(أَرْكَانُ الصَّلَاةِ): جمع رُكنٍ، وهو جانب الشَّيْء الأقوى، وهو ما كان فيها، ولا يَسقط عمدًا ولا سهوًا، وسمَّاها بعضهم فروضًا، وهو لَفْظيٌّ؛ (اثْنَا عَشَرَ) كذا في «الوجيز» وغيرِه، وجعلها في «البُلغة» عشرةً، وعدَّ منها النِّيَّةَ؛ لأنَّ المشروع فيها قسمان: واجبٌ، ومسنونٌ، والأول: قسمان: ما لا يَسقُط مطلقًا، وهي الأركان.
(الْقِيَامُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، ولحديث عمرانَ: «صلِّ قائمًا» (^١)، ومحلُّه في الفرض لقادِرٍ، وهو قدر التَّحريمة؛ لأنَّ المسبوق يدرك به فرض القيام، ذكره في «الخلاف» (^٢) وغيره، ولا يضرُّه مَيلُ رأسه، قال أبو المعالي وغيرُه: (وحدُّه ما لم يَصِرْ راكعًا).
ويُستثنَى منه: العُريان، والخائف، ولمداواةٍ، وقِصَرُ سقفٍ لعاجز عن الخروج، ومأموم خلف إمام الحيِّ العاجز عنه بشرطه.
فإن قام على رِجْلٍ؛ لم يجزئه، ذكره في «المذهب»، وظاهر كلامهم يخالفه، ونقل خطَّاب بن بشر: لا أدري (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١١٧).
(٢) في (و): القيام.
(٣) ينظر: الفروع ٢/ ٢٤٥. هو خطاب بن بشر بن مطر أبو عمر البغدادي، قال أبو بكر الخلال: كان رجلًا صالحًا يقص على الناس، وقد سمعت منه حديثًا، وكنت إذا سمعت كلامه كأنه نذير قوم؛ وكان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان صالحة، توفي سنة ٢٦٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٥٢.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
(وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ)؛ لحديث عليٍّ: «تحريمُها التَّكبيرُ» (^١).
(وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ)؛ أي: في حقِّ الإمامِ والمنفردِ، ويتحمَّلها إمامٌ عن مأموم، وكذا بدلها.
(وَالرُّكُوعُ) إجماعًا (^٢)، وسندُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحَجّ: ٧٧]، وحديثُ المسيءِ في صلاته، وهو ما رواه أبو هريرةَ: «أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ على النَّبيِّ ﷺ فردَّ عليه، ثمَّ قال: ارجع فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ، فعلَ ذلك ثلاثًا، ثمَّ قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحسِنُ غَيرَه، فعلِّمني، فقال: إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فكبِّر، ثمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفع حتَّى تعتدلَ قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تَطمئِنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا (^٣)، ثمَّ افعل ذلك في صلاتِك كلِّها» رواه الجماعةُ، ولمسلمٍ، وعزاه عبدُ الحقِّ إلى البخاريِّ: «إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فأسبِغ الوضوءَ، ثمَّ استقبلِ القبلةَ، فكبِّر» (^٤)، فدلَّ على أنَّ المسمَّاةَ في الحديث لا تَسقُط (^٥) بحال، فإنَّها لو سقطت لسقطت عن الأعرابيِّ؛ لجهله بها.
(وَالاِعْتِدَالُ عَنْهُ)؛ لأنَّه ﵇ داوَم على فعله، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني
_________________
(١) سبق تخريجه ٢/ ١٦٤ حاشية (٥).
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٢.
(٣) قوله: (جالسًا) سقط من (أ) و(د) و(و) و(ز).
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
(٥) في (و): يسقط.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
أصلِّي» (^١)، فلو طوَّله؛ لم تَبطُل، قال الحسنُ بن محمَّدٍ الأَنْمَاطِيُّ: رأيتُ أبا عبد الله يُطِيلُ الاعتدالَ والجلوسَ بين السجدتَينِ (^٢)؛ لحديث البَرَاءِ، متَّفقٌ عليه (^٣).
