(وَفَرَائِضُ التَّيَمُّمِ أَرْبَعَةٌ: مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ، وَيَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المَائدة: ٦]، وفي البخاريِّ: «وضرب النَّبيُّ ﷺ بكفَّيه (^١) الأرض، ونَفخ فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه» (^٢)، وذلك يقتضي وجوب استيعابهما به.
فالوجه يجب مسحُ ظاهِرِه بما (^٣) لا يشقُّ، فلا يمسح باطِنَ الفم والأنف، ولا باطن الشعر الخفيف، وظاهر «المستوعب»: استثناءُ باطن الفم والأنف (^٤) فقط.
واليدين إلى الكُوعين، فإن (^٥) كان أقطعَ منه؛ وجب مسح موضع القَطْع في المنصوص (^٦)؛ كما لو بقي من الكفِّ بقِيَّةٌ. وقال القاضي: لا يجب، بل يستحبُّ كما لو قُطِع من فوْق الكُوع على المنصوص (^٧).
(وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوالَاةُ) عُرْفًا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّهما فرض في المبدل، فكذا في البَدَل.
والثَّانية، - وحكاها في «الفروع» قولًا -: لا يجبان وإن وجَبا في
_________________
(١) قوله: (بكفيه) سقط من (و).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٧)، من حديث عمار بن ياسر ﵄.
(٣) في (و): فيما.
(٤) قوله: (ولا باطن الشعر الخفيف، وظاهر «المستوعب» استثناء باطن الفم والأنف) سقط من (ب) و(و).
(٥) في (أ): فإذا.
(٦) ينظر: مسائل حرب ١/ ٤٢٧.
(٧) ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٩.
[ ١ / ٣٢٧ ]
الوضوء، وهو ظاهِر الخِرَقِيِّ؛ لظاهر الأحاديث.
وقيل: التَّرتيبُ، قال المجْد: هو قياس (^١)، ولهذا يجزئه مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه.
وظاهره يشمل الطَّهارة الكبرى؛ لأنَّها صفة واحدة، بخلاف الغسل والوضوء؛ فإنَّ صفتيهما مختلفة، وهو قول أبي الحسين. والمذهب: أنَّهما لا يَجِبان فيها، جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». وقيل: بلى. وقيل: موالاة (^٢).
والتَّسمية هنا كالوضوء.
(وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ كنجاسة على بدنه، فيَنوِي استباحة الصَّلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما، أو بعض بدنه أو كله، ونحوه، أو ما شَرْطه الطَّهارة؛ كمسِّ المصحف؛ لأنَّها طهارةُ ضَرورةٍ، فلم ترفَع الحدث؛ كطهارةِ المستحاضة، فلم يكن بدٌّ من التعيين؛ تقويةً لضعفه.
فلو نوى رفعَ الحدث؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التَّيمُّم إجماعًا، ولو رفعه لاستوى الجميع في الوجدان.
ونقل عنه الفضل (^٣)، وبكر بن محمَّد (^٤): أنه يصلي به إلى حدثه، اختاره
_________________
(١) زاد في (و): المذهب.
(٢) في (و): بموالاة.
(٣) هو الفضل بن زياد، أبو العباس القطان البغدادي، ذكره أبو بكر الخلال، فقال: كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، فوقع له منه مسائل كثيرة جياد. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٥١، المقصد الأرشد ٢/ ٣١٢.
(٤) هو بكر بن محمد النسائي الأصل، البغدادي المنشأ، كان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه، وعنده مسائل كثيرة سمعها منه. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١١٩، المقصد الأرشد ١/ ٢٨٩.
[ ١ / ٣٢٨ ]
أبو محمَّد الجوزي، والشَّيخ تقي الدِّين، فيرفع الحدث (^١)؛ كطهارة الماء.
وفيه حديثان متعارضان، حديث عمرو بن العاص، وحديث أبي ذر، وجمع بينهما بعض أصحابنا: بأنَّه لم يمنع من (^٢) إطلاق الحدث عليه؛ لأنَّه بزوال البرد أو وجود الماء يظهر حكم الحدث، ويبطل التَّيمُّم، فالمانع لم يزل رأسًا، وفي الثَّاني: حكم بأنَّه طهور عند عدم الماء، فيستباح به ما يستباح بالماء.
(فَإِنْ نَوَى جمِيعَهَا؛ جَازَ) للخبر، ولأن كلَّ واحدٍ يدخلُ في العموم فيكون منويًا (^٣).
(وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الآخَرِ)؛ لأنَّها أسبابٌ مختلِفةٌ، فلم تُجْزِ نيةُ بعضٍ عن آخر؛ كالحجِّ والعمرة. وقيل: بلى؛ لأنَّ طهارتهما واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى؛ كالبول والغائط.
وأجاب في «المغني» و«الشَّرح»: بأنَّ حكمَهما واحِدٌ، وهو الحدث الأصغر، بدليل الإجزاء به عن الآخَر في الوضوء. وقدَّم في «الرعاية»: أنَّه يجزئ (^٤) إن كانا غسلين.
فإن تيمَّم للأكبر دون الأصغر؛ أُبِيح له ما يُباح للمحدِث فقط، فإن أحدث لم يؤثِّر ذلك في تيمُّمِه.
وإن تيمَّم لهما، ثمَّ أحدث؛ بطل تيمُّمه للحدث فقط، فلو تيمَّمت بعد
_________________
(١) قوله: (ونقل عنه الفضل، وبكر بن محمَّد: أنه يصلي به إلى حدثه، اختاره أبو محمَّد الجوزي، والشَّيخ تقي الدِّين، فيرفع الحدث) سقط من (أ).
