(وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ):
(أَحَدُهَا: الْوَقْتُ)؛ لأنَّها مفروضةٌ، فاشتُرِط لها كبقيَّة الصَّلوات، فلا تصحُّ (^١) قبل الوقت ولا بعده إجماعًا (^٢).
(وَأَوَّلُهُ: أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ)؛ نَصَّ عليه (^٣)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحبُ «التَّلخيص»، وقاله القاضي وأصحابُه؛ لقَولِ عبدِ الله بن سِيدان: «شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النَّهار، ثمَّ شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتَصف النَّهار، ثمَّ شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته (^٤) إلى أن أقول: زال النَّهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره» رواه الدَّارَقُطنيُّ وأحمدُ، واحتجَّ به (^٥)، قال: وكذلك
_________________
(١) في (ز): فلا يصحُّ.
(٢) ينظر: الإقناع لابن القطان ١/ ١٦٢.
(٣) ينظر: الانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٥٧٦، فتح الباري ٢/ ٢٦٤.
(٤) في (د) و(و): خطبته وصلاته.
(٥) رواه عبد الرزاق (٥٢١٠)، وابن أبي شيبة (٥١٣٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٦٥)، والدارقطني (١٦٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٥)، وإسناده صحيح إلى عبد الله بن سِيدان، قال ابن حجر: (تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة)، وذكر قول البخاري عنه: (لا يُتابع على حديثه)، ولذا قال ابن المنذر: (غير ثابت)، وضعفه النووي. واحتج به أحمد في رواية أبي الحسن الترمذي، قال أحمد: (على ما جاء من فعل أبي بكر وعمر، لا أرى به بأسًا؛ لأنها عيد والأعياد كلها في أول النهار)، وقال أبو الخطاب: (وقد صحح أحمد حديثه وأخذ به). وجوَّد ابن رجب إسناده، وقال: (وأحمد أعرف الرجال من كل من تكلم في هذا الحديث، وقد استدل به واعتمد عليه). قال الألباني: (وإسناده محتمل للتحسين)، وذلك أنه تابعي كبير، روى عنه أربعة من الثقات، وذكره ابن حبان والعجلي في الثقات، وحديثه ليس بمنكر، بل له ما يوافقه من أفعال الصحابة ﵃. تنبيه: الأثر أخرجه أحمد في رواية ابنه عبد الله كما ذكر المجد في المنتقى، وابن رجب في فتح الباري، وابن كثير في مسند الفاروق ١/ ٢٠٦، ولم نقف عليه في مسائله المطبوعة ولا في غيره من كتب الإمام أحمد، ورواه أبو بكر عبد العزيز في كتابه الشافي بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد عنه كما في التعليقة للقاضي (٣/ ٢٩٩). ينظر: الانتصار ٢/ ٥٨١، فتح الباري لابن رجب ٨/ ١٧٣، الخلاصة ٢/ ٧٧٣، الفتح ٢/ ٣٨٧، الأجوبة النافعة ص ٤٢.
[ ٢ / ٦١٠ ]
رُوي عن ابنِ مسعودٍ وجابِرٍ وسعيدٍ (^١) ومُعاويةَ: «أنَّهم صلَّوا قبل الزَّوال» (^٢)، ولم يُنكَر، فكان كالإجماع، ولأنَّها صلاةُ عِيدٍ أشْبهت العيدَينِ.
فعلى هذا: هل هو وقتٌ لوجوبها، كما اختاره أبو حفص بن بَدران وغيرُه، أو وقت جوازها، نقله واختاره الأكثرُ وذكر القاضي وغيرُه أنَّه المذهبُ؟ فيه روايتان.
_________________
(١) هكذا بخط المؤلف وفي باقي النسخ المعتمدة، ولعل الصواب: (سعد)، وهو سعد بن أبي وقاص، كما في المصادر الحديثية، ويأتي تخريجه.
(٢) أثر ابن مسعود ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٧)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٥٥)، عن عبد الله بن سَلِمة، قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: «خشيت عليكم الحر»، ضعفه ابن المنذر والبيهقي بعبد الله بن سَلِمة، واحتج أحمد بالأثر، وحسن الألباني إسناده. ينظر: مسائل عبد الله ص ١٢٥، معرفة السنن ٤/ ٣٣٥، الإرواء ٣/ ٦٢. وأثر جابر ﵁: لم نقف عليه. وأثر سعد بن أبي وقاص ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٢١)، ومسدد كما في المطالب العالية (٧٠٠)، عن مصعب بن سعد، قال: «كان سعد يقيل بعد الجمعة»، وهو صحيح كما قال الحافظ في المطالب. وأثر معاوية ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٣٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١٥٩٤)، وابن المنذر في الأوسط (٩٩٨)، عن سعيد بن سويد، قال: «صلى بنا معاوية الجمعة ضحى»، وسعيد أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤/ ٢٩ وسكت عنه، وذكره البخاري في تاريخه وقال بعد ذكره الأثر: (ولا يتابع عليه).
[ ٢ / ٦١١ ]
(وَقَالَ الخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ)، حكاه ابنُ هُبَيرةَ روايةً عن أحمد، واختاره أبو بكرٍ وابن شاقْلا والمؤلِّفُ؛ لما روى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي الجمعةَ، ثمَّ نَذهبُ إلى جِمالنا فنريحُها حين تَزول الشَّمسُ» رواه مسلم (^١).
وفي نسخةٍ للخرقي: الخامسة، واختاره ابنُ أبي موسى، وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز فعلُها قبل ذلك.
وأغرب ابنُ عَقِيلٍ في «مفرداته»: أنَّ مذهبَ قومٍ من أصحابنا: أنَّه يجوز فعلُها في وقت الفجر.
وعنه: تَلزَم (^٢) بالزَّوال، اختاره الآجُرِّيُّ، وهو قولُ أكثرِ العلماء؛ لما روى سلمةُ بنُ الأكوع قال: «كنا نصلي الجمعة مع النبي ﷺ إذا زالت الشَّمسُ» متَّفقٌ عليه (^٣)، وفعلُها بعدَه أفضلُ، وأنَّها لا تُفعل أوَّل النَّهار؛ لأنَّ التَّوقيت لا يَثبُت إلاَّ بدليلٍ، وللخروج من الخلاف.
وتعجيلُها في أوَّل وقتها أفضلُ، صَيفًا وشِتاءً؛ لأنَّ التَّأخير يَشُقُّ على النَّاس؛ لاجتماعهم أوَّله، بخلاف الظُّهر.
(وَآخِرُهُ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ) بغير خلافٍ (^٤)، لأنَّها بدَلٌ منها، أو واقِعةٌ مَوقِعَها، فوجب الإلحاقُ؛ لما بينهما من المشابهة.
(فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا؛ صَلَّوْا ظُهْرًا)؛ لفوات الشَّرْط، قال في «الشَّرح»: لا نَعلَم فيه خلافًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٥٨).
(٢) في (و): يلزم.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠).
(٤) ينظر: الإقناع لابن القطان ١/ ١٦٢.
[ ٢ / ٦١٢ ]
(وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً؛ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً)، نَصَّ عليه (^١)، وذكره الأكثرُ، وهو المذهبُ؛ لأنَّ الوقتَ إذا فات لم يُمكِن استدراكُه، فسقط اعتبارُه في الاستدامة للعُذْر، وكالجماعة في حقِّ المسبوق.
وعنه: يُعتبَر الوقت في جميعها إلاَّ السَّلام؛ لأنَّ الوقت شرط، فيُعتبَر (^٢) في جميعها كالطَّهارة.
(وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ) فعل (رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و«الفروع»:
أحدهما: يُتمُّونها ظُهرًا؛ لأنَّهما صلاتا وقتٍ، فجاز بناء إحداهما (^٣) على الأخرى، كصلاة السَّفر مع الحضر.
والثَّاني: يَستأنِفونها ظُهرًا؛ لأنَّهما صلاتان مختلِفتان (^٤)، فلم تُبْنَ إحداهما على الأخرى؛ كالظُّهر والصُّبح.
وظاهرُه: أنَّهم لا يُتمُّونها جمعةً، وهو ظاهر الخِرَقيِّ، قال ابنُ المنجَّى: وهو قولُ أكثرِ الأصحاب؛ لأنَّه ﵇ خَصَّ إدراكها بالرَّكعة (^٥).
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ١٤٧.
(٢) في (أ): يعتبر.
(٣) في الأصل: أحدهما.
(٤) في (و): مختلفان.
