر العلماء.
وقال عروة: يجب من (^٣) مس الأنثيين.
وقال عكرمة: يجب على من مسَّ ما بين فرجيه.
ولا (^٤) بمسِّ فرج بهيمة ولو كانت مأكولة؛ لأنَّه ليس بمنصوص عليه، ولا في معناه، وفيه احتمال، وهو قول الليث، زاد في «الرعاية»: لشهوة.
ولا بمسِّ المخرج المعتاد إذا استدَّ وانفتَح غيره، وفيه وجه، وقيل: معها (^٥).
فرع: إذا انتشر عضوه بتكرُّر (^٦) نظر؛ لم ينتقض (^٧) في الأصحِّ؛ كما لو كان عن فكر.
(الْخَامِسُ: أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أُنْثَى لِشَهْوَةٍ)، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّه
_________________
(١) قوله: (نقض بمس) هو في (أ): ينقض مس.
(٢) في (و): في.
(٣) قوله: (من) سقط من (و).
(٤) في (و): ولا يجب.
(٥) في (أ): معهما.
(٦) زيد في (و): لا.
(٧) في (أ): يتقض.
[ ١ / ٢٣٥ ]
﵇ «صلَّى وهو حامِلٌ أمامة» (^١)، والظَّاهر أنَّه لا يسلم من مسِّها، ولأنَّه ليس بحدث، وإنَّما هو داعٍ إليه، فاعتبرت الحالة التي تدعو إليها، وهي حالة الشهوة.
وفي «الوجيز»: بشهوة بالباء، وهو أحسن؛ ليدلَّ (^٢) على المصاحبة والمقارنة.
وهو شامل للأجنبية وذات المحرم، والصغيرة والكبيرة؛ لعموم النَّص، واللمس الناقض معتبر مع الشهوة، فإذا وجدت فلا فرق.
لكنْ في العجوز، والمحرَم، والصغيرة وجهٌ، وهو ظاهر الخِرَقي فيها، وصرَّح به المَجْدُ مقيِّدًا بالتي لا تُشتهى.
وللميِّتة والحية؛ لأنَّ الموت لا يرفع عنها الاسم، وكما يجب الغسل بوطئها.
واختار الشريفُ وابنُ عَقيل خلافَه؛ لأنَّها ليستْ محلًّا للشهوة.
وسواء كان المس (^٣) باليد، أو غيرها في (^٤) سائر البشَرة للعموم، والتَّخصيصُ تَحكُّمٌ.
ولا فرْق أيضًا بين مسِّها بِعُضوٍ زائدٍ، أو مسِّ عُضْو زائدٍ منها.
وخرج من كلامه: إذا كان اللَّمس بحائل، وهو المنصوص (^٥)، ولو مع شهوةٍ، ذكره المؤلف وغيره؛ لأنَّه لم يمسها، والشهوة المجرَّدة لا توجب الوضوء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣)، من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) في (و): لتدل
(٣) في (أ): اللمس.
(٤) قوله: (أو غيرها في) هو في (و): أو غيرها من.
(٥) جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ١٠)، قال: (يعجبني إذا أفضى بيده إلى فرجه ليس بينه وبينه سترة، أن يتوضأ).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وعنه: ينقض، ذكر القاضي أنَّه قياس المذهب، قال ابن حمدان: وهو بعيدٌ.
وخُرِّج منه أيضًا: مسُّ الرَّجلِ الرَّجلَ، والمرأةِ المرأةَ لشهوةٍ؛ لأنَّه ليس بداخل في الآية الكريمة.
وأمَّا لمْسُها له مع الشَّهوة (^١)؛ فروايتان: إحداهما لا أثر له؛ لأنَّ النَّص إنَّما ورد في الرَّجل، واللَّمس منه مع الشَّهوة مظنَّة لخروج الحدث، فأقيم مقامه.
والأخرى، وهي أصحُّ، قال في «المغني»: وهي (^٢) ظاهِرُ كلام الخِرَقي: ينقض؛ لأنَّها ملامسة ناقضة، فاستَوَيَا فيها؛ كالجِماع، وهي أدعى إلى الحدث؛ لفرط شهوتها.
(وَعَنْهُ: لَا يَنْقُضُ)، اختارها الآجُرِّيُّ والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (^٣)؛ لما روت عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبِّل بعض نسائه، ثمَّ يصلِّي ولا يتوضَّأُ» رواه أبو داود والنَّسائِيُّ، واحتجَّ به أحمدُ، وضعَّفه يحيى القَطَّان وابن مَعين والتِّرمذيّ وغيرهم (^٤)، «ووقعتْ يدُ عائشة على قدمه (^٥) ﵇ وهو يصلِّي، ومسَّها برجله وهو يصلي» رواه النَّسائي (^٦)، ولو بطل وضوءه لفسدت صلاته،
_________________
(١) زيد في (ب): مظنة، وبعدها بياض بمقدار كلمة.
(٢) في (أ): وهو.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٤٢.
(٤) أخرجه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢)، من طريق حبيب، عن عروة، عن عائشة ﵂، وحبيب لم يسمع من عروة، وقال أحمد وغيره: (إن عروة هو عروة المزني)، وهو مجهول، وأخرجه أبو داود (١٧٨)، والنسائي (١٧٠)، من طريق إبراهيم التيمي، عن عائشة به، لكن إبراهيم لم يسمع منها فهو منقطع، وضعف الحديث أبو زرعة والبخاري وغيرهم، وصححه ابن التركماني والزيلعي والألباني. ينظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٦٧، علل الدارقطني ١٥/ ٦٤، التلخيص الحبير ١/ ٣٦٣، صحيح أبي داود ١/ ٣١٧.
(٥) في (أ): يديه.
