(وَالْمُبْتَدَأَةُ): هي التي رأت دمَ الحيض ولم تكن حاضت، في زمن يمكن أن يكون حيضًا.
وظاهره: لا فرق بين الأسود والأحمر، وهو الأصحُّ.
وقال ابن حامد وابن عقيل: لا تلتفت أوَّل مرَّةٍ إلا (^١) إلى الأسود، قدَّمه في «الرِّعاية».
فإن كان صُفرةً أو كُدْرةً؛ فظاهره أنَّها تجلسه، صرَّح به في «المغني» و«الشَّرح»، وظاهر كلام الإمام خلافه.
(تَجْلِسُ)؛ أي: تدَع برؤيته - نقله الجماعة (^٢) - الصَّلاة والصِّيام ونحوهما؛ لأنَّ دم الحيض جِبِلَّةٌ وعادةٌ، ودمُ الاِستحاضة لعارض من مرَضٍ ونحوِه، والأصل عدمه، (يَوْمًا وَلَيْلَةً) نصَّ عليه في رواية ابنَيْه والمَرُّوذِيِّ (^٣)؛ لأنَّ العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بِيَقِينٍ، وما زاد على أقلِّ الحيض مشكوك فيه، فلا نسقطها (^٤) بالشَّكِّ، ولو لم نُجْلِسْها (^٥) الأقل؛ لأدَّى إلى عدم جلوسها أصلًا.
وظاهِرُه: أنَّه إذا كان أقلَّ من يوْمٍ وليلةٍ؛ لا تلتَفِت (^٦) إليه؛ لأنَّه دم فساد، إلَّا إذا قلنا: أقلُّه يوم.
قال القاضي وابن عَقيل: إنَّ المبتدَأة لا تجلس فوق الأقلِّ بلا خلاف،
_________________
(١) قوله: (إلا) سقط من (أ) و(و). والصواب إثباتها، ينظر: الإنصاف ٢/ ٣٩٨.
(٢) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٠٩، مسائل ابن منصور ٣/ ١٣١٦.
(٣) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٠٩، مسائل عبد الله ص ٤٥، مسائل ابن هانئ ١/ ٣٠.
(٤) في (ب) و(و): تسقطها.
(٥) في (ب) و(و): تجلسها.
(٦) في (ب) و(و): يلتفت.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وإنَّما موضع ذلك إذا اتَّصل الدَّم وحصلت مستحاضة في الشهر الرابع.
(ثُمَّ تَغْتَسِلُ)؛ لأِنَّهُ آخِر حيْضها حُكْمًا، أشبه آخره حِسًّا، (وَتُصَلِّي)؛ لأنَّ المانِع منها هو الحيض، وقد حكم بانقطاعه، وعدم الغسل، وقد وُجِد حقيقةً.
ولا يحل وطؤها حتَّى ينقطع أو يجاوز أكثرَ الحيض؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه حيض، وإنَّما أمرناها بالعبادة احتياطًا لبراءة ذمَّتها، فتعيَّن ترك وطئها احتياطًا.
وعنه: يُكره. وقيل: يباح مع خوف العَنَتِ.
فإن انقطع واغتسلت؛ أبيح؛ لأنَّها رأت النَّقاء الخالص. وعنه: يكره؛ لاحتمال عوده كالنُّفَساء. وعنه: إن أمِن العَنَت.
وإن عاد بعد الانقطاع؛ حرُم الوطء إلى أكثر الحيض.
(فَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرَهِ فَمَا دُونُ) - هو بضم النُّون؛ لقطعه عن الإضافة -؛ (اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ)؛ لاحتمال أن يكون آخرَ حيضها، فلا تكون طاهرةً بيقين إلَّا بالغسل (^١).
(وَتَفْعَلُ ذَلِكَ)؛ أي: مثل جلوسها يومًا وليلةً، وغسلها عند آخرهما، وعند الانقطاع؛ (ثَلَاثًا)؛ لأنَّ العادة لا تثبت إلَّا بها في المشهور من المذهب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «دعِي الصَّلاة أيَّام أقْرائِكِ» (^٢)، وهي صيغة جمع، وأقلُّه ثلاث، ولأنَّ ما اعتبر له (^٣) التَّكرار اعتُبر فيه الثَّلاثُ؛ كالأقراء في عدَّة الحرَّة والشُّهور وخيار المُصرَّاة ومهلة المرتدِّ، فعلى هذا؛ تجلس في الشَّهر
_________________
(١) في (ب): بغسل.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٥٦٨١)، والدارقطني (٨٨٢)، وإسناده صحيح، وأصله في الصحيحين، وسبق تخريجه ١/ ٣٨٣ حاشية (٥).
(٣) قوله: (له) سقط من (و).
[ ١ / ٤٠٥ ]
الرَّابع، وقال القاضي: في الثَّالِث.
(فَإِنْ كَانَ فِي) الأشهر (الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ)؛ أي: مقدار (^١) (وَاحِدٍ؛ صَارَ عَادَةً)؛ لما ذكرناه (^٢)، فلو تكرَّر مختلفًا؛ كخمسة في (^٣) الأوَّل، وسبعة في الثَّاني، وعشرة في الثَّالث؛ فالمتكرِّر حيض دون غيره، (وَانْتَقَلَتْ إِلَيْهِ)؛ أي: لزِمَها جلُوسه، (وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ (^٤) الْفَرْضِ فِيهِ)؛ لأنَّا تبيَّنَّا فعله في زمن الحيض، وكذا حكم غيره من اعتكافٍ واجِبٍ وطَوافٍ، لكن إن ارتفع حيضها ولم يَعُدْ، أو أيِسَتْ قبل التَّكرار؛ لم تَقْضِ.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ)؛ أي: الدَّم (يَصِيرُ عَادَةً) بتكرُّره (مَرَّتَيْنِ (^٥)؛ لأنَّ العادة مأخوذة من المعاوَدَة، وقد عاودها في المرَّة الثَّانية، فتجلس في الشَّهر الثَّالث.
وقال القاضي: بل في الثَّاني، واختاره الشَّيخ (^٦) تقِيُّ الدِّين، فإنَّ كلام أحمد يقتضيه (^٧).
وعُلم منه: أنَّ العادة لا تثبت بمرَّة، قال في «المغني» وغيرِه: لا يَختلِف المذهبُ فيه.
(فَإِنْ جَاوَزَ) الدَّمُ (أَكْثرَ الْحَيْضِ؛ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما ذلك عِرْقٌ، وليس بالحَيضة» متَّفق عليه (^٨)، ولأنَّ الدَّم كلَّه لا يصلح أن يكون حيضًا.
_________________
(١) في (أ): بمقدار.
(٢) في (و): ذكرنا.
(٣) في (أ) و(و): من.
(٤) في (و): (في)، وكتب على هامشها: (من)، وعليها إشارة نسخة.