(٥) وهو حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته» أخرجه النسائي (٥٥٧)، وابن ماجه (١١٢١)، وابن خزيمة (١٨٥١)، والدارقطني (١٦٠١)، ورجح أبو حاتم أن ذكر الجمعة وهم، والصواب ما في الصحيح: «من أدرك من صلاة ركعة، فقد أدركها»، قال ابن عدي: (وهذا لا يرويه الثقات عن الزهري، ولا يذكرون الجمعة، وإنما قالوا: «من أدرك من الصلاة ركعة»، وإنما ذكر الجمعة مع الحجاج قومٌ ضعافٌ عن الزهري)، وقال ابن حبان: (ذكر الخبر الدال على أن الطرق المروية في خبر الزهري: «من أدرك من الجمعة ركعة» كلها معللة ليس يصح منها شيء). ينظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٣١، الكامل لابن عدي ٢/ ٥٢٧، صحيح ابن حبان ٤/ ٣٥٢، سبل السلام ١/ ٤٠٠، الإرواء ٣/ ٨٤.
[ ٢ / ٦١٣ ]
وقيل: يُتِمُّونها جمعةً، حكاه ابنُ حامِدٍ وأبو بكرٍ والقاضي، وذكر ابن الجَوزيِّ: أنَّه الصَّحيحُ من «المذهب»، وذكره في «الرِّعاية» نَصًّا (^١)، وقياسًا على بقيَّة الصَّلوات.
ورُدَّ: بالحديث السَّابق، وبأنَّ الفرق بينها وبين سائر الصَّلوات ثابِتٌ في كثيرٍ من الأحكام، فيَمتنِع القياسُ.
فلو دخل وقتُ المغرب وَهُمْ فيها، فقيل كذلك، وقيل: تَبطُل؛ لأنَّ وقت المغرب ليس وقتًا لها، وقت العصر ووقت الظُّهر التي الجمعة بدَلُها.
فعلى المذهب: لو بقِيَ من الوقت قدر الخُطبة والتَّحريمة؛ لزمهم فعلُها، وإلاَّ لم يَجُز، وكذا يَلزَمهم إن شَكُّوا في خروجه؛ عملًا بالأصل.
(الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا)؛ «لأنَّه ﵇ كتب إلى قُرى عُرينةَ أن يُصلُّوا الجمعةَ» (^٢)، و«أسْعدُ بن زُرارةَ جمَّع بهم بِهَزْم النَّبِيت» (^٣)، ولأنَّ القرية المبنيَّة بما جرت به العادةُ يستوطنها العددُ.
فدلَّ على أنَّها لا تصحُّ من أهل الخيام وبيوت الشعر والخركاوات (^٤)؛
_________________
(١) كتب على هامش (د): (وهو المذهب، بشرط إحرام الأربعين قبل خروج الوقت).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٨٥٤)، مرسلًا عن الزهري قال: «بعث النبي ﷺ إلى قرى عُرينة وفدك وينبع ونحوها من القرى مسيرة ثلاثة أيام من المدينة؛ أن يجمعوا ويشهدوا العيدين»، ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل كما قال جمع من الأئمة منهم ابن القطان وابن معين، وفيه راوٍ مبهم، وقال الشافعي: (وقد يروى من حيث لا يثبت أهل الحديث أن رسول الله ﷺ جمع حين قدم المدينة بأربعين رجلًا وروي أنه كتب إلى أهل قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة والعيدين). ينظر: الأم ١/ ٢١٩، شرح علل الترمذي ١/ ٥٣٥.
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابن خزيمة (١٧٢٤)، وابن حبان (٧٠١٣)، والحاكم (١٠٣٩)، والدارقطني (١٥٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٠٦)، وصححه جماعة من الأئمة.
(٤) قال في صبح الأعشى ٢/ ١٤٦: (الخركاه: بيت من خشب مصنوع على هيئة مخصوصة، ويغشّى بالجوخ ونحوه، تحمل في السفر لتكون في الخيمة للمبيت في الشتاء لوقاية البرد).
[ ٢ / ٦١٤ ]
لأنَّ ذلك لم يُقصد للاستيطان غالِبًا، وكذلك كانت قبائل العرب حوله ﵇ ولم يأمُرهم بها، زاد في «المستوعب» وغيره: ولو اتَّخذوها أوطانًا؛ لأنَّ استيطانهم في (^١) غير بنيان.
وقدم الأَزَجيُّ، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٢): صحَّتها ووجوبها على المستوطنين بعمود (^٣) أو خيام (^٤)، قال في «الفروع»: وهو متَّجِهٌ.
نقل أبو النَّضر العِجْلي (^٥): ليس على أهل البادية جمعةٌ؛ لأنَّهم يتنقلون (^٦).
وفي تصريح المؤلِّف بالقرية؛ تنبيهٌ على أنَّه لا يُشترَط لصحَّتها المصرُ.
وتُشترَط الإقامةُ فيها، فلو رحل عنها أهلها (^٧) في بعض السَّنة؛ لم يَصحَّ.
قال ابن تميم: وكذا لو دخل قومٌ بلدًا لا ساكن به (^٨) بنِيَّة الإقامة به سنةً فلا جمعةَ عليهم، ولو أقام ببلدٍ ما يَمنَع القصر، وأهله لا تجب عليهم، فلا جمعة أيضًا، فلو خربت القرية وعزم أهلُها على عمارتها والإقامة بها؛ فعليهم الجمعة، وإن عزموا على النُّقلة فلا.
(وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ)؛ قياسًا على القرية المتَّصلة، واعتبر أحمد في رواية ابن القاسِم: اجتماعَ المنازل في القرية (^٩)، قاله القاضي، وقال أيضًا: معناه: متقارِبةُ الاجتماع.
_________________
(١) في (ز): من.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٦٦، الفروع ٣/ ١٣٧.
(٣) في (أ): بجرد، وفي (ب) و(د): بتجرد. والمثبت موافق لما في الفروع ٣/ ١٣٧.
(٤) قوله: (بجرد أو خيام) هو في (و): بخيام.
(٥) ينظر: الفروع ٣/ ١٣٧.
(٦) في (أ): ينتقلون.
(٧) في (ز): أهل.
(٨) في (أ): فيه.
(٩) ينظر: الفروع ٣/ ١٣٦.
[ ٢ / ٦١٥ ]
والصَّحيحُ: أنَّ التَّفريقَ إذا لم تَجرِ به العادةُ؛ لم يَصحَّ (^١) فيها الجمعةُ، زاد في «الشَّرح»: (إلاَّ أن يَجتمِع منها ما يسكنه أربعون، فتجب بهم (^٢) الجمعة، ويتبعهم الباقون).
قال ابنُ تميمٍ والجَدُّ في «فروعه»: ورَبَضُ البلدِ له حكمُه، وإن كان بينهما فُرجةٌ.
تنبيه: إذا تقارَب قريتان في كلٍّ منهما دون الأربعين؛ لم يَصِحَّ فعلُ الجمعة في واحدةٍ بتكميل الأخرى، فإن كَمَل في إحداهما (^٣)؛ لزمهم فعلُها، وإن كَمَل في كلٍّ منهما؛ فالأَوْلى جَمْع كلِّ قريةٍ في موضعها.
وقال القاضي: القرية إذا كانت من المصر على فرسخ فما دون؛ لزمهم قصده، والأصحُّ خلافُه، كما لو كانت إلى جنب قريةٍ أخرى، فلو كان في قرية أربعون، وإلى جنبها مصر فيه دونه؛ لزم أهله قصد القرية.
(وَ) تجوز إقامتُها (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ)، وأنَّه لا يُشترَط لها البنيانُ؛ لقول كعب: «أسعد بن زُرارة أوَّلُ من جمع بنا في هَزْم النَّبيت في حَرَّةِ (^٤) بني بَيَاضَةَ في نَقِيع (^٥) يقال له: نَقِيعُ (^٦) الخَضِمات، قال: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلًا» رواه أبو داود والدَّارَقُطْنيُّ، قال البَيهَقيُّ: (حسَنُ الإسناد صحيحٌ) قال الخطَّابي: (حَرَّة بني بَياضة: على مِيلٍ من المدينة) (^٧)، وقياسًا على الجامع، وظاهره: وإن لم يكن عذر.
_________________
(١) في (أ): لم تصح.
(٢) في (و): فيجب لهم.
(٣) في (ز): أحدهما.
(٤) في (و): وحرة.
(٥) في (ب) و(و): بقيع.
(٦) في (ب) و(و): بقيع.
(٧) ينظر: معالم السنن ١/ ٢٤٥، والحديث سبق تخريجه ٢/ ٦١٤ حاشية (٣).
[ ٢ / ٦١٦ ]
ويجوز للمسافر القصرُ والفطر فيه، ذكره القاضي.
وقيل: لا يصحُّ (^١) إلاَّ في جامعٍ إلاَّ لعذرٍ، لكن قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا صلَّى في الصَّحراء استخلف من يُصلِّي بالضَّعَفة.
(الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رجلًا (مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، وهو الأصحُّ، واختاره عامَّة المشايخ؛ لما تقدَّم من حديث كعبٍ، وقال أحمدُ (^٢): «بعث النَّبيُّ ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلمَّا كان يوم الجمعة جمَّع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أوَّلَ جمعةٍ جُمعت بالمدينة» (^٣)، وقال جابِرٌ: «مضت السُّنَّةُ: أنَّ في كلِّ أربعينَ فما فوقُ جُمعةٌ وأضحَى وفطرٌ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ، وفيه (^٤) ضعفٌ (^٥).
(وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ)، اختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٦)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، وهذا جَمعٌ وأقلُّه ثلاثةٌ.
_________________
(١) في (ز): لا تصحُّ.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٩/ ٤٨١٣.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٩٤)، عن أبي مسعود الأنصاري قال: «أول من قدم من المهاجرين المدينة: مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة، جمعهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ فصلى بهم»، قال ابن حجر: (وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف). وأخرجه عبد الرزاق (٥١٤٦)، والبيهقي (٥٧٠٢)، مرسلًا عن الزهري، وليس فيه ذكر العدد. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٣٩، الإرواء ٣/ ٦٨.
(٤) في (أ): وبه.
(٥) أخرجه الدارقطني (١٥٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٠٧)، قال البيهقي: (تفرد به عبد العزيز القرشي، وهو ضعيف)، وضعفه ابن الجوزي وقال: (فيه عبد العزيز، قال أحمد: اضرب على أحاديثه فإنها كذب)، وبنحوه قال ابن حجر. ينظر: التحقيق ١/ ٥٠٠، التلخيص ٢/ ١٣٧.
(٦) ينظر: الفروع ٣/ ١٥١، الاختيارات ص ١١٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وعنه: في القُرى خاصَّة؛ لقلَّتهم.
وعنه: بخمسين؛ لما روى أبو هريرة قال: «لمَّا بلغ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ خمسينَ؛ جمعَ بهم» رواه النجاد (^١).
وعنه: بسبعةٍ. وعنه: بخمسةٍ. وعنه: بأربعةٍ.
وعلى الرِّوايات كلِّها: لا يُعتبَر كونُ الإمام زائدًا على العدد على المذهب.
وعنه: بلى، فعليها: لو بَانَ مُحدِثًا ناسِيًا؛ لم يُجزِئْهم إلاَّ أن يكونوا بدونه العددَ المعتبرَ.
ويتخرَّج: لا مطلقًا، قال المجْدُ: بناءً على رواية (^٢): أنَّ صلاةَ المُؤْتَمِّ بناسٍ حَدَثَه تَفسُد (^٣)، إلاَّ أن يكون قرأ خلْفه.
فرع: إذا رأى الإمامُ وحدَه العددَ، فنقَص؛ لم يَجُز أن يَؤُمَّهم، ولزِمه استخلافُ أحدِهم، وبالعكس لا يَلزَم واحدًا منهما.
ولو أمره السُّلطانُ ألا يُصَلِّيَ إلاَّ بأربعين، لم يَجُزْ بأقلَّ، ولا أن يستخلف لقصر ولايته، بخلاف التَّكبير الزَّائد، وبالعكس الولاية باطلةٌ؛ لتعذُّرها من جهته.
ويحتمل: أن يستخلف لها أحدهم.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(د) و(و): البخاري. لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبراني في الكبير (٧٩٥٢)، والدارقطني (١٥٨٠)، من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «الجمعة واجبة على خمسين رجلًا، وليست على من دون الخمسين جمعة»، وفي سنده جعفر بن الزبير، قال الدارقطني: (متروك)، وضعفه البيهقي وابن الجوزي وابن القطان وغيرهم. ينظر: التحقيق ٢/ ٥٥١، بيان الوهم والإيهام ٣/ ١٠٥، البدر المنير ٤/ ٥٩٦.
(٢) قوله: (رواية) سقط من (أ).
(٣) في (و): يفسد.
[ ٢ / ٦١٨ ]
(فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا (^١)؛ لم يُتِمُّوها جمعةً؛ لأنَّه (^٢) شرطٌ، فاعتُبِر في جميعها كالطَّهارة، و(اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا)؛ نَصَّ عليه (^٣)، وجزم به السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص».
وقيل: يُتمُّون ظُهرًا.
وقيل: جمعةً، ولو بقي وحدَه ولو لم (^٤) يسجد في الأولى.
وقيل: جمعةً إن بقي معه اثنا عشر رجلًا؛ لأنَّه العددُ الباقي مع النَّبيِّ ﷺ، وكانوا في الصَّلاة، رواه البخاري (^٥)، والمراد في انتظارها (^٦) كما روى مسلمٌ في الخُطبة، وللدَّارَقُطْنيِّ: «بقي معه أربعون رجلًا»، تفرَّد به علي بن عاصم (^٧).
وإنَّما انفضُّوا لظنِّهم جواز الانصراف، ولأبي داود في مراسيله: «أن خطبته ﵇ هذه كانت بعد صلاته الجمعة»، فظنوا ألا شيء عليهم في الانصراف (^٨).
_________________
(١) في (أ): إقامتها.
(٢) زيد في (و): فرض.
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ١٥٢.
(٤) قوله: (ولو لم) هو في (ب) و(ز): ولم.
(٥) أخرجه البخاري (٩٣٦)، ومسلم (٨٦٣)، من حديث جابر ﵁.
(٦) في (و): انتظارهم.
(٧) أخرجه الدارقطني (١٥٨٣)، وقال: (لم يقل في هذا الإسناد: "إلا أربعين رجلًا" غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين، فقالوا: لم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا)، وقال في العلل: (ولم يتابع على هذا القول)، وقال ابن رجب: (وعلي بن عاصمٍ، ليس بالحافظ، فلا يقبل تفرده بما يخالف الثقات)، وعلي بن عاصم هو الواسطي وذُكر في ترجمته أنه كان كثير الغلط. ينظر: علل الدارقطني ١٣/ ٣٦٠، فتح الباري ٨/ ٣١٠.
(٨) قوله: (ولأبي داود في مراسيله) إلى هنا سقط من (أ). أخرجه أبو داود في المراسيل (٦٢)، من طريق بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان، قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي ﷺ يخطب وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قدم بتجارته» فذكره، وأخرجه الحازمي في الناسخ والمنسوخ (ص ١١٨) من طريق أبي داود، وقال القسطلاني: (شاذ معضل)، وقال الألباني: (وهذا منكر بهذا السياق مع إعضاله)، ومع عدم ثبوته فقد ذكر السهيلي وابن رجب أنه من أحسن الأجوبة. ينظر: فتح الباري ٨/ ٣١٥، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن ٧/ ٦٢٨، إرشاد الساري ٢/ ١٩٢، السلسلة الصحيحة ٧/ ٤١٤.
[ ٢ / ٦١٩ ]
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه أنَّهم انفضُّوا لقدوم التِّجارة لشدَّة المجاعة، أو ظنِّ وجوب خُطبةٍ واحدةٍ، وقد فرغت).
قال في «الشَّرح»: (ويحتمل أنَّهم عادوا فحضروا القدرَ الواجِبَ، ويحتمل أنَّهم عادوا قبل طول الفصل).
(وَيَحْتَمِلُ) هذا وجْهٌ: (أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ؛ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ؛ أَتَمُّوا جُمُعَةً)، وهو قياسُ قولِ الخِرَقيِّ، واختاره المؤلِّفُ، وذَكَره قياسَ المذهب، قال المُزَنِيُّ: (وهو الأَشْبَهُ عندي كالمسبوق) (^١).
والأوَّلُ أصحُّ، والفَرْق: بأنَّ المسبوق أدرك ركعة من جمعة، تمَّت شرائطها وصحَّت، فجاز البناء عليها بخلاف هذه.
وإن بقي العددُ؛ أتمَّ جمعة، قال أبو المعالي: سواء سمعوا الخطبة أو لحقوهم قبل نقصهم بلا خلاف؛ كبقائه من السَّامعين.
(وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً)؛ أي: بسجْدتَيها، وتَظهَر فائدتُه فيما لو زُحم عن السُّجود؛ (أَتَمَّهَا جُمُعَةً) رواه البَيهَقيُّ عن ابنِ مسعودٍ (^٢) وابنِ عمرَ (^١)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ أدركَ ركعةً مِنَ الجمعةِ؛ فقد أدركَ
_________________
(١) ينظر: مختصر المزني مع الأم ٨/ ١٢٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٤٧٧)، وابن أبي شيبة (٥٣٣٢)، والطبراني في الكبير (٩٥٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٥٧٣٩)، وفي الخلافيات (٢٨٤٤)، عن ابن مسعود قال: «من أدرك الركعة فقد أدرك الجمعة، ومن لم يدرك الركعة فليصل أربعًا" وصححه البيهقي في الخلافيات.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٤٧١)، وابن أبي شيبة (٥٣٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٨٥١)، والبيهقي في الكبرى (٥٧٣٧)، عن ابن عمر قال: «إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة صلى إليها ركعة أخرى، فإن وجدهم جلوسًا صلى أربعًا»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الصَّلاةَ» رواه الأثرم، ورواه ابن ماجه ولفظُه: «فليُصلِّ إليها أخرى»، قال ابنُ حِبَّانَ: (هذا خطأٌ)، وقال ابنُ الجوزيِّ: (لا يَصِحُّ) (^١).
(وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ أَتَمَّهَا ظُهْرًا)؛ لمفهومِ ما سبق.
وعنه: يَكونُ مُدركًا للجُمعةِ؛ لقوله: «ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقْضوا» (^٢)، وكالظُّهر، وكإدراك المسافِرِ صلاةَ المقيمِ.
والفَرْق: بأنَّ المسافر إدراكُه إدراك إلزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، وبأنَّ الظهر ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا.
وظاهر كلام المؤلِّف: صحَّةُ دخوله معه، وهو الأصحُّ، بشرط أن ينويها بإحرامه، ولهذا قال: (إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ الخِرَقِيِّ)، صحَّحه الحُلْوانِيُّ، وهو الأظهر؛ لأنَّ النِّيَّة قَصْدٌ يَتبَع العلمَ، ويُوافِق الفعلَ، فالمصلِّي للظُّهر لا يَنوِي جمعةً؛ لأنَّه يَنوِي غيرَ ما يَفعلُه، ولأنَّ الظُّهرَ لا تَتَأدَّى بنيَّة الجمعة ابتداءً، فكذا استدامتُه؛ كالظُّهر مع العصر، وهذا فيما إذا دخل وقتُها، وإلاَّ كانت نفلًا.
(وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً) تَبَعًا لإمامه، (وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا)، وذَكَره القاضي المذهبَ؛ كصلاة المسافِرِ مع المقيمِ.
وضعَّفه المجْدُ بأن قال: (فَرَّ من اختلافِ النِّيَّة، ثُمَّ التزمه في البِناء، والواجِبُ العكسُ أو التَّسويةُ، ولم يَقُلْ أحدٌ بالبناء مع اختلاف يَمنَع الاقتداءَ).
_________________
(١) سبق تخريجه ٢/ ٦١٣ حاشية (٥).
(٢) أخرجه أحمد (٧٢٥٠)، والنسائي (٨٦١)، وهو في البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢)، بلفظ: «فأتموا».
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقيل: الخلاف مبنيٌّ على أنَّ الجمعة هل هي ظُهر مقصورةٌ، أم صلاةٌ مُستقِلَّةٌ؟ فيه وجهان.
ومحلُّ ذلك: ما إذا كانت بعد الزَّوال، فإن كان قبله لم يَصِحَّ دخولُ مَنْ فاته معه في أظهر الوجهين، فإن دخل انعقدت نفلًا.
والثَّاني: يَصِحُّ دخوله بنيَّة الجمعة، ثمَّ يبني عليها ظُهرًا، ويجب أن يصادِف ظُهرُه زوالَ الشَّمس.
(وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ) بالأرض؛ (سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ)؛ أي: قدَمه وجوبًا إن أمكن، ذكره معظمهم؛ لقول عمر: «إذا اشتدَّ الزِّحام فليسجد على ظهر أخيه» رواه أبو داود الطَّيالِسِيُّ وسعيدٌ (^١)، وهذا قاله بمَحضَرٍ من الصَّحابة وغيرِهم في يوم جمعةٍ، ولم يَظهَر له مخالِفٌ، ولأنَّه يأتي بما يمكنه حال العجز، فوجب وصحَّ؛ كالمريض يُومِئُ.
وقيل: لا يجوز ذلك، وذكر ابن عقيل: أنَّه لا يسجد على ظهر أحد، ويومئ غاية الإمكان، فأمَّا إن احتاج إلى وضع يديه أو ركبتيه، وقلنا: يجوز في الجبهة؛ فوجهان، ذكره ابن تميمٍ وغيره.
(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ)؛ انتظر، و(سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ) ويَتْبَع إمامَه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه بذلك في صلاة عُسْفان للعذر (^٢)، وهو موجودٌ هنا،
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (٧٠)، ومن طريقه أحمد في المسند (٢١٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٢٩)، عن سيار بن المعرور، عن عمر ﵁. وإسناده ضعيف، لجهالة سيار، قال ابن المديني في العلل ص ٩٣: (هذا إسناد مجهول، لا نحفظه إلا من هذا الطريق، وسيار بن المعرور مجهول، لا نعلم أحدًا روى عنه إلا سماك). وصح عن عمر ﵁ من وجه آخر: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٢٦)، وابن المنذر في الأوسط (١٨٥٦)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٣٠)، ولفظه: «إذا اشتد الحر فليسجد على ثوبه، وإذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» وإسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه مسلم (٨٤٠)، والبخاري مختصرًا (٤١٢٥)، من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
والمفارَقة وقعت صورةً لا حكمًا، فلم يؤثِّر.
(إِلاَّ أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ؛ فَيُتَابِعُ إِمَامَهُ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ)، ذَكَره ابنُ الجَوزيِّ وصاحب «التَّلخيص»؛ لقوله ﵇: «فإذا (^١) ركعَ فاركعوا» (^٢)، ولأنَّه مأمومٌ خاف فوت الثَّانية؛ فلَزِمه (^٣) المتابَعةُ كالمسبوق.
وعنه: لا يُتابِعه (^٤)، بل يَشتغِل بسجود الأولى، وكما لو زال الزِّحام والإمامُ قائمٌ.
فإن لم يَزُل الزِّحام (^٥) حتَّى سجد الإمامُ في الثَّانية؛ تابَعَه (^٦)، وهل تحصل له ركعةٌ يتمُّها جمعةً، أو يصلِّي ظُهرًا؟ فيه وجهان.
(فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لتركه (^٧) متابَعةَ إمامه عمدًا، ومتابَعتُه واجبةٌ؛ لقوله: «فلا (^٨) تختلِفوا عليه» (^٩)، وترك الواجب عمدًا يُبطِلها وِفاقًا (^١٠).
(وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ)؛ أي: إذا جَهِل تحريمَ متابعة إمامه في الثَّانية؛ لم تَبطُل صلاتُه، ولم يَعتدَّ بسجوده؛ لأنَّه أتى به في موضع الرُّكوع جهلًا، فهو كالسَّاهي، وقال أبو الخطَّاب: يَعتدُّ به، (ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ؛
_________________
(١) في (د) و(و): إذا.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في (أ): فلزمته.
(٤) في (د) و(و): متابعة.
(٥) في (و): بسجود الأولى بالزحام.
(٦) في (و): وتابعه.
(٧) في (أ): كتركه، وفي (د) و(و): له.
(٨) في (ب) و(ز): ولا.
(٩) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(١٠) ينظر: التجريد للقدوري ٢/ ٧١٦، روضة المستبين في شرح التلقين ١/ ٣٥٩، المجموع ٤/ ٧٧، المغني ٢/ ٣.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ)؛ لأنَّه أتى بسجودٍ مُعتدٍّ (^١) به، (وَ) إذا اعتدَّ له بذلك؛ (صَحَّتْ جُمُعَتُهُ)؛ لأنَّه أدرك مع الإمام ركعةً، والجمعةُ تُدرَك بها، ويَسجُد للسَّهو، قاله أبو الخطَّاب.
وخالف فيه المؤلِّفُ، قال ابن تميم: وهو أظهرُ؛ لأنَّه ليس (^٢) على المأموم سجودُ سهوٍ.
(وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا)؛ لأنَّه لم يُدرِك مع الإمام ركعةً بسجدتَيها؛ لأنَّ ما أَتَى به من السُّجود لم يُتابِع إمامه فيه حقيقةً، وإنَّما أتى به على وجه التَّدارك، فلم يكن مُدرِكًا للجمعة.
مسائل:
الأولى (^٣): إذا أدرك الرُّكوعَ وزُحِم عن السُّجود، أو أدرك القيامَ وزُحِم عن الرُّكوع والسُّجود حتَّى سلَّم إمامُه، أو سبَقَه الحدثُ، ففاته ذلك بالوضوء، وقلنا: يَبنِي؛ استأنَف ظُهرًا، نَصَّ عليه (^٤)؛ لاختلافهما في فرضٍ وشرطٍ؛ كظُهرٍ وعصرٍ، ولافتقار كلٍّ منهما إلى النِّيَّة.