(٦) أخرجه النسائي (١٦٩)، وهو في مسلم (٤٨٦) بلفظ: «فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك …» الحديث.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ولأنَّه مَسٌّ فلم ينقض كمس البهيمة، والمُلامسة في الآية أريد بها الجِماعُ، قاله عليٌّ (^١) وابنُ عبَّاس (^٢).
ولو باشر مباشرةً فاحشةً، وقيل: إن انتشر؛ نقض.
وإذا لم ينقُض مسُّ فرْجٍ وأنثى؛ استُحِبَّ الوضوء، نصَّ عليه (^٣).
(وَعَنْهُ: يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ)، وهو (^٤) قول ابن مسعود (^٥)، ورواه الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه (^٦)، وقال عمرُ وابنُ مسعود: «القُبلةُ من اللَّمْس، وفيها الوضوء» رواه الأثرم (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٦٠)، وابن جرير في التفسير (٧/ ٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٦)، عن علي ﵁ قال: «اللمس هو الجماع، ولكن الله كنى عنه»، وفيه أشعث بن سوار، وهو ضعيف يكتب حديثه ويعتبر به. ينظر: التهذيب ١/ ٣٥٢. وأخرج ابن المنذر في التفسير (١٨٢٠)، من طريق جرير، عن بيان، عن الشعبي، عن علي ﵁، بمثله. إسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٥٧)، وابن جرير في التفسير (٧/ ٦٤)، وابن المنذر في الأوسط (٨)، من طرق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، قال: «هو الجماع». وهو صحيح، قال ابن كثير في تفسيره ٢/ ٣١٤: (وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك).
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ١٦.
(٤) في (أ): وهي.
(٥) أخرجه مسدد كما في المطالب العالية (١٢١)، وابن جرير في التفسير (٧/ ٦٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٦)، عن ابن مسعود، قال: «الملامسة ما دون الجماع»، وإسناده صحيح.
(٦) قوله: (أبيه) هو في (أ): عبد الله. والأثر: أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٩)، بلفظ: «قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء».
(٧) أما أثر عمر ﵄: فأخرجه الحاكم (٤٧٠)، والدارقطني (٥١٧)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٥)، عن عمر قال: «إن القبلة من اللمس فتوضؤوا منها»، قال ابن عبد البر: (وهذا عندهم خطأ؛ لأن أصحاب ابن شهاب يجعلونه عن ابن عمر، لا عن عمر). ينظر: التمهيد ١/ ٢٥٣، تنقيح التحقيق ١/ ٢٥٥. وأما أثر ابن مسعود ﵁: فأخرجه ابن أبي شيبة (١٧٦٩)، وعبد الرزاق (٤٩٩)، وابن جرير في التفسير (٧/ ٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (١١، ١٤)، والدارقطني (٥٢٣، ٥٢٤، ٥٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٧)، والطبراني في الكبير (٩٢٢٧)، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: «القبلة من اللمس وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع»، صححه الدارقطني، وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه، فقد صرَّح جمع من الحفاظ بصحَّة روايته عنه. ينظر. مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠٤، شرح علل الترمذي ١/ ٥٤٤، فتح الباري لابن رجب ٧/ ٣٤٢.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وحقيقةُ اللَّمْسِ: التِقاءُ البشَرتين، قال الشاعر:
لمَسْتُ بِكَفِّي كفَّه أطْلُبُ الغِنى (^١) …
ولأنَّه مسٌّ ينقُض (^٢)، فلم يُعتبَر فيه الشهوة كالذَّكر.
والأوَّل أصحُّ؛ جمعًا بين الآية والأخبار، إذ (^٣) الآيةُ محمولةٌ على الشهوة، وفعله ﵇ على عدَمها، ولو أريد بها الجِماعُ لاكتفى بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦].
(وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعْرِ والظُّفُرِ وَالسِّنِّ (^٤) لشهوة، نصَّ عليه (^٥)؛ لأنَّ ذلك ينفصل عنها حال السَّلامة، أشبه الدمع، ولا يقع عليها الطلاق بإضافته إليه.
_________________
(١) وتمامه: (ولم أدر أن الجود من كفّه يعدي)، والبيت لبشار بن برد، وقيل لابن خياط. ينظر: سمط اللآلي في شرح أمالي القالي ١/ ٣١٠.
(٢) قوله: (مس ينقض) هو في (و): كلمس ينقضه.
(٣) في (أ): زاد.
(٤) في (ب) و(و): والسن والظفر.
(٥) لم نقف عليها في كتب المسائل، ولا على من عدَّها رواية منصوصة عن أحمد عدا المصنف رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وفيه وجْه: يَنقُض (^١)؛ لأنَّه من جملتها.
قال بعضهم: وكذا الخلاف إن لمَسها الرَّجُل بهذه الأشياء.
(وَالْأَمْرَدِ)؛ أي: لا يَنقُض لمسه مع شهوةٍ، نصَّ عليه (^٢)، وهو المذهب؛ لعدم تناول الآية له، ولأنَّه ليس بمحل للشهوة شرعًا.
وعنه: بلى، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّها مُباشَرَةٌ لآدَمِيٍّ حقيقةً.
ولا نقْض بمسِّ خُنثى مشكِلٍ، ولا بمسِّه رجلًا أو امرأةً؛ لأنَّه متيَقِّنٌ للطَّهارة شاكٌّ في الحدَث.
(وَفِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ رِوَايَتَانِ)، أظهرُهما: لا نَقْض، قاله ابن هُبَيرةَ، واختارها المَجْدُ، وهي ظاهِرُ «الوجيز»؛ لأنَّه (^٣) لا نصَّ فيه، وقياسُه على اللَّامِس لا يَصِحُّ؛ لفرْط شهوته.