(٢) قوله: (من) سقط من (أ).
(٣) قوله: (فإن نوى جميعها جاز للخبر، ولأن كلَّ واحدٍ يدخلُ في العموم فيكون منويًّا) سقط من (أ).
(٤) زيد في (و): به.
[ ١ / ٣٢٩ ]
طُهرها من الحيض له، ثم (^١) أجنبتْ، فله الوطء (^٢)؛ لبقاء حكم (^٣) تيمُّم الحيض.
(وَإِنْ نَوَى نَفْلًا)؛ لم يَستبِح سِواه؛ لأنَّ غيرَه ليس بِمَنْوِيٍّ. (أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ؛ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا نَفْلًا)؛ لأنَّ التَّعيين شرط في الفرض، ولم يوجد، فأبيح له التَّنفُّل؛ لأنَّه أقلُّ ما يحمل عليه الإطلاق.
وفيه وجْهٌ: يُصلِّي به الفرضَ.
وقيل: مع الإطلاق (^٤)، واختاره ابن حمدان، واختار: أنَّه لا يصلِّي به نفلًا فوقَ ركعتين بسلامٍ واحدٍ بلا نيَّة.
(وَإِنْ نَوَى فَرْضًا) سواء كانت معيَّنةً أو مطلقةً (^٥)؛ (فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَالتَّنَفُّلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ)، وهو معنى كلامِه في «الوجيز» وغيره: صلَّى به فُروضًا ونوافِلَ، وفي «الرِّعاية»: ونذْرًا.
هذا هو المعروف في (^٦) المذهب، مع أنَّ القاضيَ لم يحكِ به نصًّا، وإنَّما أطلق أحمدُ القولَ في رواية جماعة: (أنَّه يتيمَّم لكلِّ صلاةٍ) (^٧)، ومعناه: لوقت كلِّ صلاةٍ؛ لأنَّها طهارةٌ صحيحةٌ، أباحت فرضًا، فأباحت ما هو مثله؛ كطهارة الماء.
وعنه: لا يجمع فيه بين فرضين، اختاره الآجُرِّيُّ، وهو قول ابن عبَّاس (^٨)،
_________________
(١) في (و): فإن.
(٢) في (أ): الوضوء.
(٣) في (أ): حكمي.
(٤) زيد في (و): سواء كانت معينة أو مطلقة.
(٥) في (و): مطلقة أو معينة.
(٦) في (و): من.
(٧) ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٥، مسائل صالح ١/ ٣٣٣، مسائل عبد الله ص ٣٧، مسائل ابن منصور ٢/ ٣٧٧.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (٨٣٠)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥٥٢)، والطبراني في الكبير (١١٠٥٠)، والدارقطني في السنن (٧١٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠٥٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: «من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى»، وفي إسناده الحسن بن عمارة، قال الدارقطني: (ضعيف)، قال الألباني: (بل هو شر من ذلك)، وقال ابن حجر في الدراية: (بإسناد واه)، وضعفه ابن المنذر وابن حزم والتركماني، وحكم عليه الألباني بالوضع. ينظر: المحلى ١/ ٣٥٨، الجوهر النقي ١/ ٢٢١، الدراية ١/ ٦٩، الضعيفة (٤٢٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وعليها: له فعل غيره مما شاء، ولو خرج الوقت، لكن في إسناده عن ابن عبَّاس [الحسنُ بن عمارة] (^١)، وهو ضعيف، مع أنَّ حَرْبًا روى عنه أنَّه قال: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء يصلِّي به الصلواتِ ما لم يُحدِثْ (^٢).
والأصحُّ: أنَّه يتنفَّل قبل الفرض، ثمَّ يصلِّيها وما شاء إلى آخر وقتها عن أيِّ شيء تيمَّم.
وعنه: لا يتنفَّل إلَّا أن يكون نوى الفرضَ (^٣) والنَّفلَ، فإن خالف وصلَّى، لم يَفعَل به الفرضَ بعد ذلك.
وضابِطُه: أنَّ من نوى شيئًا استباحَه، ومِثلَه، ودونَه، فالنذر (^٤) دون ما وجب شرعًا، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ظاهر كلامهم لا فرق) (^٥).
وفَرْضُ كفاية دون فرض عين، وفرض جنازة أعلى من نافلة. وقيل: يصليها بتيمُّم نافلة.
_________________
(١) في الأصل و(أ): الحسن بن عرية. والمثبت موافق للمصادر الحديثية.
(٢) ينظر: مسائل حرب - كتاب الطهارة ص ٤١٢، لكنه من قول الحسن لا أحمد. والأثر: أخرجه حرب في مسائله - الطهارة - (٦٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (٥٥٤)، وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه أبو عمر النضر بن عبد الرحمن، قال عنه الحافظ في التقريب: (متروك).
(٣) زيد في (و): ثم يصليها وما شاء.
(٤) في (أ): بالنذر.
(٥) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٤٦، الفروع ١/ ٣٠٢.
[ ١ / ٣٣١ ]
ويباح الطواف بنيَّة النَّافلة في الأشهر؛ كمسِّ المصحف، قال الشَّيخ تقي الدِّين: (ولو كان الطواف فرضًا) (^١)، خلافًا لأبي المعالي.
ولا تباح نافلة بنيَّة مسِّ مصحف وطواف في الأشهر.
