(وَيُعْذَرُ فِي) ترك (الجُمُعَةِ وَالجَمَاعَةِ المَرِيضُ)؛ لأنَّه ﵇ لمَّا مَرِض؛ تخلَّفَ عن المسجدِ، وقال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» متَّفقٌ عليه (^١).
وسواء (^٢) خاف طول المرض أو كثرته، وكذا خوف حدوثه؛ لما روى أبو داود عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فسَّر العُذرَ: «بالخوف والمرض» (^٣)، لكن إن لم يَتضرَّرْ بإتيانها راكبًا أو محمولًا (^٤)، أو تبرَّع به أحدٌ، أو بأن يقودَ أعمى؛ لزِمَتْه الجمعةُ، وقيل: لا؛ كالجماعة.
نقل المروذي في الجمعة: يَكترِي ويَركَب (^٥)، وحمله القاضي على ضعف عقب المرض، فأمَّا مع المرض فلا يلزمه؛ لبقاء العذر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٢) في (أ): سواء.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٥١)، والدارقطني (١٥٥٧)، والحاكم (٨٩٦) من طريق أبي جناب، عن مغراء العبدي، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وفي سنده أبو جناب، وهو ضعيف ومدلس وقد عنعن، وضعف الحديث بهذا السياق ابن الجوزي والنووي والألباني، وله طريق أخرى من رواية شعبة، ثنا عدي بن ثابت به، بلفظ: «من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له، إلا من عذر» أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والدارقطني (١٥٥٥)، وصححه ابن حبان والإشبيلي، قال ابن عبد الهادي: (وإسناده على شرط مسلم، وقد أعله الدارقطني بالوقف)، وقال ابن حجر: (وإسناده صحيح لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة)، وصححه الألباني، وله شاهد من حديث أبي موسى اختلف في رفعه ووقفه، ورجح البيهقي وقفه على أبي موسى، وشواهد أخرى لا تخلو من مقال. ينظر: المحرر (٣٦٩)، البدر المنير ٤/ ٤١٤، التلخيص الحبير ٢/ ٧٦، صحيح أبي داود ٣/ ٦٦.
(٤) في (أ): ومحمولًا.
(٥) في الأصل: (وتركيب). ينظر: الفروع ٣/ ٦١.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ويُستثنَى منه: ما إذا كان في الجامع، فتَلزَمه (^١) الجماعةُ.
(وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ)؛ لما تقدَّم، (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ)، ويأكل حتَّى يَشبَع، نَصَّ عليه؛ لخبر أنس في «الصَّحيحين» (^٢).
وعنه: ما يُسَكِّن (^٣) به نفسَه، إلاَّ أن يخاف ضررًا، وجزم به جماعةٌ في الجمعة.
وذَكر ابنُ حامِدٍ (^٤): إنْ بدأ بالطَّعام، ثمَّ أقيمت الصَّلاة؛ ابتدر إلى الصَّلاة؛ لحديث عَمرِو بنِ أميَّة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دُعِيَ إلى (^٥) الصَّلاة وهو يَحْتَزُّ من كتِفِ شاةٍ، فأكلَ منها، فقامَ وصلَّى» متَّفقٌ عليه (^٦).
قال في «الفروع»: ولعلَّ مرادَه مع عدم الحاجة (^٧)، وهو ظاهِرٌ.
(وَالخَائِفُ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ أَوْ فَوْتِهِ (^٨) أَوْ ضَرَرٍ فِيهِ)؛ كمن يَخاف على ماله من لصٍّ أو سلطانٍ، أو يخاف على بهيمته من سبُعٍ أو شُرودٍ، وكمن له خُبزٌ في تَنُّورٍ، أو طعامٌ على نارٍ، أو ماءٌ في زرعٍ، أو يَخاف (^٩) ضياعَ ماله، أو إباقَ عبده، أو يرجو وُجدانهما في تلك الحال، أو يكون مستأجَرًا على حفظ مال، ونحو ذلك؛ لأنَّ المشقَّةَ اللاَّحِقةَ بذلك أكثرُ من بَلِّ الثِّياب بالمطر الذي هو عُذرٌ بالاتِّفاق.
_________________
(١) في (د) و(و): فيلزمه.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧).
(٣) في (ب) و(د) و(ز) و(و): يكبر.
(٤) في (ب) و(ز): حمدان. والمثبت موافق لما في الفروع ٣/ ٦١.