والثَّانيةُ: بلى، وهي (^٤) اختيارُ ابن عَبْدوس؛ لأنَّ ما يَنقُضُ بالتِقاء البَشَرتين لا فرق فيه بيْن اللَّامس والمَلْموس؛ كالتِقاء الخِتانين، ثمَّ مَحَلُّها إذا وُجدتِ الشَّهوة من (^٥) الملْموس كما ذكره الشيخان، وخصَّ بعضهم الملموس بالمرأة.
وفي «الرِّعاية»: وفي نقْضِ وضوءِ المَلْموسِ فرجُه وجْهان، وقيل: لا يُنقَض وضوءُ الملْمُوسِ ذكَرُه، بخلاف لمْسِ قُبُلِ المرأةِ.
(السَّادِسُ: غَسْلُ الْمَيِّتِ)، هذا هو المنصوص عن أحمد (^٦) وعامَّة أصحابه، وجزم به في «الكافي» و«الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»؛
_________________
(١) في (و): تنقض.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٢٣٢.
(٣) قوله: (لأنه) سقط من (و).
(٤) في (و): وهو.
(٥) في (و): في.
(٦) ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
لما رَوى عطاءٌ: «أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عبَّاسٍ كانا يأمران غاسِل الميت بالوضوء» (^١)، وكان شائِعًا لم (^٢) يُنقَل عنهم الإخْلال به، ولأنَّ الغاسِل لا يسلم من مسِّ عورة الميِّت غالبًا، فأقيم مقامَه؛ كالنَّوم مع الحدَث.
وعنه: لا، اختاره التَّمِيميُّ، وصحَّحه المؤلِّف؛ لما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليس عليكم في ميِّتكم غُسْلٌ إذا غسَّلتموه، فإنَّ ميِّتكم ليس بنجِس، فحسبكم - أي: يكفيكم - أن تَغسِلوا أيديَكم» وإسناده جيد (^٣)، ولأنَّه الأصل، ولأنَّه ليس بمنصوص عليه، ولا في معناه،
_________________
(١) لم نقف على الأثر من طريق عطاء عنهما. وقد ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة ١/ ٣٦٠. وأثر ابن عمر ﵄: رواه عبد الرزاق (٦١٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٤٦٥)، عن ابن عمر قال: «إذا غسلت الميت فأصابك منه أذىً فاغتسل، وإلا إنما يكفيك الوضوء»، وفي إسناده عبدالله بن عمر العمري وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق (٦١٠٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٦٥٤)، والخلال في السنة (١٣٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٦٢)، من طرق عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر: أغتسل من الميت؟ قال: «أمؤمن هو؟» قلت: أرجو قال: «فتمسح من المؤمن ولا تغتسل منه»، وإسناده صحيح. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١)، ومسدد كما في المطالب العالية (٧٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٤٥٩)، من طريق ابن جريج عن عطاء: سئل ابن عباس أعلى من غسل ميتًا غسل؟ قال: «لا، قد إذن نجسوا صاحبهم، ولكن وضوء»، وابن جريج وإن كان مدلسًا إلا أن روايته عن عطاء تحمل على السماع كما في تهذيب التهذيب (٦/ ٤٠٦)، وقد تابعه عمرو بن دينار عند ابن أبي شيبة (١١١٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٩٣٣). قال الإمام أحمد في مسائل عبد الله (ص ٢٢): (روي ذلك عن غير واحد من أصحاب محمد ﷺ، وقال شيخ الإسلام: (وهو قول جمهور الصحابة)، ثم قال: (وكان الوضوء شائعًا بينهم، لم يُنقل عنهم الإخلال به). ينظر شرح العمدة ١/ ٣٦١.
(٢) في (و): ولم.
(٣) أخرجه الدارقطني (١٨٣٩)، وفي سنده خالد بن مخلد القطواني، صدوق له مناكير، وعُدَّ هذا من مناكيره، وأخطأ في رفعه، قال البيهقي: (لا يصح رفعه)، وقال ابن عبد الهادي: (حديث منكر)، وحسن إسناده ابن حجر. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٣١٧، البدر المنير ٤/ ٦٥٧، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٢.
[ ١ / ٢٤١ ]
وكغسل (^١) الحيِّ.
فعلى الأوَّل: لا فرْق فيه بين المسلم والكافِر، والرَّجل والمرأة، والكبير والصَّغير؛ للعموم، وسواء غسله في قميص أوْ لا.
وفيه وجه: أنه (^٢) لا ينقض إذا غسله في ثوب ولم يمسَّ فرجه، ذكر في «الرِّعاية» أنَّه الأظهر.
وخرج من كلامه: إذا غسل بعضه، وهو أظهر الاحتمالين عند ابن حمدان.
وإذا يمَّمه عند تعذُّر غسله، وفيه قولٌ.
فرع: الغاسِل من يقلبه (^٣)، ويباشِره، ولو مرَّةً، لا من يَصُبُّ الماءَ ونحوُه.
(السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) على الأصحِّ؛ لقول رسول الله ﷺ: «توضَّؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضَّؤوا من لحوم الغنم» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي من حديث البراء بن عازب، وصحَّحه أحمد وإسحاق، وقال ابن خُزَيمةَ: (لم نَرَ خِلافًا بين علماء الحديث أنَّ هذا الخبر صحيحٌ)، وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سَمُرة، قال الخطَّابِيُّ: (ذهب إلى هذا عامَّة أصحاب الحديث) (^٤).
فعلى هذا: لا فَرْق فيه بين قليلِه وكثيرِه، نِيئِه أو مطْبوخِه، عالمًا كان
_________________
(١) في (و): كغسل.
(٢) قوله: (أنه) سقط من (أ).
(٣) في (أ) و(ز): يغسله.