وإن تيمَّم جنُبٌ لقراءةِ (^٢) أو مسِّ مُصحف؛ فله اللُّبث في المسجد، قال القاضي: وجميع النوافل؛ لأنَّها (^٣) في درجة واحدة.
وإن تيمَّم لمسِّ مُصحف؛ فله القراءةُ، لا العكسُ، ولا يستبيحهما بنيَّة اللُّبث، وتُباح الثَّلاثة بنيَّة الطَّواف، لا العكس.
وإن تيمَّم لمسِّ مصحف؛ ففي نفلِ طوافٍ (^٤) وجهان.
وفي «المغني»: (إن تيمَّم جُنُبٌ لقراءةٍ أو لُبثٍ أوْ مسِّ مُصحَف؛ لم يَستبِحْ غيرَه)، قال ابن تميم: (وفيه نظرٌ)، وفي «الرِّعاية»: (وفيه بُعدٌ).
(وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ: بِخُرُوجِ الْوَقْتِ)، وهو قولُ عليٍّ (^٥) وابن عمر (^٦)؛ لأنَّها طهارة ضرورة، فتقيَّدت بالوقت؛ كطهارة المستحاضة.
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٤٦.
(٢) زيد في (و): أو لبث.
(٣) في (و): لأنَّهما.
(٤) قوله: (نفل طواف) هو في (أ): طواف. والمثبت موافق لما في الفروع ١/ ٣٠٣.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٩١)، ومسدد كما في المطالب العالية (١٥٩)، والطبري في التفسير (٧/ ٩٤)، وابن المنذر في الأوسط (٥٥٠)، والدارقطني (٧٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠٥٥)، عن علي قال: «يتيمم لكل صلاة». قال في التلخيص: (وفيه حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور)، وضعفه ابن المنذر وابن حزم وابن التركماني وابن حجر. ينظر: المحلى ١/ ٣٥٨، الجوهر النقي ١/ ٢٢١، التلخيص الحبير ١/ ٤٠٩، نصب الراية ١/ ١٥٩.
(٦) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥٥١)، والدارقطني (٧٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠٥٤)، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يتيمم لكل صلاة»، زاد البيهقي: «وإن لم يحدث». قال البيهقي: (إسناد صحيح)، وتبعه الحافظ. وقد ضعفه ابن حزم وابن التركماني بعامر الأحول، قال ابن الملقن: (وعامر الأحول وإن ضعفه ابن عيينة وأحمد، فقد وثقه أبو حاتم، وقال ابن معين: ليس به بأس، وأخرج له مسلم فجاز القنطرة، وقول ابن حزم: "الرواية عن ابن عمر لا تصح". ليس بجيد منه). ينظر: المحلى ١/ ٣٥٨، الجوهر النقي ١/ ٢٢١، البدر المنير ٢/ ٦٧٦، الدراية ١/ ٦٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وظاهره: ولو كان في الصَّلاة، وصرَّح به في «المغني».
وقال ابن عَقيل: لا تبطل، وإن (^١) كان الوقتُ شرطًا؛ كما في الجمعة. وخرَّجه (^٢) السَّامَري على وجود الماء فيها.
وفيه وجهٌ: لا يَبطُل حتَّى يدخل وقت التي تليها، قاله المجد وابن تميم، وفائدته: هل يبطل التَّيمُّم بطلوع الشَّمس أو بزوالها؟
وفي (^٣) ثالث: يبطل بالنِّسبة إلى الصَّلاة التي دخل وقتها، فيباح به غيرها، فلو كان تيمُّمه في غير وقت صلاة؛ كالمتيمِّم (^٤) بعد طلوع الشمس؛ بطل بزوالها.
ولو نوى الجمع في وقت الثَّانية، فتيمَّم في وقت الأولى لها، أو لفائتة (^٥)؛ لم يبطل تيمُّمه بدخول وقت الثَّانية؛ لأنَّ وقتيهما قد صار وقْتًا واحِدًا.
ودخل في كلامه: ما إذا تيمَّم لطوافٍ أو جنازةٍ أو نافلةٍ، وخرج الوقت؛ فإنَّه يبطل؛ كالفريضة.
وعنه: إن تيمَّم لجنازة، ثمَّ جِيء بأخرى؛ فإن كان بينهما وقت يمكنه التَّيمُّم؛ لم يصلِّ عليها حتَّى يتيمَّم لها، وإلَّا صلَّى، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين:
_________________
(١) في (أ): ولو.
(٢) في (و): وخرج به.
(٣) في (و): ومن.
(٤) في (أ): كالتيمم.
(٥) في (أ): للثَّانية، وفي (و): لثانية.
[ ١ / ٣٣٣ ]
(لأنَّ النَّفل المتواصِل هنا كتواصل الوقت للمكتوبة). قال: (وعلى قياسه: ما ليس له وقت محدود (^١)؛ كمسِّ مصحف وطواف) (^٢).
فعلى هذا: النوافل المؤقَّتة كالوتر، والسُّنن الرَّاتبة، والكسوف؛ يبطل التَّيمُّم لها بخروج وقت النَّافلة، والنَّوافل المطلقة يحتمل أن يُعتبر فيها تواصل الفعل كالجنازة، ويحتمل أن يمتدَّ وقتها إلى وقت النهي عن تلك النافلة.
(وَوُجُودِ الْمَاءِ) المعجوزِ عنه إجماعًا (^٣)؛ لحديث أبي ذر، وشرطه: أن يكون مقدورًا على استعماله من غير ضرر؛ كعطشٍ ومرضٍ، وألحق به (^٤) في «الشرح» وغيره: ما إذا رأى ركْبًا ظنَّ (^٥) معه ماءً، أو خُضرةً ونحوه، أو سرابًا ظنَّه ماء، وقلنا بوجوب الطلب، وسواء تبيَّن له خلاف (^٦) ظنِّه أوْ لا، فإن وجده، وإلَّا استأنف التَّيمُّم.
