(وَيُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ)، جزم به في «المحرَّر» و«الوجيز» وغيرهما؛ لما روتْ عائشةُ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الاِلتفاتِ في الصَّلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يختلسُهُ الشَّيطانُ من صلاة العبدِ» رواه البخاري (^١)، وعن أنَسٍ مرفوعًا قال: «إيَّاكَ والاِلتفاتَ في الصَّلاة؛ فإنَّ الاِلتفاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإن كان لا بدَّ ففي التَّطوُّع لا الفريضة» (^٢)، ولأنَّه يكون به خارِجًا وجهُه عن جهة الكعبة، وأقلُّ ما فيه الكراهة.
ويُستثنَى منه: ما إذا كان لحاجةٍ فإنَّه لا يُكرَه؛ لما رَوى ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى وهو يَلتفِتُ إلى الشِّعبِ» رواه أبو داود، ورواه النَّسائي، وفيه: «وكان أرسل فارسًا إليه يَحرُسُ» (^٣).
وعلى الأوَّل: لا تَبطل الصَّلاةُ به إلاَّ أن يَستَدِيرَ عن القِبلة بجُملته أو يَستَدبِرها، ما لم يكُنْ في الكعبة، أو يختلِف اجتهادُه فيها، أو في شدَّة خوفٍ، فإن استدار بصدره مع وجهه؛ لم تَبطُل، ذكره ابن عقيل والمؤلِّف،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥١).
(٢) أخرجه الترمذي مختصرًا (٥٨٩)، وأخرجه مطولًا أبو يعلى الموصلي (٣٦٢٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥٩٩١)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، ونقل النووي والزيلعي عن الترمذي أنه قال: (حسن صحيح)، ونقل ابن عبد الهادي في المحرر أن الترمذي صححه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، والحديث من رواية سعيد بن المسيب عن أنس، وأشار البخاري إلى أنه لا يعرف بينهما سماع كما نقل عنه الترمذي، وضعف الحديث ابن رجب، وغيره. ينظر: الخلاصة ١/ ٤٦٧، فتح الباري لابن رجب ٦/ ٤٥٣، نصب الراية ١/ ٣٦٢.
(٣) أخرجه أبو داود (٩١٦)، من حديث ابن عباس ﵄، والنسائي في الكبرى (٨٨١٩)، من حديث سهل بن الحنظلية ﵁ وهو حديث صحيح. ينظر: الإرواء ٢/ ٩٠.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
خلافًا لابن تميمٍ وغيرِه.
(وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ) وِفاقًا (^١)؛ لما رَوى أنَسٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما بالُ أقوامٍ يَرفَعونَ أبصارَهم إلى السَّماءِ في صلاتِهم؟!» فاشتدَّ قولُهُ في ذلك حتَّى قال: «ليَنتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» رواه البخاري (^٢).
وكذا يُكرَه تغميضُه، نَصَّ عليه، واحتجَّ بأنَّه فعل اليهود (^٣)، ولأنَّه يغير هَيئةَ المصلِّي، وربِّما كان سببًا للنَّوم، فأمَّا مع الحاجة فلا.
وقد نقل أبو داود: إِنْ نظر أمَتَه عُريانة غمَّض عينيه (^٤).
(وَافْتِرَاشُ الذِّرَاعَيْنِ فِي السُّجُودِ)؛ أي: يَمُدُّهما على الأرض مُلصِقًا لهما بها؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «اعتَدِلوا في السُّجودِ، ولا يَبسُط أحدُكم ذراعَيهِ انبِساطَ الكلبِ» متَّفَقٌ عليه من حديث أنس (^٥)، قال التِّرمذِيُّ: (وأهل العلم يختارونه) (^٦).
(وَالْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ)، ذكره معظم الأصحاب، وفي «الشَّرح»: أنَّه الأَوْلى؛ لما روت عائشةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفرشُ رجلَهُ، وينصبُ اليُمنى، ويَقْعُدُ على مقعَدتِهِ» متَّفقٌ عليه (^٧)، وعن أبي هريرة قال: «نهاني النَّبيُّ ﷺ عن ثلاثٍ: عن نَقرةٍ كنقرةِ الدِّيكِ، وإقْعاءٍ كإقعاءِ الكلبِ، والْتِفاتٍ كالْتِفاتِ الثَّعلَبِ» رواه أحمد (^٨)، ولأنَّه يَتضمَّن ترك الافتراشِ المسنون فعلًا وقولًا،
_________________
(١) ينظر: تحفة الفقهاء ١/ ١٤١، مواهب الجليل ١/ ٥٤٩، الحاوي ٢/ ١٩١، الفروع ٢/ ٢٣٩.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٠).
(٣) ينظر: مسائل حرب - الصلاة ص ١٩٥.
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٥٤.
(٥) أخرجه البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣).
(٦) سنن الترمذي (٢/ ٦٥).
(٧) سبق تخريجه ٢/ ٢١٧ حاشية (٢).
(٨) أخرجه أحمد (٨١٠٦)، وسنده ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد القرشي وهو ضعيف كما في التقريب، والراوي عنه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وهو صدوق يخطئ. وأخرجه البيهقي (٢٧٤١)، بلفظ: «ونهاني عن الالتفات في الصلاة التفات الثعلب، وأقعي إقعاء القرد، وأنقر نقر الديك»، وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وذكر الهيثمي أنه أخرجه أيضًا أبو يعلى الموصلي والطبراني، ولم أقف عليه عندهما، وحسَّن إسناده. وله شاهد عند أحمد (١٥٥٣٢)، عن عبد الرحمن بن شبل، بلفظ: «ينهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وعن افتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام كما يوطن البعير»، وفي سنده تميم بن محمود، قال البخاري: (في حديثه نظر). قال النووي: (قال الحفاظ: ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح إلا حديث عائشة). ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٥٤، الخلاصة ١/ ٤١٨، مجمع الزوائد ٢/ ٧٩ - ٨٠، التلخيص الحبير ١/ ٥٥٢، الإرواء ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فكان مكروهًا، وحينئذ (^١) لا تَبطُل به.
وقال ابن حامِدٍ، والقاضي في «شرحه الصَّغير»: تَبطُل به.
وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه يُكرَه الإقعاءُ من غير حاجةٍ.
وعنه: هو (^٢) جائزٌ، روى مهنَّى عنه: (لا أفعله، ولا أَعِيبُ على من يفعله، العبادلة (^٣) كانوا يفعلونه) (^٤).
(وَهُوَ أَنْ يَفْرُشَ قَدَمَيْهِ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ كذا فسَّره الإمامُ أحمدُ (^٥)، واقتصر عليه في «المغني» و«الفروع».
_________________
(١) قوله: (وحينئذ) سقط من (أ).
(٢) في (أ): أنه.
(٣) كتب على هامش (د): (العبادلة يعني: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وغيرهما).
(٤) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٤٨. والأثر: أخرجه عبد الرزاق (٣٠٢٩)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ١١٩)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٣٧)، من طرق عن طاوس: «أنه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يقعون بين السجدتين». إسناده صحيح كما قال الحافظ في التلخيص (١/ ٦٢٢).
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٥٧٣.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
قال أبو عُبَيدٍ: (هو (^١) قول أهل الحديث، فأمَّا عند العرب: فهو جلوس الرَّجل على أَليتَيه ناصبًا فخِذَيه مثل إقعاء الكلب) (^٢)، قال في «المغني»: (ولا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصِّفة).
وقيل: هو ألا يَمُدَّ ظَهرَيْ قدمَيه ويجلسُ على عقبيه أو بينهما على أَليتَيه، أو يَنصبُ قدمَيه ويجلِس بينهما، أو عليهما، أو يَفرشُهما (^٣) ويجلِس عليهما، أو يجلس (^٤) على ركبتيه وأليتيه مع نصب ركبتيه أو فخِذَيه.
وذكر في «الرِّعاية» روايةً: أنَّ هذا كلَّه يُسنُّ.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ)؛ لقول طاوس لابن عبَّاس في الإقعاء على القدمَينِ فقال: «هي السُّنَّةُ»، قال: قلنا: إنَّا لنراه جَفاءً بالرَّجل، فقال: «هي سنَّةُ نبيِّك ﷺ» رواه مسلم (^٥). (^٦)
مسألة: يُكرَه أن يَعتمدَ على يده أو غيرها وهو جالسٌ؛ لقول ابن عمر: «نهى النَّبيُّ ﷺ أن يجلسَ الرَّجلُ في الصَّلاةِ وهو معتمدٌ (^٧) على يدِهِ» رواه أحمدُ وأبو داود (^٨).
وأن يَستَنِد إلى الجدار ونحوه؛ لأنَّه يزيل مشقَّة القيام إلاَّ من حاجة؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا أسنَّ وأخذه اللَّحم؛ اتَّخذ عَمودًا في مصلاَّه يَعتمِد عليه» رواه أبو داود (^٩).
_________________
(١) في (ب) و(د) و(و): هذا.
(٢) ينظر: غريب الحديث ١/ ٢١٠.
(٣) قوله: (أو يفرشهما) هو في (و): لفرشهما.
(٤) في (ب) و(و): مجلس.
(٥) قوله: (رواه مسلم) سقط من (أ) و(ز).
(٦) أخرجه مسلم (٥٣٦).
(٧) في (د) و(و): يعتمد.
(٨) سبق تخريجه ٢/ ٢١٨ حاشية (٦).
(٩) أخرجه أبو داود (٩٤٨)، عن عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، حدثنا أبي، عن شيبان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، عن وابصة بن معبد ﵁ به، ورجاله ثقات عدا عبد الرحمن والد عبد السلام، فإنه مجهول، لكن تابعه عبيد الله بن موسى العبسي، ثقة من رجال الصحيحين، وأخرج هذه المتابعة الحاكم (٩٧٥)، والبيهقي (٣٥٧١)، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، وصححه الألباني. ينظر: الإرواء ٢/ ١٠٤
[ ٢ / ٢٥٦ ]
فإن كان يَسقُط لو أزيل؛ لم يصحَّ، ونقل الميموني: (لا بأس بالاستناد إليه) (^١)، وحُمل على الحاجة.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ)؛ أي: بوله (^٢) سواءٌ خاف فَوتَ الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خِلافًا (^٣)؛ لما روتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا صلاةَ بِحضْرةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُهُ الأَخبثانِ» رواه مسلمٌ (^٤). (^٥)
والمرادُ به: أن يَبتدِئَ بها مع المُدافَعة، ولأنَّه يَشغَله عن خشوع (^٦) الصَّلاة، وحضور قلبه فيها، فإن فعل صحَّت على المذهب، كما لو صلَّى وقلبُه مشغولٌ بشَيء من الدُّنيا.