(٤) حديث جابر بن سمرة ﵁ أخرجه مسلم (٣٦٠)، وحديث البراء ﵁ أخرجه أحمد (١٨٥٣٨)، وأبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨٢)، وابن خزيمة (٣٢). ينظر: معالم السنن للخطابي ١/ ٦٧، تنقيح التحقيق ١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الآكِل أو جاهِلًا.
وعنه: إن عَلِم النَّهْيَ نقض، قال الخلَّال: (وعلى هذا استقرَّ قوله)؛ لأنَّه خبر آحاد فيعذر بالجهل كما يُعْذَر (^١) بجهل الزنى ونحوِه الحديثُ العهدِ بالإسلام.
وعنه: ينقض نِيئُه (^٢).
وعنه: إن طالت المدَّة؛ كعشر سنين، لم يُعِد، بخلاف ما إذا قصرت.
وعنه: لا يعيد إذا تركه متأوِّلًا.
وعنه: إذا كثُر أكلُها.
وعنه: لا نقْضَ مُطْلَقًا، وهُوَ قَولُ أكثرِ العلماء؛ لما رَوى جابِرٌ قال: «كان آخِرَ الأمْريْن من رسول الله ﷺ تركُ الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي، وإسناده جيد (^٣)، وقال عمر وابن عبَّاس: «الوضوء ممَّا خرج، وليس ممَّا دخل» رواه سعيد (^٤)، ولأنَّه مأكول أشبه سائِر المأكولاتِ.
_________________
(١) قوله: (آحاد فيعذر بالجهل كما يعذر) هو في (أ): تعذر. مكان: (يعذر).
(٢) كتب في هامش (ب): (وقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا ينقض بحال، انتهى. مغني).
(٣) أخرجه أحمد بلفظ آخر فيه طول (١٥٠٢٠)، وأبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥)، وابن خزيمة (٤٣)، من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁، ورجح أبو داود وابن حبان وغيرهما أن هذا الحديث مختصر من حديث آخر أخرجه أبو داود (١٩١)، ولفظه: «قربت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، وقال أبو حاتم: (مضطرب المتن)، وحمل الوهم فيه على شعيب، ورجح ثبوت لفظ الحديث من غير اختصار فيه ابن حزم، وأحمد شاكر. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٦٨)، البدر المنير ٢/ ٤١٢، الفتح لابن حجر ١/ ٣١١، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٣٤٨.
(٤) في (و): ابن سعيد. وأثر عمر ﵁: لم نقف عليه، وقد ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة (١/ ٤١٣) عن عمر وابن عباس قالا: «الوضوء مما خرج، وليس مما دخل». رواه سعيد في سننه، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٧٠٤): (وكذا هو عنه - أي: عن ابن عباس -، وعن عمر بن الخطاب عند سعيد بن منصور في سننه، لكن موقوفًا)، وبنحوه قال السيوطي في الدرر المنتثرة (ص ٢٠٣). وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه عبد الرزاق (١٠٠)، وابن أبي شيبة (٥٣٨)، من طرق عن يحيى بن وثاب عنه. وإسناده صحيح، وله طرق أخرى صحيحة.
[ ١ / ٢٤٣ ]
والأوَّل أصحُّ، لا يقال: يحتمل أن يراد بالوضوء غَسْلُ اليديْن؛ لأنَّه مقرونٌ بالأكل، كما حُمل أمر النَّبيِّ ﷺ بالوضوء قبل الطعام وبعده، ويحتمل أن يراد به على وجه الاستحباب؛ لأنَّ الوضوء الوارد في الشَّرع يُحمل على موضوعِه الشَّرعي، ولأنَّه جمَع بين ما أُمِر به، وهو الوضوء من لحومِها، وبين ما نُهِي عنه، وهو عدم الوضوء من لحوم الغنم، والخصم يقول: بأنَّه يُستَحبُّ فيهما، ولأنَّ السُّؤال وقع عن الوضوء والصَّلاة، والوضوء المقترن بها لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي، ولأنَّ مقتضى الأمر الإيجابُ؛ لأنَّه أوجب الوضوء منه، ودعوى النَّسخ مردودة بأمور.
وقيل: الوضوء منه معلَّل بأنَّها من الشَّياطين؛ إذ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شَيطانٌ، فالكلبُ الأسودُ شيطانُ الكِلابِ، والإبِلُ شياطينُ الأنعامِ، فالأَكْل منها يُورث حالًا شيطانية (^١)، والشَّيْطان يُطفِئُه بارِدُ الماءِ.
(فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المغني» و«المحرَّر» و«الفروع»:
إحداهما: يَنقض؛ لما رَوى أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «توضَّؤوا من لحوم الإبل وألبانها» رواه أحمد وابن ماجه من رواية الحجَّاج بن أرطاة، وروى الشَّالَنْجِيُّ (^٢)
_________________
(١) في (أ): شيطانة.
(٢) هو أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال الخلال: عنده مسائل كثيرة ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله روى عنه أحسن مما روى هذا ولا أشبع ولا أكثر مسائل منه، وكان عالمًا بالرأي كبير القدر عندهم معروفًا، توفي سنة ٢٣٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٠٤.
[ ١ / ٢٤٤ ]
نحوَه من حديث البَرَاء بن عازِب، وإسناده جيِّد (^١).
والأخرى: لا، وهي (^٢) ظاهر «الوجيز»، قال الزَّرْكشي: (واختيار الأكثرين)؛ لما روى ابن ماجه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مضمضوا من اللَّبن؛ فإنَّ له دَسَمًا» (^٣)، فدلَّ على أنَّه يُكتَفى بها في كلِّ لبن، ولأنَّ الأخبارَ الصَّحيحةَ إنَّما وردت في اللحم، والحكمُ فيه غيرُ معقول المعنى، فيُقتصر على مَوْرِد النَّصِّ فيه.
(وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كَبِدِهَا أَوْ طِحَالِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الفروع» روايتان:
إحداهما: لا يَنقُض؛ لأنَّ النَّصَّ لم يتناولْه.