ويحتمل: ألا يبطل؛ لأنَّ الطَّهارة المتيقَّنة لا تزول بالشَّكِّ.
(وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ)؛ لأنَّه إذا بطل الأصل بطَلَ بدَلُه من باب أوْلى، لكنْ إن كان تيمُّمه عن حدث أصغر؛ فهو كما ذكره، وإن كان عن جنابة؛ فيبطل (^٧) بخروج الوقت والقدرة على الماء وموجبات الغسل، وإن كان لحيض أو نفاس؛ فلا يزول حكمه إلَّا بحدثهما أو [بأحد] (^٨) الأمرين.
_________________
(١) في (و): ممدود.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٣٠٦.
(٣) ينظر: الشرح الكبير ٢/ ٢٤٠.
(٤) قوله: (به) سقط من (و).
(٥) في (و): يظن بأن.
(٦) في (و): بخلاف.
(٧) في (و): بطل.
(٨) في الأصل و(أ): إباحة. والمثبت هو الموافق للمغني والشرح الكبير.
[ ١ / ٣٣٤ ]
(فَإِنْ (^١) تَيَمَّمَ، وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كعِمامة وخُفٍّ، (ثُمَّ خَلَعَهُ؛ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ) في اختيار المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح»، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنَّ التَّيمُّم طهارة لم يمسح فيها عليه، فلا يبطل بنزعه كالملبوس على غير طهارة، بخلاف الوضوء، وكما لو كان الملبوس ممَّا لا يجوز المسح عليه، فإن كان الحائل (^٢) أو بعضه في محلِّ التَّيمُّم؛ بطل بخلعه، قاله ابن حمدان.
(وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَبْطُلُ)، نصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه مبطِل للوضوء، فأبطل التَّيمُّم كسائر المبطلات.
ويُجابُ: بأنَّ مبطِلَ الوضوء نَزْع ما هو ممسوح عليه فيه (^٤)، بخلافه هنا.
(وَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا)؛ لما روي عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصَّلاة وليس معهما ماءٌ، فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا، ثمَّ وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدُهما، ولم يُعِدِ الآخر، ثمَّ أتيا النَّبيَّ ﷺ فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِد: «أصبت السُّنَّة، وأجزأتك صلاتُك»، وقال للذي أعاد: «لك الأجر (^٥) مرَّتين» رواه النَّسائي، وأبو داود ولفظه له، ورواه (^٦) من طريق أخرى (^٧) متصلًا (^٨)،
_________________
(١) في (أ): وإن.
(٢) في (و): لحائل.
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣٦.
(٤) قوله: (فيه) سقط من (أ).
(٥) في (ب): أجرك.
(٦) في (و): وروياه.
(٧) في (ب): آخر.
(٨) في (و): مرسلًا.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال: (على شرط الشَّيْخين) (^١)، واحتجَّ أحمد: بأنَّ عمر (^٢) تيمَّم وهو يرى بيوت المدينة، فصلَّى العصر، ثمَّ دخل المدينة والشَّمسُ مرتفِعةٌ؛ ولم يُعِد (^٣)، ولأنَّه أدَّى صلاته بطهارة صحيحة، أشبه ما لو أدَّاها بالماء، وفيه نَظَرٌ، ولأنَّه إجماع فيما إذا وجده بعد الوقت.
وعنه: يسنُّ.
ولا يلزم إعادة صلاة جنازة، وإن لزم غسله في وجهٍ.
(وَإِنْ وَجَدهُ)؛ أي: حقيقةً (فِيهَا) وفي طوافٍ (^٤)؛ (بَطَلَتْ) في ظاهِر المذهب؛ لأنَّ حديث أبي ذرٍّ يدلُّ بمفهومه (^٥) على أنَّه ليس بطَهور عند وجود الماء، وبمنطوقِه على وجوب استعمال الماء عند وجوده، وهو قادر على استعماله، أشبه الخارج من الصَّلاة، وكالمستحاضة إذا انقطع دمها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٤٣)، قال أبو داود: (ذِكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل)، وتفرد بوصله عبد الله بن نافع الصائغ، وهو ثقة صحيح الكتاب لكن في حفظه لين. وصحح الحديث الحاكم، وابن السكن، وقوَّاه النووي. ينظر: صحيح أبي داود للألباني ٢/ ١٦٥. تنبيه: سقط من كلام المصنف الذي قال: (على شرط الشيخين)، وهو من كلام الحاكم كما في المستدرك (٦٣٢).
(٢) هكذا في الأصل، وفي (ب) و(و): ابن عمر. وهو الموافق للمصادر الحديثية كما سيأتي.
(٣) في (ب): فلم يعد. ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٢١، مسائل حرب ١/ ٤١٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٧٩٥. والأثر: أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٦)، والشافعي كما في المسند (٢٢٧)، وعبد الرزاق (٨٨٣)، والدارقطني (٧١٧)، والبيهقي في الكبرى (١١٠٣)، وفي الخلافيات (٨٢٨)، من طرق متعددة عن نافع. وأسانيدها صحاح. قال البيهقي: (هذا عن ابن عمر ثابت)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، (١/ ٧٤)، واحتج به أحمد في مسائل ابن منصور (٢/ ٧٩٤).
