(وَالْمُسْتَحَاضَةُ) هي التي ترى دمًا لا يصلُح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا؛ حُكمُها حكمُ الطَّاهراتِ في وجوبِ العباداتِ وفِعلِها؛ لأنَّها نجاسةٌ غيرُ مُعتادَةٍ، أشبهت سَلَسَ البَولِ، (تَغْسِلُ فَرْجَهَا)؛ لإزالة ما عليه من الدَّم، (وتَعْصِبُهُ) بما يمنع الدم على حسبِ الإمكان من حَشْوٍ بقطن (^١)، أو شَدٍّ بخِرقةٍ طاهرةٍ مَشقُوقةِ الطَّرفين؛ لقول حمنة (^٢): «أنعَتُ لكِ الكُرسُف - يعني: القطن - تحشين به المكان»، قالت: إنَّه أكثر، قال: «فتلجمي» (^٣).
وظاهره: ولو كانت صائمة، لكن يتوجه أن تقتصر على التعصيب فقط (^٤).
والأصحُّ: أنَّه لا يلزمها غسل الدم، وإعادة شدِّه لكل صلاة.
فإن خرج الدم بعد الوضوء لتفريطٍ في الشد؛ أعادتِ الوضوءَ؛ لأنَّه حدَثٌ أمكنَ التَّحرُّز منه، وإن خرج لغير تفريط؛ فلا شيء عليها.
(وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لفاطمة: «توضَّئي لكل صلاة حتَّى يجيء (^٥) ذلك الوقت» رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمذي وصحَّحه، وفي لفظ قال لها: «توضئي لوقت كل صلاة»، قال التِّرمذي: (حديث حسن صحيح) (^٦).
_________________
(١) في (أ): قطن.
(٢) قوله: (لقول حمنة) هو في (ب): لقوله لحمنة.
(٣) في (أ): فليجمي. وتقدم تخريج الحديث.
(٤) قوله: (فظاهره ولو كانت صائمة) إلى هنا سقط من (أ) و(ب).
(٥) في (و): مجيء.
(٦) أخرجه أحمد (٢٤١٤٥)، وأبو داود (٢٩٨)، والترمذي (١٢٥)، وفي البخاري (٢٢٨)، من قول عروة: «ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت»، وأشار مسلم إلى أن هذه الزيادة وهي الأمر بالوضوء لكل صلاة معلولة، وكذا رجح البيهقي وابن رجب بأنها غير محفوظة وهي مدرجة من قول عروة، ورجح ثبوتها ابن حجر والألباني. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (١٦٢٤، ١٦٢٣)، فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧١ - ٧٢، فتح الباري لابن حجر ١/ ٣٣٢، ٤٠٩، صحيح أبي داود ٢/ ٥١.
[ ١ / ٤٢٨ ]
لا يقال: ورد (^١) في غالب الروايات: «وتوضئي لكل صلاة»؛ لأنَّه مقيد، فيجب حمله على المقيد به، ولأنَّها طهارة عُذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتَّيمُّم. وظاهره: يجب ولو لم يخرج شيء، وهو ظاهر كلام جماعة، لكن قال في «الشرح» و«الفروع»: (إنَّه لا يجب إذا لم يخرج شيء، نصَّ عليه فيمن به سَلَسُ البول) (^٢).
وعليه: إذا توضأت قبل الوقت؛ بطل بدخوله كالتَّيمُّم؛ لأنَّه لا حاجة إليه إذَن.
واقتضى ذلك: صحَّةَ طهارتِها بعد دخول الوقت، فتنوي استباحة الصَّلاة، لا رفعَ الحدثِ، فإن نوَتْه فقال في «التلخيص»: لا أعلم لأصحابنا فيه قولًا، وقياس المذهب: أنَّه لا يكفي، ولا تعيين النِّيَّة للفرض في ظاهر كلامهم.
(وَتُصَلِّي) بوضوئها (مَا شَاءَتْ مِنَ الصَّلَوَاتِ)، أداء كانت (^٣) أو قضاء، أو جمعًا أو نذرًا، ما لم يخرج الوقت، كما يجمع بين فرض ونوافل اتفاقًا؛ لأنَّها متطهرة، أشبهت المتيمم.
وعنه: يبطل (^٤) بدخوله، وهو اختيار المجد.
وعنه: لا يجمع به (^٥) بين فرضين، أطلقها جماعة، وقيدها في «المحرر»
_________________
(١) في (أ): فيرد، وفي (و): فرد.