والثَّانيةُ: بلى؛ لأنَّ ذلك من جُملة الجَزور، فإطلاق لفظ اللَّحم يتناولُه، بدليل أنَّ الله تعالى لمَّا حرَّم لحم الخنزير تناول جميع أجزائه.
والأشهرُ الأوَّلُ.
والحكمُ في بقيَّة الأجزاء؛ كالكرش، والمُصران، والسَّنام، والدُّهن؛ كذلك.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٠٩٦)، وابن ماجه (٤٩٦)، من طريق ابن أبي ليلى عن أُسيد ﵁، وهو منقطع لأن ابن أبي ليلى لم يسمع من أسيد، وأشار الترمذي أنه اختلف فيه على ابن أبي ليلى، والصحيح أنه عنه عن البراء بن عازب، وفيه سنده الحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس. ينظر: سنن الترمذي (٨١) والعلل الكبير له (٤٥ - ٤٦)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٣١٠، التلخيص الحبير ١/ ٣٢٨.
(٢) في (أ): وهو.
(٣) أخرجه البخاري (٢١١)، ومسلم (٣٥٨)، ولفظه: أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا فمضمض، وقال: «إن له دسمًا»، وأخرجه ابن ماجه (٤٩٨) هكذا بلفظ الأمر، من حديث ابن عباس ﵁.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وعُلم: أنَّه لا وضوء من (^١) غيره، سواء مسَّته النَّار أو لَا، وهو قول أكثر العلماء، ورُوِي عن الخلفاء الرَّاشدين (^٢).
ولا وُضوءَ بأكْلِ لحْمٍ محرَّمٍ، وكذا طعامٌ محرَّمٌ على الأصحِّ.
وعنه: يختصُّ النَّقض بلحم الخنزير، قال أبو بكر: وبقيَّة النَّجاسات تُخرَّج عليه، حكاه ابن عقيل.
وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: (الخبيثُ المباحُ للضرورة؛ كلحم السِّباع أبلغ من الإبل، فالوضوء منه أولى)، قال: (والخلاف فيه مبنيٌّ على أنَّ لحم الإبل تَعَبُّدِيٌّ، أو عُقِل معناه) (^٣).
(الثَّامِنُ: الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ)، هذا هو المجزومُ (^٤) عند أكثر الأصحاب،
_________________
(١) في (و): في.
(٢) أثر أبي بكر ﵁: أخرجه مالك (١/ ٢٧)، وعبد الرزاق (٦٤٨)، وابن أبي شيبة (٥٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (١١٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٧٢٨)، من طرق عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «رأيت أبا بكر الصديق أكل لحمًا، ثم صلى ولم يتوضأ»، وأسانيده صحيحة. وأثر عمر ﵁: أخرجه مالك (١/ ٢٦)، ومن طريقه الطحاوي في معاني الآثار (٤١٢)، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: «أنه تعشى مع عمر بن الخطاب، ثم صلى ولم يتوضأ»، وإسناده صحيح. وأثر عثمان ﵁: أخرجه مالك (١/ ٢٦)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (١١٤)، والطحاوي في معاني الآثار (٤١٣)، والبيهقي في الكبرى (٧٣٠)، عن أبان بن عثمان: «أن عثمان بن عفان أكل خبزًا ولحمًا، ثم مضمض وغسل يديه، ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ»، وإسناده صحيح. وأثر علي ﵁: أخرجه البيهقي في الكبرى (٧٣١)، عن أبي عبد الرحمن السلمي: عن علي ﵁، أنه طعم خبزًا ولحمًا، فقيل له: ألا تتوضأ، فقال: «إن الوضوء مما خرج، وليس مما دخل»، وإسناده صحيح.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٢٣٦، الاختيارات ص ٢٨.
(٤) زاد في (أ) و(ب): به.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وهو أشهر الرِّوايتين؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥]، ولقول ابن عبَّاس: «الحدَث حَدثان؛ حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث اللسان أشدُّ، وفيهما الوضوء» (^١)، لكن في إسناده بقيَّةُ بصِيغةِ (عن)، قال في «التَّحقيق»: لا يَصِحُّ، ورواه ابن شاهين مرفوعًا (^٢)، فيَدخُل في عموم قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ» متَّفق عليه (^٣)، ولأنَّها طهارة عن حدث، فأبطلتها الرِّدَّة كالتَّيمُّم.
لكنَّ الآيةَ دالَّةٌ على أنَّ الرِّدَّة تحبط العمل بمجرَّدها، والأشهر عن أصحابنا: أنَّها لا تحبطه إلَّا بالموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢١٧]، وبنوا على ذلك: صحَّة الحجِّ في الإسلام الأوَّل، وقضاء ما فاته من صلاة وزكاة وصوم على المشهور، ثمَّ الإحباط إنَّما ينصرف إلى الثَّواب دون الفعل، بدليل مُصلٍّ خلفَه وهو مسلم.
_________________
(١) قوله: (وفيهما الوضوء) سقط من (و).
(٢) أما الموقوف: فأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢٨٤)، والدينوري في المجالسة (٨٨٥)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٩٨)، من طرق عن ابن عباس ﵄، ولا يخلو طريق من ضعف، وليس في طريق منها من رواية بقية، وإنما رواية في المرفوع كما سيأتي. وقد صح عنه ما صرح فيه بعدم النقض: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١٣٣)، عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: السرقة والخيانة والكذب والفجور والنظر إلى ما لا يحل أينقض الوضوء؟ قال: «لا، الحدث حدثان: حدث من فوق وحدث من أسفل»، وإسناده صحيح. أما المرفوع: فأخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٢٨١٤)، ومن طريقه الجورقاني في الأباطيل (٣٣٩)، فيه بقية بن الوليد وقد عنعنه، قال الجورقاني (١/ ٥٣٠): (هذا حديث باطل، وبقية إذا تفرد بالرواية فغير محتج بروايته؛ لكثرة وهمه)، ووافقه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٢٠١).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخِطاب، والمنطوق مقدَّم عليه.
