(وَصِفَةُ الْوُضُوءِ)؛ المرادُ بها هنا: الكيفيَّةُ.
(أَنْ يَنْوِيَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ) وقد تقدَّما، (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ)؛ أي: كفَّيْهِ (ثَلَاثًا)؛ لأنَّ مَنْ (^١) وَصفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ ذكَرَ أنَّه كان يبدأ فيغسِل كفَّيه ثلاثَ مرَّات (^٢)؛ لأنَّ اليديْنِ آلةٌ لنقل الماء، فاستُحِبَّ غسلُهما تحقيقًا لطهارتهما، وتنظيفًا لهما.
وحينَئِذٍ فيتكرَّرُ غسلُهما عند الاِستِيقاظِ من النَّوم، وفي أوَّلِهِ، ومعَ كلِّ يَدٍ.
(ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ)؛ لما رَوى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوضَّأ، فأخذَ غَرْفةً مِنْ ماءٍ، فمضمضَ بها، واستنْشقَ» رواه البخاري (^٣).
والمضْمضةُ: إدارةُ الماءِ في الفم. والاِستنْشاقُ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَس إلى باطِنِ الأنْفِ، والسُّنَّةُ أن يكون بيمينِه، ويستنثِر بيَساره.
وعنه: يجبُ في الصُّغرى.
وظاهِره: أنَّهُ يُسنُّ تقديمُ المضمضة عليهِ، ويتوجَّه أنَّه يَجِبُ وش (^٤)، ولأِنَّ الفمَ أشرفُ؛ لكونه محلَّ القراءة والذِّكر وغيرهما، وهما في ترتيبٍ وموالاةٍ كغيرهما.
(وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ)؛ للحديثِ المتَّفقِ عليه: «أنَّهُ أدخل يدَه في الإناءِ، فمَضْمضَ واستنْشقَ ثلاثًا بثلاثِ غَرَفاتٍ» (^٥)، (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ)؛ لأنَّ في
_________________
(١) في (أ): في.
(٢) ومنه: حديث عثمان ﵁ في صفة الوضوء عند البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦)، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ عند البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٠).
(٤) وهو وجه عند الشافعية. ينظر: الحاوي الكبير ١/ ١٤٣، المجموع ١/ ٣٦٢.
(٥) أخرجه البخاري (١٩٢)، ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁ في صفة الوضوء.
[ ١ / ١٦٩ ]
حديث جدِّ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاقِ» رواه أبو داود (^١)، وَوُضوءُه كان ثلاثًا ثلاثًا، فلزم كونُهما من سِتٍّ، والأفضل كما نصَّ عليه: أن يكون لهما من غرفةٍ واحدةٍ (^٢).
وفي تسمِيتِهما فرضًا وسقوطِهما سهوًا روايتان، والمذهب: أنَّهما يُسَمَّيان فرضًا، ولا يَسقطان سهْوًا.
(وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ)، هذا هو المشهور؛ لأنَّ الله تعالى أمر بغسل الوجه وأطلق، وفسَّره النَّبيُّ ﷺ بفعله وتعليمه؛ فمضمض واستنشق في كلِّ وضوء توضَّأه، ولم ينقل عنه الإخلال به مع اقتصاره على المُجْزئ؛ وهو الوضوء مرَّةً مرَّةً، وقوله: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصَّلاة إلَّا به» (^٣)، وفعلُه إذا خرج بيانًا كان حكمُه حكمَ ذلِك المُبَيَّنِ، ولو كان مستحبًا لتركه ولو مرَّةً لتَبْيِينِ (^٤) الجوازِ كما في الثَّانيةِ والثَّالثةِ، وقد رَوى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي هريرة قال: «أمرنا النَّبيُّ ﷺ بالمضمضة والاستنشاقِ» وإسنادُه جيِّدٌ (^٥)، وفي حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا توضَّأْتَ فتَمضمضْ» رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ جيِّدٍ (^٦)، ولأنَّهما في حكم الظَّاهِر، بدليل أنَّ وضعَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٣٩)، وهو حديث ضعيف، في سنده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند جمهور الأئمة. ينظر: تهذيب الكمال ٢٤/ ٢٧٩، البدر المنير ٢/ ١٠٤.
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ١٦.
(٣) سبق تخريجه ١/ ١٥٥ حاشية (٥).
(٤) في (أ): لتبن.
(٥) أخرجه الدارقطني (٤١٥)، من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة ﵁، وصحح الدارقطني وغيره إرساله. ينظر: خلاصة الأحكام (١٥٣)، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٨.
(٦) أخرج هذه اللفظة أبو داود (١٤٤) وحسن إسنادها النووي، وصححها ابن القطان، وابن الملقن، وابن حجر. ينظر: خلاصة الأحكام (١٥١)، البدر المنير ٢/ ١٢٦، التلخيص الحبير ١/ ٢٦٤.
[ ١ / ١٧٠ ]
الطَّعام (^١) والخمر فيهما؛ لا يوجب فطرًا، ولا يَنشُر حُرمةً، ولا يُوجب حدًّا (^٢)، وحُصولُ النَّجاسةِ فيهما يُوجِبُ (^٣) غسلهما، ويُنقَض الوضوء بوصولِها إليهِما، ولَا يَشقُّ إيصال الماء إليهما، بخلاف باطِن اللِّحية الكَثَّة.
وعنه: أنَّ الاستنشاق وَحْدَه واجبٌ فيهما؛ لما في الصَّحيحين من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر»، وفي لفظ (^٤): «فليستنشق» (^٥)، وإذا (^٦) ثبت ذلك في الوضوء ففي الغسلِ أولى، ولأنَّ (^٧) طرَف الأنف لا يَزال مفتوحًا بخلاف الفَمِ، وقاله أبو عبيد وأبو ثور.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى)؛ لأنَّه يجب إيصالُ الماء فيها إلى باطن الشُّعور ونحوه، (دُونَ الصُّغْرَى)؛ لأنَّ المأمور فيها غَسلُ الوجهِ، وهو ما تقع به المواجَهة، وليسا كذلك، أشبها باطنَ اللِّحيةِ الكَثَّة.