(٥) قوله: (إلى) سقط من (أ).
(٦) أخرجه البخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥).
(٧) في (و): الجماعة.
(٨) في (د) و(و): موته.
(٩) قوله: (على بهيمته من سبع أو شرود، وكمن له خبز في تنور، أو طعام على نار، أو ماء في زرع، أو يخاف) سقط من (و).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وقال ابنُ عَقِيلٍ: خَوفُ فَوتِ المال عُذرٌ في ترك الجمعة إذا لم يتعمَّد سببَه، بل حصل اتِّفاقًا.
(أَوْ مَوْتِ قَرِيبِهِ) نَصَّ عليه (^١)، أو تمريضه، ونقل ابن منصورٍ: وليس له من يَخدُمه، وأنَّه لا يترك الجمعة (^٢)، وكذا إن خاف على أهله (^٣) أو ولده؛ «لأنَّ ابن عمر استُصرِخ على سعيدِ بن زيدٍ وهو يَتجمَّر للجمعة، فأتاه بالعقيق، وترك الجمعةَ» (^٤)، قال في «الشَّرح»: ولا نعلم في هذا خلافًا.
(أَوْ) يَخافُ (عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ)؛ كسبُعٍ أو سَيلٍ ونحوِهما (^٥)، (أَوْ سُلْطَانٍ) يأخذه، (أَوْ مُلَازَمَةِ (^٦) غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) يُعطيه؛ لأنَّ حبسَ المُعسِر ظُلمٌ، وكذا إن كان الدَّين مؤجَّلًا وخشي أن يطالبه به قبل محلِّه.
وظاهره: أنَّه إذا قدر على أداء دَينه فلا عُذر؛ للنَّصِّ (^٧).
فإن وجب عليه حدٌّ لله تعالى أو لآدمي (^٨)، أو قِصاص؛ فمِثلُه؛ لأنَّه يتعيَّن عليه وفاؤه.
لكن في القصاص إذا رجا العفْوَ على مال؛ وجهان، أظهرهما: أنَّه عذر
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٢٤٧.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٧٦٠.
(٣) في (أ): ماله.
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٩٠)، بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق (٥٤٩٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٨٣، ٣٨٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٧٤٢).
(٥) في (و): أو نحوهما.
(٦) في (د) و(و): يلازمه.
(٧) لقوله ﷺ: «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع»، أخرجه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، ولقوله ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التمريض (٣/ ١١٨)، وأخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، وابن حبان (٥٠٨٩)، وحسنه ابن حجر والألباني. ينظر: الفتح ٥/ ٦٢، الإرواء ٥/ ٢٥٩.
(٨) قوله: (أو لآدمي) سقط من (أ).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
حتَّى يصالح؛ لأنَّ الحدودَ لا تدخلها (^١) المصالحة، بخلاف القصاص.
(أَوْ) أراد سفَرًا مُباحًا، إنشاءً أو استدامةً، قاله ابن تميم وابن حمدان، يخاف (فَوْتَ رُفْقَتِهِ)؛ لأنَّ عليه في ذلك ضرَرًا، (أَوْ غَلَبَةَ النُّعَاسِ)؛ لأنَّ «رجلًا صلَّى مع مُعاذٍ، ثمَّ انفرد فصلَّى وحده عند تطويل معاذ وخوف النُّعاس والمشقَّة، فلم ينكر عليه النَّبيُّ ﷺ حين أخبرَه» (^٢).
وظاهره: أنَّه يُعذَر بغلبته، سواءٌ (^٣) خاف فوتَها في الوقت أو مع الإمام، وهو ظاهر «الشَّرح»، وفي «الرِّعاية»: أنَّه أشْهَرُ، وقدَّمه في «الفروع».
وظاهر «المستوعب» و«التَّلخيص»: أنَّه يُعذَر إذا خاف فوتها مع الإمام فقط.
وذكر ابن تميم: أنَّه يعذر في الجماعة لا الجمعة.
وقيل: لا فيهما، وهو ظاهِرُ «الكافي».
وفي «المذهب» و«الوجيز»: يُعذر فيهما بخوفه (^٤) نقض الوضوء بانتظاره.