وعنه: يُعيد.
وعنه: إن أزعجه، وقاله ابن أبي موسى.
ويتوجَّه: أنه (^٧) إذا خاف فوت الوقت؛ فإنَّه يصلِّي معها من غير كراهة.
وفي معناه الحاقِب، وهو الذي احتبس غائطُه، وعبارتُه في «الفروع» أشملُ، قال ابن أبي الفتح: وفي معناهما من به ريح محتبسة (^٨)، فتجيءُ الرِّوايات.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧٥.
(٢) في (أ): قوله.
(٣) ينظر: الإقناع لابن القطان ١/ ١٤١.
(٤) كتب فوقها في (و): والدارمي.
(٥) أخرجه مسلم (٥٦٠).
(٦) في (و): حصول.
(٧) قوله: (أنه) سقط (أ) و(د).
(٨) في (أ): يحبسه، وفي (ب) و(و): محبسة.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وحكم الجوع المُفرِط والعطش المُفرِط كذلك، قاله بعض أصحابنا، قال ابن عَقيل: إنَّما جمع بينهما الشَّارع؛ لاستوائهما في المعنى.
وكذا (^١) قال: يُكرَه ما يَمنَعه من إتمام الصَّلاة بخشوعها؛ كحرٍّ وبرْد؛ لأنَّه يُقلِقه (^٢).
(أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ)، جزم به في «المحرَّر» و«الوجيز»، قال التِّرمذيُّ: (هو أشبه بالاتِّباع) (^٣)، وهو يروى (^٤) عن أبي بكر (^٥) وعمرَ (^٦) وابنِه؛ لقوله ﵇: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ»، ولحديث ابن عمر، وهو في الصَّحيحين (^٧)، وللبخاريِّ: «كان ابن عمر يُوضَع له الطَّعامُ، وتُقامُ الصَّلاةُ، فلا يأتيها حتَّى يَفرُغَ، وإنَّه يَسمَع قراءة الإمام» (^٨).
وهذا ما لم يَضِقِ الوقتُ، فإن ضاق؛ فلا يُكرَه بل يَجِبُ.
وظاهره: أنَّه إذا لم تَتُقْ نفسُه إليه أنَّه يبدأ بالصَّلاة من غير كراهة.
_________________
(١) في (ب) و(و): ولو.
(٢) كتب هي هامش الأصل: (لكان أولى)، وكتبت في (ز) و(و) في الصلب.
(٣) ينظر: سنن الترمذي ٢/ ١٨٤.
(٤) في (ب) و(د) و(و): مروي.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٩٢٠)، عن أبي المليح قال: كنا مع أبي بكر وقد خرج لصلاة المغرب وأذَّن المؤذن، فتُلُقِّي بقصعة فيها ثريد ولحم، فقال: «اجلسوا فكلوا، فإنما صنع الطعام ليؤكل»، فأكل، ثم دعا بماء، فغسل أطراف أصابعه ومضمض وصلى. وفيه راوٍ لم يُسَمَّ.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٢١٨٦)، وابن أبي شيبة (٧٩٢٢)، والدولابي في الكنى (١٢٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٩١١)، عن يسار بن نمير مولى عمر: أن عمر كان يقول: «إذا اجتمع صلاتكم وطعامكم؛ فابدؤوا بطعامكم ثم افرغوا لصلاتكم»، وإسناده صحيح.
(٧) حديث ابن عمر أخرجه البخاري (٦٧٣)، مسلم (٥٥٩)، بلفظ: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه».
(٨) أخرجه البخاري (٦٧٣).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقدَّم في «الفروع» وغيره: أنَّه يُكرَه ابتداؤها تائقًا لطعام، والمعنى يقتضيه.
وظاهره: سواءٌ كان بحضرته أوْ لا؛ لقول أبي الدرداء: «من فِقْه الرَّجل إقبالُه على حاجته، حتَّى يُقبِل على صلاته وقلبُه فارِغٌ» رواه أحمدُ في «الزُّهد»، والبخاريُّ في «تاريخه» (^١).
لكنَّ الأوَّلَ (^٢) هو ظاهر الأخبار، وعلى هذا إن بدأ بالصَّلاة؛ صحَّت إجماعًا، حكاه ابن المنذر (^٣)؛ لأنَّ البَداءة بالطَّعام رُخصةٌ، فإذا لم يفعلها صحَّت كسائر الرُّخص.
(وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ)؛ لأنَّه ﵇ رأى رجلًا يَعبَثُ في صلاته فقال: «لو خَشَعَ قلبُ هذا لخضعت (^٤) جوارحُهُ» (^٥)، قال في «الهداية» (^٦) للحنفية (^٧): (لأنَّ العبَثَ حرامٌ خارجَ الصَّلاة، فما ظنُّك به فيها؟!)، وخالَفه غيره.
_________________
(١) لم نقف عليه فيهما، وقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٤٢)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٣٤)، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم (١/ ١٣٥)، وإسناده صحيح.
(٢) في (ب): الأولى.
(٣) لم نجده في كتب ابن المنذر المطبوعة، وقد حكى الإجماع ابن عبد البر في الاستذكار، ونقله عنه في المغني. ينظر: الاستذكار ٢/ ٢٩٧.
(٤) في (ب): لخشعت. وهو موافق لكتب المذهب؛ كالمغني والشرح الكبير والكشاف، وهو المذكور في كتب التخريج.
(٥) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما ذكر ذلك الزيلعي والعراقي، وفي سنده سليمان بن عمرو أبو داود النخعي، وقد أجمع الحفاظ على كذبه وأنه وضاع، وضعف العراقي وزكريا الأنصاري إسناده، وحكم عليه الألباني بالوضع. ينظر: تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٣٩٩، تخريج الإحياء ١/ ١٧٨، لسان الميزان ترجمة سليمان بن عمرو ٤/ ١٦٣، الإرواء ٢/ ٩٢.
(٦) في (ب) و(ز): البداية.
(٧) ينظر: الهداية في شرح بداية المبتدي ١/ ٦٤.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
(وَالتَّخَصُّرُ)، وهو (^١) وَضْع يده على خاصرَتِه؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يصلِّي الرَّجلُ مُختَصِرًا» متَّفَقٌ عليه (^٢)، ولأنَّه يَمنَع الخضوعَ والخشوعَ، ويَمنَع من وضْع اليمين على الشِّمال.
ويُكرَه صلاة الحازِق (^٣) من ضيق الخُفِّ، ومن لا يَعقِل غالبًا؛ كخوف أو غضب أو إزعاج وتخبيط ونحوه.
(وَالتَّرَوُّحُ) بمِروحةٍ ونحوها، وقاله جماعةٌ منهم عَطاءٌ؛ لأنَّه من العبَث، زاد في «الشَّرح» و«الفروع»: إلاَّ لحاجة كغَمٍّ شديدٍ، نَصَّ عليه (^٤).
ومُراوحتُه بين رِجلَيه مستحبَّةٌ، وتُكرَه (^٥) كثرتُه؛ لأنَّه فعل اليهود.
(وَفَرْقَعَةُ (^٦) الْأَصَابِعِ)؛ لما رَوى الحارثُ عن عليٍّ قال: «لا تُقَعْقع (^٧) أصابعَك، وأنت في الصَّلاة» رواه ابن ماجه (^٨).
_________________
(١) في (أ) و(و): هو.
(٢) أخرجه البخاري (١٢٢٠)، ومسلم (٥٤٥).
(٣) في (و): الحادق. قال في النهاية ١/ ٣٧٨: (الحازق: الذي ضاق عليه خفه فحزق رجله، أي: عصرها وضغطها).
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٦٣٠.
(٥) في (و): ويكره.
(٦) في (ب): وفرقعته، وفي (ز): وفرقة.
(٧) في (د): تتفَقَّعْ، وفي (و): تفرقع. والمثبت موافق لما ذكره السيوطي في جمع الجوامع ١١/ ٢٨٧، من تخريج ابن ماجه له، فلعلها في نسخة من نسخ ابن ماجه، والذي في مطبوع سنن ابن ماجه: «تُفَقِّعْ».
(٨) الذي في سنن ابن ماجه حديث مرفوع وليس من قول علي ﵁، وهو كذلك في المغني ٢/ ٩، والشرح الكبير ٣/ ٥٩٧. أخرجه ابن ماجه (٩٦٥)، من طريق الحارث الأعور عن علي. قال النووي كما في الخلاصة ١/ ٤٩٢: (الحارث كذاب مجمع على ضعفه)، وفي نصب الراية ٢/ ٨٧: (وهو معلول بالحارث). وينظر: السلسلة الضعيفة ٢/ ٩٩. وفي الباب عن ابن عباس ﵄ موقوفًا: أخرجه ابن أبي شيبة (٧٢٨٠)، عن شعبة مولى ابن عباس: صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة قال: «لا أمَّ لك، تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة»، وشعبة متكلم فيه، قال أحمد في رواية عبد الله: (ما أرى به بأسًا). ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٤٦.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
(وَتَشْبِيكُهَا)؛ لما رَوى كعبُ بنُ عُجرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلًا قد شَبَّك أصابعَه في الصَّلاة، ففرَّج بين أصابعِهِ» رواه التِّرمذيُّ وابن ماجَهْ، وإسنادُه ثِقاتٌ (^١)، وقال ابن عمر في الذي يصلِّي وهو مشبِّكٌ أصابعَه: «تلك صلاة المغضوب عليهم» رواه ابن ماجَهْ (^٢).
مسائل:
يُكرَه أن يُصلِّي وبين يدَيه ما يُلهِيه، أو يَنظُر في كتابٍ.
وأن يَكفَّ شعْره أو ثوبه أو يُصلِّي وهو معقوص الشَّعر، ولو فعلهما (^٣) لِعَمَلٍ قبل صلاته، أو مكتوفُ اليدَين.
ومسُّ لِحيتِه.