وعنه: يجِبان في الأصغر فقط، نقلها الميموني (^٨). وعنه: يجب الاستنشاق وحدَه في الأصغر، ذكرها صاحب «الهداية». وعنه: عكسُها (^٩) ذكرها ابن الجوزي. وعنه: هما سنة وم ش (^١٠)، كانتِثاره.
_________________
(١) زاد في (ب) و(و): واللبن.
(٢) في (أ): حدًّا.
(٣) في (أ): توجب.
(٤) في (و): لفظة.
(٥) في (أ): فلينشق. وفي (و): فليستنثر. وأخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٧).
(٦) في (و): إذا.
(٧) في (و): لأن.
(٨) ينظر: الفروع ١/ ١٧٤.
(٩) في (و): في الكبرى.
(١٠) ينظر: بداية المجتهد ١/ ١٧، الحاوي الكبير ١/ ١٠٣.
[ ١ / ١٧١ ]
(ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ)؛ للنَّصِّ، فيأخذ الماءَ بيديْه جميعًا، أو يغترف بيمينه ويضمُّ إليها الأخرى، ويغسل بهما ثلاثًا؛ لأنَّ السُّنَّة قد استفاضت به، خصوصًا حديثَ عثمانَ المتَّفق على صحَّته.
(مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ) غالبًا، فلا (^١) عِبرة بالأفْرَع (^٢) الذي يَنبُت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعرُه عن مقدَّم رأسه، (إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ طُولًا، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا)؛ لأنَّ ذلك تحصل (^٣) به المواجَهة.
وعُلم من كلامه: أنَّ الأذنين ليسا من الوجه، وأنَّ البياضَ الذي بين العِذار والأذن منه، ونصَّ (^٤) الخِرَقِيُّ عليه؛ لأنَّه يَغفُل النَّاسُ عنه، وقال م (^٥): ليس من الوجه، ولا يجب غسله، قال ابن عبد البرِّ: (لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقوله هذا) (^٦)، ولأنَّه يجب في حقِّ غير المُلتَحِي، فكذا غيره.
فيدخل (^٧) في حدِّ الوجه:
-العِذارُ: وهو الشَّعْر الذي على العظم الناتِئِ سمْت صِماخ الأذن، مرتفِعًا إلى الصُّدْغ، ومنحطًّا إلى العارِض.
-والعارض: وهو الشَّعر النابت على الخد.
-واللَّحْيان: العظْمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه، وعليهما ينبت (^٨) أكثرُ اللِّحية.
_________________
(١) في (و): ولا.
(٢) في الأصل: بالأقرع. والصواب المثبت.
(٣) في (و): يحصل.
(٤) في (أ): (نص).
(٥) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ١١٨، بداية المجتهد ١/ ١٨.
(٦) ينظر: التمهيد ٢٠/ ١١٨.
(٧) في (أ): فدخل.
(٨) في (و): تنبت.
[ ١ / ١٧٢ ]
-والذَّقَن: وهو مَجْمَع اللَّحيَيْن.
-والحاجِبان، وأهدابُ العينيْنِ، والشارِبُ، والعَنْفَقَةُ.
ولا يَدخلُ صُدْغ: وهو الشَّعر الذي بعد انتهاء العذار يُحَاذي رأسَ الأذن، وينزل عن رأسها قليلًا في ظاهِر كلامِ أحمدَ، وهو الأصحُّ.
واختُلِف في التَّحذيفِ: وهو الشَّعْر بين انتهاء العِذار والنَّزعة، فقال ابن حامد: هو منه، وذكر بعضهم أنَّه الأصحُّ.
وضابِطُه: أن يضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثَّاني على أعْلى الجبهة، ويعرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجه؛ فهو موضِع التحذيف (^١).
ولا يدخل فيه النَّزَعتان: وهما ما انحسر عنه الشَّعر من الرأس متصاعدًا من جانبيه، واختار ابن عقيل والشِّيرازي خلافَه.
ودلَّ كلامُه: أنَّه يجب غسل اللِّحية مع مُسترسِلِها، أوْ خرجَ عن حدِّ الوجه عرضًا، وهو ظاهر المذهب.
وعنه: لا يجِبُ غَسْلُ ما خرج عن مُحاذاة البَشرة طولًا وعَرْضًا، وهو ظاهِر الخِرَقيِّ في المُسترسِل، كما لا يجب غسل ما استرسل من الرأس.
والأوَّل أصح؛ لأنَّ اللحية تُشارك الوجهَ في معنى التوجُّه والمواجهة، وخرج ما نزل من الرأس عنه؛ لعدم مشاركة الرأس في الترؤُّس (^٢).
مسألة: يُستَحب أن يزيد في (^٣) ماء الوجه لأسارِيرِه ودواخِلِه وخوارِجِه
_________________
(١) قوله: (وضابطه أن يضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثَّاني على أعلى الجبهة، ويعرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجه، فهو موضع التحذيف) سقط من (أ) و(ب).
(٢) في (أ) و(ب): الرأس.
(٣) قوله: (في) سقط من (أ).
[ ١ / ١٧٣ ]
وشُعوره، قاله أحمد (^١)، وكره أن يأخذ الماء ثمَّ يصبَّه، ثمَّ يغسل وجهه، وقال: هذا مسح، وليس بغسل (^٢).
وتقدَّم أنَّه لا يجب غسل داخل العينين.
(فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعْرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ؛ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ)؛ لأنَّها لا يُستر ما تحتها، أشبه الذي لا شعر عليه، ويجب غسل الشَّعْر تَبَعًا للمحلِّ.
(وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُهَا؛ أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ)؛ لحصول المُواجَهةِ به، فوجب تعلُّقُ الحكمِ به، بخلاف الغُسل. وقيل: لا؛ كتيمُّم. وقيل: يجب غَسلُه.
وشعْرُ غيرِ اللِّحْية كَهِي، وقيل: يجب غسلُه وش (^٣).
(وَيُسْتَحَبُ تَخْلِيلُهُ) كما تقدَّم.
فرع: لو كان (^٤) شَعْرٌ خفيفٌ وكثيفٌ؛ فظاهِرُ كلامِهم: أنَّ لكلِّ واحِدٍ حُكمَه.
(ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ)؛ للنَّصِّ، ولا خلاف فيه بين الأمَّة (^٥)، (إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ).
ويجب غسل أظفاره، ولا يضرُّ وسَخٌ يسيرٌ في الأصحِّ؛ كبَراجِمِه.
وقيل: إن منع وصول (^٦) الماء إلى ما تحته؛ كشَمْع؛ ففي صحَّة طهارته وجهان، وجزم ابن عَقيل بعدَمها.
وقيل: يُسامح فلَّاحٌ ونحوُه.
وظاهِره: أنَّه إذا نبتت له إصبَعٌ زائِدةٌ أو يَدٌ في محلِّ الفرض؛ فإنَّه يجب
_________________
(١) ينظر: المغني ١/ ٨٨.
(٢) ينظر: المغني ١/ ٨٨.
(٣) ينظر: البيان للعمراني ١/ ١١٦، تحفة المحتاج ١/ ٢٣٤.
(٤) زاد في (و): عليه.
(٥) قوله: (فيه بين الأمة) هو في (و): بين الأئمة فيه. وينظر: مراتب الإجماع ص ١٨.
(٦) في (أ): حصول.
[ ١ / ١٧٤ ]
غسلها معه، فلو كان النابِت في العَضُد أو المَنكِب، ولم يتميز الأصلي (^١)؛ غُسِلَا وجهًا واحدًا، وإن تميَّز؛ لم يجب غسل ما لم يُحاذِ الفرضَ.
وكذا إن حاذاه منها شيءٌ على المذهب. واختار القاضِي والشِّيرازِيُّ، وصحَّحه ابن حَمْدان: أنَّه يجب غسل المُحاذِي.
وإذا تدلَّتْ جِلدةً إلى محلِّ الفرض، أو منه؛ غُسلتْ. وقيل: إن تدلَّت من محلِّ الفرض غسلت، وإلَّا فلا، ذكره ابن تميم.
وإنِ التَحَمَ رأسها في محلِّ الفرض وجب غسل ما فيه منها.
(ثَلَاثًا)؛ لحديث عثمانَ وغيره.
(وَيُدْخِلَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ)؛ لما روى الدَّارقطني، عن جابر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا توضَّأ أمرَّ الماء على مِرْفَقِه» (^٢)، وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية (^٣) الكريمة.
وعنه: لا يجب إدخالهما فيه، وقاله زُفَر (^٤)؛ لأنَّ (إلى) للغاية.
قلنا: وقد يكون بمعنى (مع)؛ كقوله تعالى: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هُود: ٥٢]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢]، فبيَّن ﵇ أنَّها كذلك.
_________________
(١) في (أ) و(ب): الأصل.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٧٢)، وفي سنده القاسم بن محمد بن عبدالله بن عقيل، متروك الحديث، وضعف الحديث جماعة، منهم ابن الجوزي، والمنذري، والنووي، قال ابن حجر: ويغني عنه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: «أنه توضأ حتى أشرع في العضد». ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ١١٩، البدر المنير ١/ ٦٦٩، التلخيص الحبير ١/ ٢٢١.
(٣) في (أ): والآية.
(٤) هو زفر بن الهذيل بن قيس العنبري، أصله من أصبهان، فقيه من تلاميذ أبي حنيفة، قال عن نفسه: (ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به)، تولى قضاء البصرة، وتوفي بها سنة ١٥٨ هـ. ينظر: الجواهر المضية ١/ ٢٤٣، ٢٤٤، والأعلام للزركلي ٣/ ٧٨.
[ ١ / ١٧٥ ]
أو يُقال: اليد تُطلَق حقيقةً إلى المنكِب (^١)، و(إلى) أخرجت ما عدا المِرفق (^٢).
فإن كانت اليد لا مِرفَق لها؛ غُسل إلى قدر المرفق في غالِب النَّاس.
(ثُمَّ يَمْسَحَ (^٣) رَأْسَهُ)، وهو فرض بالإجماع، وسَنَده النَّصُّ، وهو ما نبت عليه الشَّعر في حقِّ الصَّبيِّ، قال في «الشرح»: (وينبغي أن يُعتبر غالبُ النَّاس، فلا يعتبر الأفْرع، ولا الأجلح كما سبق في حدِّ الوجه).
(فَيَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرَّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرَدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمَهِ)، كذا في «المحرر»، وفي «المغني» و«الشرح»: يَضَع طرَف إحدى (^٤) سبَّابتَيه على طرَف الأخرى، ويضَعُهما على مقدَّم رأسِه، ويضَع الإبهامين على الصُّدغيْنِ، ثم يُمِرُّ يدَيه إلى قفاه، ثمَّ يردُّهما إلى المكان الذي بدأ منه؛ لما رَوى عبدُ الله بنُ زَيدٍ في وصْف وضوءِ رسول الله ﷺ قال: «فمسَح رأسَه بيديه، فأقبل (^٥) بهما وأدبر، بدأ بمقدَّمِ رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه» متَّفق عليه (^٦).