(٥) في (ب) و(و): بمرتين.
(٦) قوله: (واختاره الشيخ) هو في (و): والشيخ.
(٧) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٨٦.
(٨) أخرجه البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).
[ ١ / ٤٠٦ ]
والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدَّم في غير وقته من العِرق العاذِل - بالذَّال المعجمة، وقيل: المهملة حكاهما ابن سِيدَهْ (^١)، والعاذِرُ لغةٌ فيه - من أدنى الرَّحم دون قعره؛ إذ المرأة لها فرجان، داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج كالأليتين، منه الاستحاضة (^٢).
وظاهره: أنَّها لا تحتاج (^٣) إلى تكرار، صحَّحه في «الشَّرح»؛ لظاهر حديث حَمْنَةَ (^٤).
والمنصوص (^٥): أنَّه لا يثبت حكمها قبل تكرارها ثلاثًا أو مرَّتين على الخلاف.
ثمَّ هي لا تخلو من حالين: إمَّا أن يكون متميزًا (^٦) أو غيرَه.
فقال: (فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا؛ بَعْضُهُ ثَخِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ؛ فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ)، ما لم يَزِدْ (^٧) على أكثر الحيض، ولم ينقص (^٨) عن أقلِّه، قال ابن تميم: ولا ينقُص غيره عن أقل الطهر؛ لما روت عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيش فقالت: يا رسول الله! إنِّي أُستحاض فلا أَطهرُ،
_________________
(١) كذا في المطلع ص ٥٧، وذكر ابن سيده في المحكم ٢/ ٧٦، والمخصص ١/ ١٦٥: العاذر والعاذل، ولم يذكر (العادل). وابن سيده: علي بن إسماعيل، أبو الحسن: إمام في اللغة وآدابها، من مصنفاته: المحكم، والمخصص، والأنيق في شرح الحماسة، توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٠، الأعلام ٤/ ٢٦٣.
(٢) في (و): للاستحاضة.
(٣) قوله: (أنها لا تحتاج) هو في (ب) و(و): أنه لا يحتاج.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٣٦٨ حاشية (٦).
(٥) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٠٩، مسائل عبد الله ص ٤٥.
(٦) في (أ): تكون مميزة.
(٧) في (أ): تزد.
(٨) في (أ): تنقص.
[ ١ / ٤٠٧ ]
أفأدع الصَّلاة؟ فقال: «إنَّما ذلك عِرْق، وليس بالحَيضة، فإذا أقبلت الحَيضة فدعي الصَّلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم، وصلِّي» متَّفق عليه (^١)، وفي لفظ للنَّسائي: «إذا كان الحيض فإنَّه أسودُ يُعرف، فأمسكي عن الصَّلاة، وإذا كان الآخَر فتوضَّئي وصلِّي؛ فإنَّما هو دَمُ عِرْقٍ» (^٢)، ولأنَّه خارج من الفرْج يوجِب الغسل، فرجع إلى صفته (^٣) عند الاشتباه؛ كالمَنِيِّ والمَذْيِ.
وظاهره: أنَّها إذا عرفت التمييز؛ جلسته من غير تكرار، وهو ظاهر كلام أحمد والخِرَقِيِّ (^٤)، واختاره ابن عقيل؛ لأنَّ معناه أن يتميَّز (^٥) أحد الدَّمَينِ عن الآخَر في الصِّفة، وهذا يُوجَد بأوَّل مرَّة.
والتَّمييز يحصل بأحدِ أمورٍ ثلاثةٍ، واعتبر أبو المعالي اللَّون فقط، فالأسود أقوى، ثمَّ الأحمر، ثمَّ الأشقر، وكَرِيه الرائحة أقوى، والثخين أقوى من الرقيق، فإن تعارضت الصِّفات؛ فذكر بعض الشَّافعيَّة: أنَّه (^٦) يرجَّح بالكثرة، فإن استوت، رجِّح بالسَّبق.
(وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ)، فيصير حُكمُها حُكمَ الطَّاهرات؛ لما ذكرناه، فتغتسل عند انقطاع الأوَّل وتصوم، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة كما يأتي.
تنبيه: تقدَّم أنَّ دلالة التَّمييز لا تحتاج إلى تكرار. وقال القاضي وأبو الحسن (^٧) الآمِدِيُّ: تجلس المميِّزةُ (^٨) من التَّمييز ما تكرَّر.
_________________
(١) سبق تخريجه ١/ ٣٨٣ حاشية (٣).
(٢) أخرجه النسائي (٢١٥)، وتقدم تخريجه ١/ ٢٢٠ حاشية (١).
(٣) في (ب) و(و): صفتيه.
(٤) قوله: (والخرقي) سقط من (و). والمثبت موافق لما في الشرح الكبير ٢/ ٤٠٥.
(٥) في (أ): تميز.
(٦) في (أ): فإنه.
(٧) في (أ): الحسين.
(٨) في (و): المتميزة.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فعلى هذا: إذا رأت في كلِّ شهر خمسةً أحمرَ، ثمَّ خمسةً أسود، ثمَّ أحمر، واتَّصل؛ جلست زمان الأسود، وهل تجلسه في الشهر الثَّاني أو الثالث أو الرابع؟ يخرَّج على الخلاف (^١).
ولا يُعتبر ألا تزيد (^٢) مدَّة الدَّمَينِ على شهر في وجه، فلو رأت عشرةً أسود، ثمَّ ثلاثين أحمرَ؛ فحيضها زمن الأسود.
وفي آخر: متى زادت مدَّتهما على شهر؛ بطلت دلالة التَّمييز، ولا يلتفت إلى الأسود.
فإن نقص التَّمييز عن الأكثر؛ فطهرها بعده إلى الأكثر مشكوكٌ فيه، تفعل فيه كالمعتادة، ولا قضاء عليها.
وهل يباح وطؤها؟ فيه روايتان.
قال ابن تميم: (والصَّحيح أنَّه طهر بيقين، فإن رأت ستَّة عشر يومًا أحمرَ، ثمَّ باقي الشَّهر أسود؛ فحيضها زمن الأسود في الأصحِّ. والثَّاني: تجلس من الأحمر يومًا وليلةً، ثمَّ تجلس الأسود.
ومتى بطلت دلالة التَّمييز، فهل تجلس ما تجلسه منه، أو من أول الدَّم؟ فيه وجهان.
وعنه: لا تسقط دلالة التَّمييز وإن عبر الأكثر).
قال ابن تميم: (فعلى هذا؛ ينبغي ألا تجلس زيادة على الأكثر، وتأوَّلها القاضي).
(وَإِنْ (^٣) لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا؛ قَعَدَتْ مِنْ (^٤) كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ) في ظاهر
_________________
(١) زاد في (ب): فيما ثبتت به العادة.
(٢) في (ب) و(و): يزيد.