وأن يَمسَح أثَر السُّجود، وفي «المغني»: إكثاره منه، ولو بعْدَ التَّشهُّد، وعنه: وبعد الصَّلاة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٦)، من طريق الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن رجل، عن كعب به. وفيه راو مبهم. وأخرجه ابن ماجه (٩٦٧)، من طريق أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن كعب به. وأبو بكر بن عياش قال ابن حجر في التقريب عنه: (ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح). ووقع في هذا الحديث اضطراب ضعفه بعضهم بسببه، قال ابن رجب: (وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب)، وضعفه الألباني، وأشار إلى بعض طرق الاختلاف. فتح الباري لابن رجب ٣/ ٤٢٣، الفتح لابن حجر ١/ ٥٦٦، الإرواء ٢/ ٩٩.
(٢) لم نقف عليه عند ابن ماجه، وأخرجه أبو داود (٩٩٣)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٣٥٧٣). وإسناده صحيح. ينظر: صحيح سنن أبي داود للألباني ٤/ ١٤٨.
(٣) في (ب) و(ز): فعلها.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وأن يَنفُخ فيها، ويحرِّك (^١) الحصى.
وأن يَخُصَّ موضِع جبهته بما يسجد عليه؛ لأنَّه من شعار الرَّافضة.
وأن يُعلِّق في قِبلته شيئًا من مصحفٍ وغيرِه، ولا بأس بكونه على الأرض، وأن يكتب في القِبلة، وأن يصلِّيَ وبين يديه نجاسةٌ أو بابٌ مفتوحٌ، أو إلى نارٍ من قِنديلٍ وشَمْعةٍ.
والرَّمزُ بالعين، والإشارة لغير حاجةٍ، وإخراجُ لسانه، وفتحُ فمِه، ووضعه فيه شيئًا لا بيده، نَصَّ عليه (^٢).
وأن يَستصحِب ما فيه صورةٌ من فصٍّ أو ثوبٍ.
وصلاتُه إلى متحدِّثٍ أو نائمٍ، نَصَّ عليه (^٣)، وعنه: لا يُكرَه النَّفل.
وإلى كافِرٍ، وصورةٍ منصوبةٍ، نَصَّ عليهما (^٤)، وظاهره: ولو كانت صغيرةً لا تبدو للنَّاظِرِ إليها، وأنَّه لا يكره إلى غير منصوبةٍ (^٥)، ولا سجوده على صورةٍ، ولا صورة خلفه في البيت، ولا فوق رأسه في سقف، أو عن أحد جانِبَيه، وإلى وجه آدمي، نَصَّ عليه (^٦).
وفي «الرِّعاية»: أو حيوانٍ غيرِه.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه كان ﵇ يَعرِض راحلتَه ويصلِّي إليها (^٧).
وإلى امرأةٍ تُصلِّي بين يدَيه.
_________________
(١) في (ب) و(د) و(و): ويحول.
(٢) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٢١٠، الفروع ٢/ ٢٧٥.
(٣) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٢١١.
(٤) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧٦، فتح الباري لابن رجب ٤/ ١٠٩.
(٥) زيد في (و): نص عليهما وظاهره. والمثبت موافق لما في الفروع ٢/ ٢٧٧.
(٦) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧٦.
(٧) أخرجه مسلم (٥٠٢)، من حديث عن ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها».
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وإن غلَبه تثاؤبٌ في صلاته؛ كَظَمَ، فإن أبى استُحبَّ وضعُ يده على فيه على الأصحِّ؛ للخبر (^١).
ولا يقال: تثاوُبٌ، بل تثاؤُبٌ.
(وَ) يُستحَبُّ (لَهُ رَدُّ المَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ)، كذا في «المحرَّر» و«الوجيز» و«الفروع»، وهو قولُ أكثرِ العلماء (^٢)؛ لما رَوى أبو سعيدٍ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «إذا صلَّى أحدُكم إلى شَيءٍ يَستُرُه من النَّاسِ، فأرادَ أحدٌ أن يَجتازَ بين يدَيه؛ فلْيَدفَعْهُ، فإنْ أبى فلْيُقاتِلْهُ، فإنَّما هو شَيطانٌ» متَّفَقٌ عليه (^٣)، وعن ابن عمر مرفوعًا: «إذا كان أحدُكم يُصلِّي فلا يَدَعَنَّ أحدًا يَمُرُّ بين يدَيه، فإن أبى فليقاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرينَ» رواه مسلمٌ (^٤).
وعنه: يَجبُ ردُّه، آدميًّا كان أو غيرَه، في الفرض والنَّفل في ظاهِرِ كلامِهم؛ لظاهر الأخبار.
وعنه: يَختصُّ بالفرض (^٥).
وظاهِرُ كلامِهم: سواءٌ كان بين يدَيه سُترةٌ فمرَّ دونها، أو لم يكن فمرَّ قريبًا منه.
وقيل: قدر خطوتَين بحيث لو مشى وردَّه؛ لم تَبطُل، وصرَّح به في «الكافي»؛ لأنَّه موضِعُ سجوده، أشْبه مَنْ نصب سُترةً، ولأنَّ المراد بنصبها الإعلامُ بأنَّه في الصَّلاة، وفي الدَّفع إعلامٌ صريحٌ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع»، ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٢٩٩٥).
(٢) في (ب) و(ز): أهل العلم.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥).
(٤) أخرجه مسلم (٥٠٦).
(٥) في (أ): الفرض.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وقيل: هو يَختصُّ (^١) بمن بين يدَيه سُترةٌ إذا مرَّ دونها، وهو ظاهِرُ «الرِّعاية» وغيرِها، والنَّصُّ شاهِدٌ له.
وهذا ما لم يَغلِبْه أو يَكنْ محتاجًا، بأن كان الطَّريقُ ضيِّقًا، أو تتعيَّنُ (^٢) طريقًا، ويُكرَه (^٣) الصَّلاةُ هناك، ذكره في «المذهب»، ولا يَحرُمُ.
أو في مكَّةَ المشرَّفةِ في روايةٍ، قدَّمها ابن تميمٍ؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى بمكَّةَ والنَّاسُ يَمُرُّون بين يدَيه، وليس بينهما سُتْرةٌ» رواه أحمد وغيره (^٤).
وأَلْحقَ في «المغني»: الحرَم بمكَّةَ.
وظاهِرُه: لا فرْقَ بين مكَّةَ وغيرِها، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وأطلق في «الفروع» الخلافَ.
فإن تركه يَمُرُّ؛ نَقَصَتْ صلاتُه، نَصَّ عليه (^٥)، وحمله القاضي: إن تركه قادرًا.
فإن أبى؛ دفعه، فإن أصرَّ؛ فله قتاله على الأصحِّ ولو مشى، فإن خاف فسادَها؛ لم يكرِّر دَفعَه (^٦)، ويَضمَنه (^٧) على الأصحِّ فيهما.
_________________
(١) في (ب) و(و) و(ز): مختص.
(٢) في (ب) و(و): يتعين.
(٣) في (ب) و(د): وتكره.
(٤) أخرجه أحمد (٢٧٢٤١)، وأبو داود (٢٠١٦)، من طريق كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، وسنده ضعيف، للإبهام. وأخرجه ابن ماجه (٢٩٥٨)، والنسائي (٧٥٨)، من طريق كثير، عن أبيه، عن جده، وأعله ابن المديني، والدارقطني. ينظر: علل الدارقطني ١٤/ ٤٢، السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٣٨٧، السلسلة الضعيفة (٩٢٨).
(٥) ينظر: الفروع ٢/ ٢٥٧، فتح الباري لابن رجب ٤/ ٩٩.
(٦) كتب على هامش الأصل: (حاشية تعليق: وعنه له تكراره ولا يضمنه).
(٧) كتب على هامش الأصل: (حاشية إنصاف: يعني إن كرره على الصحيح من المذهب بشرط خوف فساد صلاته).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
والمذهبُ: يَحرُم مرورُه بين مُصلٍّ وسُتْرتِه، وظاهِرُه: ولو بَعُدَ منها؛ لما روى أبو جُهَيمٍ عبدُ الله بن الحارث بن الصِّمَّةِ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلمُ المارُّ بين يدَيِ المصلِّي ماذا عليه؛ لكانَ أن يقفَ أربعينَ خيرًا له من أن يَمُرَّ بين يدَيه»، قال أبو النَّضر أحدُ رواته: لا أدري؛ أقال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنَةً، متَّفَقٌ عليه (^١).
وكذا يَحرُم بين يدَيه قريبًا منها إذا لم يكن سُتْرةٌ في الأصحِّ، وهو ثلاثةُ أذرُعٍ، وقيل: العُرْفُ، لا مَوضِعُ (^٢) سجودِه.
وفي «الفصول» و«التَّرغيب»: يكره.
وقيل: النَّهيُ مختصٌّ بما بينه وبين سُتْرتِه، وحكى ابنُ حَزم الاتِّفاقَ على إثمه في هذه الصُّورة (^٣).
فرع: للمصلِّي دفْع العدوِّ من سَيلٍ أو سَبُعٍ (^٤) أو سقوطِ جدارٍ ونحوِه، وإن كثُر لم تَبطُل (^٥) في الأشهر.
(وَ) له (عَدُّ الآيِ)، زاد ابن تَميمٍ والجَدُّ: بأصابِعه؛ لما روى أنَسٌ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَعقِدُ الآيَ بأصابعِهِ» رواه محمَّد بن خَلَف (^٦)، وكتكبيرات العيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧).
(٢) في (د) و(و): بموضع.
(٣) ينظر: مراتب الإجماع ص ٣٠.
(٤) في (و): من سبع أو سيل.
(٥) في (د) و(و): يبطل.
(٦) أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ٢٥٠، من حديث أنس ﵁ قال: «رأيت النبي ﷺ يَعُدُّ الآي»، وهو حديث منكر، فيه حسان بن سياه، تفرد به عن ثابت عن أنس، وحسان ضعفه ابن عدي والدارقطني، وقال أبو نعيم الأصبهاني: (ضعيف، روى عن ثابت مناكير). وأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل ٨/ ٢٧٩، والطبراني في المعجم الكبير (١٤٤٨٦)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يعد الآي في الصلاة»، قال ابن عدي: (غير محفوظ)، وفيه نصر بن طريف وهو متروك، واتهمه غير واحد بالكذب. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من فعل جماعة من التابعين، ساق رواياتهم ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٢٦، باب: في عدِّ الآي في الصلاة من لم ير به بأسًا، والبيهقي في مواضع في السنن الكبرى منها: (٣٣٧٠)، و(٣٣٧١)، من فعل أبي عبد الرحمن السلمي، والنخعي، وعروة بن الزبير. ينظر: ميزان الاعتدال ترجمة نصر بن طريف ٤/ ٢٥١، لسان الميزان ترجمة حسان بن سياه ٣/ ١٦.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
(وَالتَّسْبِيحِ)؛ لأنَّه في معنى عدِّ الآي، قاله أبو بكر، وصحَّحه ابن أبي موسى، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ، وجزم به في «المحرَّر».