ويُستثنَى من ذلك: ما (^٧) إذا خاف أن ينْتَفِش شعْرُه بردِّ يديْه؛ فإنَّه لا يردُّهما، نصَّ عليه (^٨)، بل يمسح إلى قفاه فقط، سواء كان رجلًا أو امرأةً.
_________________
(١) في (و): المرفق. والمثبت موافق لما في شرح العمدة لشيخ الإسلام ١/ ١٨٦، وشرح الزركشي ١/ ١٨٩.
(٢) في (و): المنكب.
(٣) في (و): مسح.
(٤) قوله: (إحدى) سقطت من (أ).
(٥) في (أ): وأقبل.
(٦) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).
(٧) قوله: (ما) سقط من (أ).
(٨) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٣.
[ ١ / ١٧٦ ]
وعنه: تبدأ بمؤخَّره، وتَختِمُ به.
وعنه: تَبدأ هي من وسطه إلى مقدَّمه، ثمَّ من الوسط إلى مؤخَّرِه.
قال في «المغني» و«الشرح»: وكيف مسح بعد استيعاب قدرِ الواجِب أجزأه.
وتُجْزئ بعض يده، وبحائل في الأصحِّ، وه ش (^١).
(وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ)، هذا ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، ومختارُ عامَّةِ الأصحاب، وذكر القَاضِي والسَّامَرِّي: أنَّه أصحُّ الرِّوايات؛ لأنَّه تعالى (^٢) أمرَ بمسح الرأس، وبمسح الوجه في التَّيمُّم، وهو يجب الاستِيعاب فيه، فكذا هنا؛ إذ لا فرق، ولأنَّه ﵇ مسح جميعَه، وفِعْلُه وقَعَ بيانًا للآية، والباء للإلصاق؛ أي: إلصاق الفعل بالمفعول، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم؛ أي: المسح بالماء، وهذا بخلاف لو قيل: امسحوا رؤوسكم؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه ثَمَّ شيءٌ مُلْصَقٌ، كما يقال (^٣): مسحت رأس اليتيم.
وأمَّا دعوى أنَّ الباء إذا وَلِيَتْ فعلًا متعدِّيًا أفادت التبعيض في مجرورها لغةً؛ فغير مسلَّم؛ دَفْعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّة.
قال أبو بكرٍ (^٤): سألتُ ابنَ دريد (^٥) وابنَ عرفة (^٦) عن الباء تبعِّض؛ فقالا:
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٤، تحفة المحتاج ١/ ٢٠٩.
(٢) في (أ): يقال.
(٣) في (أ) و(ب): تقول.
(٤) هو أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال. ينظر: شرح الزركشي ١/ ١٩١.
(٥) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، أبو بكر، من أئمة اللغة والأدب، كان يقال: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، وهو صاحب المقصورة الدريدية، ومن كتبه: الاشتقاق في الأنساب، والمقصور والممدود، وغيرهما، توفي سنة ٣٢١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٢٣، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٩٦.
(٦) هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، الملقب نفطويه، النحوي، كان عالمًا بارعًا، من مصنفاته: غريب القرآن، والمقنع في النحو، والبارع، توفي سنة ٣٢٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٤٧، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٧٥.
[ ١ / ١٧٧ ]
(لا نعرفه في اللغة)، وقال ابن برهان (^١): من زعم أنَّ الباء تبعِّض فقد جاء عن أهل اللغة بما لا يعرفونه.
وقولُه تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسَان: ٦]، وقولُ الشاعر:
شَرِبْن بماءِ البحر (^٢) …
فمن باب التَّضْمِين؛ كأنَّه قيل: يَروَى.
وما رُوِيَ: «أنَّه ﵇ مسح مقدَّم رأسه»؛ فمحمول على أنَّ ذلك مع العِمامة؛ كما جاء مفسَّرًا في حديث المغيرةِ بنِ شُعْبةَ (^٣)، ونحن نقول به.
وظاهره: أنَّه يتعيَّن استيعاب ظاهِرِه كلِّه، لكن استَثْنَى في «المترجم» و«المبهج» اليسيرَ للمَشَقَّةِ.
(مَعَ الْأُذُنَيْنِ)؛ أي: يجب مسحهما مع الرأس في رواية اختارها جماعةٌ؛
_________________
(١) هو عبد الواحد بن علي، ابن برهان الأسدي العكبري، أبو القاسم، عالم بالأدب والنسب، قال ابن ماكولا: ذهب بموته علم العربية من بغداد، وكان حنبليًّا فتحول حنفيًّا، ومال إلى إرجاء المعتزلة، من مصنفاته: الاختيار في الفقه، وأصول اللغة، واللمع في النحو، توفي سنة ٤٥٦ هـ. ينظر: فوات الوفيات ٢/ ٤١٤، الإعلام ٤/ ١٦٧.
(٢) والبيت بتمامه: شربن بماء البحر ثمّ ترفَّعت متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنّ نئيج وهو لأبي ذؤيب الهذلي. ينظر: أمالي ابن الشجري ٢/ ٦١٣، خزانة الأدب ٧/ ٩٨.
(٣) أما ما روي مما يدل على الاكتفاء بمقدم الرأس: فهو ما أخرجه الشافعي كما في المسند (٧٨) من مرسل عطاء: «أن رسول الله ﷺ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه»، وقواه ابن حجر بما ورد في الباب من أحاديث وآثار لا تخلو من مقال، ومنها ما أخرجه أبو داود (١٤٧) من حديث أنس ﵁، وفي إسناده أبو معقل وهو مجهول. وأما حديث المغيرة ﵁: فهو ما أخرجه مسلم (٢٧٤) ولفظه: «ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه». ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ١٩٥ - ١٩٦، الهدي لابن القيم ١/ ١٨٦، فتح الباري ١/ ٢٩٣، ضعيف سنن أبي داود للألباني ١/ ٤٦.