وعنه: لا نقضَ، حكاها ابن الزَّاغوني، ولم يذكرْها القاضِي وعامَّة أصحابِه في النَّواقِض؛ لعدم فائدتها؛ لوجوب الغسل عليه إذا عاد إلى الإسلام، فيدخل فيه الوضوء، وصرَّح به جماعةٌ.
وردَّه الشَّيخ تقي الدِّين: بأنَّ فائدته تظهر إذا عاد إلى الإسلام، فإنَّا نوجِبُهما عليه، فإن نواهما بغسله؛ أجزأه على المشهور، ولو لم ينتقِض لم يجب إلَّا الغُسلُ فقط (^١).
ويمكِن أن يكون مراد القاضي: ما أوجب غُسلًا أوجب وضوءًا، فهو ملازم له.
وظاهِرُه: أنَّه لا نقض (^٢) بغيرها من غِيبةٍ ونَميمةٍ وقَهْقهةٍ، ونقله الجماعة (^٣).
نعم، يستحبُّ من الكلام المحرَّم، وفي استحبابه من (^٤) القهقهة وجهان.
(وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ)، اليقين: ما أذعَنتِ النَّفس للتَّصديق به، وقطعَت به، وقطعت بأنَّ قطعَها صحيح (^٥)، (وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ)، الشَّكُّ: خلافُ اليقينِ، (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ لِما رَوى عبد الله بن زَيد قال: شُكِي إلى النَّبيِّ ﷺ الرَّجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشَّيء في الصَّلاة، فقال: «لا ينصرف حتَّى يَسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا» متَّفَق عليه (^٦)، ولمسلم
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٢٠.
(٢) في (أ): نقض.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٢٩٩، زاد المسافر ٢/ ٥٠.
(٤) في (و): في.
(٥) كتب على هامش (و): قاله المصنف في الروضة في الأصول.
(٦) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
[ ١ / ٢٤٨ ]
معناه مرفوعًا من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: «وهو في الصَّلاة» (^١)، ولأنَّه إذا شكَّ تعارَض عنده الأمران، فيَجِب سُقوطهما؛ كالبيِّنتَين إذا تعارضا (^٢)، ويَرجع إلى اليقين.
وسواءٌ كان في الصَّلاة أو خارجَها، تساوَى عنده الأمرانِ أو غلب على ظَنِّه أحدُهما؛ لأنَّ غلبةَ الظَّنِّ إذا لم يكن لها ضابط في الشَّرع؛ لم يُلتَفَتْ إليها؛ كظنِّ صدق أحد المتداعيين، بخلاف القِبلة والوقت، هذا اصطلاح الفقهاء.
وعند الأصوليِّين: إن تساوى الاحتمالان فهو شَكٌّ، والرَّاجِح ظنٌّ، والمرجوح وهَم.
(فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا)؛ أي: تيقن الطَّهارةَ والحَدثَ في وقتِ الظُّهْر مثلًا، (وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا)؛ أي: لم يعلم الآخِر منهما؛ (نَظَرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا)؛ أي: قبل الطَّهارة والحدث، وهو ما قبل الزَّوال، (فَإِنْ كِانَ مُحْدِثًا فَهُوَ) الآنَ (مُتَطَهِّرٌ)؛ لأنَّه تيقَّن زوال ذلك الحدث بطهارة، ولم يتيقَّن زوال تلك الطَّهارة بحدثٍ آخَرَ؛ لاحتمال أن يكون الحدث الذي تيقَّنه بعد الزَّوال هو الذي كان قبله، فلم يزل يقينُ الطَّهارة بالشك، (وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ)؛ لما ذكرنا.
هذا في تيقُّن الحالين، وأمَّا تيقُّن الفعلين؛ فإذا تيقَّن أنَّه في وقت الظهر - مثلًا - تطهَّر عن حدث، وأحدث عن طهر، ولا يعلم أسبقهما؛ فإنَّه يكون على مثل حاله قبلهما جزمًا، فإن كان متطهِّرًا فهو الآن متطهِّرٌ؛ لأنَّ الطَّهارةَ التي قبل الزوال قد تيقَّن زوالها بالحدث، وتيقَّن زوال الحدث بالطَّهارة التي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٦٢).
(٢) في (أ): تعارضتا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
في وقت الظهر، والأصل بقاؤها، وإن كان محدِثًا فهو الآن محدِثٌ، وكذا لو عيَّن وقتًا لا يَسعُهما.
فإن جهل حالهما وأسبقهما، أو تيقَّن حدثًا وفِعْل طهارةٍ فقط؛ فبضدِّ حاله قبلهما.
وإن تيقَّن أنَّ الطَّهارة عن حدث، ولا يدري الحدث (^١) عن طهارةٍ؛ فمتطهِّرٌ مطلقًا، وعكس هذه بعكسها.
مسألة: إذا سَمِعَا صوتًا، أو شَمَّا رِيحًا من أحدهما لا بعينه؛ فلا وضوء عليهما على الأصحِّ، ولا يأتَمُّ أحدُهما بصاحبه (^٢)، ولا يصافِفْه في الصَّلاة إن كانا وحدَهما.
وإن كان أحدهما إمامًا؛ أعادا صلاتهما، نصَّ عليه (^٣). وقيل: عنه: ينوي كل منهما الانفراد، ويتمُّ صلاتَه وحدَه.