(٣) في (أ): فإن.
(٤) في (و): في.
[ ١ / ٤٠٩ ]
المذهب، واختاره الخِرَقِيُّ وابن أبي موسى والقاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لما رُوِي أنَّ حَمْنةَ بنت جحش قالت: يا رسول الله إنِّي أُستحاض حَيضةً شديدةً كبيرةً، قد (^١) منعتني الصَّوم والصَّلاة، فقال: «تحيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعًا، ثمَّ اغتسلي (^٢)» رواه أحمد وغيره (^٣)، وعملًا بالغالِب، ولأنَّها تُرَدُّ إلى غالِب الحيض وقتًا، فكذا قدْرًا (^٤).
فعلى هذا؛ تجتهد في السِّت والسَّبع. وقيل: تخيَّر.
وتُفارق المبتدأة في جلوسها الأول: من حيث إنَّها أوَّل ما ترى الدَّم ترجو انكشاف أمرها عن قرب، ولم يتيقَّن لها دم فاسد، وإذا علم استحاضتها؛ فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينًا، وليس قرينة، فلذلك رُدَّت إلى الغالِب؛ عملًا بالظَّاهر.
(وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ)، اختارها أبو بكر، وابن عقيل في «التَّذكرة»؛ لأنَّه اليقين، وكحالة الابتداء.
(وَعَنْهُ: أَكْثَرَهُ)، اختاره (^٥) في «المغني»؛ لأنَّه زمان الحيض، فإذا رأت الدَّم فيه جلسته كالمعتادة.
(وَعَنْهُ: عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا)؛ لأنَّ الغالب شبهها بهنَّ، وقياسًا على المهر، وتُقدَّم القُربى فالقُربى.
فإن اختلفتْ عادتُهنَّ؛ جلست الأقل. وقيل: الأكثر. وقيل: تتحرَّى.
_________________
(١) في (و): وقد.
(٢) قوله: (ثم اغتسلي) سقط من (ب) و(و).
(٣) سبق تخريجه ١/ ٣٦٨ حاشية (٦).
(٤) زاد في (أ) و(ب): ويعتبر تكرار الاستحاضة في حقها، فتجلس قبل تكرره أقله.
(٥) في (ب) و(و): اختارها.
[ ١ / ٤١٠ ]
فإن عُدِم الأقاربُ؛ اعتُبر الغالب، زاد ابن حمدان: من نساء بلدها.
(وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ) في «هدايته» وتبعه في «الكافي»، (فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ):
الأولى: أنَّها تجلس الأقلَّ؛ لأنَّه اليقين.
والثَّانية: تجلس سِتًّا أو سَبْعًا؛ لأنَّه الغالب.
والثَّالثة: تجلس عادة نسائها؛ لأنَّ الظَّاهر شبهها بهن.
والرَّابعة: تجلس ما تراه من الدَّم ما لم يُجاوِزْ أكثرَه؛ قياسًا على أقلِّه.
ولمَّا فرغ من الكلام على المستحاضة المبتدَأة؛ شرع في أقسام المستحاضة المعتادة، ولها أربعة أحوال فأشار بقوله:
(إِنِ (^١) اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ)، وهي التي تعرِف شهرَها ووقت حيضها منه وطُهرِها، وشهرُها عبارة عن المدَّة التي ترى فيه حيضًا وطُهرًا، وأقلُّه أربعةَ عشرَ يومًا على المذهب، وغالِبُه الشَّهرُ المعروفُ؛ (رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا) إلى القسم الأول، وهي ما إذا كانت ذاكِرَةً لعادتها، وهي غير متميِّزة، أو يكون (^٢) الدَّم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقلِّه، أو يزيد على أكثره، فهذه تجلس قدر عادتها، ثمَّ تغتسل بعدها، وتتوضَّأ (^٣) لوقت كلِّ صلاة وتصلِّي (^٤)؛ لقول النبي ﷺ: «دعي الصَّلاة قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» متَّفق عليه (^٥).
واعلم أنَّ العادة على ضربين: متَّفِقة، ومختلِفة.
_________________
(١) في (ب) و(و): وإن.
(٢) في (و): ويكون.
(٣) في (و): ويتوضأ.
(٤) في (و): ويصلى.
(٥) سبق تخريجه ١/ ٣٨٧ حاشية (١).
[ ١ / ٤١١ ]
فالمتَّفقة: أن تكون أيَّامًا متساوية؛ كسبعة في كل شهر، فإذا استحيضت؛ جلستها فقط.
والمختلفة قسمان:
إمَّا أن تكون (^١) على ترتيبٍ، مثل أن ترى في شهر ثلاثةً، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث خمسةً، ثمَّ تعود إلى مثل ذلك، فهذه إذا استُحيضت في شهر، فعرفت ترتُّبه؛ عملت عليه، وإن نسيت ترتُّبه؛ جلست الأقل (^٢)، وهو ثلاثةٌ، ثمَّ تغتسل، وتصلِّي بقيَّة الشَّهر.
وإن علمت أنَّه غير الأوَّل (^٣)، وشكَّت هل هو الثَّاني أو الثالث؟ جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقين، ثمَّ تجلس في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وفي الرَّابع أربعةً، ثمَّ تعود إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا.
ويكفيها غسل واحد عند انقضاء المدَّة التي جلستها كالنَّاسية (^٤)، وصَحَّح في «المغني» و«الشَّرح»: أنَّه يجب عليها الغُسل أيضًا عند مُضِيِّ أكثرِ عادتِها.
وإمَّا أن يكون على غير ترتيب، مثل أن تحيض في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإن أمكن ضبطُه بحيث لا يختلف فهو كالأوَّل، وإن لم يمكن ضبطه؛ جلست الأقلَّ من كل شهر، واغتسلت عقيبه.
وذكر ابن عقيل: أنَّها تجلس أكثر عادتها في كل شهر؛ كالنَّاسية للعدد. وبعَّده المؤلِّف رحمه الله تعالى؛ إذ فيه أمرها بترك الصَّلاة، وإسقاطها عنها مع يقين
_________________
(١) في (و): يكون.
(٢) كتب في هامش (و): (الذي حفظته).
(٣) كتب في هامش (و): (أما الأوَّل؛ فلأنه يحتمل أن يكون أول عادتها وآخرها؛ فإذا احتمل أن يكون آخر العادة احتمل أن يكون الثَّاني أولها).
(٤) كتب فوقها في (و): (لدخولها تحت الخمسة من غير عكس).
[ ١ / ٤١٢ ]
الوجوب، بخلاف النَّاسية؛ فإنَّا لا نعلم عليها صلاة واجبةً يقينًا، والأصل بقاء الحيض.