(وَالسُّجُودُ) إجماعًا (^٤)، (وَالجُلوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لما رَوتْ عائشةُ قالتْ: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا رفعَ رأسَهُ من السُّجود لم يَسجُد حتَّى يَستويَ قاعدًا» رواهُ مسلمٌ (^٥).
(وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ)؛ لما سبق، ولحديث حُذَيفةَ: أنَّه رأى رجلًا لا يُتمُّ ركوعَه ولا سجودَه، فقال له: «ما صلَّيتَ، ولو متَّ؛ متَّ على غَيرِ الفِطرةِ التي فَطَر الله عليها (^٦) محمَّدًا ﷺ» رواه البخاريُّ (^٧).
وظاهِرُه: أنَّها رُكنٌ واحِدٌ في الكُلِّ؛ لأنَّه يعمُّ القيامَ.
وهي السُّكونُ وإن قلَّ، قدَّمه ابن تميم والجَدُّ في «فروعه».
وقيل: بقَدْرِ الواجِبِ، وحكاه ابن هُبَيرةَ عن أكثر العلماء.
وقيل: بقدر ظنِّه أنَّ (^٨) مأمومَه (^٩) الضَّعيف وثقيل اللِّسان أتى بما يَلزمه.
(وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَالْجُلُوسُ لَهُ)، هذا هو المذهبُ، وهو قولُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣١).
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ٢٤٦. وهو: الحسن بن محمد الأنماطي البغدادي، ذكره أبو بكر الخلال فقال: نقل عن أحمد مسائل صالحة. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٣٨، المقصد الأرشد ١/ ٣٣٣.
(٣) أخرجه البخاري (٧٩٢)، ومسلم (٤٧١).
(٤) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٢.
(٥) أخرجه مسلم (٤٩٨).
(٦) في (أ): عليها الله.
(٧) أخرجه البخاري (٧٩١).
(٨) قوله: (ظنه أن) هو في (و): أن ظنه.
(٩) في (أ): مأموم.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
عمرَ (^١) وابنِه (^٢) وأبي سعيدٍ البدري (^٣)؛ لقوله: «إذا قعدَ أحدُكم في صلاتِهِ فليقل: التَّحيَّاتُ لله …» الخبر، متَّفق عليه (^٤)، وعن ابن مسعودٍ قال: كنَّا نقول (^٥) قبل أن يُفرَضَ (^٦) التَّشهُّد: السَّلام على الله، السَّلام على جبريل وميكائيل، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لا تَقولوا هكذا، ولكن قولوا: التَّحيَّاتُ لله …» وذكره، رواه النَّسائيُّ، وإسنادُه ثقاتٌ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: (إسنادٌ (^٧) صحيحٌ) (^٨)، وقال عُمرُ: «لا تُجزِئُ صلاةٌ إلاَّ بتشهُّدٍ» رواهُ سَعيدٌ، والبخاريُّ
_________________
(١) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (١٨٤)، وعبد الرزاق (٣٠٨٠)، وابن أبي شيبة (٨٧١٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤٤٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٢٤)، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا صلاة إلا بتشهد»، من طريق أبي النضر مسلم الشامي، عن حملة بن عبد الرحمن، وهما مجهولان.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٧١٤)، عن جعفر بن برقان، عن عقبة بن نافع قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «ليس من صلاة إلا وفيها قراءة وجلوس في الركعتين، وتشهد وتسليم، فإن لم تفعل ذلك سجدت سجدتين بعدما تسلم، وأنت جالس»، وفيه ضعف، عقبة بن نافع مجهول الحال، وبين جعفر وعقبة راشد الأزرق كما قال البخاري وأبو حاتم، وهو مجهول. ينظر: التاريخ الكبير ٦/ ٤٣٤، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/ ٣١٧، الثقات لابن حبان ٥/ ٢٢٧.