(٤) قوله: (وفي طواف) سقط من (و).
(٥) في (أ): مفهومه.
[ ١ / ٣٣٦ ]
فعليها يخرَّج: فيتطَّهر. والمنصوص: أنَّه يستأنفها (^١)؛ لأنَّ ما مضى منها انبنى على طهارةٍ ضعيفةٍ؛ كطهارة المستحاضة، بخلاف من سبقه الحدث.
وفيه وجه: يبني، وقاله القاضي وغيره؛ كمن سبقه الحدث، وفيه روايتان، أصحُّهما: أنَّه يستقبلها، فهنا أولى، قاله في «الشَّرح».
(وَعَنْهُ: لَا تَبْطُلُ)، نقلها الميموني (^٢)، واختارها الآجُرِّي؛ كما لو وجد الرَّقبة بعد التَّلبُّس بالصِّيام.
وأجيب: بأنَّ المَرُّوذِيَّ روى عن أحمد قال: (كنتُ أقول: يمضي، فإذا الأحاديث أنَّه يخرج) (^٣)، فدلَّ على رجوعه، وبأنَّ الصَّوم هو الواجِبُ نفسُه، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيمُّمه، ولا خلاف في بطلانه، ثمَّ الفرق: بأنَّ مدَّة الصيام تطول فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين الفرضين الشاقَّين بخلافه هنا.
وعليها: يجب المُضِيُّ فيها، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]. وقيل: هو أفضل. وقيل: خروجه أفضل، وهو رأي أبي جعفر؛ للخروج من الخلاف.
فإن عيَّن نفلًا؛ أتمَّه، وإلَّا لم يزد على أقلِّ الصَّلاة. ومتى فرغ منها؛ بطل تيمُّمه، ذكره ابن عقيل، وعليها: لو وجده في صلاة على ميِّت يُمِّم؛ بطلت (^٤)، وغُسِّل في الأصحِّ.
ويلزم من (^٥) تيمَّم لقراءة ووطء ونحوه؛ التَّرك.
_________________
(١) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٥٣.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٩٠.
(٣) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٦٣، الروايتين والوجهين ١/ ٩٠. وفي مسائل صالح ١/ ٢٣٨: (قد كنت أقول يمضي في صلاته، ثم وقفت فيها).
(٤) زيد في (و): صلاته.
(٥) في (أ): في.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فرع: لو انقلب الماء فيها، وقال أبو المعالي: إن علم بتلفه فيها؛ بقي (^١) تيمُّمُه، وإن لم يعلم، فلمَّا فرغ شرع في طلَبه؛ بطل تيمُّمه.
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِمَنْ) يعلم أو (يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) في قول الجمهور؛ لأنَّ الطَّهارة بالماء في نفسها فريضة، والصَّلاة في أوَّل الوقت فضيلة، ولا شكَّ أنَّ انتظار الفريضة أولى.
وظاهره: أنَّه إذا لم يَرْجُهُ، بل ظنَّ أو علم عدَمَه؛ فالتَّقديمُ أوْلى؛ لئلَّا يترك الفضيلة المتيقَّنة لأمر غير مرجوٍّ، وإن تردَّد فوجهان.
وقيل: التَّقديم أفضل إلَّا أن يتحقَّق وجودَه في الوقت.
وظاهِر الخِرَقي و«الفروع»: أنَّ التَّأخيرَ أفضلُ، وهو المنصوص عن أحمد (^٢)، واختاره ابن عبدوس؛ لقول عليٍّ، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ والبيهقِيُّ من رواية الحارث عنه، وهو ضعيفٌ (^٣)، ولأنَّه يستحَبُّ تأخير (^٤) العشاء لئلَّا (^٥) يذهب خشوعها وتأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطَّهارة أولى، وللخروج من الخلاف؛ إذ في رواية عن أحمد، وقاله بعض العلماء: إنَّ التَّيمُّم لا يجوز إلَّا عند ضيق الوقت.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ أَجْزَأَهُ)؛ لحديث عطاء السابق، ولأنَّه
_________________
(١) زيد في (و): على.
(٢) ينظر: المغني ١/ ١٧٨.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٠٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥٥٧)، والدارقطني (٧٢٠)، والبيهقي في الكبرى (١١٠١)، من طريق الحارث عن علي ﵁ قال: «يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ، وإن لم يجد الماء تيمم وصلى، فإن وجد الماء بعد؛ اغتسل ولم يعد الصلاة»، قال البيهقي: (الحارث الأعور لا يحتج به)، وقال في موطن آخر: (وهذا لم يصح عن علي)، وضعفه الألباني في الضعيفة ٦/ ٢٦٧.
(٤) زاد في (و): الصَّلاة إلى.
(٥) في (و): كيلا.
[ ١ / ٣٣٨ ]
أتى بما أُمر به في حال العذر، أشبه من صلَّى عُريانًا أو جالِسًا لمرض، ثمَّ قدر على السُّترة وبرئ في الوقت.
وظاهره: أنَّه لا إعادة، وهو إجماع فيما إذا وجده بعد الوقت (^١)، وكذا إن وجده فيه على المجزوم به، لكن قال أحمد: (إذا وجد المتيمِّم الماء في الوقت فأحبُّ أن يعيد) (^٢)، وحمله القاضي على جواز الإعادة من غير فضل.
(وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ) استباحة ما يتيمَّم له، (وَيُسَمِّيَ) وكذا في «الوجيز»، وعبَّر في «المحرر» و«الفروع» ب «ثُمَّ»، وهو أولى، (وَيَضْرِبَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَةَ الْأَصَابِعِ)؛ ليدخل الغبار بينهما، وينزع خاتمه.