ونصَّ أحمدُ: أنَّه يُكرَه (^١)؛ لأنَّ المنقولَ عن السَّلف عدُّ الآي دون التَّسبيح؛ لأنَّه يتوالى لقصره، فتتوالى حسناته (^٢)، فيكثر العمل، بخلاف عدِّ الآي، وأطلق ابن الجوزي والجَدُّ الخلافَ.
(وَقَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ) في قول أكثرهم؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتل الأسودَين في الصَّلاة؛ الحيَّةِ والعقربِ» رواه الخمسةُ، وصحَّحه التِّرمذيُّ (^٣).
وكرهه النَّخَعيُّ، والأوَّلُ أَوْلى.
(وَالْقَمْلَةِ)؛ لأنَّ عمرَ (^٤) وأنَسًا (^٥) والحسنَ البصريَّ كانوا يفعلونه (^٦)، ولأنَّ
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ١٠.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي (أ): حسابه. وهو الموافق لما في الشرح الكبير ٣/ ٦٠٨، وكشاف القناع ٢/ ٤٢٣.
(٣) أخرجه أحمد (٧٣٧٩)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (١٢٠٢)، وابن ماجه (١٢٤٥)، وابن خزيمة (٨٦٩)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٧٨)، عن عبد الرحمن بن الأسود: «كان عمر بن الخطاب يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر دمها على يده»، فيه أبو بكر بن أبي مريم ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٨.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٨٦)، والدولابي في الكنى (١١٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (١٦٤٩)، عن أنس: «أنه كان يقتل القمل في الصلاة»، ولا بأس بإسناده.
(٦) علقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤١٨).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
في تركها أذًى له إن تركها على جسده، ولغيره إن ألقاها، وهو عملٌ يسيرٌ، فلم يُكرَه.
وعنه: بلى.
وقال القاضي: التَّغافُل عنها أَوْلى.
وفي جواز دفنها في مسجد وجهان (^١).
وظاهِرُه: أنَّه يباح (^٢) قتلُها فيه، وهو المنصوص (^٣)، وعليه أن يُخرجَها أو يَدفِنها، قيل للقاضي: يكره قتْلُها ودفنُها فيه كالنُّخامة؟ فقال: دفْنُ (^٤) النُّخامة كفَّارة لها، فإذا دفنها كأنه (^٥) لم يتنخَّم، فكذا القَملة.
وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ أعماقَه تَجِب صيانتُه عن النَّجاسة كظاهره، بخلافها (^٦).
وفي معناه البُرغوثُ، نقل المَرُّوذِيُّ أنَّه سئل عن قتل القملة والبُرغوث (^٧) في المسجد؛ فقال: أرجو ألا يكون به بأس (^٨).
فائدة: له حكُّ جسده يسيرًا. وقيل: ضرورةً.
ويجب ردُّ كافرٍ عُصِم دمُه عن بئر في الأصحِّ؛ كمسلم؛ فيقطع (^٩)، وقيل: يتم (^١٠).
_________________
(١) كتب على هامش (و): (اختار القاضي فيهما الجواز من غير كراهة).
(٢) في (أ): مباح.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ٢٦٦.
(٤) في (و): وفي.
(٥) في (أ): كأن.
(٦) قال في كشاف القناع ١/ ٣٧٧: (وهذا النظر إنما يتم على القول بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة، والمذهب طهارتها، فلا يتأتى التنظير).
(٧) في (و): البرغوثة.
(٨) ينظر: الفروع ٢/ ٢٦٦.
(٩) في (أ): يقطع، وفي (د) و(و): ينقطع.
(١٠) قوله: (يتم) سقط من (أ).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وكذا إن فرَّ منه غريمُه؛ يخرُج في طلَبِه، وكإنقاذِ غريقٍ.
(وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَ) لَفُّ (الْعِمَامَةِ)؛ لما روى وائلُ بنُ حُجْرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ الْتَحف بإزاره وهو في الصَّلاة» (^١)، وكذا إن سقط رداؤه فله رفعُه، ولأنَّه عَمَلٌ يسيرٌ أشبهَ حملَ أُمامةَ (^٢)، وفَتْح البابِ لعائشةَ (^٣).
(مَا لَمْ يَطُلْ)، راجِعٌ إلى قوله: (وله ردُّ المارِّ …) إلى آخره؛ لأنَّه قد صحَّ عنه جوازُ أكثرِ هذه الأفعالِ.
(فَإِنْ طَالَ)؛ أي: كثُرَ (الْفِعْلُ (^٤) عُرفًا بلا ضرورةٍ، وقيل: ثلاثًا، وقيل: ما ظُنَّ فاعلُه لا في صلاةٍ، (فِي الصَّلَاةِ) مُتوالِيًا؛ (أَبْطَلَهَا) إجماعًا (^٥)، (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا)، إذا كان من غير جنس الصَّلاة؛ لأنَّه يَقطع الموالاةَ، ويَمنَع مُتابعة (^٦) الأذكار، ويُذهب الخشوعَ فيها، ويغلب على الظَّنِّ أنَّه ليس فيها، وكلُّ ذلك منافٍ لها، أشبه ما لو قطعها.
فإن كان لضرورةٍ؛ لم يقطعْها، وكان حكمُه حكمَ الخائفِ، جزم به في «الشَّرح» وغيرِه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٠١)، ولكن بلفظ: «أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه» الحديث، ولم نقف عليه باللفظ الذي ذكره المصنف.
(٢) أخرجه مسلم (٥١٦)، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٩٧٢)، والترمذي (٦٠١)، والنسائي (١٢٠٦)، وابن حبان (٢٣٥٥) عن عائشة ﵂، قالت: «استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعًا، والباب في القبلة، فمشى النبي ﷺ عن يمينه أو عن يساره حتى فتح الباب، ثم رجع إلى الصلاة»، وفي سنده برد بن سنان أبو العلاء، وهو صدوق، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وحسنه الألباني. ينظر: الإرواء ٢/ ١٠٨.
(٤) في (أ) و(د) و(و): الفصل.
(٥) ينظر: مراتب الإجماع ص ٢٧.
(٦) في (أ): متابع.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وعُلم منه (^١): أنَّه لا فرق بين العمد والسَّهو؛ كما جزم به الأصحابُ؛ لوجود المبطِل.
وعنه: لا تَبطُل (^٢) بالسَّهو، اختاره المجْدُ.
وعلى الأوَّل: يحتاج إلى الفرق بين الأقوال والأفعال؛ لأنَّه إذا تكلم ساهيًا؛ فيه الخلافُ، بخلاف الفعل؛ إذ القول أخفُّ من الفعل، بدليل أنَّها تَبطُل بتَكرار السُّجود دون تَكرار الفاتحة.
(إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا)؛ فلا تَبطُل به (^٣) ولو طال المجموعُ، لا كلُّ عَمَلٍ منها، «لأنَّه ﵇ أمَّ النَّاسَ في المسجد، فكان إذا قامَ حملَ أمامةَ بنتَ زينبَ، وإذا سجدَ وضعَها» رواه مسلمٌ، وللبخاريِّ نحوُه (^٤)، «وصلَّى ﵇ على المنبر، وتكرَّر صعودُه ونزولُه عنه» متَّفَقٌ عليه (^٥)، وأخَذَ الحسنَ والحُسينَ في كلِّ الرَّكعات متفرِّقًا (^٦).
_________________
(١) قوله: (منه) سقط من (أ).
(٢) في (ب) و(د) و(و): يبطل.
(٣) في (و): يبطل به.
(٤) أخرجه مسلم (٥٤٣)، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁، وأخرجه البخاري (٥١٦).
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٤).
(٦) أخرجه أحمد (١٦٠٣٣)، والنسائي (١١٤١)، والحاكم (٤٧٧٥)، والبيهقي (٣٤٢٣)، من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي، الظهر أو العصر، وهو حامل الحسن أو الحسين، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته، سجدة أطالها» الحديث، وهو حديث صحيح. وأخرجه أبو يعلى الموصلي (٣٤٢٨)، من حديث أنس ﵁ نحوه، وفيه محمد بن ذكوان البصري وهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده كما في إتحاف الخيرة للبوصيري (١٤٣٨)، من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد ﵁، نحوه، قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عطية العوفي).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقيل: تَبطُل (^١) به، ذكره ابن تميم.
فرع: إشارةُ أخرسَ، مفهومةً أو لا؛ كفعلٍ (^٢).
ولا تَبطُل (^٣) بعمل القلب في ظاهِرِ المذهب، ولا بإطالةِ نَظَرٍ في كتاب في الأصحِّ.
(وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ)؛ لعدم نقل (^٤) ذلك، وهي ركن، واختُلف في تكرارها، وأقلُّ أحواله الكراهة.
(وَالْجَمْعُ بَيْنَ سُوَرٍ فِي الْفَرْضِ) في روايةٍ؛ لأنَّه خلافُ السُّنَّةِ المأثورةِ.
والثَّانية: لا يُكرَه، وهي الصَّحيحةُ؛ لقول ابنِ مسعودٍ: «لقد عرفتُ النَّظائرَ التي كان رسول الله ﷺ يقرن (^٥) بينهنَّ، فذكر عِشرينَ سُورةً من المفصَّلِ، سورتَين في كل (^٦) ركعة» متَّفَقٌ عليه (^٧)، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يقرأ في المكتوبةِ بالسُّورتَين في ركعةٍ (^٨)» رواهُ مالِكٌ (^٩)، وكتَكرار سورةٍ في ركعةٍ، وتفريقِ سورةٍ في ركعتَين، نَصَّ عليهما (^١٠).
لكن لا تُستحَبُّ (^١١) الزِّيادةُ على سورةٍ في ركعةٍ، ذَكَره جماعةٌ؛ لفعله ﵇.
_________________
(١) في (د) و(و): يبطل.
(٢) قوله: (لا كفعل) هو في (د) و(و): الفعل.