ثمَّ أشار إلى الثَّاني، وهو (^١) إذا اجتمعت العادة والتَّمييز بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً (^٢)؛ أي: تقدِّم العادة عليه في ظاهر كلام أحمد وأكثر الأصحاب، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روت أم حَبِيبةَ: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ عن الدم (^٣) فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثمَّ اغتسلي وصلِّي» رواه مسلم (^٤)، وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادة أقوى؛ لكونها لا تَبطُل دلالتُها بخلاف اللَّون؛ فإنَّه إذا زاد على أكثر الحيض؛ فإنَّه تبطل دلالته.
(وَعَنْهُ: تُقَدِّمُ (^٥) التَّمْيِيزَ) على العادة بشرطه، (وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ)، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لقوله ﵇ لفاطمةَ: «فإنَّه أسود يُعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصَّلاة» (^٦)، ولأنَّ صفة الدَّم أَمَارةٌ قائمةٌ به، والعادة بخلافه، ولأنَّه خارج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمنِيِّ وغيره.
وظاهره: لا فرق بين أن يكون أكثر من العادة أو أقل، ويصلح أن يكون حيضًا، فلو اتَّفقت العادة والتَّمييز؛ عمل بهما.
ويتفرَّع على الخلاف مسائل:
منها: إذا كان حيضها خمسة أيَّام في كل شهر، فاستُحيضت، وصارت
_________________
(١) زيد في (و): ما.
(٢) في (ب) و(و): متميزة.
(٣) قوله: (عن الدم) سقط من (أ).
(٤) أخرجه مسلم (٣٣٤).
(٥) في (و): يقدم.
(٦) سبق تخريجه ١/ ٢٢٠ حاشية (١).
[ ١ / ٤١٣ ]
ترى ثلاثة (^١) دمًا أسودَ في أوَّلِ كل شهر؛ فمن قدَّم العادة قال: تجلس الخمسة كما كانت قبل الاستحاضة، ومن قدَّم التَّمييز قال: تجلس الثَّلاثةَ التي فيها الأسود في الشَّهر الثَّاني.
ومنها: إذا كان حيضها سبْعًا من أول كل شهر، فاستُحيضت، وصارت ترى سبعةً أسودَ، ثمَّ يصير أحمرَ ويتَّصل؛ فالأسود حيض عليهما؛ لموافقته (^٢) العادة والتَّمييز.
وإن رأت مكان الأسود أحمرَ، ثمَّ صار أسودَ وعَبَر؛ سقط حكم الأسود؛ لعبوره أكثر الحيض، وحيضها الأحمر؛ لموافقته (^٣) العادة.
وإن رأت مكان العادة أحمر، ثمَّ رأت خمسةً أسودَ، ثمَّ صار أحمرَ واتَّصل؛ فمن قَدَّم العادةَ أجلسها أيَّامها، ومن قدم التَّمييز جعل الأسود وحده حيضًا.
(وَإِنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ)، هذا هو القسم الثَّالث من أقسام المستحاضة، وهي التي لها تمييزٌ وعادةٌ، وقد أُنسِيَتْها؛ (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ) بشرطه؛ لما سبق من حديث فاطمة (^٤).
وظاهره: لا فرق بين أن يكون المتميِّز متَّفِقًا، مثل أن ترى في كل شهر ثلاثةً أسودَ، ثمَّ يصير أحمر ويَعبُر أكثر الحيض، أو مختلِفًا، مثل أن ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسود حيض على كل حال.
وظاهره: لا يعتبر فيه تَكرار، وهو كذلك على المذهب، وذكر في
_________________
(١) زاد في (أ) و(ب): أيام.
(٢) في (ب) و(و): لموافقة.
(٣) في (و): لموافقة.
(٤) سبق تخريجه ١/ ٢٢٠ حاشية (١).
[ ١ / ٤١٤ ]
«الرِّعاية» فيها الرِّواياتِ الأربعَ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ؛ جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ)، هذا هو القسم الرابع من أقسام المستحاضة، وهي النَّاسية للعادة ولا تمييز لها (^١)، ولها ثلاثة أحوال:
أحدُها: أن تكون ناسية لوقتها وعددها، وهذه تسمَّى المتحيِّرةَ؛ لأنَّها قد تحيَّرت في حيضها، وحكمها: أن تجلس غالِب الحيض في ظاهر المذهب، اختاره الخِرَقِيُّ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه غيرُ واحد؛ لحديث حَمْنةَ بنت جَحْش (^٢)، ولأنَّه لم يستفصلها هل هي مبتدَأة أو ناسية؟ ولو افترق (^٣) الحال لسألها، وكونها ناسية أكثر، فإن حمنةَ امرأةٌ كبيرةٌ، قاله أحمد (^٤)، ولم يسألْها عن تمييزها ولا عادتها، فلم يبقَ إلَّا أن تكون ناسيةً.
فعلى هذا؛ إن كانت تعرف شهرَها؛ جلست ذلك منه؛ لأنَّه عادتها، فترد إليها كما ترد المعتادة إلى عادتها، إلَّا أنَّه متى ما كان شهرُها أقلَّ من عشرين يومًا؛ لم تَجلس منه أكثر من الفاضِلِ عن ثلاثةَ عشرَ يومًا أو خمسة عشر؛ لئلا (^٥) ينقص الطهر عن أقلِّه.
وإن لم تعرف شهرَها؛ جلست من الشهر المعتاد؛ للخبر، ولأنَّه غالب عادات النساء، فالظَّاهر أنَّه حيضها.
وتجتهد في الست والسبع، فما غلب على ظنِّها جلسته، صحَّحه في «المغني» وغيره.
وذكر القاضي في موضع: أنَّها تُخيَّر بينهما؛ كالوطء فيه، يتخيَّر في (^٦)
_________________
(١) في (و): هنا.
(٢) سبق تخريجه ١/ ٢٦٨ حاشية (٦).
(٣) في (أ): اقترن.
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٤.
(٥) في (أ): لأنه لا.
(٦) في (ب) و(و): من.
[ ١ / ٤١٥ ]
التَّكفير بين دينار ونصفه؛ لأنَّ «أو» للتَّخيير.
وأجيب عنه: بأنَّها قد تكون للاِجتهاد؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محَمَّد: ٤]، و«إمَّا» ك «أو» (^١).
ولم يتعرَّض لوقت إجلاسها، وفيه وجهان، والأشهر: أنَّه من أول كل شهر.
(وَعَنْهُ: أَقَلَّهُ)؛ لأنَّه اليقين، وما زاد مشكوكٌ فيه، فلا تَدَعُ العبادةَ لأجله، وجعله في «الكافي» مخرَّجًا، وليس كذلك، بل هو منصوصٌ عليه (^٢).