وعُلم منه: أنَّ الضَّرب ليس بشرط فيه (^٣)، بل القصد حصول التراب في محلِّه، فلو كان ناعِمًا فوضع يديه عليه أجزأه (^٤)، ولو أوصله (^٥) بخرقة أو بيد أو بعضها؛ جاز، ذكره جماعةٌ.
ولو (^٦) نوى وصَمَد للرِّيح حتَّى عمَّتْ محلَّ الفرض بالتراب، ذكره القاضي والشَّريف، كما لو صمد للمطر حتَّى جرى على أعضائه.
وفيه وجْهٌ: لا؛ لأنَّ الله تعالى أمر بقصد الصَّعيد والمسح به.
وفي ثالثٍ: يجزئ إن مسح بيديه.
فإن لم ينو حتَّى حصل في المحلِّ، ثمَّ مسح وجهه بغير ما عليه؛ صحَّ، وإلَّا فلا. (عَلَى التُّرَابِ) الطَّهور (ضَرْبَةً وَاحِدَةً)، لا يختلف المذهب أنَّ التَّيمُّم
_________________
(١) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٢/ ٦٣، الشرح الكبير ٢/ ٢٤٥.
(٢) ينظر مسائل حرب - الطهارة (ص ٤١٦).
(٣) قوله: (فيه) سقط من (أ).
(٤) في (أ): على أجزائه.
(٥) قوله: (ولو أوصله) هو في (أ): أو وصله.
(٦) في (أ): وكذا لو.
[ ١ / ٣٣٩ ]
بضرْبة وبضربتَيْن وأكثر؛ لأنَّ المقصود إيصال التُّراب إلى محلِّ الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء، وفي «المغني»: لا خلاف أنَّه لا تُسنُّ الزِّيادة على ضربتين (^١) إذا حصل الاستيعاب بهما، والمنصوص ضربة واحدة (^٢)، وهي الواجِبُ بلا نزاع؛ لِمَا روى عَمَّار: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: «ضربة واحدةٌ للوجه والكفَّين» رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وفي الصَّحيحين معناه من حديثه أيضًا (^٣)، ولأنَّه حكمٌ معلَّق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذِّراع؛ لأنَّها في خطاب الشَّرع إلى الكُوع، بدليل السَّرقة والمسِّ.
لا يقال: هي مُطْلقة فيه مقيَّدة في الوضوء؛ فيحمل عليه لاشتراكهما في الطَّهارة؛ لأنَّ الحمل إنَّما يصحُّ إذا كان من نوع واحد؛ كالعتق في الظِّهار (^٤) على العتق في قتل الخطأ، والتراب ليس من جنس الوضوء بالماء، وهو يشرع فيه التَّثليث، وهو مكروه فيه، والوجه يغسل منه باطن الفم والأنف بخلافه هنا، فلا يلحق به.
(فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) على سبيل الاستحباب، فلو مسح وجهه بيمينه ويمينه بيساره، أو عكس، وخلَّل أصابعه فيهما؛ صحَّ.
واستيعاب الوجه والكَفَّين بالمسح؛ واجب، سوى ما يشقُّ وصول التراب إليه.
(وَقَالَ الْقَاضِي) والشِّيرازي وابن الزَّاغوني (^٥)، وهو روايةٌ: (الْمَسْنُونُ
_________________
(١) في (و): الضربتين.
(٢) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٣٧٦، مسائل أبي داود ص ٢٤.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٣١٩)، وأبو داود (٣٢٧)، وابن خزيمة (٢٦٦)، وأصله في البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).
(٤) في (و): يعتق.
(٥) قوله: (وابن الزاغوني) هو في (و): والزاغوني.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ (^١) بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في التَّيمُّم: «ضربة للوجه، وضربة للذِّراعين إلى المَرفِقَين» رواه الدَّارقطني، وإسنادُه ثقاتٌ، ورُوي أيضًا من حديث ابن عمر (^٢)، قال الشَّافعي في روايةِ الزَّعفراني (^٣): (ابن عمر تيمَّم ضربة للوجه، وضربة إلى المرفقين (^٤)، وبهذا رأيت أصحابي يأخذون) (^٥).
والأوَّل أولى، قال الإمام أحمد: (من قال ضربتين إنَّما هو شيءٌ زاده) (^٦)؛ يعني: لا يصحُّ، وقال الخلَّال: (الأحاديث في ذلك ضِعافٌ جِدًّا، ولم يَرْوِ منها أصحاب السُّنن إلَّا حديث ابن عمر، وقال أحمد: ليس بصحيحٍ، وهو عندهم حديثٌ منكَرٌ) (^٧)، قال الخَطَّابي: (يرويه محمَّد بن
_________________
(١) في (أ): فيمسح.
(٢) أخرجه الدارقطني (٦٩١)، وأخرجه من حديث ابن عمر (٦٨٥)، ورجح جماعة من الأئمة وقفه على جابر وابن عمر ﵄، منهم: أبو زرعة، وأحمد، والعقيلي، والدارقطني، وروي من أوجه أخر مرفوعًا إلا أن أسانيدها شديدة الضعف. ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٣٦)، مسائل ابن هانئ (١/ ٢٢)، الضعفاء للعقيلي ٤/ ٣٨، التلخيص الحبير ١/ ٤٠٢ - ٤٠٦.