وعنه: يُتِمُّها ظُهرًا؛ لأنَّه لم يُدرِك ركعةً كاملةً، أشبه المسبوق بركوع الثَّانية.
وعنه: يُتمُّها جمعةً، اختاره الخلاَّل؛ كمُدرِكٍ ركعةً.
وعنه: يُتمُّ جمعةً مَنْ زُحِم عن سجودٍ أو نسِيَه؛ لإدراكه الرُّكوع؛ كمن أتى بالسُّجود قبل سلام إمامه على الأصحِّ؛ لأنَّه أتى به في جماعةٍ، والإدراك الحكميُّ كالحقيقيِّ؛ كحمل الإمام السَّهو عنه.
_________________
(١) في (د) و(و): يعتد.
(٢) في (د) و(و): أيسر.
(٣) في (أ): فالأولى.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٨٧٢، زاد المسافر ٢/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الثَّانية: إذا فاته مع الإمام الرُّكوع والسُّجود بنومٍ أو غفلةٍ ونحوه؛ لَغَتْ تلك الرَّكعةُ، نَصَّ عليه، وكذا إن فاته الرُّكوع فقط في رواية، فإن فاته ركعةٌ فأكثرَ بذلك (^١)، لم يَقضِ قبل سلام إمامه، نَصَّ عليه في الجمعة (^٢)، بل يتابعه، فإذا سلَّم الإمامُ قضى ما فاته كالمسبوق.
فعلى هذا: إن فاته رُكنٌ؛ أتى به ثمَّ لحق إمامه، وإن كان ركوعًا في الأشهر، وإن كان ركنين؛ لغت ركعته (^٣)، نَصَّ عليه (^٤).
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يأتي بهما؛ كنصِّه في المزحوم.
فإن زُحِم عن الجلوس للتَّشهُّد؛ أتى به قائمًا وأجزأه، قاله ابنُ حامِدٍ، والأَوْلَى انتظارُ زوالِ الزِّحامِ.
الثَّالثة: إذا أحرم مع الإمام فزُحِم، وأُخرِجَ من الصَّفِّ فصلَّى فذًّا؛ لم يَصِحَّ، وإن أُخرِجَ (^٥) في الثَّانية؛ فإن نوى مفارَقتَه؛ أتمَّها جمعةً في قياس «المذهب»، وإلاَّ فروايتان:
إحداهما: يُتمُّها جمعةً؛ كمسبوقٍ. والثَّانية: يُعيد؛ لأنَّه فذٌّ في ركعةٍ.
(الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: ٩]، والذِّكر هو الخُطبةُ، فَأَمَر بالسَّعي إليه، فيكون واجبًا، ولمواظبته ﵇ عليها، مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» (^٦)، وعن عمر وعائشة: «قُصِرت الصَّلاةُ من أجل الخُطبة» (^٧).
_________________
(١) قوله: (بذلك) مثبتة في الأصل، وسقطت من جميع النسخ.
(٢) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٤٤٣.
(٣) في (ز): ركعتين لغت ركعة.
(٤) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٤٤٤. ومن قوله: (وكذا إن فاته الرُّكوع) إلى هنا سقط من (أ).
(٥) في (و): أحرم.
(٦) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
(٧) أثر عمر أخرجه عبد الرزاق (٥٤٨٥)، وابن أبي شيبة (٥٣٣١)، وهو مرسل كما قال الحافظ في التلخيص ٢/ ١٧٢. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٣٢٤)، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حُدِّثت عن عمر بن الخطاب، أنه قال: وذكره. وهذا منقطع. وأثر عائشة ﵂: لم نقف عليه.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
ويُشترَط اثنتان؛ لقول ابن عمر: «كان النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ خُطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوسٍ» متَّفَقٌ عليه (^١)، ولأنَّهما أقيما مقام الرَّكعتين، فالإخلال بإحداهما إخلالٌ بإحدى الرَّكعتين.
وعنه: تُجزِئُه واحدةٌ.
والمنصوص: أنَّهما بدَلٌ من الرَّكعتين (^٢).
ويُشترَط تقديمُهما على الصَّلاة؛ لفعله ﵇ وأصحابِه، بخلاف غيرها (^٣)، لأنَّهما شرطٌ في صحَّة الجمعة، والشَّرط مقدَّمٌ، أو لاشتغال النَّاس بمعايشهم، فقُدِّما لأجل التَّدارك، وأن يكونا في وقتٍ تصحُّ (^٤) فيه الجمعة من مكلَّف مستورِ العورة، قاله القاضي.
(مِنْ (^٥) شَرْطِ صِحَّتِهِمَا: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى)؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «كلُّ كلامٍ لا يُبدَأُ فيه بالحمدِ للهِ فهو أجذمُ (^٦)» رواه أبو داود، ورواه جماعةٌ مرسلًا (^٧)، وروى أبو داود عن ابن مسعودٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا تَشهَّد قال: الحمدُ لله» (^٨)، ويَتعيَّن هذا اللَّفظُ في قول الجمهور.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٢٨)، ومسلم (٨٦١).
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٨، مسائل عبد الله ١٢٣، زاد المسافر ٢/ ٢٥٢.
(٣) في (أ) و(ب) و(د) و(و): غيرهما.
(٤) في (أ) و(و): يصح.
(٥) في (ب) و(ز): ومن.
(٦) كتب على هامش (ز): (أي: مقطوع البركة).
(٧) سبق تخريجه ١/ ٧ حاشية (٥).
(٨) أخرجه أبو داود (١٠٩٧)، وإسناده ضعيف، فيه راويان مجهولان، الأول: أبو عياضٍ الراوي عن ابن مسعود، والثاني: عبد ربه بن يزيد، قال ابن حجر: (لا يصح؛ لأنه من رواية أبي عياض وهو مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله)، وهذا الحديث هو أحد الروايات في حديث خطبة الحاجة، الذي جمع طرقه الشيخ الألباني. ينظر: موافقة الخبر الخبر لابن حجر ١/ ٣٥، وضعيف سنن أبي داود ٢/ ٦، خطبة الحاجة للألباني ص ١٣.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
(والصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) محمَّدٍ ﷺ؛ لأنَّ كلَّ عبادة افْتَقَرتْ إلى ذكر الله تعالى؛ افْتَقَرتْ إلى ذكر رسوله؛ كالأذان، ويتعيَّن لفظ الصَّلاة، أو يشهد أنَّه عبْدُ الله (^١) ورسوله.
وأوجبه الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٢)؛ لدلالته عليه، ولأنَّه إيمانٌ به، والصَّلاة دعاءٌ له، وبينهما تفاوُتٌ.
وقيل: لا يُشترَط ذِكرُه؛ لأنَّه ﵇ لم يذكر ذلك في خُطبته، وعمَلًا بالأصل.
(وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ؛ لما روى جابِرُ (^٣) بنُ سَمُرةَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يَقرأُ آياتٍ، ويذكِّرُ (^٤) النَّاسَ» رواهُ مسلمٌ (^٥)، ولأنَّهما (^٦) أقيما مقام ركعتين، والخطبةُ فرضٌ، فوجبت فيها القراءةُ كالصَّلاة.
وظاهره: أنَّها لا تتعيَّن، قال أحمد: (يقرأ ما شاء).
وأنَّه لا يُجزِئُ بعضُ آيةٍ في الأصحِّ؛ لأنَّ الحكم لا يتعلَّق بما دونها، بدليل منع الجُنب منها.
وقال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تَستقِلُّ بمعنًى أو حكمٍ؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ [المدَّثِّر: ٢١]، أو: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرَّحمن: ٦٤]؛ لم يكفِ.
_________________
(١) في (د) و(و): عبده.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٩٠.
(٣) في (د) و(و): طلق.
(٤) في (و): يذكر.
(٥) أخرجه مسلم (٨٦٢).
(٦) في (أ): لأنَّهما.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وقيل: يشترط في أحدهما.
والمذهب: أنَّه مِنْ قراءة آية، ولو كان جنبًا مع تحريمها.
وعنه: لا يُشتَرَط قراءةُ آيةٍ فيهما، اختاره المؤلِّف، فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعظةَ، ثمَّ صلَّى على النَّبيِّ ﷺ؛ أجزأ (^١).
قال أبو المعالي: وفيه نظر؛ لقول (^٢) أحمد: (لا بدَّ من خُطبةٍ) (^٣)، وكما لا يُجزِئ عنها قراءة فاطر أو الحج (^٤)، نَصَّ عليه (^٥).
(وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى الله تَعَالَى)؛ لأنَّه المقصودُ، وقيل: في الثَّانية، والمذهب: في كلٍّ منهما.
وذكر أبو المعالي والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٦): ولا يَكفِي ذكرُ الموت وذمُّ الدُّنيا، ولا بدَّ أن يحرِّك (^٧) القلوب، ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيَه؛ فالأظهر لا يكفي وإن كان فيه وجه (^٨)؛ لأنَّه لا بدَّ من اسم الخُطبة عرفًا.
ويُشترَط الموالاةُ بين أجزائهما (^٩) والصَّلاة في الأصحِّ؛ لأنَّهما مع الصَّلاة كالمجموعتَين، فلو قرأ سجدةً فنزل فسجد؛ لم يُكرَه.
وظاهر كلامه (^١٠) في «التَّلخيص» و«الرِّعاية»:
_________________
(١) في (أ): اجتزأ.
(٢) في (د): كقول.
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ١٦٧.
(٤) في (أ) و(ب): والحج.
(٥) ينظر: الفروع ٣/ ١٦٧.
(٦) ينظر: الاختيارات ص ١٢٠.
(٧) في (ز): يحزن.
(٨) في (أ) و(ب) و(ز): وصية.
(٩) في (د) و(و): أجزائها.
(١٠) في (ب) و(ز): فظاهر كلامهم.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
أنَّه (^١) لا يَضرُّ (^٢) تفريقٌ كثيرٌ بدعاءٍ (^٣) لسلطانٍ (^٤) ونحوِه.
ولا يكون ذلك بغير العربيَّة إلاَّ عند العجز؛ كالقراءة.
ثمَّ هل يجب إبدالُ عاجزٍ عن قراءةٍ بذكرٍ، أم لا؛ لحصول معناها؟ فيه وجهان.
ويبدأ بالحمد لله، ثمَّ بالصَّلاة، ثمَّ بالموعظة، ثمَّ القراءة في ظاهر كلام جماعةٍ.
(وَ) يُشترَط (حُضُورُ الْعَدَدِ المُشْتَرَطِ) لسماع القدر الواجب؛ لأنَّه ذكر اشتُرِطَ للصَّلاة، فاشتُرِطَ (^٥) له العددُ؛ كتكبيرة الإحرام، فإن انفضُّوا وعادوا قبل فوت ركنٍ منها؛ بَنَوْا، وإن كثر التَّفريق، أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهَّر؛ ففي البِنَاء والاستِئْناف مع اتِّساع الوقت وجهان.
ويَرفَع صوتَه بهما بحيث يسمع العدد المعتبَر إذا لم يَعرِض مانِعٌ، فإن لم يسمعوا لخفض صوته أو بُعدٍ؛ لم يصحَّ، وكذا إن كانوا صُمًّا، خلافًا للمجْد.
فإن قرُب الأصمُّ وبَعُد من يسمع؛ فقيل: لا يصحُّ؛ لفوت المقصود. وقيل: بلى، كما لو كان أهل القرية طُرشًا أو عُجمًا وهو عربيٌّ.
وإن كانوا كلُّهم خُرْسًا؛ صلَّوْا ظُهرًا في الأصحِّ.
وتُشترَط (^٦) النِّيَّةُ، ذكره في «الفنون».
والأشهر: أنَّها تَبطُل بكلامٍ محرَّمٍ، ولو يسيرًا.
_________________
(١) في (و): لأنه.
(٢) قوله: (لا يضر) سقط من (و).
(٣) في (و): كدعاء.
(٤) في (ب) و(و): السلطان.
(٥) في (أ): واشترط.
(٦) في (ب) و(د) و(و): ويشترط.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
(وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلاَّهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يُشترَط تقدُّمُ الطَّهارة، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وغيره؛ لأنَّه ﵇ لم يكن يَفصِل بين الخطبة والصَّلاة بطهارةٍ، فدلَّ على أنَّه كان متطهِّرًا، ولأنَّه ذِكرٌ شُرِط في الجمعة أشبه تكبيرة الإحرام.
والثَّانية: لا، واختارها الأكثرُ، وجزم بها في «الوجيز»، ولأنَّه ذِكرٌ يَتقدَّم الصَّلاة، أشبه الأذان.
وعنه: تُشترَط (^١) الكبرى، اختاره جماعةٌ.
ونصُّه: تجزئ خطبة الجنب (^٢)، جزم به الشَّريف وأبو الخطَّاب؛ لأنَّ تحريم لُبثه لا تعلُّق له بواجب العبادة، كمن صلَّى ومعه درهمُ غَصْبٍ.
لكن قيَّده القاضي في «جامعه» وابن الجوزي والسَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» فيه: بأن يكون المنبر خارج المسجد؛ لأنَّ لُبثَه فيه معصيةٌ تنافي (^٣) العبادة.
وقيل: إن جاز للجنب قراءة آية، أو لم تجب القراءة في الخطبة؛ فوجهان؛ كالأذان وستر العورة.
وإزالة نجاسة؛ كطهارة صغرى.
الثانية (^٤): إحداهما لا يشترط، بل يستحبٌّ (^٥)، قدَّمه الأكثر، وجزم به في «الوجيز»، وذكر في «التلخيص» أنَّه المشهور؛ لأنَّ الخطبة منفصلة عن الصَّلاة، أشبها الصلاتين، لكن في فعل اثنين للخطبتين وجهان.
_________________
(١) في (و): يشترط.
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ١٧١.
(٣) في (و): ينافي.
(٤) أي: المسألة الثانية: وهي: أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة.
(٥) في (أ) و(د): مستحب.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
والثَّانية: يُشترط، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ الخطبة أقيمت مقام ركعتين.
وعنه: لا يشترط مع العذر؛ كالحدث، ذكر في «الشَّرح» أنَّه المذهب؛ لأنَّه إذا جاز الاستخلاف في الصَّلاة للعذر؛ فههنا أولى.
وعلى الجواز: لا يشترط حضور النَّائب الخطبة (^١) كالمأموم، لتعيُّنها عليه.
وعنه: بلى؛ لأنَّه لا تصحُّ جمعة من لم يحضرها إلاَّ تبعًا كمسافرٍ.
وإن أحدث واستخلف من لم يحضر الخطبة؛ صحَّ على الأشهر، ولو لم يكن صلَّى معه على الأصحِّ.
وإن منعنا الاستخلاف؛ أتمُّوا فرادى جمعةً بركعة (^٢) كمسبوقٍ.
وقيل: مطلقًا؛ لبقاء حكم الجماعة لمنع الاستخلاف.
وقيل: ظهرًا؛ لأنَّ الجماعةَ شرطٌ، كما لو اختلَّ العدد.
وإن جاز الاستخلاف فأتمُّوا فرادى؛ لم تَصحَّ (^٣) جمعتُهم، ولو كان في الثانية؛ كما لو أنقص (^٤) العددُ وأَوْلى.
مسألتان (^٥):
الأولى: إذا قلنا: يُعتَدُّ بأذان المميِّز والفاسِق؛ ففي خطبته وجهان، زاد في «الرِّعاية»: إن صحَّ أن يؤمَّ غير من خطب، وإن لم تصحَّ (^٦) إمامة العبد؛ ففي صحَّة خطبته وجهان.
_________________
(١) في (و): الجمعة.
(٢) قوله: (بركعة) سقطت من (أ) و(ب).
(٣) في (أ): لم يصحَّ.
(٤) هكذا في الأصل و(أ)، وهو موافق لما في بعض نسخ الفروع، وفي (ب) و(د) و(و) و(ز): نقص. وهو موافق لما في نسخة أخرى من الفروع والإنصاف.
(٥) في (أ) و(ب) و(ز): مسائل.
(٦) في (و): لم يصح.
[ ٢ / ٦٣١ ]
الثَّانية: لمن لا يُحسن الخطبةَ قراءتُها مِنْ (^١) صحيفةٍ، ذَكَره أبو المعالي وابنُ عَقِيلٍ، قال: كالقراءة في الصَّلاة لمن لا يُحسِن القراءةَ في المُصحَف، والمذهبُ: أنَّه لا بأْسَ بالقراءة في المصحف كالقراءة من الحفظ، فهذا مثلُه.