(٢) ينظر: الفروع ١/ ٣٨٨.
(٣) زيد في (و): فرضًا.
(٤) في (و): تبطل.
(٥) في (و): فيه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
بوضوء؛ للأمر به لكل صلاة.
قال القاضي في «الخلاف»: تجمع بالغسل، لا تختلف الرِّواية فيه، وفي «الجامع الكبير»: تجمع وقت الثَّانية، وتصلي عقب طهرها.
وظاهره: أنَّ لها التأخير، فإن أخَّرت لحاجة، وقيل: لمصلحة، وفي «الرعاية»: أو تنفُّل؛ جاز.
فإن كان لغير ذلك؛ صلَّت به في وجه، صحَّحه (^١) ابن تميم؛ كالمتيمم.
وفي آخر: لَا؛ لأنَّه إنَّما أبيح لها الصَّلاة بهذه الطَّهارة مع وجود الحدث للضرورة، ولا ضرورة هنا.
ومحل هذا: ما إذا كان دمُها مُستمرًّا، فلو كان لها عادةٌ بانقطاعِه زمنًا يتَّسع للفعل؛ تعيَّن فيه، فإن توضَّأت زمن انقطاعه، ثمَّ عاد؛ بطل (^٢).
ولو عرض هذا الانقطاع لمن عادتها الاتصال؛ ففي بقاء طهارتها وجهان.
وعنه: لا عِبرةَ بانقطاعِ الدَّمِ مع بقاء الاستحاضة (^٣) بحالٍ؛ لعَدَم وُرود الشرع به؛ وللمشقَّة، قال في «الشرح»: وهو أولى، وصحَّحه ابن تميم.
(وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ والْمَذْيِ وَالرِّيحِ، وَالجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ (^٤)، يعني: أنَّ حُكمَ هؤلاء حكمُ المستحاضة؛ لتساويهم معنًى، وهو عدم التَّحرُّز من (^٥) ذلك، فوجب المساواة حُكمًا، قال إسحاق بن راهويه: «كان بزيد بن ثابت سَلَسُ البول، وكان يداويه (^٦) ما استطاع، فإذا
_________________
(١) في (أ) و(ب): وصححه.
(٢) في (و): بطلت.
(٣) في (و): المستحاضة.
(٤) قوله: (والرعاف الدائم) سقط من (و).
(٥) في (و): في.
(٦) في (أ): يداويها.
[ ١ / ٤٣٠ ]
غلبه صلَّى ولا يبالي ما أصاب ثوبَه» (^١)، ولم ير أحمد حشوَ الذكرِ في ظاهر ما نقله عبد الله (^٢)، وأنَّه لو احتشى فصلَّى، ثمَّ أخرجه فوجد بللًا، فلا بأس ما لم يظهر خارجًا، ونقل الميموني فيمن به رعاف دائم: أنَّه يحتشي (^٣)، ونقل ابن هانئ خلافَه (^٤).
فإن كان ممَّا (^٥) لا يمكن عَصْبُه؛ كالجُرح الذي لا يمكن شدُّه، أو من (^٦) به باسور أو ناصورٌ، ولا يُمكن عَصْبُه؛ صلَّى على حسَب حالِه؛ لفعل عمر، رواه أحمد (^٧).
فإن قدَر على حبسه حال القيام وحدَه؛ ركع وسجد، وأجزأته صلاته،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٥٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٥٧)، والدارقطني (٧٧٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٧٠)، وإسناده صحيح، واحتج به أحمد كما في مسائل عبد الله ص ٢٤.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٢٣.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٣٩١.
(٤) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٤. كتب على هامش (و): (قوله: "ولم ير أحمد حشو الذكر … " إلى آخره، ذكره في الفروع في باب الاستنجاء مريدًا به: أنه لا يثبت في حشو الذكر؛ لتحقيق الاستبراء والطَّهارة، كما دل عليه قوله بعد ذلك: "وأنه لو احتشى … " إلى آخره، هو ظاهر نقل الشارح له في هذا المحل، يفهم أن المراد: أن من به سلس البول لا يحتشي، وليس كذلك، فقد ذكر في الفروع في هذا المحل أن من حدثه دائم حكمه كالمستحاضة، ثم قال: "وعليه أن يحتشي نقله الميموني وغيره ونقل ابن هانئ: لا"، وذلك عام في جميع أنواع من به الحدث الدائم منه ذو السلس والرعاف وغيرهما، ولا يفهم من الفروع تخصيص ذلك بذي الرعاف، فإنه لم يذكره إلا مثالًا، فكلام الشارح هنا خبط فليعرف، والله أعلم).