(٣) في (ب) و(د): يبطل.
(٤) في (أ) و(ب) و(و) و(ز): فعل.
(٥) في (أ): يفرِّق.
(٦) قوله: (كل) سقط من (أ) و(ب) و(و) و(ز).
(٧) أخرجه البخاري (٧٧٥)، ومسلم (٨٢٢).
(٨) في (د): كل ركعة.
(٩) أخرجه مالك (١/ ٧٩)، ومن طريقه الشافعي (ص ٢١٥)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٨٠)، عن نافع، وإسناده صحيح.
(١٠) ينظر: الفروع ٢/ ١٨١.
(١١) في (ب) و(و): يستحب.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وعنه: تُكرَه (^١) المداومةُ.
(وَلَا يُكْرَهُ (^٢)؛ أي: الجمعُ بين سُوَرٍ (فِي النَّفْلِ)؛ قال في «الشَّرح»: روايةً واحدةً؛ «لأنَّه ﵇ قرأ في ركعةٍ سورةَ (^٣) البقرة وآل عمران والنِّساء» (^٤)، و«كان عثمانُ يَختِم القرآنَ في ركعةٍ» (^٥)، وقال أحمد: صلَّيتُ ركعتَين ختَمتُ فيهما القرآن (^٦).
وقيل: يُكرَه، وهو بعيدٌ.
(وَلَا تُكْرَهُ (^٧) قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا)، وهو المشهور عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المُزّمل: ٢٠]، ولقول أبي سعيدٍ: «أُمِرنا أن نقرأ الفاتحةَ وما تيسَّر» رواه أبو داودَ (^٨)، وعن ابنِ مسعودٍ: «أنَّه كان يقرأ في الآخِرة (^٩) من صلاة الصُّبح آخر آل عمران وآخر الفرقان» رواه الخلاَّلُ (^١٠)،
_________________
(١) في (و): يكره.
(٢) قوله: (ولا يكره) هو في (أ) و(ز): ولا تكره.
(٣) زيد في (د): ثم.
(٤) أخرجه مسلم (٧٧٢)، من حديث حذيفة ﵁.
(٥) جاء ذلك عن عثمان من طرق متعددة ذكر أكثرها ابن عساكر في تاريخه (٣٩/ ٢٣٢)، منها: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٠٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٧٥)، وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (٥٨٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٧٨٢)، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن عثمان ﵁. قال الحافظ في المطالب: (إسناده حسن).
(٦) ينظر: المغني ٢/ ١٢٦.
(٧) في (د) و(و): يكره.
(٨) أخرجه أبو داود (٨١٨)، بلفظ: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، وأخرجه أحمد (١٠٩٩٨)، وابن حبان (١٧٩٠)، بلفظ: «أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، قال ابن حجر: (إسناده صحيح)، وصححه الألباني. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٥٦٧، صحيح أبي داود ٣/ ٤٠١.
(٩) في (ب) و(و): الأخيرة.
(١٠) أخرجه حرب الكرماني - كتاب الطهارة والصلاة - (٨٣٠)، وإسناده حسن.
[ ٢ / ٢٧١ ]
قال الحسنُ: (غزوتُ مع ثلاثمائةٍ من الصَّحابة، فكان أحدُهم يقرأ إذا أمَّ أصحابَه بخاتِمةِ البقرة وبخاتِمةِ الفرقان وبخاتِمةِ الحشر، وكان لا يُنكِر بعضُهم على بعضٍ) (^١).
(وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) في الفرض، نقلها المَرُّوذِيُّ، وقال: (سورةٌ أعجب إليَّ) (^٢).
قال المَرُّوذِيُّ: كان لأبي عبد الله قَرابةٌ يُصلِّي به، فكان يقرأ في الثَّانية من الفجر بآخِرِ السُّورة، فلمَّا أكثر؛ قال أبو عبد الله: تقدَّم أنت فصلِّ، فقلت له: هذا يصلِّي بكم منذ كم؟ قال: دعْنا منه، يَجيء بآخِرِ السُّورة، وكرهه (^٣).
قال المؤلِّف: (ولعلَّ أحمدَ إنَّما أحبَّ اتِّباعَ النَّبيِّ ﷺ؛ فإنَّ المنقولَ عنه قراءةُ السُّورةِ أو بعضِها من أوَّلِها).
وعنه: تُكرَه (^٤) المداومةُ.
وعنه: قراءةُ الأوساطِ لا الأواخِرِ؛ لعدَم نقله.
وظاهره: جواز قراءة أوائل السور، وصرَّح به بعضهم.
وتُكرَه (^٥) قراءةُ كلِّ القرآن في فرضٍ. وعنه: لا؛ كفرائضَ.
تذنيبٌ: يُستحَبُّ أن يقرأ كما في المُصحف، ويُكرَه تنكيسُ السُّوَر في ركعةٍ أو ركعتَين؛ كالآيات.
وعنه: لا، اختاره المجْدُ وغيرُه؛ للأخبار، واحتجَّ أحمدُ بأنَّه ﵇
_________________
(١) ذكره القاضي في الروايتين والوجهين ١/ ١٢٠، وشيخ الإسلام في شرح العمدة ٢/ ٧٦٧. وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٣)، ولا بأس برجاله، وذكره البخاري في التاريخ الكبير معلقًا (٥/ ٤٥٢).
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١١٩.
(٣) ينظر: المغني ١/ ٣٥٥.
(٤) في (و): يكره.
(٥) في (و): ويكره.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
تَعلَّم (^١) على ذلك (^٢)، فدلَّ على التَّسوية.
وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: (ترتيب الآيات واجِبٌ؛ لأنَّ ترتيبَها بالنَّصِّ، وترتيب السُّوَر بالاجتهاد في قول الجماهير، فتجوز قراءةُ هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوَّعت مصاحفُ الصَّحابة في كتابتها، لكن لمَّا اتَّفَقوا على المُصحف زمنَ عثمانَ؛ صار هذا ممَّا سنَّه الخلفاءُ الرَّاشدون) (^٣).
وعلَّل المجْدُ كراهةَ تنكيسِ الآيات: بأنَّه مظنَّةُ تغييرِ المعنى بخلاف السُّوَر، إلاَّ ما ارتبطتْ وتعلَّقتْ (^٤) بالأُولى؛ كسورةِ قرَيش مع الفيل على رأيٍ، فحينئذٍ يُكرَه، ولا يبعد (^٥) تحريمه عمدًا؛ لأنَّه تغييرٌ لموضِعِ السُّورة.
فإن نكَّس الكلماتِ؛ حرُم وبطَلتْ.
(وَ) يُشرَع (لَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إِمَامِهِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ)؛ قاله عامَّةُ الأصحاب، ورُوي عن عثمانَ (^٦) وابنِ عُمرَ (^٧)، ورواه البَيهَقِيُّ بإسنادٍ حسَنٍ عن عليٍّ (^٨).
_________________
(١) قوله: (تعلم على) هو في (ب) و(ز): يعلم عمل. والمثبت موافق لما في الفروع.
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ١٨٢.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٩٧.
(٤) في (أ): أو تعلقت.
(٥) في (أ): يعتمد.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٢٥)، وابن أبي شيبة (٤٧٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٦٥)، عن عَبيدة بن ربيعة قال: «أتيت المسجد، فإذا رجل يصلي خلف المقام، طيب الريح، حسن الثياب، وهو يقترئ، ورجل إلى جنبه يفتح عليه. فقلت: من هذا؟ فقالوا: عثمان».
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٢٦)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥٧٨٧)، عن نافع قال: «كنت ألقن ابن عمر في الصلاة فلا يقول شيئًا»، وإسناده صحيح.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٧٩٤)، وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (٤٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٦٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٧٩٢)، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: «إذا استطعمك الإمام فأطعمه»، ومداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف، وقد صححه الحافظ في التلخيص ١/ ٦٧٧، ولعله صححه بشواهده.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وظاهِرُه: لا فرْقَ بين الفرض والنَّفل في القراءة الواجبة أو غيرها.
وعنه: إن طال.
وعنه: في نفل.
وقيل: إن سكت.
وقيل: يجوز في الفرض في الحمد (^١) وفي النَّفل مطلقًا.
وعنه: تَبطُل (^٢) به؛ لقوله ﵇: «يا عليُّ لا تَفتَح على الإمامِ» رواه أبو داودَ بإسنادٍ فيه ضعفٌ، قال الشَّعْبيُّ: فيه الحارِثُ، وكان كذَّابًا (^٣).
وقيل: تَبطُل بتجرُّده للتَّفهيم.
والأوَّل أصحُّ؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صلاةً فَلُبِسَ عليه، فلمَّا انصرف قال لأُبَي: «صلَّيتَ (^٤) معنا؟» قال: نَعمْ، قال: «فما مَنَعك؟» رواه أبو داود، وقال الخَطَّابيُّ: (إسنادُه جيِّدٌ) (^٥)، ولأنَّه تنبيهٌ فيها بما هو مشروع، أشبه التَّسبيح.
فعلى هذا: يجب في الفاتحة؛ كما لو نَسيَ سجدةً. وقيل: لا يَجِب فيها كغيرها.
وظاهِرُه: أنَّها لا تَبطُل، ولو فتَح بعد أخذه في قراءة غيرها.
_________________
(١) قوله: (في الحمد) سقط من (و).
(٢) في (و): يبطل.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٠٨)، وفي سنده الحارث الأعور ولا يحتج به، وفيه انقطاع بيَّنه أبو داود في سننه، وضعفه ابن القطان والنووي، وغيرهما. ينظر: بيان الوهم والإيهام ٣/ ١٣، الخلاصة ١/ ٥٠٥، ضعيف سنن أبي داود ١/ ٣٤٩.
(٤) في (أ) و(و): أصليت.
(٥) أخرجه أبو داود (٩٠٧)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان والضياء المقدسي وغيرهما. ينظر: معالم السنن للخطابي ١/ ٢١٦، صحيح أبي داود ٤/ ٦٢.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
فإن عجز عن إتمام ما أُرْتِج عليه؛ فقال ابن عَقيل: يَسقُط وتصحُّ (^١) صلاتُه، وصلاةُ الأمِّيِّ خلفه دون القارئ؛ فإنَّه يُفارِقُه، ويُتمُّ لنفسه.
وقيل: عليه أن يخرج.