(٣) تبع في ذلك صاحب المغني والشرح الكبير، ولم نقف عليه، والوارد عن أبي مسعود البدري ما أخرجه الدارقطني (١٣٤٤)، والبيهقي في الكبرى (٣٩٦٩)، أنه قال: «لو صليت صلاة لا أصلي فيها على محمد وعلى آل محمد ما رأيت أنها تتم»، قال البيهقي: (تفرد به جابر الجعفي وهو ضعيف). وورد عن ابن مسعود نحو قول عمر ﵄: أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦٤٤)، والبيهقي في الكبرى (٣٩٦٤)، وفيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي.
(٤) أخرجه البخاري (٨٣١، ٨٣٥، ٦٢٦٥)، ومسلم (٤٠٢).
(٥) قوله: (نقول) سقط من (أ) و(ب).
(٦) زاد في (ب): علينا.
(٧) في (د): إسناده.
(٨) سبق تخريجه ٢/ ٢٢٨ حاشية (٤).
[ ٢ / ٢٩١ ]
في «تاريخه» (^١).
والرُّكن منه: (اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) مع ما (^٢) يُجزِئ من التَّشهُّد الأوَّل.
وعنه: واجِبٌ يَسقُط بالسَّهو، وهو غريبٌ.
وعنه: سنَّةٌ.
وقال أبو الحسين: لا يختلِف (^٣) قولُه: إنَّ الجلوسَ فرضٌ، واختُلِف قوله في الذِّكر فيه، وهو معنى ما حكاه ابن هُبَيرةَ عن أحمدَ.
(والتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى)؛ لقوله: «وتحليلُها التَّسليمُ» (^٤)، وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ يَختُمُ صلاتَهُ بالتَّسليمِ» (^٥)، وثبت ذلك عنه من غير وجْهٍ، ولأنَّها نُطقٌ مشروعٌ في أحدِ طرَفَيها (^٦)، فكان رُكنًا كالطَّرَف الآخَرِ.
(وَالتَّرْتِيبُ)؛ أي: بين الأركان؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّيها مرتَّبة، وعلَّمها للمُسيءِ في صلاته مرتِّبًا ب (ثُمَّ)، ولأنَّها عبادةٌ تَبطُل بالحدَث، فكان التَّرتيبُ رُكنًا فيها كغيرها.
(وَمَنْ (^٧) تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّه ﵇ نفى الصَّلاةَ مع الجهل، وأمَرَه بالإعادةِ، ولم يجعلْه عُذرًا، وإذا انتفى مع الجهل؛ فمع العمْد أولى.
وترْكُه سهوًا يأتي.
(وَوَاجِبَاتُهَا تِسْعَةٌ)، هذا هو القسم الثاني من الواجبات، وسمَّى أبو الفرَج
_________________
(١) ينظر: التاريخ الكبير للبخاري (٤٤٣)، وتقدم تخريجه قريبًا.
(٢) قوله: (تجزئ صلاة إلا بتشهد. رواه سعيد) إلى هنا سقط من (و).
(٣) زيد في (ب): المذهب.
(٤) سبق تخريجه ٢/ ١٦٤ حاشية (٥).
(٥) أخرجه مسلم (٤٩٨).
(٦) في (ز): طرفها.
(٧) في (ب) و(ز): من.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الواجِبَ: سنَّةً اصطلاحًا، قال ابن شهابٍ: كما سمَّى المبيتَ ورميَ الجمار وطوافَ الصَّدر سُنَّةً، وهو واجِبٌ.
(التَّكْبِيرُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) في الأصحِّ؛ لأنَّه ﵇ كان يكبِّر، وقال: «صلُّوا كما رأيْتموني أصلِّي» (^١).
وعنه: ركنٌ لا يَسقُط (^٢) بالسَّهو كتكبيرةِ الإحرام.
وعنه: يَسقط (^٣) في حقِّ (^٤) مأمومٍ فقطْ.
وعنه: سنَّة؛ لأنَّه ﵇ لم يعلِّمه (^٥) المسيءَ في صلاته، ولا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة.
قلنا (^٦): ولم يعلِّمه (^٧) التشهُّدَ، ولا السَّلامَ، ولعلَّه اقتصَر على تعليمه ما أساء فيه.