(٥) في (أ): ممن.
(٦) قوله: (من) سقط من (و).
(٧) أخرجه أحمد في الزهد (٦٥٦)، ومالك (١/ ٣٩)، وعبد الرزاق (٥٧٩)، وابن أبي شيبة (٨٣٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (٥٨)، والدارقطني (١٥١١)، والبيهقي في الكبرى (١٦٧٣)، من طرق صحيحة عن المسور بن مخرمة ﵁. وقد احتج به الإمام أحمد في مسائل عبد الله ص ٢٤، والكوسج ٢/ ٣٥٨، وصححه ابن المنذر.
[ ١ / ٤٣١ ]
نصَّ عليه (^١)، كالمكان النَّجس.
وقال أبو المعالي: يومئ؛ لأنَّ فوات الشرط لا بدَلَ له، قال: ولو امتنعت القراءة، أو لحِقَه السَّلَس إن صلَّى قائمًا؛ صلَّى قاعدًا، قال: ولو كان قام وقعد لم يحبسه، ولو استلقى حبسه؛ صلَّى قائمًا وقاعدًا؛ لأنَّ المستلقيَ لا نظير (^٢) له اختيارًا (^٣).
(وَهَلْ يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ العَنَتِ؟ عَلَى روَايَتَيْنِ):
إحداهما: يحرم إلَّا لخوف العَنَتِ، قدَّمه غير واحد، وذكر في «الكافي» و«الفروع» أنَّه قول الأصحاب، قيل (^٤): وبعدم الطَّول لنكاح حُرَّة، أو ثمن أَمَة، ذكره في «الرعاية»؛ لقول عائشة: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» (^٥)؛ ولأنَّ بها أذىً، فحرم وطؤها كالحائض، فإن وطئ أثِم، ولا كفَّارة عليه في الأشهر.
والثَّانية: يباح مطلقًا، وهو (^٦) قول أكثر العلماء؛ لأنَّ «حمنة كانت تُستحاض، وكان زوجها طلحة بن عبيد الله يجامعُها» (^٧)، و«أم حبيبة
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٣٩٢.
(٢) في (و): يظهر.
(٣) قال ابن قندس في حواشي الفروع ١/ ٣٩٢: (أي: لا يكون في حال الاختيار، وإنما يكون في حال الضرورة).
(٤) في (و): وقيل.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٩٦٠)، والدارقطني (٨٥١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٣)، وإسناده صحيح، وأعله البيهقي برواية من رواه عن الشعبي من قوله، وناقشه ابن التركماني. ينظر: الجوهر النقي ١/ ٣٢٨.
(٦) في (و): ونص.
(٧) أخرجه أبو داود (٣١٠)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٢)، عن عكرمة عنها. وحسن النووي والألباني إسناده، وقد يقال في هذا الأثر ما قاله الحافظ في أثر أم حبيبة الآتي. ينظر: المجموع ٢/ ٣٧٢، صحيح أبي داود ٢/ ١١٦.
[ ١ / ٤٣٢ ]
تُستحاض، وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يَغشاها» رواهما أبو داود (^١)، وللعُموم في حِلِّ الوطء للزوجة، وقد قيل: وطء الحائض يتعدى إلى الولد فيكون مجذومًا.
وعنه: يكره.
وظاهره: إذا خاف العَنَتَ أو خافَتْه هي، وطلبته منه أبيح له؛ لأنَّ حكمه أخفُّ من حُكم الحيض، ومدَّته تطول.
فائدة: لا بأس بشرب دواء مباح لقطع الحيض إذا أُمِن ضرَرُه، نصَّ عليه (^٢)، واعتبر القاضي إذن الزوج كالعزل.
ويجوز شربه لإلقاء نطفة، ذكره في «الوجيز».
ويجوز لحصول الحيض، إلَّا قرب رمضان لتفطره، ذكره أبو يعلى الصغير.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦١)، عن عكرمة. قال الحافظ في الفتح ١/ ٤٢٩: (هو حديث صحيح؛ إن كان عكرمة سمعه منها)، وصرح الخطابي بعدم سماعه منها. ينظر: معالم السنن ١/ ٩٤.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٦٣.
[ ١ / ٤٣٣ ]