[ ١ / ١٧٨ ]
لقوله ﵇: «الأذنان من الرَّأْس» (^١).
وظاهِرُ المذهب: أنَّه لا يجب مسحهما وإن وجب الاستيعاب؛ لأنَّهما منه حُكمًا، لا حقيقةً؛ لأنَّ الرأس عند إطلاق لفظِه إنما يتناول ما عليه الشَّعر، بدليل: أنَّه لا يجزئ مسحهما عنه وإن قلنا بإجزاء البعض، قاله الجمهورُ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ)؛ لأنَّه يطلق على الجميع كما يُقال: جاء العسكرُ، والمرادُ أكثرُه، ولأنَّ إيجاب الكلِّ قد يفضي إلى الحرج غالبًا، وأنَّه منفيٌّ شرعًا.
فإن ترك الثُّلثَ فما دونُ؛ جازَ، وقاله محمَّدُ بن مَسلَمة (^٢).
وعنه: يُجزئ بعضُه، وفي «الانتصار»: في التجديد، وفي «التعليق»: للعذر. واختاره الشَّيخ تقي الدِّين، وأنَّه يمسح معه العِمامة، ويكون كالجَبِيرَة، فلا توقيتَ (^٣).
وعنه: يجزئ بعضُه للمرأة، وهي الظَّاهرة عند الخَلَّال والمؤلف؛ لأنَّ عائشة كانت تمسح مقدَّم رأسِها (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ١٥٤ حاشية (٤).
(٢) هو محمد بن مسلمة بن الوليد الواسطي، أبو جعفر الطيالسي، حدث عن: يزيد بن هارون، وأبي عبد الرحمن المقرئ، توفي ٢٨١ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام ٦/ ٨٢٤، الوافي بالوفيات ٥/ ٢١.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ١٧٩، الاختيارات ص ٢١. وقال في الإنصاف ١/ ٣٥٠: (واختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه العمامة للعذر؛ كالنزلة ونحوها، وتكون كالجبيرة، فلا توقيت).
(٤) في المغني (١/ ٩٣): قال مهنا: قال أحمد: (أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل). قلت له: ولم؟ قال: (كانت عائشة تمسح مقدم رأسها). ولم نقف على هذا الأثر عن عائشة ﵂. وروي عنها خلاف ذلك: أخرج البيهقي في الكبرى (٢٨٣)، عن أم علقمة مولاة عائشة زوج النبي ﷺ، عن عائشة: «أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله»، وأم علقمة اسمها مرجانه، وهي مجهولة.
[ ١ / ١٧٩ ]
وعنه: قدرُ النَّاصِية، وفي تعيينها وجهان، وهي مقدَّمه عند القاضي، وقدَّمه في «الفروع»، وقيل: قِصَاصُ الشَّعر.
تذنيب: إذا مسح بَشَرة رأسه دون ظاهِر شعْره؛ لم يُجْزِئْه، وكذا إذا مسح ما نزل عن الرَّأس من الشَّعر ولو كان مَعْقُوصًا على الرأس.
وإن غسل رأسَه بدلًا عن مسحه، ثمَّ أمرَّ يده عليه؛ جاز في الأشهر، وكذا الخُفُّ والجَبِيرة.
قال ابن حامد: إنَّما (^١) يجزئ الغَسل عنه إذا نواه به، فلو أصاب رأسَه ماءٌ من غير قصد، ثمَّ مسحَه بيده بعد نيَّة الوضوء؛ أجزأه في الأقيس.
والثَّاني: لا، كما لو وضع يده مبلولةً على رأسه ولم يُمرَّها عليه، أو وضع عليه خِرقةً مبلولةً، أو بلَّها عليه.
ولو كان على رأسه خِضابٌ فمسح عليه؛ لم يجزئه، نصَّ عليه (^٢).
(وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ) في الصَّحيح من المذهب، قال التِّرمذي: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم) (^٣)؛ لأنَّ أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنَّه مسح رأسه واحدةً (^٤)، ولأنَّه مَسْحٌ في (^٥) طهارة عن حدث، فلم يستحبَّ تكراره؛ كالمسح على الخفَّين وفي التيمُّم.
(وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ)، قال في «المغني»: (ويحتمله كلامُ الخِرَقي؛ لقوله: «والثلاثُ أفضلُ»)، وفيه نظر، بماء جديد، نصره أبو الخطاب، وابن الجوزي؛ لما روى عثمان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مسح رأسه ثلاثًا» رواه
_________________
(١) في (و): وإنَّما.
(٢) ينظر: مسائل صالح ١/ ١٦٨.
(٣) ينظر: سنن الترمذي ١/ ٨٩.
(٤) سبق تخريجه ١/ ١٧٦ حاشية (٦).
(٥) في (و): من.
[ ١ / ١٨٠ ]
أبو داود، قال ابن الصَّلاح: (حديث حسن) (^١)، ولأنَّه أصل في الطَّهارة، فَسُنَّ تكراره كالوجه.
والأوَّلُ أوْلَى، قال أبو داود: (أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مسح الرَّأس واحدةً؛ فإنَّهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وقالوا فيها: «ومسح برأسه»، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره) (^٢)، قال في «الشرح»: (أحاديثُهم لا يصحُّ (^٣) منها شيء (^٤) صريحٌ).
لا يُقال: إنَّ مسحَه ﵇ مرَّةً واحدة لتبيين الجواز، وثلاثًا لتبيين الفضيلة كما فعل في الغسل؛ لأنَّ قول الراوي: هذا طهور (^٥) رسول الله ﷺ يدلُّ على أنَّه طهور على الدَّوام.