(وَالتَّسْمِيعُ)، وهو قول: سمع الله لمن حمده، في حقِّ إمامٍ ومنفرِدٍ، (وَالتَّحْمِيدُ) وهو قولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، في حقِّ الكُلِّ، (فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ)؛ لما سبق من النُّصوص فعلًا له، وأمْرًا به.
(وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرَّةً مَرَّةً) على المذهب، والزَّائدُ على المرَّةِ سُنَّةٌ.
(وَسُؤَالُ المَغْفِرَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَرَّةً) على المشهور، ولم ينقل تركه.
وعنه: سنَّة؛ لأنَّه لم يعلِّمْه المسيءَ في صلاته.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣١).
(٢) في (أ) و(ب) و(د) و(ز): تسقط.
(٣) في (أ) و(د) و(ز): تسقط.
(٤) في (و): كل.
(٥) في (أ) و(د) و(و): يُعَلِّم.
(٦) في (و): ولنا.
(٧) في (و): نعلمه.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَالجُلُوسُ لَهُ)، اختاره الأكثرُ؛ لأنَّه ﵇ فعَله، وداوَم (^١) على فعله، وأمر به، وسجد للسَّهو حين نسِيَه، وهذا هو الأصل المعتمد عليه في سائر الواجبات؛ لسقوطها بالسَّهو، وانجِبارِها بالسُّجود؛ كواجبات الحجِّ.
ويُستثنَى منه: غيرُ مأمومٍ قام إمامُه عنه سهوًا، فيُتابِعه (^٢).
(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ في روايةٍ اختارها الخِرَقِيُّ، وفي «المغني»: (هي (^٣) ظاهِرُ المذهب)، وصحَّحها في «الشَّرح»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزَاب: ٥٦]، والأمر للوجوب، ولا موضع تَجِب فيه الصَّلاةُ (^٤) أَوْلى من الصَّلاةِ المفروضةِ. وعنه: ركنٌ، قدَّمها في «المحرَّر» و«الفروع»، وصحَّحها في «المذهب» و«الوسيلة»، وذكر ابن هُبَيرةَ: أنَّها المشهورةُ، وأنَّها اختيار الأكثرِ؛ لحديث كعبٍ (^٥).
وعنه: سنة، قال المروذي لأبي عبد الله: إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلًا ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد بطلت صلاته، فقال: (ما أَجْترئُ أن أقول مثل هذا)، وفي رِوايةٍ: (هذا شُذوذٌ) (^٦)؛ لقوله: «إذا فعلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ»، وكخارج الصَّلاة.
(فِي مَوْضِعِهَا)؛ أي: في التَّشهُّدِ الأخيرِ بعْد الشَّهادتَين.
_________________
(١) في (و): ودوام.
(٢) سقط من (د) من هنا إلى قوله في صلاة التطوع: (ولا في غيره، ولأنه شهادة للأخبار).
(٣) في (و): هو.
(٤) زاد في (ب): على النَّبيِّ ﷺ.
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).
(٦) ينظر: المغني ١/ ٣٨٨.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
(وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةٍ)، قال القاضي: وهي أصحُّ (^١)؛ لأنَّه ﵇ كان يُسلِّمُهما (^٢)، ولأنَّها عبادةٌ شُرِع لها تحليلان، فكانتْ واجبةً كالأُولى.
وعنه: أنَّها رُكنٌ كالأُولى، صحَّحه (^٣) في «المذهب»، وقدَّمه في «التَّلخيص» وابنُ تَمِيم وابنُ حَمْدانَ، وهي ظاهر «الهداية» و«المحرَّر»؛ لعُموم قوله: «وتحليلُها التَّسليم»، فعلى هذا: هُما من الصَّلاةِ.
وعنه: سنَّةٌ، اختارها المؤلِّفُ، وصحَّحها في «الشَّرح»، وجزم بها في الوجيز (^٤)، وحكاه ابنُ المنذِر إجماعَ مَنْ يَحفَظ عنه (^٥).
وعنه: في النَّفْل.
وعنه: هما واجِبتانِ، وذكر ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها المشهورةُ، وصحَّحها في «الوسيلة».