(٣) في (ب) و(و): الزاغوني. والزعفراني: هو الحسن بن محمد بن الصباح البزار الزعفرانيّ البغدادي، كان ممن روى عن الشافعي في القديم، يقال: لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة، نسبته الى الزعفرانية قرية قرب بغداد، توفي سنة ٢٥٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٦٢، طبقات الشافعية ٢/ ١١٤.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨١٨)، وابن أبي شيبة (١٦٧٣)، عن نافع: أن ابن عمر تيمم في مربد النعم، فقال بيديه على الأرض، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما على الأرض ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين. وإسناده صحيح. وأخرج ابن المنذر في الأوسط (٥٣٨)، والدارقطني (٦٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٩٩٧)، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين»، وإسناده صحيح.
(٥) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢٤.
(٦) ينظر: المغني ١/ ١٧٩.
(٧) ينظر: المغني ١/ ١٨٠، وسنن أبي داود (٣٣٠).
[ ١ / ٣٤١ ]
ثابِتٍ، وهو ضعيفٌ) (^١).
(فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابَعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ (^٢)، وَيُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ، وَيُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ).
لِمَا رُوي عن النَّبيِّ ﷺ (^٣)، ولأنَّ في ذلك خروجًا من الخلاف؛ إذْ بعضُ العلماء يوجبه، وظاهر كلامه في «الكافي»: أنَّ هذا مباحٌ.
قال في «الشَّرح»: (فإن بَقِي من محلِّ الفرْض شيءٌ لم يصله التراب؛ أمَرَّ يدَه عليه ما لم يفصِل راحتَه، فإنْ فصَلَها، وكان قد بقِي عليها غبارٌ؛ جاز أن يمسح بها، وإن لم يبقَ؛ احتاج إلى ضربة أخرى، فإن كان المتروك من (^٤) الوجه؛ مَسَحَه، وأعاد مَسْح يديه ليحصل التَّرتيب، فإن طال الفصل بينهما، وقلنا بوجوب الموالاة؛ استَأنَف التَّيمُّمَ).
(وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى) (^٥)؛ ليُمِرَّ الترابَ بعْد الضَّرب، ولا يجب؛ لأنَّ فرضهما قد سقط بإمْرار كلِّ (^٦) واحدة على ظهر الكَفِّ.
(وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ)؛ قِياسًا على مُبدَله.
(وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ)؛ واحد الأمْصار، أو قَطَع عدوٌّ ماءً عن بلده،
_________________
(١) ينظر: معالم السنن للخطابي ١/ ١٠١.
(٢) زاد في (أ): (ويدير بطن كفه إلى مرفقه).
(٣) أي: ما رواه الدارقطني من حديث جابر مرفوعًا: «ضربة للوجه، وضربة للذِّراعين إلى المَرفِقَين»، وتقدم تخريجه قريبًا، قال في الشرح الكبير ٢/ ٢٦٠ عند الاستدلال على استحباب الضربتين وأن تكون الثانية إلى المرفقين: (قد روي عن النبي ﷺ أنه تيمم بضربتين إلى المرفقين، وأقل أحوال فعله إذا لم يدل على الإيجاب الاستحباب).
(٤) في (أ): في.
(٥) زيد في (و): استحبابًا
(٦) قوله: (كل) ضرب عليها في (و).
[ ١ / ٣٤٢ ]
وعدِم؛ (صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ)؛ لأنَّه عادِمٌ للماء أشْبه المسافِرَ، (وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه أدَّى فرضَه بالبدَل، فلم يكن عليه إعادةٌ؛ كالمسافِر.
(وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ)؛ نقَله الجماعةُ (^١)؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أباحَه عند عدَم الماء، وهذا واجِدٌ له كسائر الشروط، وخروج وقت الاختيار؛ كخروج الوقت، قاله ابن تميم.
(وَلَا الْجَنَازَةِ) هذا أظهر الرِّوايتين؛ لما قلناه.
(وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجَنَازَةِ)؛ رُوي عن ابن عمر (^٢) وابن عبَّاس (^٣) وجَمْعٍ (^٤)؛ لأنَّه لا يمكن استدراكها بالوضوء، أشبه العادِم، والمراد به: فوتُها مع الإمام، قاله القاضي وغيره.
قال جماعةٌ: وإن أمكنه الصَّلاة على القبر؛ لكثرة وقوعه، فتعظم المشقَّة.
وظاهره: أنَّه لا يُتيمَّم لعيد ونحوه، وهو كذلك، صرَّح به جماعة.
وعنه: يجوز لفَوت العيد، وسجود التِّلاوة، واختار الشَّيْخ تقِيُّ الدِّين:
_________________
(١) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣٨.
(٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥٦٣) والدارقطني (٧٧٥)، والبيهقي في المعرفة (١٦٧٢)، عن ابن عمر: «أنه أُتي بجنازة وهو على غير وضوء، فتيمم وصلى عليها»، وأعله البيهقي، وضعفه النووي. ينظر: معرفة السنن ٢/ ٤٤، الخلاصة ١/ ٢٢٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٤٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٥٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٤٩)، والبيهقي في المعرفة (١٦٧٧)، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «إذا خفت أن تفوتك الجنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم وصلِّ»، ومغيرة بن زياد صدوق له أوهام، وقد أنكر عليه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل وابن معين والبيهقي هذا الأثر، واحتج إسحاق بن راهويه بهذا الأثر كما في مسائل الكوسج. ينظر: العلل لعبد الله ٣/ ٣٥، مسائل الكوسج ٢/ ٣٩٥، تاريخ دمشق لابن عساكر ٦٠/ ١٢، الخلاصة ١/ ٢٢٤.