فرع: إذا زال شعرُه بعد غَسْلِه أو مسحِه، أو ظُفُرٌ، أو عُضوٌ؛ لم يؤثِّر في طهارتِه في قول أكثر العلماء. وقيل: بلى، ورُوي عن بعض السلف (^٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٧)، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن حمران، به، وبيَّن أبو داود أن هذا الحرفَ لم يذكره جميع من روى الحديث وهو قوله: (ثلاثًا)، وأن المحفوظ في حديث عثمان المسح على الرأس واحدة، ورجح غير أبي داود ثبوت التثليث بروايات أخرى تعضد هذه اللفظة. ينظر: تنقيح التحقيق ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، البدر المنير ٢/ ١٧١، صحيح أبي داود للألباني ١/ ١٧٩.
(٢) ينظر: سنن أبي داود ١/ ٢٦.
(٣) في (أ): تصح.
(٤) في (أ): (من) بدل (شيء).
(٥) في (و): وضوء.
(٦) روي ذلك عن مجاهد والحكم وحماد بن أبي سليمان. ينظر: الأوسط لابن المنذر ١/ ٢٣٩. وأخرج حرب في مسائله - كتاب الطهارة - (٤١٠)، عن مجاهد: «أن علي بن أبي طالب كان إذا قلم أظفاره أو أخذ شاربه توضأ، وإذا احتجم اغتسل»، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
[ ١ / ١٨١ ]
(ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ)؛ للآية الكريمة، (ثَلَاثًا)؛ لحديث عثمان وغيره، (إِلَى الْكَعْبَيْنِ)؛ أي: كلُّ رِجلٍ تُغسل إلى الكعبين، ولو أراد كِعابَ جميع الأرجل لذكره بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]؛ لأنَّ مقابلةَ الجمع بالجمع تقتضي (^١) توزيع الأفراد على الأفراد؛ كقولك: ركب القوم دوابهم.
والكَعْبان: هما العَظمان النَّاتِئان اللَّذان في أسفل الساق من جانبي القدم، وقاله أبو عُبَيد، ويدلُّ عليه حديث النعمان بن بشير، قال: «كان أحدُنا يُلزِق (^٢) كَعبَه بكَعب صاحبِه في الصَّلاة» رواه أحمد وأبو داود (^٣)، ولو كان مُشْط القدَم؛ لم يستقم ذلك.
(وَيُدْخِلَهُمَا فِي الْغَسْلِ)؛ لما سبق، ولقوله ﵇: «ويلٌ للأعقاب من النَّار» متَّفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو (^٤).
(وَيُخلِّلَ أَصَابِعَهُ) وقد تقدَّم.
(فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ؛ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «إذا أمَرْتُكُم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متَّفق عليه (^٥)، (فَإِنْ (^٦) لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) من محلِّ الفرض؛ (سَقَطَ)؛ لفوات المحلِّ.
_________________
(١) في (و): يقتضي.
(٢) في (و): يلزم.
(٣) أخرجه البخاري معلقًا، كتاب الأذان، باب إلزاق المَنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وأحمد (١٨٤٣٠)، وأبو داود (٦٦٢)، وابن خزيمة (١٦٠)، وابن حبان (٢١٧٦)، وصححه جماعة من الأئمة كالنووي وابن حجر وغيرهما. ينظر: البدر المنير ١/ ٦٧٨، صحيح أبي داود للألباني ٣/ ٢٣٦.
(٤) أخرجه البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١).
(٥) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) في (و): وإن.
[ ١ / ١٨٢ ]
فلو قُطع من المِرفَق؛ غسل رأس العَضُد، نصَّ عليه (^١)، وقدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز».
وفيه وجه: يُستَحبُّ مسح طرَفِه، صحَّحه في «الرعاية»، وهو ظاهِر كلام المؤلِّف.
فإن كان القَطع من فوق المِرفَق؛ لم يجب شيء، ولم يستحبَّ مسحُ موضِع القطع.
وقيل: يستحبُّ، وهو ظاهر ما في «الشرح»؛ لئلَّا يخلوَ العضوُ عن طهارة، وهو موضع التَّحْجيل.
فأمَّا المتيمِّم إذا قُطعت يدُه مِنْ مَفصِل الكُوع؛ سقَط مسحُ ما بقِيَ هناك، وإن قلنا: يجِب في الغُسل؛ لأنَّ الواجبَ هناك مسح الكَفَّين (^٢)، وقد ذهبا، بخلاف الوضوء (^٣)؛ فإنَّ المِرفَق من جملة محلِّ الفرض، وهذا أحد الوجهين، والمنصوص: وجوب المسح أيضًا (^٤)؛ لأنَّ المأمور به مسح اليد إلى الكوع.
فرع: إذا تُبُرِّع بتطهيره؛ لزمه ذلك. ويتوجَّه: لا، ويتيمَّم.
فإن لم يجد إلَّا بأجرة مثله؛ لزمه. وقيل: لا؛ لتكرُّر الضَّرَر دوامًا.
فإن عجَز صلَّى، وفي الإعادة وجهان؛ كعادِم الطَّهورين.
قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ في استنجاءٍ مثلُه.
وفي «المُذهب»: يلزمه بأجرةِ مثلِه، وزيادةٍ (^٥) لا تُجحِف (^٦) في وجه.
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٩.
(٢) في (و): الخفين.
(٣) في (أ): الفرض. وفي (و): العضو.
(٤) ينظر: شرح العمدة ١/ ١٨٦، شرح الزركشي ١/ ٣٥١.
(٥) في (و): أو زيادة.
(٦) في (و): لا تخفف.
[ ١ / ١٨٣ ]
(ثُمَّ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)؛ لما روى مسلمٌ عن عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ إلا فُتِحت له أبواب الجنَّة الثَّمانيةُ يَدخُل من أيِّها شاءَ» (^١)، ورواه التِّرمذيُّ، وزاد: «اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين» (^٢)، ورواه أحمد، وأبو داود، وفيه: «ثمَّ رفع (^٣) نظره إلى السماء» (^٤).