(وَمِنْ سُنَنِهِمَا (^٢) أن يَخطُب على منبرٍ)؛ لما روى سهْلُ بنُ سعْدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرسلَ إلى امرأةٍ مِنَ الأنصارِ: أن مُرِي غلامَكِ النَّجَّارَ يَعمَلْ لي أعوادًا أجلسُ عليها إذا كلَّمتُ النَّاسَ» متَّفقٌ عليه (^٣)، وفي الصَّحيح: «أنَّه عُمِل من أَثْلِ الغابة، فكان يَرتقِي عليه» (^٤)، واتخاذُه كان في سنةِ سبْعٍ من الهجرة، وقيل: سنة ثمانٍ، وكان ثلاثةَ دُرُجٍ، وسُمِّي (^٥) منبرًا لارتِفاعه، من النَّبْر، وهو الاِرتِفاعُ، واتِّخاذُه سُنَّةٌ مُجمَعٌ عليها، قاله في «شرح مسلم» (^٦)، ويكون صعودُه فيه على تُؤَدَةٍ إلى الدَّرَجة التي تَلِي السَّطحَ، قاله في «التَّلخيص».
(أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ) إن لم يكن؛ لأنَّه في معناه؛ لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
ويكونان عن يمين مستقبلي القبلة، وقال أبو المعالي: إن وقف بالأرض وقف على يسار مستقبِلي القِبلة بخلاف المنبر.
(وَيُسَلِّمُ عَلَى المَأْمُومِينِ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ)؛ لما روى ابن ماجه عن جابِرٍ قال: «كان (^٧) النَّبيَّ ﷺ إذا صعِد المنبرَ سلَّم» (^٨)،
_________________
(١) في (ب) و(ز): في.
(٢) في (ب) و(و): سننها.
(٣) أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤).
(٤) أخرجه البخاري (٣٧٧).
(٥) في (أ): ويسمى.
(٦) ينظر: شرح مسلم ٦/ ١٥٢.
(٧) قوله: (قال: كان) هو في (أ): أن.
(٨) أخرجه ابن ماجه (١١٠٩)، وابن عدي ٥/ ٢٤١، والبيهقي (٥٧٤١)، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، قال البيهقي: (تفرد به ابن لهيعة)، وسئل عنه أبو حاتم فقال: (موضوع)، وضعفه الإشبيلي والنووي، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه البيهقي (٥٧٤٢)، وهو ضعيف، وشاهد آخر من مرسل الشعبي لكنه ضعيف؛ فهو من رواية مجالد بن سعيد عنه، ومجالد ضعيف أيضًا، وقواه الألباني بما له من الشواهد من عمل الخلفاء الراشدين. ينظر: العلل لابن أبي حاتم ٢/ ٥٥٩، الخلاصة للنووي ٢/ ٧٣٩، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٢/ ٥٦٥، السلسلة الصحيحة (٢٠٧٦).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ورواه (^١) الأثرم عن أبي بكرٍ وعمرَ (^٢) وابنِ مسعودٍ وابنِ الزُّبير (^٣)، ورواه النجاد عن عثمانَ (^٤)، وكسلامه (^٥) على من عنده في خروجه، قال القاضي وجماعةٌ: لأنَّه استقبالٌ بعد استدبارٍ، أشبه من فارق قومًا ثمَّ عاد إليهم.
وعكسُه المؤذِّن، قاله المجْدُ.
وظاهره استحبابُ استقبال الخطيبِ النَّاسَ، وهو كالإجماع، قاله ابن المنذر (^٦).
ولم يذكر المؤلِّف ردَّ السَّلام عليه، وهو فرضُ كفايةٍ، وكذا كلُّ سلامٍ
_________________
(١) في (د) و(و): رواه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٢٨٢)، وابن أبي شيبة (٥١٩٥)، ومن طريقه الأثرم كما في التحقيق لابن الجوزي (٨٠١)، من طريق مجالد عن الشعبي: «أن أبا بكر وعمر كانا يفعلانه»، قال ابن الملقن في البدر المنير ٤/ ٦١٥: (وهذا مع إرساله؛ فيه مجالد وهو لين).
(٣) لم نقف على أثر ابن مسعود ﵁، وقد ذكره الزركشي في شرح الخرقي ٢/ ١٦٦. وأثر ابن الزبير ﵄: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١٨٠٠)، عن سليمان بن نشيط قال: «رأيت ابن الزبير صعد المنبر، فلما قام عليه سلم ثم جلس»، وسليمان بن نشيط سكت عنه البخاري وأبو حاتم، وقال: (روى عن ابن الزبير، مرسل). ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٤٠، الجرح والتعديل ٤/ ١٤٧.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٩٦)، عن أبي نضرة، قال: «كان عثمان قد كبر، فإذا صعد المنبر سلم، فأطال قدر ما يقرأ إنسان أم الكتاب»، إسناده صحيح كما قال الألباني. ينظر: السلسلة الصحيحة ٥/ ١٠٧.
(٥) في (أ): وكسلام.
(٦) لم نجده في كتب ابن المنذر المطبوعة، وينظر: شرح الزركشي ٢/ ١٦٧.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
مشروعٍ على الجماعة المسلَّم عليهم، لا فرضُ عين. وقيل: سنَّة كابتدائه. وفيه وجهٌ غريبٌ: واجب، ذكره الشيخ تقيُّ الدِّين (^١).
(وَيَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ)؛ لما روى ابنُ عمر قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يجلِسُ إذا صعدَ المنبرَ حتَّى يَفرُغَ المؤذِّنُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ» مختصرًا، رواه أبو داود (^٢)، وذَكَره ابنُ عَقِيلٍ إجماعَ الصَّحابة (^٣)، ولأنَّه يَستريح بذلك من تعَب الصُّعود، ويتمكَّن من الكلام التَّمكُّنَ التَّامَّ.
وهذا النِّداء هو الذي يتعلَّق به وُجوب السَّعي؛ لأنَّه الذي كان على عهده ﵇.
وعنه: بالأوَّل؛ لسقوط الفرض به، ولأنَّ عثمان سنَّه (^٤)، وعملت به الأمَّة.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ١٧٦.
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٩٢)، بهذا اللفظ، وأصله في البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، بلفظ: «كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن»، وفي إسناده عند أبي داود: عبد الله بن عمر العمري المكبر، وهو ضعيف، وله شاهد من مرسل الزهري أخرجه أبو داود في المراسيل (٥٥)، وقواه الزيلعي. قال ابن حجر: (جُلُّ الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله العمري المضعَّف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين). ينظر: نصب الراية ١/ ١٩٧، فتح الباري ٢/ ٤٠٦.
(٣) جاء ذلك عن عمر ﵁ من وجوه متعددة، أخرج البخاري (٦٨٣٠)، حديثًا طويلًا عن ابن عباس ﵄، وفيه: «فلما كان يوم الجمعة … جلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله». ولعل ابن عقيل أراد ما أخرجه البخاري (٩١٦)، عن السائب بن يزيد: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام، يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان في خلافة عثمان بن عفان ﵁ وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك».
(٤) أخرجه البخاري (٩١٦).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
ومَن بَعُد منزلُه؛ سعَى في وقتٍ يدركها كلَّها إذا علم حضور العدد، بعد طلوع الفجر لا قبله.
(وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ)؛ لِمَا روى ابنُ عمرَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يخطُبُ خُطبتَين وهو قائمٌ، يَفصِلُ بينهما بجلوسٍ» متَّفقٌ عليه (^١)، وكجلسته الأولى، ويستحبُّ تخفيفها، قال في «التَّلخيص»: بقدر سورة الإخلاص.
وعنه: يجب الجلوس بينهما، اختاره النجاد؛ لفعله ﵇ (^٢).
والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ جماعةً من الصَّحابة، منهم عليٌّ (^٣)، سَرَدوا الخُطبة من غير جلوسٍ، ولأنَّه ليس فيها ذِكرٌ مشروعٌ، فلم يَجِب كالأولى.
(وَيَخْطُبُ قَائِمًا)، نَصَّ عليه (^٤)، واختاره الأكثرُ، لفعله ﵇ (^٥)، ولأنَّه ذِكْرٌ ليس من شرطه الاستقبال، فلم يَجِب له القيامُ كالأذان.
وعنه: يَجِب مع القدرة، جزم به في «النَّصيحة»، وبالجلوس بينهما، وقال الطَّحاويُّ عن قول الشَّافعيِّ (^٦): (لم يَقُله غيره) (^٧)، وليس كذلك.
_________________
(١) هذا اللفظ الذي ذكره المصنف: أخرجه النسائي (١٤١٦)، وابن خزيمة (١٤٤٦)، والدارقطني (١٦٣٠)، ولفظ البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١): «كان النبي ﷺ يخطب قائمًا، ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن»، ولعل المصنف تبع في عزوه عبد الغني المقدسي في العمدة حيث عزاه للصحيحين، وأشار ابن حجر في الفتح أن هذا وهمٌ. ينظر: فتح الباري ٢/ ٤٠٦.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٢٦٧)، وابن أبي شيبة (٥١٨١)، والشافعي في اختلاف العراقيين الملحق بالأم (٧/ ١٧٦)، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: «رأيت عليًّا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ»، وإسناده صحيح.