(وَقِيلَ: فِيهَا الرِّوَايَاتُ الْأَرْبَعُ)، لو اقتصر في حكاية هذا القول على الرِّوايتَين الأخيرتَين لكان أولى، ولهذا قال القاضي: يتخرَّج فيها الرِّوايتان الأخيرتان كالمبتدَأة؛ لأنَّ بنسيان (^٣) العادة صارت عادِمةً لها، فهي كمن عدمت العادةَ، وهما (^٤): تجلس عادةَ نسائها، أو الأكثر، والمشهور: انتفاؤهما.
وظاهِرُه: أنَّ استحاضتها لا تحتاج إلى تكرار، وهو الأصحُّ.
وحكى القاضي وجهًا: أنَّها لا تجلس شيْئًا، بل تغتسل لكلِّ صلاة، وتصلِّي وتصوم، ويُمنع الزَّوج من وطئها، وتقضي الصَّوم الواجِبَ.
(وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ (^٥) مَوْضِعَهَا)، هذا هو الحال الثَّاني من أحوال النَّاسية، وهي تنقسم قسمين:
أحدهما: أن تعلمَ العددَ، ولا تعلمَ الوقت أصلًا، مثل أن تعلم أنَّ حيضها خمسة أيَّام - مثلًا - من النِّصف الأوَّل؛ (جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ)
_________________
(١) قوله: (وإما ك «أو») سقط من (و).
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٠٢.
(٣) في (و): نسيان.
(٤) في (ب): وهي.
(٥) في (أ): أو نسيت.
[ ١ / ٤١٦ ]
هِلالِيٍّ (فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، اختاره الأكثر، وجزم به في «الوجيز»، ولم يفرِّقوا؛ لأنَّه ﵇ جعل حيض حَمْنة من أوَّل الشَّهر، والصَّلاة في بقِيَّته، ولأنَّ دم الحيض جِبِلَّةٌ، والاِستحاضةَ عارِضةٌ، فإذا رأته وجب تغليبُ دم الحيض.
وقيل: تجلس في (^١) تمييز لا يعتد به إن كان؛ لأنَّه أشبه بدم الحيض، وهو ظاهر كلام ابن تميم.
(وَفِي الآخَرِ: تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي)، قيل: هو الصواب، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه ﵇ ردَّها إلى الاجتهاد في العدد، فكذا في الوقت، ولأنَّه لا أثر للهلال في أمر الحيض بوجه.
وذكر المَجْدُ وغيرُه: إن ذكرت أوَّلَ الدَّم؛ كمعتادة انقطع حيضها أشهرًا، ثمَّ جاء الدَّم خامس يومٍ من الشَّهر مثلًا، واستمر، وقد أُنْسِيَت العادة؛ فالوجهان الأخيران.
والثَّالث: تجلس مجيء الدَّم في خامِس كلِّ شهر، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّه ﵇ أمر حَمْنةَ ابتداءً بجلوس سِتٍّ أو سبع، ثمَّ تصوم وتصلِّي ثلاثًا وعشرين أو أربعًا وعشرين (^٢)، وقال: «فافعلي في كلِّ شهر كما تحيض النِّساء، وكما يَطْهُرْنَ» (^٣)، وليس حيضُ النساء عند رؤوس الأهلَّة غالبًا.
ومتى تعذَّر التَّحرِّي، بأن يتساوى عندها الحال، ولم تَظُنَّ شيئًا، أو تعذَّر الأوَّليَّة؛ عمِلت بالآخَر.
وقال ابن حامد والقاضي: إذا علِمت قدرَ عادتِها وجهِلت موضعَها، بأن قالت: حيضتي أحد أعْشار الشَّهر؛ فإنَّها لا تترك الصَّوم ولا الصَّلاة، وعليها
_________________
(١) في (و): من.
(٢) قوله: (وعشرين) سقط من (و).
(٣) سبق تخريجه ١/ ٢٦٨ حاشية (٦).
[ ١ / ٤١٧ ]
أن تغتسل كلَّما مضى قَدْرُ عادتها، ويمنع وطؤها، وتقضي من الصَّوم الواجب بقدرها، وكذا الطَّواف.
وعنه: لا تجلس شيئًا.
(وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ (^١) وَلَا تَمْيِيزَ)، يعني: أنَّ فيهما الوجهيْن اللَّذين ذكرهما؛ لأنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من نسيت موضع حيضها في تعذُّر الجلوس في زمن محقَّقٍ، فوجب أن يثبت لها كحكمها؛ لأنَّ الاشتراك يوجب المساواة.
وفيها (^٢) وجوهٌ أُخَرُ.
والمذهب كما جزم به في «الوجيز»: أنَّها تجلس في أول الشهر.
(وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ؛ كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ)، هذا هو القسم الثَّاني، وهي أن تعلم أنَّها كانت تحيض أيَّامًا معلومةً من العشر (^٣) الأُولِ؛ (جَلَسَتْهَا)؛ أي: الأيَّامَ (فِيهِ)؛ أي: من (^٤) ذلك الوقت دون غيرِه؛ لأنَّ ما عداه طُهْرٌ بيقين؛ (إِمَّا مِنْ أَوَّلِهِ) وصحَّحه جمْعٌ، (أَوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ) المتقدِّمِ ذكرُهما فيمن نسيت موضع حيضها.
ثمَّ اعلم: أنَّه لا يخلو عددُ أيامها؛ إمَّا أن يكون زائدًا على نصف ذلك الوقت، أو يكون نصفَ المدَّة فأقلَّ.
أمَّا الأول (^٥): فإنَّك تضمُّ الزَّائد إلى مثله ممَّا قبله، فهو حيض بيقين، فإذا قالت: حيضتي سبعة أيَّام من العشر الأول، فقد زادت يومين على نصف
_________________
(١) زاد في (ب) و(و): لها.
(٢) في (و): وفيه.
(٣) في (و): في العشر.
(٤) في (و): في.
(٥) كتب فوقها في (و): (وهو ما إذا كان العدد زائدًا على نصف المدَّة).
[ ١ / ٤١٨ ]
الوقت، فتضمُّها إلى مثلها، فيصير لها أربعة أيَّام حيضًا بيقين، وهي من أوَّل الرَّابع إلى آخر السَّابع، ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أوَّل العشر.
أو بالتَّحرِّي، فيكون ذلك حيضًا مشكوكًا فيه، وحكمه كالمتيقَّن في ترك العبادات، ويبقى لها ثلاثةٌ طهرًا مشكوكًا فيه، حكمه كالمتيقَّن في وجوب العبادات، وسائر الشَّهر طهر.
وأمَّا الثَّاني: فليس لها حيض بيقين؛ لأنَّها متى كانت تحيض خمسة أيَّام؛ احتمل أن تكون الخمسة الأولى، وأن تكون الثَّانية، وأن تكون بعضها من الأولى وباقيها من الثَّانية، فحينئذ تجلسها على الخلاف.
ولا يُعتبر التَّكرارُ في الثَّانية، صرَّح به في «المغني» و«الشَّرح»؛ لأنَّها عرفت استحاضتها في الشَّهر الأوَّل، فلا معنى للتَّكرار.
(وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا، وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ)، هذا هو الحالُ الثَّالثُ من أحوال النَّاسية، وهي النَّاسية (^١) لعددها دون وقتها؛ (جَلَسَتْ فِيهِ)؛ أي: في ذلك الموضع دون غيره، كمن تعلم أنَّ حيضها في العشر الأول، فهي في (^٢) قدر ما تجلسه كالمتحيِّرة، فإنَّها تجلس (غَالِبَ الْحَيْضِ أَوْ أَقَلَّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ) المنصوصتَين، والأكثر وعادة نسائها على المخرَّجتين (^٣).
والصَّحيح: أنَّها تجلس الغالب من العشر.
وهل هو من أوَّله أو بالتَّحرِّي؟ على الخلاف.
فإذا علمت ابتداءه؛ بأن قالت: حيضي كان من أول يوم من الشهر؛ فذلك اليوم حيض يقينًا، فإن قلنا برواية الأقلِّ؛ لم تزد عليه، وإن قلنا
_________________
(١) قوله: (وهي الناسية) سقط من (و).
(٢) قوله: (في) زيادة من (و).
(٣) في (أ): المخرجين.
[ ١ / ٤١٩ ]
بالغالب؛ جلست تمامه من النِّصف الأوَّل، فيكون حيضًا مشكوكًا فيه، وبقيَّة النِّصف طهرٌ مشكوكٌ فيه.
وقال القاضي في شرحه: تغتسل عقيب اليوم، ثمَّ تغتسل لكل صلاة إلى الخامس عشر، ولا يأتيها زوجها، ثمَّ تتوضَّأُ لكل صلاة إلى آخر الشَّهر.
وإن علمت آخره؛ بأن قالت: كان آخر حيضي مع آخر الشَّهر، ولا أعلم أوَّله؛ فاليوم الأخير (^١) حيض بيقين، ويكتفى به على الأقلِّ، وعلى الغالب تضيف إليه من النِّصف الأخير (^٢) تمام ستٍّ أو سبع، فيكون حيضًا مشكوكًا فيه، وبقيَّة النِّصف طهرًا مشكوكًا فيه.
وقال القاضي: من (^٣) أوَّل النِّصف الثَّاني إلى التَّاسع والعشرين؛ طهرٌ مشكوكٌ فيه، تصوم (^٤) وتُصلِّي، وتقضي الصَّوم، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة من غير غسل، ولا يقربها زوجها.
وإن جهلت طرفي حيضها؛ بأن قالت: كنتُ أوَّلَ يوم من الشَّهر حائضًا لا أعلم هل هو طرف الحيضة أو وسطها، ولا أعلم هل هو كلُّها أو بعضها؛ فاليوم الأوَّل حيض يقينًا، والسادس عشر طهر يقينًا، وبقية النِّصف مشكوكٌ فيه؛ فعلى الأقلِّ (^٥) تجلسه فقط، وعلى الغالب تضيف إليه تمام ستٍّ أو سبع، إن قلنا: تجلس من أوَّل الشَّهر أو بالتَّحرِّي.
مسألة: إذا ذكرت النَّاسيةُ عادتَها؛ رُدَّت إليها، والمعتادة كما تقدَّم: من علمت أيَّام حيضها وطهرها، فإن جهلتهما، أو الطُّهرَ وحدَه؛ رُدَّت إلى الشَّهر الهلالي؛ عملًا بالغالِب، ولأنَّ تركها لعارض النِّسيان، وقد زال.
_________________
(١) في (و): الآخر.
(٢) في (ب) و(و): الآخر.
(٣) في (و): في.
(٤) في (أ): فتصوم.
(٥) في (و): الأول.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وإن تبيَّن أنَّها تركت الصَّلاة في (^١) غير عادتها؛ لزِمها إعادتها، وقضاء ما فعلته من الصَّوم الواجب ونحوه في (^٢) عادتها.
(وَإِنْ (^٣) تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ)؛ مثل أن يكونَ حيضُها خمسةً من كل شهر؛ فتصير سِتَّةً ونحوه، (أَوْ تَقَدُّمٍ)؛ مثل أن تكون عادتها من أول الشَّهر ستَّة فتصير يومين من الشَّهر السَّابق، وأربعة من الثَّاني، وهو الذي تحيض فيه، (أَوْ تَأَخُّرٍ)؛ مثل أن يكون حيضها خمسة من أول الشَّهر فتصير خمسة في ثانيه، (أَوِ انتِقَالٍ)؛ مثل أن يكون حيضُها الخمسةَ الأُوَلَ، فيصيرُ الخمسةَ الثَّانية، لكن لم يذكره في «المحرَّر» و«الوجيز» ولا «الفروع»؛ لأنَّه في معنى ما تقدَّم؛ (فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ) نصَّ عليه (^٤)؛ لقوله ﵇: «اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» رواه مسلم (^٥)، ولأنَّ لها عادة، فتردُّ إليها كالمستحاضة، وتصوم وتصلِّي في الخارج عن العادة، ولا يأتيها زوجها؛ لاحتمال أن يكون حيضًا، فيجب ترك وطئها احتياطًا كما وجبت العبادة احتياطًا، لكنَّها تغتسل عَقيب العادة وعند انقضاء الدَّم؛ لاحتمال أن يكون حيضًا كما قلنا في المبتدَأة.
وعنه: لا يجب الغسل عَقيب الخارج عن العادة.
وفي «الرِّعاية»: لا يجب الغسل على الأصحِّ لما زاد عن العادة إن اعتبر تكراره، ولم يعبُرْ أكثرَ الحيض.
وفي كراهة الوطء فيه وجهان.
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) في (و): من.
(٣) في (و): فإن.
(٤) ينظر: مسائل صالح ١/ ٢٥٨، مسائل أبي داود ص ٣٦.
(٥) أخرجه مسلم (٣٣٤).
[ ١ / ٤٢١ ]
وعلى ما ذكره؛ إن ارتفع حيضُها ولم يَعُدْ، أو يئست قبل التَّكرار؛ لم تقض.
(حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا)، جزم به في «الوجيز»، وهو الأشهر، فعلى هذا تجلس في الشَّهر الرَّابع، (أَوْ مَرَّتَيْنِ)، فتنتقل في (^١) الشَّهر الثَّالث، وقيل: الثَّاني، (عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ)، نقلهما عنه الفضل بن زياد (^٢).
فعليها: إذا تكرَّر صارَ عادةً، وأعادت ما فعَلَتْه من الصِّيام والطَّوافِ الواجبِ، لكن قال ابن تميم: في وجوب إعادته قبل التَّكرار وجهان.
وعن أحمد: الزَّائد لا يحتاج إلى تكرار وحده (^٣).