قال في «الفروع»: ويتوجَّه ذلك بعد الغسل، ولم يذكروه.
(وَتُبَاحُ مَعُونَتُهُ)؛ كتقريب ماء الغسل أو الوضوء (^٥) إليه، أو صبِّه عليه؛ لما روى المغيرة بن شعبة قال: «بينا أنا مع النَّبيِّ ﷺ ذات ليلة؛ إذ نزل فقضى (^٦) حاجته، فصبَبْتُ عليه من إداوةٍ كانت معي، فتوضَّأ ومسح على خفَّيه» متَّفق عليه، ولفظه لمسلم (^٧).
ويقف عن يساره، وقيل: عكسُه.
فرع: إذا وضَّأه غيرُه؛ اعتُبِرت النِّيَّة في المتوضِّئ؛ لأنَّه المخاطَب. وقيل: مع نيَّة من وضَّأه إن كان مسلمًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٥)، وأُعل بالاضطراب والانقطاع، وله شواهد حسنها به بعض أهل العلم. ينظر: البدر المنير ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥، الإرواء ١/ ١٣٤.
(٣) في (أ): يرفع.
(٤) أخرجه أحمد (١٢١)، وأبو داود (١٧٠)، وضعفه المنذري، وابن دقيق العيد. ينظر: البدر المنير ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥، الإرواء ١/ ١٣٤.
(٥) قوله: (الغسل أو الوضوء) هو في (و): الوضوء أو الغسل.
(٦) في (و): يقضي.
(٧) أخرجه البخاري (٢٠٣)، ومسلم (٢٧٤).
[ ١ / ١٨٤ ]
قال ابن تميم (^١): (لو وضَّأه غيرُه ولا عذرَ؛ كُرِه وأجزأه، وعنه (^٢): لا).
وإن أكرهه عليه؛ لم يصحَّ في الأصحِّ.
(وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) من غير كراهة فيهما؛ لما روى قيْس بن سعْد قال: «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فأمر له سعدٌ بغسل، فوُضع له (^٣)، فاغتسل، ثمَّ ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس (^٤)، فاشتمل بها» رواه أحمد وأبو داود (^٥).
وعنه: يُكرهان؛ كنفضِ يده، لخبر أبي هريرة: «إذا توضَّأتم فلا تنفضوا أيديَكم؛ فإنَّها مراوح الشَّيطان» رواه المعمري وغيره (^٦).
والمذهب: عدم الكراهة، اختاره الشَّيخانِ، لكن قيل لأحمدَ عن مسح بلل الخفِّ؛ فكرهه، وقال: لا أدري، لم أسمع فيه بشيء (^٧).
(وَلَا يُسْتَحَبُّ)، جزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه إزالةُ أثَرِ العبادة، فلم يستحبَّ؛ كإزالة دم الشَّهيد، ولو كان أفضل لداوم عليه.
_________________
(١) قوله: (قال ابن تميم) سقط من (أ). وينظر: مختصر ابن تميم ١/ ٢٢٧.
(٢) قوله: (وعنه) سقطت من (أ).
(٣) قوله: (فوضع له) سقط من (و).
(٤) قوله: (أو ورس) سقط من (و).
(٥) أخرجه أحمد (١٥٤٧٦)، وأبو داود (٥١٨٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٨٤)، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد، وأعل بالانقطاع بينهما، والاختلاف في وصله وإرساله. ينظر: البدر المنير ٢/ ٢٥٥.
(٦) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٠٣، وابن عدي في الكامل ٢/ ٢٣٩، من رواية البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال أبو حاتم: (هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول). ينظر: علل ابن أبي حاتم (٧٣)، التلخيص الحبير ١/ ٢٩٦.
(٧) ينظر: الفروع ١/ ١٩١.
[ ١ / ١٨٥ ]
مسائل:
الأولى: المفاضَلة بين أعضاء الوضوء غير مكروهة؛ لحديث عبد الله بن زيد (^١).
وعنه: تكره؛ إذ لا مفاضلة بينها كما تدلُّ عليه الأحاديث.
ويُعمل في عددها (^٢) بالأقلِّ، وفي «النهاية»: بالأكثر.
الثَّانية: يسنُّ التَّجديد لكلِّ صلاة؛ للأخبار، منها ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالوضوء عند كلِّ صلاة» وإسناده صحيح (^٣).
وعنه: لا؛ كما لا يُستَحبُّ تجديد الغسل، وكما لو لم يُصَلِّ (^٤) بينهما.
وقيل: يكره. وقيل: المداومة.
ولا بأس أن يصلِّيَ به ما لم يحدِث، وهو قول الأكثر.
وحكى الطَّحاويُّ عن ابن عمرَ وجماعةٍ وجوبَ الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ (^٥)،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣٥)، عن عبد الله بن زيد ﵁: أنه دعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: «هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ».
(٢) في (ب): عدمها. والمعنى: يعمل في عدد الغسلات.
(٣) في (و): إسناده صحيح. أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٤٤٨)، وفي سنده أبو معشر نجيح بن عبدالرحمن السندي، وهو ضعيف، وأخرجه أحمد (٧٥١٣)، وفي سنده محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق له أوهام، وصحح إسناده ابن الملقن، ولهذا الحديث شاهد من حديث عبدالله بن حنظلة ﵁، أخرجه أبو داود (٤٨)، وابن خزيمة (١٥). ينظر: البدر المنير ١/ ٦٩٩، صحيح أبي داود للألباني ١/ ٨٦.
(٤) في (أ): فصل.