ثمَّ إن استخلف من يُتمُّ بهم وصلَّى معه؛ جاز، وإلاَّ تعلَّم ما أُرْتِجَ عليه ثمَّ صلَّى، صحَّحه المؤلِّف، قال ابنُ تميمٍ وغيرُه: وهو أظهر.
وظاهره: أنَّه لا يَفتَح على غير إمامه، نَصَّ عليه؛ لأنَّ ذلك يشغَله عن صلاته، فإن فعل؛ لم تَبطُل، قاله (^٢) في «الشَّرح»، وكما لو فتح (^٣) غير المصلِّي عليه.
تنبيه: إذا عطَس، أو بُشِّر بما يَسُرُّه، فقال: الحمدُ لله، أو أَخبَره بما يغمُّه فقال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله، أو خاطَب بشَيءٍ من القرآن؛ لم تَبطُل (^٤) على الأصحِّ؛ للأخبار.
لكنْ يُكرَه لعاطِس الحمدُ (^٥)، ونقل أبو داودَ: (يَحمَد في نفسِه، ولا يُحرِّك لسانَه) (^٦)، فلو عطَس حال شروعه في الحمد، فنوى القراءةَ لمَّا عطَس؛ فهل يجزئ عن فرض؟ على وجهين.
_________________
(١) في (د) و(و): ويصح.
(٢) في (أ) و(د) و(ز): قال.
(٣) زاد في (أ) و(و): في.
(٤) في (و): يبطل.
(٥) في (أ): الحمد لله.
(٦) كذا في الفروع ٢/ ٢٧٠، والإنصاف ٣/ ٣٦٠، والذي في مسائل أبي داود ص ٥٥: (سمعت أحمد سُئِلَ عن الرجل يعطس في الصلاة المكتوبة وغيرها؟ قال: يحمد اللَّه ولا يجهر. قلت: يحرك بها لسانه؟ قال: نعم). وينظر: مسائل صالح ٣/ ٧٠، ومسائل ابن هانئ ١/ ١١٠، وليس فيها: لا يحرك لسانه.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقال القاضي: إذا قصد (^١) بالحمد الذِّكرَ أو القرآنَ؛ لم تَبطُل، فإن قصد خطابَ آدَمِيٍّ؛ بطَلتْ، وإن قصدهما؛ فوجهان.
(وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ)؛ أي: أمْرٌ (مِثْلُ سَهْوِ إِمَامِهِ)؛ كما لو أتى بفعلٍ في غيرِ محلِّه؛ لزِم المأمومَ تنبيهُه، (أَوِ اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ) داخِلٍ (عَلَيْهِ؛ سَبَّحَ إِنْ كَانَ رَجُلًا)، ولو كثُر، ويجوز بقراءةٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ في الأظهرِ.
(وَإِنْ (^٢) كَانَتِ امْرَأَةً؛ صَفَّحَتْ)، وفي «المحرَّر» و«الوجيز»: صفَّقتْ، وهما سواءٌ، ومعناهما متقارِبٌ.
وقيل: التَّصفيحُ: الضَّربُ بظاهر إحداهما على باطن الأخرى. وقيل: بأصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى. والتَّصفيق: الضَّربُ بجميع إحدى الصَّفحتَين على الأخرى، نقله القاضي عِيَاضٌ (^٣).
(بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى)؛ لقوله ﵇ في خبر سَهْلٍ: «إذا نابَكُم شيءٌ في صلاتِكم فليسبِّح الرِّجالُ، وليصفِّحِ النِّساءُ»، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «التَّسبيحُ للرِّجالِ، والتَّصفيقُ للنِّساءِ» متَّفق عليهما (^٤).
وظاهِرُه: أنَّها لا تُسبِّح، بل هو مكروهٌ، نَصَّ عليه (^٥)؛ كتصفيقه وتطبيقٍ (^٦) وصفيرٍ، ويُكرَه بنَحنحةٍ (^٧) في الأصحِّ.
وشرط التَّصفيق: ما لم يَطُلْ، قاله في «الفروع»، وهو مُرادٌ.
_________________
(١) قوله: (إذا قصد) هو في (أ): أو اقتصد.
(٢) في (أ) و(و): فإن.
(٣) ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٥٠.
(٤) حديث سهل ﵁ أخرجه البخاري (٧١٩٠)، ومسلم (٤٢١)، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢).
(٥) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٢١٧.
(٦) قوله: (وتطبيق) سقط من (و).
(٧) في (و): تنحنه.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وظاهِرُ ذلك: لا تَبطُل (^١) بتصفيقها على جهة اللَّعب، قال في «الفروع»: (ولعلَّه غير مراد، وتَبطُل به لمنافاته الصَّلاة (^٢)، والخُنثى كامرأةٍ.
فرع: إجابةُ النَّبيِّ ﷺ كان (^٣) واجبةً في الصَّلاة مطلَقًا، نَصَّ عليه (^٤)، وإن قرأ آية فيها اسمه صلَّى عليه في نفل نصًّا، وأطلقه بعضُهم.
ولا يُجيب (^٥) الوالدَ في نفل إن لزِم (^٦) بالشروع، وسأله المَرُّوذيُّ عنها، فقال: (يُروى عن ابنِ المُنكَدِر (^٧): إذا دعتك أمُّك فيها فأجِبْها، وأبوك لا (^٨) تُجِبْه) (^٩)، وكذا (^١٠) الصَّوم.
(وَإِنْ بَدَرَهُ البُصَاقُ)، ويقال بالسِّين والزَّاي أيضًا، أو المُخاطُ، أو النُّخامةُ؛ (بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ)، وحكَّ بعضَه ببعضٍ؛ إذهابًا لصورته إن كان في المسجد؛ لما روى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحدُكم في صلاتِهِ فإنَّه يناجِي ربَّهُ، فلا يَبزُقنَّ قِبَلَ قِبلتِهِ، ولكنْ عن يسارِهِ أو تحت قدمه، ثمَّ أخذ طرفَ ردائِهِ فبزَقَ فيه، ثمَّ ردَّ بعضَه على بعضٍ» رواه البخاري (^١١)، ولمسلمٍ
_________________
(١) في (و): يبطل.
(٢) زيد في (ب): مطلقًا.
(٣) في (ب) و(ز): كانت.
(٤) ينظر: الفروع ٢/ ٢٦٥.
(٥) في (ب) و(و): يجب.
(٦) في (د) و(و): لزمه.
(٧) زيد في (و): أنه.
(٨) في (أ): فلا.
(٩) ينظر: شرح العمدة ٣/ ٥١٩، الفروع ٢/ ٢٦٤. أخرجه ابن أبي شيبة (٨٠١٣)، وحرب الكرماني - الطهارة والصلاة - (١٠٤٣)، عن محمد بن المنكدر عن النبي ﷺ مرسلًا: «إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه»، قال حرب: قيل لأحمد عنه، فرأيته يضعف الحديث.
(١٠) زاد في (أ) و(ز): في.
(١١) أخرجه البخاري (٤١٧).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
معناه من حديث أبي هُرَيرةَ (^١)، ولما فيه من صيانة المسجد عن البُصاق فيه (^٢)، قال أحمد: (البُزاق في المسجد خطيئةٌ، وكفَّارتُه دفْنُه؛ للخبر (^٣) (^٤)، قال أبو الوفاء: لأنَّ بدفنِه تزولُ القذارةُ.
واختار المجْدُ: يجوز في بقعةٍ يدفن فيها ويُخَلَّقُ موضعُها استحبابًا.
ويَلزَم غيرَه إزالتُها إن لم يُزِلها فاعلُها؛ لخبر أبي ذرٍّ (^٥).
(وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ المَسْجِدِ؛ بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)، قاله جماعةٌ؛ لقوله ﵇: «لِيَبصُق عن يسارِهِ أو تحتَ قدمِهِ اليُسرى» (^٦).
وظاهِرُه: أنَّه يُكرَه أن يَبصُق أمامه أو عن يمينه؛ لخبر أبي هريرة: «وليَبصُق عن يسارِهِ أو تحت قدمِهِ (^٧) فيَدفِنُها» رواه البخاريُّ (^٨)، ولأبي داود بإسنادٍ جيِّدٍ عن حُذَيفةَ مرفوعًا: «مَنْ تفلَ تُجاهَ القبلةِ؛ جاءَ يومَ القيامةِ وتفلُهُ بين عَينَيه» (^٩).
وفي «الوجيز»: ويَبصُق في الصَّلاة أو المسجد في ثوبه، وفي غيرهما يَسرةً. وفيه نَظَرٌ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٥٠).
(٢) في (أ): وفيه.
(٣) أخرجه البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢).
(٤) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧٣.
(٥) أخرجه مسلم (٥٥٣)، ولفظه: «عرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد، لا تدفن».
(٦) سبق تخريجه قريبًا.
(٧) زيد في (ب): اليسرى.
(٨) سبق تخريجه قريبًا.
(٩) أخرجه أبو داود (٣٨٢٤)، وابن خزيمة (٩٢٥)، وابن حبان (١٦٣٩)، وهو حديث صحيح. ينظر: السلسلة الصحيحة (٢٢٢).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ) مع القُدْرة عليها؛ بغير خلاف نعلمه (^١).
وظاهِرُه: لا فرق بين الحضر والسَّفر، ولو لم يخشَ مارًّا؛ لقوله ﵇: «إذا صلَّى أحدُكم؛ فليصلِّ إلى سُترةٍ، وليَدنُ منها» رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد (^٢).