وظاهره: أنَّ العادة لا تثبت بمرَّة، زاد في «الرِّعاية» على الأصحِّ، وقيل: إلَّا في التَّمييز.
(وَعِنْدِي: أَنَّهَا تَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ)، قال ابن تميم: وهو أشبه، وحكاه في «الرِّعاية» قولًا، وفي «المستوعب» رواية وش (^٤)؛ لأنَّ النِّساء كنَّ (^٥) يبعثن إلى عائشة بالدُّرجة فيها الصُّفرة والكُدرة، فتقول: «لا تعجلْنَ حتَّى تَرَيْن القَصَّةَ البيضاءَ» رواه مالك (^٦)، ومعناه: لا تعجَلن بالغسل، ومعنى
_________________
(١) قوله: (فتنتقل في) هو في (أ): (فيه، قيل في).
(٢) ينظر: المغني ١/ ٢٥٤.
(٣) كتب على هامش (و): (قوله: "وعن أحمد الزائد لا يحتاج إلى تكرار" هذه الرواية هي المختارة عند كثير من الأصحاب في الزيادة والتقدم والتأخر والانتقال، واختارها الموفق والشَّيخ تقي الدِّين وصاحب الفائق والإنصاف والإقناع وغيرهم).
(٤) بياض في (أ). وينظر: البيان للعمراني ١/ ٣٦٥، المجموع ٢/ ٤٢٣.
(٥) قوله: (كن) سقط من (ب) و(و).
(٦) أخرجه مالك (١/ ٥٩)، وعبد الرزاق (١١٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨١٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٨٩)، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين. وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ٧١)، وصححه النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٣٣، الإرواء ١/ ٢١٩.
[ ١ / ٤٢٢ ]
القَصَّة: أن تدخلَ القطنة في فرجها فتخرج بيضاء نقية، وقال أحمد: (هو ماء أبيض يتبع الحَيضة) (^١)، ولم يقيِّده بالعادة، فالظَّاهر: أنهنَّ كن يعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير افتقار (^٢) عادة، والظَّاهر أنهنَّ جرين على العرف في اعتقاد ذلك حيضًا، ولم يرد من الشرع تغييره، وذلك أنَّه أجلسنا المبتدأة من غير سبق عادة، ورجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف.
(وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا؛ اغْتَسَلَتْ، وَصَلَّتْ)، وصامَت؛ لقول ابن عباس (^٣): «أمَّا ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل» (^٤).
وظاهره: أنَّه لا فرق بين قليل الطهر وكثيره، ونقله في «الشرح» عن الأصحاب، لكن أقل الطهر في (^٥) خلال الحيض: ساعة، فلو كان النقاء أقل منها؛ فقال في «الكافي» و«الشرح»: (الظَّاهر أنَّه ليس بطهر).
وعن أحمد: أقله يوم، صحَّحه المؤلف وابن تميم وابن حمدان؛ لأنَّ الدم يجري تارة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعةً؛ حَرَجٌ، فيكونُ منفيًّا، قال في «الشرح» وغيره: (فعلى هذا؛ لا يكون أقل من يوم طهرًا، إلَّا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القَصَّةَ البيضاء)، ولأنَّ الله تعالى وصف الحيض بكونه أذًى، فإذا ذهب الأذى؛ وجب زوال الحيض.
وظاهره: إباحة وطئها. وعنه: يكره، وخرَّجه القاضي وابن عقيل على الخلاف في المبتدَأة، وأنَّه لا قضاء عليها فيما فعَلَتْه فيه من صوم واجب
_________________
(١) ينظر: مسائل حرب ١/ ٥٨٥.
(٢) في (ب) و(و): افتقاد.
(٣) قوله: (لقول ابن عبَّاس) سقط من (أ).
(٤) علقه أبو داود في السنن (١/ ٧٥)، ووصله ابن أبي شيبة (١٣٦٧)، والدارمي (٨٢٧)، وإسناده صحيح، واحتج به أحمد في مسائل صالح (٣/ ٩٩).
(٥) في (و): من.
[ ١ / ٤٢٣ ]
ونحوِه إذا عاوَدَها في العادة على الأصحِّ.
(فَإِنْ (^١) عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي العَادَةِ) ولم يتجاوزْها؛ (فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
أصحُّهما: أنَّها تلتفِت إليه، بمعنى أنَّها تجلِسه؛ لأنَّه صادف زمنَ العادة، أشبه ما لو استمر (^٢).
والثَّانية: لا تلتفِت إليه حتَّى يتكرر، اختاره ابن أبي موسى، وهو ظاهر (^٣) الخرقي، قال أبو بكر: هو الغالب في الرِّواية عن أبي عبد الله؛ لأنَّه عاد بعد طهر صحيح، أشبه ما لو عاد بعد العادة، فعليها: حكمه حكم ما لو عاد بعدها.
وعنه: مشكوكٌ فيه، كدَم نفساءَ عادَ.
فعلى الأولى؛ إذا عاد في العادة وغيرها، ولم يجاوز أكثرَ الحيض فأوجه:
أحدها: الجميعُ حيضٌ.
والثَّاني: ليس بحيض حتَّى يتكرر.
والثالث: ما في العادة حيضٌ، وما زاد ليس بحيض حتَّى يتكرر (^٤)، فإن جاوز أكثرَه فمستحاضةٌ؛ لأنَّ بعضَه ليس بحيض، فيكون كلَّه استحاضَةً لاتصاله به، وانفصاله عن الحيض.
ولم يتعرَّض المؤلف لعودِه بعدَ العادة، وهو ينقسم إلى قسمين:
تارةً يتعذَّر كونُه حيضًا، وهو إذا عبَرَ أكثرَه، وليس بينه وبين الدم الأوَّل أقلُّ الطُّهرِ، فيكون استحاضةً ولو تكرَّر.
_________________
(١) في (أ): وإن.
(٢) كتب فوقها في (و): (وبه قال الثوري وأبو حنيفة).
(٣) في (أ): اختيار. والمثبت موافق لما في الشرح الكبير.
(٤) قوله: (والثالث: ما في العادة حيض، وما زاد ليس بحيض حتَّى يتكرر) سقط من (و).
[ ١ / ٤٢٤ ]
وتارة يمكن كونُه حَيضًا، وذلك في حالين:
أحدهما: أن يكون بضَمِّه إلى الدم الأوَّل لا يكون بين طَرَفَيْها أكثر من خمسة عشر يومًا، فإذا تكرَّر جعلناهما حيضة واحدة تلفق أحدهما إلى الآخر، ويكون الطهر الذي بينهما طهرًا في خلال الحيضة، كما لو كانت عادتها عشرة أيام من أوَّلِ الشهر، فرأت منها خمسة دمًا، وطهُرت خمسةً، ثمَّ رأت خمسة دمًا، فلو رأت الثَّاني ستة أو أكثر، امتنع ذلك لما ذكرناه.