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٢٢٤.
(٥) أخرجه البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) قول الشافعي هو: أنَّ الخطبة جالسًا لا تصح إلا من عذر، وأنه يشترط القيام في الخطبتين والجلوس بينهما. ينظر: الأم ١/ ٢٢٩، الحاوي ٢/ ٤٣٣.
(٧) ينظر: الحاوي ٢/ ٤٣٣.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
(وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا)؛ لما روى الحَكَم بن حَزْنٍ قال: «وفدتُ على رسولِ الله ﷺ فشهدنا معه الجمعةَ، فقامَ متوكِّئًا (^١) على سيفٍ أو قوسٍ أو عصًا» مختصر، رواه أبو داود (^٢)، ولأنَّه أمكنُ له، وإشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّين فُتِحَ به.
ويكون اعتمادُه على ذلك بإحدى يدَيه في ظاهر كلامه، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه باليسرى، والأخرى بحَرْف المنبر، فإن لم يَعتمِد أمسك يمينه بشماله أو أرسلهما).
(وَيَقْصِدُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)؛ لفعله ﵇ (^٣)، ولأنَّ في التِفاته إلى أحد جانِبَيه إعراضًا عن الآخَر.
وظاهره: أنَّه إذا التفت أو استدبر النَّاس؛ أنَّه يجزئ مع الكراهة، صرَّحوا (^٤) به في الاستدبار؛ لحصول المقصود.
وفيه وجهٌ: لا يُجزئ؛ لتركه الجهة المشروعة.
_________________
(١) في (د) و(و): يتوكأ.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٧٨٥٦)، وأبو داود (١٠٩٦)، وابن خزيمة (١٤٥٢)، في سنده شهاب بن خراش، والجمهور على توثيقه كابن معين وأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم، وقال ابن عدي: (في بعض رواياته ما ينكر)، قال ابن حجر: (صدوق يخطئ)، وشيخ ابن خراش هو شعيب بن زريق الطائفي ولا بأس به، وصححه ابن السكن وابن خزيمة، وحسن إسناده النووي وابن حجر والألباني، وله شاهد من حديث البراء عند أبي داود (١١٤٥)، وفيه أبو جناب الكلبي، ضعيف لكثرة تدليسه، وله شاهد من مرسل عطاء عند البيهقي (٥٧٥٢)، بسند صحيح. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٩٧، البدر المنير ٤/ ٦٣٢، التلخيص الحبير ٢/ ١٥٨، الإرواء ٣/ ٧٨.
(٣) كون النبي ﷺ كان يستقبل الناس بوجهه جاء في عدة أحاديث يشد بعضها بعضًا، قال ابن رجب: (استقبال الإمام أهل المسجد واستدباره القبلة مجمع عليه، والنصوص تدل عليه)، ينظر: فتح الباري لابن رجب ٨/ ٢٥٠. وأما كونه لم يلتفت؛ فقد قال الحافظ: (لم أره في حديث إلا إن كان يؤخذ من مطلق الاستقبال). ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ١٥٨.
(٤) في (أ) و(ب): خرَّجوا.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وينحرف إليه المأمومون إذا خطب، نَصَّ عليه (^١)؛ لفعل الصَّحابة (^٢).
(وَيَقْصُرُ الْخُطْبَةَ)؛ لما روى مسلمٌ عن عمَّارٍ مرفوعًا: «إنَّ طولَ صلاةِ الرجل وقصرَ خطبتِهِ؛ مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاةَ، وأقصُرُوا الخطبةَ» (^٣).
وفي «التَّعليق»: والثَّانيةُ أقصرُ، جعله أصلًا لإفراد الإقامة.
ويُستحَبُّ رفعُ صوته حسب الإمكان.
(وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّ الدُّعاءَ لهم مسنونٌ في غير الخُطبة، ففيها أَوْلَى، ولا يَجب في الثَّانية.
وقيل: ويرفع يديه، جزم به في «الفصول»، واحتجَّ بالعموم.
وقيل: لا يُستحبُّ، قال المجْدُ: هو بدعة، وفاقًا للمالكيَّة والشافعيَّة (^٤) وغيرهم.
وقد يُفهَمُ من كلامه: أنَّ الدُّعاءَ لا يسنُّ للمسلمات، وليس كذلك؛ لأنَّ جمع المذكَّر (^٥) يشملهم.
ولم يذكر المؤلِّف الدُّعاءَ للسُّلطان فيها، ولا لمعيَّن، وهو جائز، بل قيل:
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ٢٢٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٢٢٦)، وأبو داود في المراسيل (٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٧١٢)، عن عدي بن ثابت، قال: «كان النبي ﷺ إذا خطب؛ استقبله أصحابه بوجوههم»، وهو مرسل حسن. وأخرج ابن أبي شيبة (٥٢٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٨١٤)، عن المستمر بن الريان، قال: «رأيت أنس بن مالك جاء يوم الجمعة، فاستند إلى الحائط واستقبل الإمام»، إسناده صحيح، وعلقه البخاري في الصحيح ٢/ ١٠ بصيغة الجزم. وأخرج البيهقي في الكبرى (٥٠٩٨)، عن نافع: «أن ابن عمر كان إذا خرج الإمام لم يقعد الإمام حتى يستقبله»، وإسناده جيد، وعلقه البخاري أيضًا.
(٣) أخرجه مسلم (٨٦٩).
(٤) ينظر: التاج والإكليل ٢/ ٥٤٧، نهاية المحتاج ١/ ٥٠٦.
(٥) قوله: (جمع المذكر) هو في (ز): جمع الذكر.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
يستحبُّ للسلطان، حتَّى قال أحمد أو غيره: (لو كان لنا دعوةٌ مستجابةٌ لدعونا بها لإمامٍ عادِلٍ) (^١)، ولأنَّ في صلاحه صلاح المسلمين (^٢)، ولأنَّ أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر (^٣)، وروى البزَّار: «أرفعُ النَّاس درجةً يوم القيامة إمامٌ عادلٌ» (^٤)، قال أحمد: (إنِّي لأدعو له بالتَّسديد والتوفيق) (^٥). فإذا فرغ منها؛ نزل عند لفظة الإقامة في وجه، قاله في «التَّلخيص». وفي الآخَر: إذا فرغ منها. وينزل مسرعًا.
(وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ) في الأصحِّ؛ «لأنَّ علِيًّا صلَّى بالنَّاس وعثمانُ محصورٌ، فلم يُنكِره أحد، وصوَّبه عثمان» رواه البخاريُّ بمعناه (^٦)، ولأنَّها فرض الوقت، أشبهت الظُّهر، قال أحمد: (وقعت الفتنة بالشَّام تسع سنين، فكانوا (^٧) يُجَمِّعون) (^٨).
(وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ)؛ لأنَّه لا يُقيمها في كلِّ عصر إلاَّ الأئمَّة؛ وهي من أعلام الدِّين الظَّاهرة، أشبهت الجهاد.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ١٧٨.
(٢) في (ز): للمسلمين.
(٣) أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٢٣٨)، وابن بشران في فوائده (٦٢٤)، وعلي بن بلبان الفارسي في تحفة الصديق (ص ١٢٤)، وقوام السنة في سير السلف الصالحين (ص ٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٧٩)، في قصة طويلة، ومدارها على فرات بن السائب، وهو منكر الحديث. ينظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤١.
(٤) لم نقف عليه عند البزار، وأخرجه أبو يعلى الموصلي (١٠٠٣)، بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه أحمد (١١١٧٤)، والترمذي (١٣٢٩)، وقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، ومداره على عطية العوفي وهو ضعيف، وضعفه الألباني. ينظر: السلسلة الضعيفة (١١٥٦).
(٥) ينظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٦٧.
(٦) أخرجه البخاري (٦٩٥).
(٧) في (أ) و(د) و(و) و(ز): وكانوا.
(٨) ينظر: المغني ٢/ ٢٤٥، الفروع ٣/ ١٥٤.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
وعنه: إن لم يتعذَّر.
وعنه: يشترط لوجوبها لا لجوازها.
وإن لم يعلم بموته إلاَّ بعد الصَّلاة، واشترط إذنه؛ فعنه: لا إعادة للمشقَّة. وعنه: بلى؛ لبيان الشَّرط.
فرع: إذا غلب الخوارج على بلد، فأقاموا فيه الجمعة؛ جاز اتِّباعهم، نَصَّ عليه (^١)، قال القاضي: ولو قلنا: من شرطها إمام، إذا كان خروجهم بتأويل سائغ.
وقال ابن أبي موسى: يصلِّي معهم الجمعة، ويعيدها ظُهرًا.
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٦٣٩ ]