(وَمَنْ أَحْدَثَ حَرُمَ (^٤) عَلَيْهِ):
(الصَّلَاةُ)؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» رواه مسلم (^٥)، وهو يعمُّ الفرضَ والنَّفْلَ، والسُّجود المجرَّد؛ كسجدة التِّلاوة، والقيام المجرَّد؛ كصلاة الجنازة، وسواءٌ كان عالمًا أو جاهِلًا، فلو صلَّى مع الحدث؛ لم يكفر.
وحكى ابنُ حَزْم والنَّوويُّ عن بعض العلماء: جواز الصَّلاة على الجنازة بغير وضوء ولا تيمَّم (^٦).
_________________
(١) في (و): الحديث.
(٢) في (و): لصاحبه.
(٣) ينظر: المغني ٢/ ٧٨.
(٤) في (و): يحرم.
(٥) أخرجه مسلم (٢٢٤).
(٦) قال النووي في المجموع ٣/ ١٠٣: (إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه).
[ ١ / ٢٥٠ ]
(وَالطَّوَافُ)؛ لما روى التِّرمذي بإسناده (^١) عن عطاء بن السَّائب، عن طاوُس، عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّواف حول البيت مثل الصَّلاة، إلَّا أنَّكم تتكلَّمون فيه، فمن تكلَّم فلا يتكلَّمْ إلَّا بخيْرٍ»، إسناده جيِّد إلى عطاء، وهو مختلَف فيه، واختلط في آخر عمره، وقال أحمد: (عطاءٌ رجلٌ صالِحٌ)، قال التِّرمذي: (وقد روي عن طاوس عن ابن عبَّاس موقوفًا (^٢)، ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث عطاء بن السَّائب) (^٣).
(وَمَسُّ الْمُصْحَفِ)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقِعَة: ٧٩]؛ أي: لا يمسُّ القرآن، وهو خبرٌ بمعنى (^٤) النَّهي، وحُرِّك بالضم لالتقاء الساكنين.
ورُدَّ: بأنَّه اللَّوحُ المحفوظُ، والمطهَّرون الملائكة؛ لأنَّ المطهَّر من طهَّره غيره، ولو أريد بنو (^٥) آدم قيل (^٦): المتطهِّرون.
وجوابُه: بأنَّ المراد هم بنو آدم قياسًا عليهم، بدليل ما روى عبد الله بن
_________________
(١) قوله: (بإسناده) سقط من (أ).
(٢) في (أ): مرفوعًا.
(٣) أخرجه الترمذي (٩٦٠)، وابن خزيمة (٢٧٣٩)، وابن حبان (٣٨٣٦)، من طريق عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا، واختلف في رفعه ووقفه، رفعه عطاء وهو صدوق اختلط في آخر عمره، ورواه أصحاب طاوس موقوفًا، ورجَّح وقفه النسائي، والبيهقي، وابن عبد الهادي، وصححه مرفوعًا ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهم. ينظر: تهذيب الكمال للمزي ٢٠/ ٨٦، المحرر لابن عبد الهادي (٨٨)، البدر المنير ٢/ ٤٨٧، التلخيص الحبير ١/ ٣٥٨، الإرواء ١/ ١٥٤.
(٤) في (أ): معنى.
(٥) في (و): من.
(٦) في (أ) و(ب): لقيل.
[ ١ / ٢٥١ ]
عمرو بن حزم (^١)، عن أبيه، عن جده: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وكان فيه: «لا يَمَسُّ القرآنَ إلَّا طاهِرٌ» رواه الأثرم والنَّسائي والدَّارَقُطْني متَّصِلًا، قال الأثرم: (واحتجَّ به أحمد)، ورواه مالك مرسَلًا (^٢)، ومقتضاه: أنَّه لا يباح مسُّه بشيء من جسده حتَّى يتطهر، ولو بتيمُّم.
قال المؤلِّف: (إن احتاجه)، وهو شامِلٌ لما يُسمَّى مُصحَفًا من الكتابة، والجلد، والحواشي، والورق الأبيض المتَّصل به، بدليل البيع على المذهب.
وله حمله بعِلاقته (^٣)، أو بحائل منفصل عنه لا يتبعه في البيع كغلافِه، أو بحائل تابع للحامِل؛ كحمله في كمِّه، أو ثوبِه، أو تصفُّحِه بعود، ونحوه على المشهور، جزم به أبو الخطاب وابن عبدوس والقاضي والمؤلف.
وعنه: المنعُ من حمله بعِلَاقتِه وتصفُّحِه بكُمِّه، وخرَّجه القاضي منه إلى بقِيَّة الحوائل (^٤)، ولم يُعوِّل عليه في «المغني».
وله الكتابة منه من غير مسٍّ، جزم به كثير من الأصحاب. وقيل: هو كالتَّقلُّب بالعود. وقيل: يجوز للمحدِث دون الجنب، وهذا إذا لم يحمله على مقتضى ما هو في «التَّلخيص» وغيره.
وله مسُّ تفسيرٍ على المذهب، ومنسوخ تلاوته على الأصحِّ، والأحاديث المأثورة، والتَّوراة والإنجيل؛ لأنَّها ليست بقرآن.
_________________
(١) صوابه كما في المصادر الحديثية: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وفي بعضها: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ رواية أبي مصعب (٢٣٤)، وأبو داود في المراسيل (٩٢ - ٩٣)، والدارقطني (٤٣٥)، وذكر أبو داود أنه روي مسندًا ولا يصح، والصواب فيه الإرسال، وكتاب عمرو بن حزم كتاب مشهور عند أهل العلم والأئمة وقد تلقوه بالقبول، وقد رواه النسائي (٤٨٥٣)، ولم يذكر فيه هذا الجزء من الحديث. ينظر: التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧، البدر المنير ٢/ ٤٤٩، الإرواء ١/ ١٥٨.
(٣) في (و): بعلاقة.