(٥) إنما قال الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٦٨): (فقال بعضهم: كل قائم إلى صلاة مكتوبة فقد وجب عليه الوضوء)، وذكر الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤١): (باب الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟)، ولم يذكر فيهما عن ابن عمر ﵄ شيئًا في وجوب الوضوء لكل صلاة. ونقل ابن بطال في شرح البخاري (١/ ٢١٤)، كلام الطحاوي السابق ثم قال: (وممن كان يتوضأ لكل صلاة وإن كان طاهرًا: ابن عمر، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وابن سيرين)، وفعلهم هذا لا يدل على أنهم يقولون بالوجوب. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه عبد الرزاق (١٧٠)، عن معمر، عن أيوب، عن نافع: «أن ابن عمر كان يتوضأ لكل صلاة»، وإسناده صحيح. وقد روي عنه خلاف ذلك أيضًا: أخرج ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦١)، عن عبد الله بن جابر، عن نافع قال: «كان ابن عمر يصلي الصلوات بوضوء واحد»، وابن جابر عن نافع منقطع كما في التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٦٠)، وله شاهد عند ابن أبي شيبة (٢٩١)، وفيه ضعف، لكنه يتقوى به، فالأثر ثابت عن ابن عمر ﵄. تنبيه: قال ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٥): (يجوز أن يصلي بالوضوء ما لم يحدث، ولا نعلم في هذا خلافًا)، وتبعه الشارح.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال النَّخَعِيُّ: لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثرَ من خمسِ صلواتٍ (^١)، وخَصَّها قومٌ بالمسافر (^٢).
الثَّالثة: يُباح هو وغُسلٌ في مسجد إن لم يؤذِ به أحدًا، حكاه ابن المنذر إجماعًا (^٣).
وعنه: يُكرَه.
وإن نَجُس (^٤) المنفصِل حَرُم؛ كاستنجاءٍ وذَبح.
_________________
(١) علقه ابن حزم في مراتب الإجماع (ص ٢٢)، فقال: (فروينا عن إبراهيم النخعي: أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات)، ونقله عنه النووي في المجموع (١/ ٤٧٠)، ولم نقف على إسناده. وفي المغني (١/ ١٠٥): (قال أحمد بن قاسم: سألت أحمد عن رجل صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ قال: ما بأس بهذا إذا لم ينتقض وضوءه، ما ظننت أن أحدًا أنكر هذا).
(٢) ذكر الطحاوي هذا القول في أحكام القرآن (١/ ٦٨) ولم يسم قائله.
(٣) ينظر: الأوسط ٥/ ١٣٩.
(٤) في (و): وإن لم ينجس.
[ ١ / ١٨٧ ]
وهل تكره إراقتُه فيما يُداس؟ فيه روايتان، ويكره في مسجد.
قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ولا يُغسَّل فيه ميِّتٌ)، قال: (ويجوز عمل مكان للوضوء للمصلحة بلا محذور) (^١).
الرَّابعة: إذا بقي لُمعة من محلِّ الفرض لم يُصِبْها الماءُ؛ فهل يجزئ مسحها؟ على روايتين مع التَّرتيب والموالاة في ظاهر المذهب.
الخامسة: يُكرَه الكلام على الوضوء، والمراد: بغير ذكر الله تعالى، صرَّح به جَمْعٌ.
وكذا السَّلام عليه، وظاهِرُ كلام الأكثر: لا يكره السَّلام، ولا (^٢) الرَّدُّ، وإن كان على طهر فهو أكمل؛ لفعله ﵇ (^٣).
ويستقبل القبلة، وكذا في كلِّ عبادة إلَّا لدليل.
السَّادسة: الحدَثُ يَحُلُّ جميعَ البدن؛ كالجَنابة، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه أعضاء الوضوء)، وهو ظاهر.
السَّابعة: يجب الوضوء بالحدَث، وقيل: بإرادة الصَّلاة بعده، وقوَّاه ابن الجوزي، وذكر في «الفروع»: (ويتوجَّهُ قياسُ المذهب: بدخول الوقت لوجوب الصَّلاة إذَنْ، ووجوب الشَّرْط بوجوب المشروط، ويتوجَّه مثله في غسل، قال الشَّيخ تقي الدِّين: وهو لفظي).
فائدة: الحِكمةُ في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها: أنَّه
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ١٩١.
(٢) في (و): على.
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٩)، عن أبي الجهم - هكذا في مسلم، وصوابه كما في البخاري ونبه عليه النووي: الجهيم -، ابن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ عليه، حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇».
[ ١ / ١٨٨ ]
ليس في البدن ما يتحرَّك للمخالفة أسرع منها، فأمر بغسلها ظاهرًا؛ تنبيهًا على طهارتِها الباطنة.
ورتَّب غسلَها على ترتيبِ سُرعة الحركةِ في المخالفة، فأمرَ بغسل الوجه، وفيه الفمُ والأنفُ، فابتدأ بالمضمضة؛ لأنَّ اللِّسان أكبر (^١) الأعضاء وأشدُّها حرَكَةً؛ لأنَّ غيرَه قد يسلَم، وهو كثيرُ العَطَب، قليلُ السَّلامةِ غالبًا، ثمَّ بالأنفِ؛ لينوب عمَّا يَشَمُّ به، ثمَّ بالوجه (^٢)؛ لينوب عمَّا نظَر، ثمَّ باليدين؛ لتنوب عن البطشِ، ثمَّ خصَّ الرَّأسَ بالمسح؛ لأنَّه مجاوِر لمن تقع منه المخالفة، ثمَّ بالأذن؛ لأجل السَّماع، ثمَّ بالرِّجْل؛ لأجْل المَشْيِ، ثمَّ أرشدَه بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشَّهادتين.
_________________
(١) في (أ): أكثر.
(٢) قوله: (لينوب عما يشم به ثم بالوجه) سقط من (و).
[ ١ / ١٨٩ ]