(أَوِ الْأَذَى بِالمَطَرِ والْوَحَلِ)؛ لأخبارٍ؛ منها ما في «الصَّحيحَين» عن ابن عبَّاسٍ أنَّه قال لمُؤذِّنه في يومٍ مَطِيرٍ - زاد مسلمٌ: في يوم جُمعةٍ -: «إذا قلتَ: أشْهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، فلا تقل: حيَّ على الصَّلاة، قل: صلُّوا في بُيوتكم، فعل ذلك (^٥) من هو خَيرٌ منِّي، يعني النَّبيَّ ﷺ، إنَّ الجمعةَ عزمةٌ (^٦)، وإنِّي كرِهتُ أن أُخرِجَكم فتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّحْض» (^٧).
_________________
(١) في (د) و(و): يدخلها.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٠٦)، ومسلم (٤٦٥).
(٣) في (ب) و(ز): وسواء.
(٤) في (د) و(و) و(ز): كخوفه.
(٥) قوله: (فعل ذلك) سقط من (و).
(٦) في (ب) و(ز): عزيمة.
(٧) أخرجه البخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وثلْجٌ، وجليدٌ، وبرَدٌ كذلك.
وعنه: سفرًا.
فائدة: الوحَل بتحريك الحاء، والتَّسكينُ لُغةٌ رديئةٌ.
(وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ)؛ لقول ابنِ عمرَ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُنادِي مُنادِيهِ في اللَّيلةِ البارِدةِ أو المطيرة (^١) في السفر (^٢): صَلُّوا في رحالكم» متَّفقٌ عليه (^٣)، ورواهُ ابن ماجَهْ بإسنادٍ صحيحٍ، ولم يَقُل: «في السَّفر» (^٤).
وفي «الفروع»: (بريحٍ باردةٍ في لَيلةٍ مُظلمةٍ، ولم يذكر بعضُهم: مُظلمة).
وعنه: أعذار في السَّفر.
قال الآمِدِيُّ: الأعذارُ كالمطر والوحَل والريح أعذار في السَّفر، وفي الحضر روايتان.
وذكر أبو المعالي: أنَّ كل ما أذهب الخشوعَ؛ كالحرِّ المزعجِ؛ عُذرٌ، ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في (^٥) المنع من الحكم والإفتاء.
مسائل:
يُلْحق بما تقدَّم: إذا خاف تطويلَ الإمام كثيرًا.
وليس رؤية المنكر (^٦) في طريقه عذرًا، نَصَّ عليه (^٧).
_________________
(١) في (أ): المطر.
(٢) في (أ): والسفر. وفي (ب) و(ز): قال.
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٩٣٧).
(٥) في (د) و(و): وفي.
(٦) في (و): البله.
(٧) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢١٦.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الثَّانية: يُكرَه حضورُ المسجد من (^١) أكل بَصَلًا أو فُجْلًا أو نحوه، حتَّى يذهب ريحه.
وعنه: يحرم.
وظاهره: ولو خلا المسجدُ من آدميٍّ؛ لتأذِّي الملائكة، والمرادُ حضور الجماعة، ولو لم يكن مسجد، ولو في غير صلاة.
وظاهره: أنَّه لا يُخرَج، وجزم جماعة بخلافه، لكن إنْ حرُم دخولُه؛ وجب إخراجه، وإلاَّ استُحِبَّ.
فائدة: يَقْطَع الرَّائحةَ الكريهةَ مَضغُ السَّذابِ (^٢) أو السُّعد (^٣)، قاله بعضُ الأطِبَّاء.
الثَّالثة: إذا طرأ (^٤) بعضُ الأعذار في الصَّلاة؛ أتمَّها خفيفةً إن أمكن، وإلاَّ خرج منها، والمأموم يُفارِق (^٥) إمامَه، ويُتمُّها أو يخرج منها، قال أبو الدَّرْداء: «من فِقْه الرَّجل إقبالُه على حاجته حتَّى يُقبِل على صلاته وقَلبُه فارِغٌ» رواه البخاري (^٦).
_________________
(١) في (د) و(و): لمن.
(٢) من أنواع البقول، ويسمى الفيجن، له خواص وطبائع معروفة في كتب الطب. ينظر: تاج العروس ٣/ ٤٥.
(٣) نبت له أصل تحت الأرض أسود طيب الريح. ينظر: تهذيب اللغة ٢/ ٤٥.
(٤) في (ز): طوى.
(٥) في (أ): يقارن، وفي (د) و(ز) و(و): مفارق.
(٦) إنما رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم في باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (١/ ١٣٥)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٢)، ومن طريقه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٣٤)، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٥٢٩ ]