وفي «الواضح»: (يَجِب)، وهو بعيدٌ، ويشهد له ما رواه ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في فضاءٍ ليس بين يدَيه شَيءٌ» رواه أحمدُ وأبو داود (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإقناع لابن القطان ١/ ١٤٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٩٨)، وابن ماجه (٩٥٤)، وصحح إسناده النووي. ينظر: الخلاصة ١/ ٥١٨، صحيح أبي داود ٣/ ٢٨١.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة (٢٨٦٦)، وأحمد (١٩٦٥)، وإسناده ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، كما في التقريب، وتابعه شعبة، لكن مع مخالفة في السند والمتن. وأخرجه أحمد في المسند (٣٠١٧)، بلفظ: «مررت أنا والفضل على أتان، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس في فضاء من الأرض، فنزلنا ودخلنا معه، فما قال لنا في ذلك شيئًا»، وفي سنده شعبة بن دينار مولى عبد الله بن عباس، متكلم فيه، قال أبو حاتم والجوزجاني والنسائي: (ليس بالقوي)، وقال أحمد (ما أرى به بأسًا)، وقال البخاري: (يحتمل منه)، قال ابن عدي: (لا بأس به)، ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٤٧. وأخرجه أحمد (١٧٩٧)، وأبو داود (٧١٨) من طريق عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك»، واللفظ لأبي داود، وفي سنده عباس بن عبيد الله بن عباس، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن القطان: (لا تعرف حاله)، وأعل ابن حزم الحديث بالانقطاع لأنه لم يدرك عمه الفضل، ووافقه ابن حجر، قال النووي: (إسناده حسن). وأخرجه البخاري (٧٦)، لكن بلفظ آخر: عن عبد الله بن عباس، قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي»، وقوله: (إلى غير جدار)، فسره الشافعي بأنه إلى غير سترة، وجاء توضيحها في رواية عند البزار (٤٩٥١)، وابن خزيمة (٨٣٨)، ولفظها: «فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه». ينظر: بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٥٤ الخلاصة للنووي ١/ ٥٢١، فتح الباري لابن رجب ٤/ ٥ - ٧، فتح الباري لابن حجر ١/ ١٧١، تهذيب التهذيب ٥/ ١٢٣، السلسلة الضعيفة (٥٨١٤)، صحيح أبي داود ٣/ ٣٠١.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
والسُّترةُ: ما يستَتر (^١) به، ولو بخيط مطلقًا.
(مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ (^٢)؛ لقوله ﵇: «إذا وضعَ أحدُكم بين يدَيه مثلَ مُؤْخرةِ الرَّحْلِ (^٣)؛ فليصلِّ، ولا يُبالِ من (^٤) يَمُرُّ وراءَ ذلك (^٥)» رواه مسلمٌ (^٦)، «وصلَّى في الكعبةِ وبينه (^٧) وبين الجدارِ نحوٌ من ثلاثةِ أذرع» رواه أحمد والبخاري (^٨).
فإن كان في مسجدٍ ونحوِه؛ قرُب من الجدار، أو فضاء؛ فإلى شَيءٍ شاخِصٍ من شجرةٍ أو بعيرٍ أو ظهرِ إنسانٍ أو عصًا؛ «لأنَّه ﵇ صلَّى إلى حَرْبةٍ وإلى بعيرٍ» رواه البخاري (^٩).
ويلقي (^١٠) العصا بين يدَيه عَرضًا؛ لأنَّها في معنى الخطِّ، ويُستحَبُّ انحرافُه عنها قليلًا؛ لفعله ﵇، رواه أحمد وأبو داود من حديث المقداد بإسناد ليِّن، قال عبد الحقِّ: وليس إسنادُه بقويٍّ (^١١)، لكنْ عليه جماعة من
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ز): يستر.
(٢) في (د) و(و): الرجل.
(٣) في (و): الرجل.
(٤) قوله: (من) سقط من (و).
(٥) في (و): تلك.
(٦) أخرجه مسلم (٤٩٩).
(٧) في (ب) و(ز): بينه.
(٨) أخرجه أحمد (٥٩٢٧)، والبخاري (٥٠٦).
(٩) الصلاة إلى الحربة أخرجه البخاري (٤٩٨)، والصلاة إلى البعير عند البخاري أيضًا (٤٣٠).
(١٠) في (أ) و(د) و(و): وتكفي.
(١١) أخرجه أحمد (٢٣٨٢٠)، وأبو داود (٦٩٣)، وهو حديث ضعيف، في سنده الوليد بن كامل، وهو لين الحديث، وفيه جهالة المهلب بن حجر وضباعة بنت المقداد بن الأسود، وممن ضعفه أيضًا: ابن عدي والبيهقي وابن القطان. ينظر: الخلاصة ١/ ٥١٩، ضعيف سنن أبي داود ١/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
العلماء على ما ذكر (^١) ابن عبد البَرِّ (^٢).
ويكون بينه وبينها ثلاثةُ أذرُعٍ، نَصَّ عليه (^٣)، وكلَّما دنا فهو أفضل؛ للنَّصِّ (^٤)، ولأنَّه أصونُ لصلاته.
وطولها ذراعٌ، نَصَّ عليه (^٥). وعنه: مثل عظم الذِّراع.
وهذا على سبيل التَّقريب؛ لأنَّه ﵇ قدَّرها بمُؤخرةِ الرَّحل (^٦)، وهو عُود في مؤخَّره - ضدُّ قادمته (^٧) - والمرادُ به: رحْلُ البعير، وهو أصغر من القتَب، والمؤخرة تختلِف؛ فتارةً تكون ذراعًا، وتارةً أقلَّ، وعلى كلِّ حال يُجزِئُ الاِستِتارُ بها.
وعَرضُها لا حدَّ له؛ لأنَّها قد تكون غليظةً كالحائط، ودقيقةً كالسَّهم، لكن قال أحمد: (ما كان أعرضَ فهو أعجبُ إليَّ) (^٨).
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا)، نَصَّ عليه (^٩)، وهو المذهب؛ لقوله ﵇: «إذا صلَّى أحدُكم فلْيَجعَلْ تِلْقاءَ وجهِهِ شَيئًا، فإن لم يجدْ؛ فلينصبْ عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليَخُطَّ خَطًّا، ولا يضرُّه ما مرَّ بين يدَيه» رواه أحمدُ وأبو داود من حديث أبي هُريرة، وذكر الطَّحاويُّ أنَّ فيه رجلًا مجهولًا، وقال البَيْهَقِيُّ:
_________________
(١) في (د): ذكره.
(٢) ينظر: التمهيد ٤/ ١٩٩.
(٣) ينظر: مسائل عبد الله ص ١١٥، زاد المسافر ٢/ ١٢٩.
(٤) وهو ما أخرجه أحمد (١٦٠٩٠) وأبو داود (٦٩٥)، عن سهل بن أبي حثمة، يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»، وهو حديث صحيح، صححه ابن حبان وغيره. ينظر: صحيح أبي داود ٣/ ٢٧٧.
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٦٥.
(٦) سبق تخريجه قريبًا.
(٧) في (أ) و(ز): قادمه.
(٨) ينظر: المغني ٢/ ١٧٥.
(٩) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٣٠.
[ ٢ / ٢٨١ ]
(لا بأس به في مثل هذا) (^١).
وصِفتُه كالهلال، لا طولًا، لكنْ قال في «الشَّرح»: (وكيفما خطَّ أجزأه).
وعنه: يُكرَه الخطُّ.
(فَإذَا مَرَّ منْ وَرَائِهَا شَيْءٌ (^٢)؛ لَمْ يُكْرَهْ)؛ للأخبارِ السَّابِقةِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (^٣) سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قريبًا - ومرادُهم ثلاثةُ أذرُعٍ فأقلُّ من قدمه (^٤) -، أو كانت فمرَّ بينه وبينها (^٥) (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) بغير خلاف نعلمه (^٦) في المذهب؛ لقوله ﵇: «إذا قامَ أحدُكم يُصلِّي فإنَّه يَستُرُهُ إذا كان بين يدَيه مثلُ مؤخرة الرَّحلِ، فإن لم يكن فإنَّه يَقطعُ صلاتَهُ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ» رواهُ أحمدُ من حديث أبي ذرٍّ (^٧).
والأسودُ البَهيمُ: الذي لا لَون فيه سوى السَّواد، ذكره جماعةٌ. وعنه: أو بين عيْنَيه بياضٌ، وصحَّحه ابن تميم، فإن كان فيه بياضٌ في (^٨) غير هذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٣٩٢)، وأبو داود (٦٨٩)، وابن ماجه (٩٤٣)، وابن خزيمة (٨١١)، وابن حبان (٢٣٦١)، وهو حديث وقع فيه اضطراب شديد في سنده، واختلف الحفاظ فيه، فصححه أحمد وابن المديني، وضعفه ابن عيينة والشافعي والبغوي والنووي وغيرهم، قال ابن عبد الهادي: (وهو حديث مضطرب الإسناد)، وذكره ابن الصلاح والعراقي مثالًا للحديث المضطرب، ونازعهما في ذلك ابن حجر، وقال في بلوغ المرام: (ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن). ينظر: المحرر (٢٨٣)، البدر المنير ٤/ ١٩٨، النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣، بلوغ المرام (٢٣٤)، ضعيف سنن أبي داود ١/ ٢٣٩.
(٢) قوله: (شيء) سقط من (ب) و(ز).
(٣) قوله: (له) سقط من (أ) و(ب) (ز).
(٤) في (د) و(و): قربه.
(٥) في (أ): وبينهما.
(٦) في (و): تعلمه.
(٧) أخرجه أحمد (٢١٣٤٢)، ومسلم (٥١٠).
(٨) في (أ): من.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الموضع؛ فليس بِبَهيمٍ روايةً واحدةً، وخُصَّ البهيم به مع أنَّه لَيس في الخبر؛ لأنَّه شَيطانٌ.
مسألة: يُباح قتلُ البَهِيمِ، ذكره المؤلِّف وغيرُه؛ لقوله ﵇: «لولا أنَّ الكِلابَ أمَّةٌ من الأُممِ؛ لأمرتُ بقتلِها، فاقتلوا منها كلَّ أسودَ بَهيم؛ فإنَّه شيطانٌ» (^١).
وذكر ابن تميم وغيرُه: أنَّه يحرم اقتناؤه.
(وَفِي المَرْأَة، وَالْحِمَارِ) الأهليِّ (روَايَتَانِ)، كذا أطلقهما في «المحرَّر» و«الفروع»:
إحداهما: لا تَبطُل (^٢)، نقلها الجماعةُ (^٣)، وهي ظاهر «الوجيز»؛ لما رُوي: «أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ مرَّت بين يدَيْ رسولِ الله ﷺ، فلم تَقطَع (^٤) صلاتَهُ» رواهُ أحمد وابنُ ماجَهْ بإسنادٍ حسَنٍ (^٥)، وعن ابنِ عبَّاس قال: «أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أتانٍ والنَّبيُّ ﷺ يُصلِّي بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بين يدَيْ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٨٨)، وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، وقال: (حديث حسن صحيح).
(٢) في (و): يبطل.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٧، مسائل ابن منصور ٦/ ٢٤٠، مسائل ابن هانئ ٢/ ٦٥، زاد المسافر ٢/ ١٣٠.
(٤) في (و): يقطع.