(٤) قال ابن المنذر في الأوسط ٢/ ٧٠: (وبه قال النخعي، والحسن، والزهري، والليث، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وسفيان، وإسحاق وأصحاب الرأي).
[ ١ / ٣٤٣ ]
والجمعة، قال: (وهو أولى من الجنازة؛ لأنَّها لا تُعاد) (^١)، وجعلها القاضي وغيره أصلًا للمنع.
قال ابن حامد: والسُّجود يُخرَّج على الجنازة، قال ابن تميم: وهو حسَن.
وعلى الأوَّل: لو وصل مسافِرٌ إلى بئر ماء، وعليه (^٢) ضاق الوقت، أو علم أنَّ النَّوبة لا تصل إليه إلَّا بعده، أو علمه قريبًا وخاف فوت الوقت؛ أنَّه كقدرته على ماء بئر بثوب يبلُّه ثمَّ يعصره، فإنَّه يلزمه إن لم تنقص قيمته أكثر من ثمن الماء، ولو خاف الوقت، وقيل: بلى، فيستثنى (^٣).
واختار الشَّيخ تقي الدِّين فيمن يمكنه الذَّهاب إلى الحمَّام، لكن لا يمكنه الخروج إلَّا بفوات الوقت؛ كالمرأة معها أولادُها، ولا يمكنها أن تخرج حتَّى تغسلهم: تتيمَّم وتصلِّي خارج الحمّام؛ لأنَّ الصَّلاة بعد الوقت منهيٌّ عنه (^٤).
فرع: إذا تعذَّر عليه غُسلٌ مسنونٌ؛ كجمعة، فهل يُسنُّ التَّيمُّم عنه؟ على وجهين، وذكر ابن تميم أنَّ المنصوص: أنَّه يُشرع في غير الإحرام، وصحَّح في «الشَّرح»: أنَّه لا يُسنُّ عن غسل الإحرام؛ لأنَّه غُسل غيرُ واجبٍ، فلم يُستحبَّ التَّيمُّمُ عند عدَمه؛ كالجمعة.
(وَإِنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ، فَبُذِلَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمْ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ؛ فَهُوَ لِلْمَيِّتِ)، جزم به في «الكافي» و«الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» وغيرِه؛ لأنَّ القصد من غسل الميت تنظيفه، ولا يحصل بالتَّيمُّم، والحيُّ يقصد بغسله إباحة الصَّلاة، وهو يحصل بالتُّراب.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٣٩ - ١٥٦، الفروع ١/ ٢٩٠.
(٢) في (أ) و(ب): وقد.
(٣) في (ب) و(و): ويستثنى.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٤٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فعلى هذا: إن فَضَل منه شيءٌ كان لورثته (^١)، فإن لم يكن حاضرًا، فللحيِّ أخذُه لطهارته بثمنه في موضعه؛ لأنَّ في تركه إتلافَه، أمَّا إذا احتاج الحيُّ إليه لعطش؛ فهو مقدَّم في الأصحِّ.
(وَعَنُهُ: أَنَّهُ لِلْحَيِّ)، اختارها الخلَّال؛ لأنَّه يستفيد ما لا يستفيده الميِّت من القراءة ومسِّ المصحف ونحوها.
(وَأيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ):
أحدهما: تقدَّم الحائض، قدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأنَّها تقضي حقَّ الله تعالى وحقَّ زوجها في إباحة وطئها.
والثَّاني: يقدَّم الجنب، قدَّمه في «الرعاية»؛ لأنَّ غسله ثابت بصريح القرآن، بخلاف غسلها.
وفي ثالثٍ: يقدَّم الرَّجل، ذكره في «الشَّرح»؛ لأنَّه يَصلُح إمامًا لها، وهو مفضَّل عليها.
وفي رابعٍ: يقسم بينهما؛ أي: إذا احتملها.
وفي خامسٍ: يُقرَع.
فإن كان على أحدهم نجاسةٌ، سواءٌ كانت على ثوبه أو بدنه؛ فهو أولى؛ لأنَّ طهارة الحدث لها بدَلٌ، بخلاف النَّجاسة، وتُقدَّم نجاسة ثوبه على نجاسة بدنه، ونجاسة بدنه على نجاسة السَّبيليْن (^٢).
وقيل: الميِّت أولى، اختاره المَجْد وحفيدُه (^٣).
ويُقدَّم جنُبٌ على محدِث. وقيل: سواءٌ. وقيل: المحدث إلَّا أن يكفي
_________________
(١) في (و): لوارثه.
(٢) في (ب) و(و): الثقيلين.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٥٥، الفروع ١/ ٣١٣.
[ ١ / ٣٤٥ ]
من تطهُّر (^١) به منهما، وإن كفاه فقط قُدِّم، وقيل: الجنب.
فإنْ تطهّر به (^٢) غيرُ الأَولى كان مسيئًا مع صحَّة طهارته، ذكره في «الشَّرح» و«الفروع»؛ لأنَّ الآخَر لم يملكه، وإنَّما قُدِّم لشدَّة حاجته.
وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: أنَّ هذه المسائل في الماء المُشترَك (^٣)، وهو ظاهر ما نقل عن أحمد (^٤).
وإن وجد الماء في مكان؛ فهو للأحياء؛ لأنَّه لا وجدان للميِّت.
_________________
(١) قوله: (في تطهر) هو في (و): من يطهر.
(٢) في (أ): لأن تطهره.
(٣) في (أ): المشترى.
(٤) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٥٦، الاختيارات ص ٣٧.
[ ١ / ٣٤٦ ]