(٤) في (أ): الحوامل.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وحكم البعض كالكلِّ، فلو كتب بعضه منفردًا (^١)؛ لم يَجُز مسُّه وإن لم يُسمَّ مصحفًا.
نعم، في مسِّ الصبيان ألواحَهم (^٢)، وفي رواية ذكرها القاضي: والمصحف، ومسِّ الدراهم المكتوب عليها القرآن (^٣)، وثوب طُرِّز به؛ روايتان، أظهرهما: الجواز؛ لمسيس الحاجة إليه (^٤).
وعُلم منه: أنَّ طهارة الخبث (^٥) لا يشترط انتفاؤها، نعم يمنع من مسِّه بعضو نجس لا بغيره على المذهب.
والذميُّ لا يمَسُّه، لكن له نسخُه دون حمل ومَسٍّ.
وعنه: المنع، وحمله القاضي على حمله حال كتابَته.
ولا يجوز مسُّه بعضو (^٦) طهَّره حتَّى يُكملها.
مسائل:
الأولى: يُكره تحليته بذهب أو فضة؛ لتضييق النَّقدين.
وعنه: لا؛ كالضَّبَّة، وكتطييبه، نصَّ عليه (^٧)، وكيسة (^٨) الحرير، نقله الجماعة (^٩)؛ لأنَّ ذلك قدر يسير.
_________________
(١) في (و): مفردًا.
(٢) كتب فوقها في (أ): (أي: التي فيها الحروف).
(٣) قوله: (القرآن) سقط من (و).
(٤) كتب في حاشية (أ): (ولأنا لو اشترطنا طهارة الصبيان؛ لأدى ذلك إلى منعهم عن حفظه).
(٥) في (أ) و(و): الجنب.
(٦) قوله: (ومس، وعنه: المنع، وحمله القاضي على حمله حال كتابته، ولا يجوز مسه بعضو) سقط من (و).
(٧) ينظر: الفروع ١/ ٢٤٧.
(٨) في (ب): وكسيه.
(٩) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٠٦، الفروع ١/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقيل: يُكره للرِّجال لا النِّساء.
وقيل: يحرم، جزم به جماعة؛ ككتب العلم في الأصحِّ.
وقال ابن الزَّاغوني: كَتْبُه بذهب حرام؛ لأنَّه زخرفة، ويؤمر بحكِّه، فإن اجتمع منه ما يتموَّل؛ زكَّاه، قال أبو الخطَّاب: إن بلغ نصابًا.
وكره أحمد توسُّدَه، وفي تحريمه وجهان، وكذا كتب العلم التي (^١) فيها قرآن، وفي معناه: التخطِّي، ورميُه بالأرض بلا وضعٍ ولا حاجةَ تدعو إلى ذلك.
ويحرم كَتْبه بحيث يُهان؛ كبول حيوان ونحوِه، وتجب إزالته، ويحرم دَوسُه، والمراد غير حائط المسجد.
قال في «الفصول» وغيره: يُكره أن يَكتب على حيطان المسجد ذِكْرًا وغيرَه؛ لأنَّ ذلك يشغَلُ المصلِّي ويلهيه.
ويدفن إذا بلي؛ لتعظيمه وصيانته.
وله نَقْطُه، وشَكْلُه، وكتابةُ الأعشار، والسُّور، وعدد (^٢) الآيات في رواية.
وعنه: يستحبُّ نَقْطُه، وعلَّله أحمد: بأنَّ فيه منفعة النَّاس (^٣)، واختاره أبو الحسين بن المُنادي (^٤).
الثَّانية: يجوز تقبيله. وعنه: يستحب. ونقل جماعة الوقف (^٥)، ولا يجعله على عينيه؛ لعدم النقل.
_________________
(١) في (أ) و(و): الذي.
(٢) في (و): وعد.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٨٧٨
(٤) هو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن يزيد بن المنادي، أبو الحسين، صنف كتبًا كثيرة، قيل: إنها نحو من أربعمائة مصنف، توفي سنة ٣٦٨ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٣، المقصد الأرشد ١/ ٨٥.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وظاهره: أنَّه لا يقام له، لكن يؤخذ من فعل أحمد الجواز (^١).
الثَّالثة: له أخذ الفأل فيه، فَعَله ابن بَطَّة، ولم يره غيره من الأصحاب، ونقل ابن العربي أنَّه يحرم، حكاه القرافي عن الطرطوشي (^٢) المالكي، وظاهر مذهب ش: الكراهة (^٣).
الرابعة: يحرم السَّفر به إلى دار الحرب. وقيل: إلَّا مع غلبة السَّلامة، وفي «المستوعب»: يكره بدون غلبتها.
الخامسة: لا يجوز أن يُملَّك لكافر، فلو مَلَكه بإرثٍ؛ أُلزم على إزالة ملكه عنه؛ لأنَّه يتديَّن بانتهاكِه وإزالةِ حُرمته.
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٢٥١.
(٢) في النسخ الخطية: (الطرطوسي). وهو أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي، الفقيه المالكي الزاهد، المعروف بابن أبي رندقة؛ نشأ بالأندلس ببلده طرطوشة ثم تحول لغيرها من بلاد الأندلس، صحب أبا الوليد الباجي، من مصنفاته: سراج الملوك، التعليق، الحوادث والبدع. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٢، الأعلام ٧/ ١٣٤.
(٣) الفأل في المصحف: أن يفتح المصحف وينظر في أول سطر منه أو في غيره. قال القرافي نقلًا عن الطرطوشي: (وكذلك مَنْ أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيدًا اتبعه، أو رديئًا اجتنبه، فهو عين الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه؛ فيحرم). ينظر: الفروق ٤/ ٢٤٠، المدخل لابن الحاج المالكي ١/ ٢٧٨، النجم الوهاج في شرح المنهاج ١/ ٢٨٣.
[ ١ / ٢٥٥ ]