والثَّاني: أن يكون بينهما أقلُّ الطهر، وكل من الدَّمَيْن يصلُح حيضًا بمفرده؛ كيوم وليلة فصاعدًا؛ فهذا إذا تكرَّر يكون الدَّمان حَيْضَتَين، وإن نقص أحدهما عن أقلِّ الحيض؛ فهو دم فساد.
(وَالصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ) - وهي شيءٌ كالصَّديد يعلوه صُفرة وكُدرة - (فِي أَيَّامِ الحَيْضِ) أي: زَمَن العادة؛ (مِنَ الحَيْضِ)؛ لدخولهما في عموم النص؛ ولقول عائشة (^١).
وظاهره: أنَّه إذا رأته بعد العادة والطهر؛ أنَّها لا تلتفت إليه، نصَّ عليه (^٢)؛ لقول أم عطية: «كُنَّا لا نَعُدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيْئًا» رواه أبو داود، والبخاري ولم يذكر: «بعد الطهر» (^٣).
وعنه: بلى إن تكرَّر؛ لقول أسماء (^٤)، واختاره جماعة.
_________________
(١) تقدم قريبًا.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٨، مسائل ابن منصور ٣/ ١٣١٦.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٦)، من طريق ابن سيرين عن أم عطية ﵂، وأبو داود (٣٠٧)، من طريق حماد عن أم الهذيل حفصة بنت سيرين عن أم عطية ﵂، ولم يتفرد بها حماد بل تابعه غيره كما أشار إلى ذلك ابن رجب، وبوب البخاري عليه بما يفيد ثبوتها فقال: (باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني. ينظر: المستدرك (٦٢١)، فتح الباري لابن رجب ٢/ ١٥٥، الإرواء ١/ ٢١٩.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٠٧)، والدارمي (٨٨٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨١٦)، والبيهقي في الكبرى (١٥٩٢)، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت - أي: فاطمة-: كنا نكون في حجرها، فكانت إحدانا تحيض ثم تطهر فتغتسل وتصلي، ثم تنكِّسها الصفرة اليسيرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة حتى لا نرى إلا البياض خالصًا، وإسناده حسن.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وشرط آخرون: اتِّصالها بالعادة.
ثم شرع في بيان التلفيق فقال: (وَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا (^١)، ويَوْمًا طُهْرًا)، وكذا في «المحرر» و«الوجيز»، وذكر في «الشرح»: لا فرق بين كون زمن الدم مثلَ زمن الطُّهر أو أكثرَ أو أقَلَّ، فلو رأت نصفَ يومٍ دمًا، ونصفَه طُهرًا، أو ساعة وساعة، فقال الأصحاب: هو كالأيام في الضِّمِّ إذا بلغَ المُجتمِعُ أَقَلَّ الحيضِ، ولهذا في «الفروع»: (ومن رأت دمًا متفرِّقًا يبلغ مجموعه أقل الحيضِ)؛ (فإنَّها تَضُمُّ الدَّمَ إِلَى الدَّمِ فَيَكُونُ حَيْضًا)، فتجلسُه؛ لأنَّه أمكنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ من الدَّم حيضةً ضرُورةَ أنَّ أقل الطهر بينهما ثلاثة عشر أو خمسة عشر يومًا، فتعيَّن الضم؛ لأنَّه دم في زمن يصلُح كونُه حيضًا، أشبه ما لو لم يفصِل بينهما طهر، (وَالْبَاقِي) أي: النَّقاء؛ (طُهْرًا)؛ لما تقدم من أنَّ الطهر في أثناء الحيضة صحيح، فتغتسل في زمانه، وتصلِّي؛ لأنَّه طُهر حقيقةً، فيكون حُكمًا، وشرطُه: ألا يجاوِز مجموعُهما أكثرَ الحيضِ.
وعنه: أيامُ الدَّم والنقاءِ حيض.
وفيه وجه: لا تجلس ما ينقص (^٢) عن الأقلِّ إلَّا أن يتقدم ما يبلغ الأدنى (^٣) مُتَّصِلًا.
ومتى انقطع قبل بلوغ الأقل؛ ففي وجوب الغُسل إذَن وجهان.
(إلَّا أَنْ يُجَاوِزَا (^٤) أي: يَعْبُرَا (^٥) (أَكْثَرَ الحَيْضِ)، مثلَ أن تَرى يومًا دمًا
_________________
(١) في (أ): دمًا يومًا.
(٢) في (أ): نقص.
(٣) في (أ): الأدنى.
(٤) في (و): الأقل.
(٥) في (أ): تغير، وفي (و): يعني.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ويومًا طُهرًا إلى ثمانيةَ عشرَ؛ (فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً)؛ لقول علي ﵁ (^١).
وقال القاضي فيمن لا عادة لها: طهرها في السادس عشر يمنع (^٢) كونَها مستحاضةً في زمن الأكثر، فتجلس ما تراه من الدم فيه إذا تكرَّر.
والأوَّل أصحُّ، فعلى هذا: إن كانت معتادة بغير تمييز؛ جلست ما تراه في زمن عادتها في الأصحِّ، والثَّاني: تجلس قدرَ العادة أو ما أمكنَ منها في زمنِ الأكثر، قال ابن تميم: (والوجهان فرع على قولنا: الطهر في (^٣) العادة لا يَمنَعُ ما بعدَها أن يكون حيضًا، فإن قلنا: يمنع، لم تجلس غير الدم الأول).
فإن نقص عن أقله، فقال في «المغني»: يضم إليه مما (^٤) بعده ما يبلغ به الأقل، ومنع منه آخرون، وأنَّه لا حيض لها، قال ابن تميم: (وهو أظهر).
وإن كانت عادتها بتلفيق؛ جلسَت على حسَبِها، وإن لم تكن (^٥) لها عادة، ولها تمييز صحيح؛ جلسَت زمنَه.
فإن لم يكونا، فإن قلنا: تجلس الغالب، فهل تلفِّق ذلك من أكثر الحيض، أو تجلس أيام الدم من الست والسبع؟
وإن قلنا: تجلس الأقل جلسته من أول يوم.
_________________
(١) أورده في المغني ١/ ٢٢٥ وغيره، قالوا: (روي عن علي: «ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة»). قال ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ١٤٥: (ولا يحضرني من خرَّجها)، وقال الحافظ في التلخيص ١/ ٤٤٢: (هذا اللفظ لم أجده عن علي، لكنه يخرج من قصة علي وشريح التي تقدمت)، وينظر تخريج قصة علي وشريح ١/ ٤٠٢ حاشية (٢).
(٢) في (و): ممتنع. وفي (أ): يمنع.
(٣) في (و): زمن.
(٤) في (أ): ما.
(٥) في (و): يكن.
[ ١ / ٤٢٧ ]