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٥٢٣)، وابن ماجه (٩٤٨)، من طريق محمد بن قيس، عن أمه، عن أم سلمة نحوه، وهو حديث ضعيف، أم محمد بن قيس مقبولة، وضعف الحديث ابن القطان والبوصيري، والألباني، وقول ابن القطان وتبعه الألباني أن محمد بن قيس لا يعرف غير صحيح، بل هو قاص عمر بن عبد العزيز وهو ثقة، وبعضهم يجعل محمد بن قيس القاص ومحمد بن قيس -شيخ مدني آخر يروي عنه أبو معشر- واحدًا، وابن حجر يفرق بينهما. ينظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٣ - ٢٤، تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٢٣، مصباح الزجاجة ١/ ١١٦، تهذيب التهذيب ٩/ ٤١٤، التقريب ص ٥٠٣، السلسلة الضعيفة (٤٧٤٣).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بعضِ الصَّفِّ فنزلتُ، وأرسلتُ الأَتانَ تَرتَعُ، فدخلتُ في الصَّفِّ فلم يُنكِرْ عليَّ أحَدٌ» (^١)، وعن عائشةَ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي باللَّيل وأنا مُعتَرِضةٌ بينه وبين القِبلة» مُتَّفَقٌ علَيهما (^٢).
والثَّانية: تَبطُل، قدَّمه السَّامَرِّي وابنُ تَمِيمٍ، ورجَّحه في «الشَّرح»؛ للنَّصِّ السَّابق، وحديثُ عائشةَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ حكمَ الوُقوف يخالف (^٣) حكمَ المرورِ، وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ لَيس فيه إلاَّ أنَّه مرَّ بين يدَي بعض الصَّفِّ، وسُترةُ الإمام سُترةٌ لمن خلفه.
وظاهِرُه: أنَّه لا يَقطَعُها غيرُ ما ذُكِر، وهو المذهب.
وعنه: يقطعها (^٤) شَيطانٌ، قدَّمه ابن تميمٍ وغيرُه.
وعنه: وسِنَّوْرٌ أسودُ.
وفي الصَّغيرة (^٥) وجْهٌ.
وظاهِرُه: لا فرق بين الفرض والنَّفل. وعنه: لا يَبطُل النَّفلُ. وعنه: والجنازةُ.
فرع: وسُترةٌ مغصوبةٌ ونجِسةٌ كغيرِها، قدَّمه في «الرِّعاية».
وفيه وجْهٌ: كالصَّلاة إليها؛ كالقبر.
قال صاحب «النَّظم»: وعلى قياسِه سُترةُ الذَّهب، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه منها: لو وضع المارُّ سُترةً أو تَستَّرَ بدابَّةٍ؛ جاز).
تذنيب: سُترةُ الإمامِ سُترةٌ لمَنْ خلفَه، ذكره (^٦) الأصحابُ، وهو قول
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).
(٣) قوله: (حكم الوقوف يخالف) سقط من (ب).
(٤) في (أ) و(ز): يُبطِلُها.
(٥) في (د) و(و): الصغير.
(٦) في (و): ذكر.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الفقهاء السَّبعة؛ للأخبار، ولا عكس، فلا يُستحَبُّ لمأمومٍ سُترةٌ، ولَيست سُترَةً له.
ومعناه: إذا مرَّ ما يُبطِلها؛ فظاهره: أنَّ هذا فيما يُبطِلها خاصَّةً، وأنَّ كلامهم في نهي الآدمي عن المرور على ظاهره، وكذا المصلِّي لا يدع شيئًا يَمُرُّ بين يدَيه؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّي إلى سُترةٍ دون أصحابه.
وقال صاحب «النَّظم»: لم أرَ أحدًا تعرَّض لجواز مرور الإنسان بين يدَي المأمومِين، فيحتمل (^١) جوازُه؛ اعتبارًا بسُترةِ الإمام له حكمًا، ويحتمل اختصاص ذلك بعدم الإبطال؛ لما فيه من المشقَّة على الجميع.
قال القاضي عِيَاضٌ (^٢): اختلفوا هل سُتْرة الإمام سُتْرةٌ لمن خلفه، أم هي سُتْرة له خاصَّةً وهو سُتْرةٌ لمن خلفه؟ مع الاتِّفاق على أنَّهم يصلُّون إلى سُتْرةٍ.
ولمسلمٍ من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّما الإمامُ جُنَّةٌ» (^٣)؛ أي: يَمنَعُ من نقص صلاة المأموم، لا أنَّه (^٤) يجوز المرورُ قُدَّام المأموم.
(وَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي المُصْحَفِ)، والقراءةُ منه فيها، جزم به مُعظَمُ الأصحاب؛ لما رَوى الأثرمُ: «أنَّ عائشةَ كان يؤمُّها عبدٌ لها في المُصحف» (^٥)، وقال الزَّهري: «كان خيارُنا يَقرؤون في المصاحف (^٦)» (^٧)،
_________________
(١) في (د): فيحمل، وفي (و): فتحمل.
(٢) ينظر: إكمال المعلم ٢/ ٤١٨.
(٣) أخرجه أحمد (١٠٠٣٧)، ومسلم (٤١٦)، «إنما الإمام جنة، فإن صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا»، وهو عند البخاري (٢٩٥٧)، بغير هذا اللفظ.
(٤) قوله: (لا أنه) هو في (ز): لأنَّه.
(٥) أخرجه ابن وهب في الموطأ (٣٠٣)، وابن أبي شيبة (٧٢١٧)، وابن أبي داود في المصاحف (ص ٤٥٧)، والبيهقي في الكبرى (٣٣٦٦)، وعلقه البخاري مجزومًا به ١/ ١٤٠، قال الحافظ في تغليق التعليق ٢/ ٢٩١: (وهو أثر صحيح).
(٦) في (و): المصحف.
(٧) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٤٥٩، ولفظه: قال محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب: سألت ابن شهاب عن القراءة في المصحف يؤم الناس، فقال: «لم يزل الناس منذ كان الإسلام يفعلون ذلك»، وإسناده حسن.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وهو قولُ عَطاءٍ، ولأنَّه لَيس بعملٍ كثيرٍ.
والفرضُ والنَّفلُ سواءٌ، قاله ابن حامد.
وعنه: يجوز في النَّفل، وحمل في «الشَّرح» كلامَ المؤلِّف عليه.
وعنه: لغير الحافِظ.
وعنه: يَبطُل فرضٌ؛ لقول ابن عبَّاس: «نهانا أن نَؤمَّ من المصاحف» رواه أبو بكر بن أبي داود (^١).
وقيل: ونفلٌ أيضًا؛ لأنَّه اعتَمد في فرض القراءة على غيره؛ كاعتماده بحَبْلٍ في قيامه.
(وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ (^٢) آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا)؛ أي: يَسأل الرَّحمةَ من الله تعالى، (وَآيَةُ عَذابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا) على المذهب؛ لما رَوى حُذَيفةُ قال: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فافْتتح البقرة، فقلتُ: يركَع عند المائة، ثمَّ مضى»، إلى أن قال: «إذا مرَّ بآية فيها تَسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسُؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ» مُختصَرٌ رواه مسلمٌ (^٣)، ولأنَّه دُعاءٌ وخيرٌ.
وعنه: يُستحَبُّ، قاله القاضي وغيرُه.
وظاهرُه: لكلِّ مُصلٍّ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي داود (ص ٤٤٩)، وفيه نهشل بن سعيد الورداني، متروك، كذبه أبو داود الطيالسي وابن راهويه. ينظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٣١.
(٢) قوله: (به) سقط من (و).
(٣) أخرجه مسلم (٧٧٢).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وسبق: إذا تلَى آيةً فيها ذِكرُ النَّبيِّ ﷺ.
(وَعَنْهُ: يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ)؛ لأنَّ المنقول عنه ﵇ في النَّفل، فيُقتصر عليه.
وعنه: يَفعَلُه إن صلَّى وحدَه، ونقل الفضْلُ: لا بأْسَ أن (^١) يقولَه مأمومٌ، ويَخفِضُ صوتَه (^٢).
وقال أبو بكرٍ الدِّينَوَرِي وابنُ الجوزي: معنى ذلك تَكرارُ الآيةِ، قال ابنُ تميم: وليس بشيءٍ.
قال أحمدُ: (إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القِيَامَة: ٤٠] في صلاةٍ وغيرِها قال: سبحانك فبلى) (^٣)، في فرضٍ ونفلٍ، ومنع منه ابنُ عَقيلٍ فيهما.
فائدة: سُئل بعضُ أصحابنا عن القراءة بما فيه دُعاءٌ، هل يحصلان له؟ فتوقَّف، ويتوجَّه الحصولُ؛ لخبر (^٤) أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إن الله (^٥) ختَم سورةَ البقرة بآيتَين أعطانِيهما من كنزِه (^٦) الذي تحتَ العرشِ، فتعلَّموهنَّ، وعلِّموهنَّ نساءَكم وأبناءَكم؛ فإنَّها صَلاةٌ وقُرآنٌ ودُعاءٌ» رواه الحاكِمُ، وقال: على شرط البخاريِّ (^٧).
_________________
(١) في (و): بأن.
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ٢٧١.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٧٦.
(٤) في (و): بخبر.
(٥) قوله: (إن الله) سقط من (أ).
(٦) في (أ) و(ب) و(د) و(و) و(ز): تحت الكنز.
(٧) هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فأخرجه الحاكم (٢٠٦٦) من طريق عبد الله بن صالح المصري، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر ﵁ موصولًا، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه). ورواه مرسلًا عبد الله بن وهب، ومعن بن عيسى القزاز، وهما ثقتان حافظان، فتُرجَّح روايتهما على رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو كما قال ابن حجر في التقريب: (صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة)، أخرج رواية ابن وهب أبو داود في المراسيل (٩١)، وأخرج رواية معن الدارمي (٣٤٣٣). وأخرجه أحمد (٢١٣٤٣) موصولًا بنحوه، من طريق ربعي بن حراش، عمن حدثه عن أبي ذر، وفي طريق آخر (٢١٣٤٤)، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان أو عن رجل، وفي أخرى (٢١٣٤٥)، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر. فأما زيد بن ظبيان الكوفي فمقبول، وأما خرشة والمعرور فهما ثقتان من رجال الصحيح.
[ ٢ / ٢٨٧ ]