قال القاضي: الثَّانيةُ سنَّةٌ في الجنازة والنَّافلةِ رِوايةً واحدةً.
(مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عمدًا (^٦)؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ)؛ لأنَّها واجِبةٌ أشْبَهتِ الأركانَ.
_________________
(١) زاد في (أ) و(و) و(ز): (وجزم بها في الوجيز). والصواب عدم إثباتها. ينظر: الوجيز ص ٧٥، الإنصاف ٣/ ٦٧٤.
(٢) في أحاديث كثيرة ومنها: ما أخرجه مسلم (٥٨٢) عن سعد بن أبي وقاص: «كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده»، وما أخرجه أحمد (٣٦٩٩) وأبو داود (٩٩٦)، من حديث ابن مسعود، وعن وائل بن حجر (١٨٨٥٧)، وغيرها.
(٣) في (ب) و(ز): صححها.
(٤) قوله: (وجزم بها في الوجيز) سقط من (أ). والمثبت هو الصواب. ينظر: الوجيز ص ٧٥، الإنصاف ٣/ ٦٧٤.
(٥) في (و): منه. قال ابن المنذر في الإجماع ص ٣٩: (وأجمعوا على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة).
(٦) قوله: (عمدًا) سقط من (أ) و(ب) و(و).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
(وَمَنْ تَرَكَهُ (^١) سَهْوًا) أو جهْلًا، نَصَّ عليه (^٢)؛ (سَجَدَ لِلسَّهْوِ)؛ «لأنَّه ﵇ لمَّا تَرك التَّشهُّدَ الأوَّلَ سجدَ له قبْلَ أن يُسلِّمَ» متَّفقٌ عليه من حديث عبد الله ابن بُحَيْنَة (^٣)، ولولا أنَّه واجِبٌ لما سجد لجَبْره؛ لأنَّه لا يزيد في الصَّلاة زيادةً مُحرَّمةً لجَبْر ما ليس بواجبٍ، وغَيرُ التَّشهُّدِ من الواجِباتِ مَقِيسٌ عليه، ولا يَمتنِع أن يكون للعبادة واجِبٌ يُجبَر (^٤) إذا تركه، وإن كانت لا تَصِحُّ (^٥) إلاَّ بها؛ كالحجِّ.
واقتضى كلامُه: أنَّ الصَّلاةَ صحيحةٌ بترك الواجِبِ سهوًا؛ لأنَّه ﵇ بنَى على صلاته.
(وَعَنْهُ: أنَّ هَذِهِ سُنَنٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لعدَم تعليمِها (^٦) للمُسيءِ.
تنبيهٌ: إذا ترك شَيئًا ولم يَدرِ أفرضٌ أم سنَّةٌ؛ لم يَسقُط فرضُه للشَّكِّ في صحَّته.
وإن اعتقد الفرض سنَّةً، أو بالعكس، فصلاَّها على ذلك؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه بناها على اعتقادٍ فاسدٍ، ذكره ابن الزَّاغُونيِّ.
وظاهر كلامِهم خلافُه، قال أبو الخَطَّاب: لا يضرُّه أن لا يعرفَ الرُّكنَ من الشَّرط، والفرضَ من السُّنَّة، وردَّ المجْدُ على من لم يصحِّحِ الاِئتمامَ ممَّن يعتقد أنَّ الفاتحةَ نفلٌ؛ بِفعلِ الصَّحابة فمن بعدهم، مع شدَّة اختلافهم فيما هو
_________________
(١) في (ب) و(ز): تركها.
(٢) ينظر: الفروع ٢/ ٢٤٨.
(٣) أخرجه البخاري (٨٣٠)، ومسلم (٥٧٠).
(٤) في (و): تخيير.
(٥) في (و): يصح.
(٦) في (أ): تعلمها.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الفرض والسُّنَّة، ولأنَّ اعتقادَ (^١) الفرضيَّة والنَّفليَّة يؤثِّر (^٢) في (^٣) جُملَة الصَّلاةِ لا تفاصيلِها؛ لأنَّ من صلَّى يَعتقِد الصَّلاةَ فريضةً، يأتي بأفعال تصحُّ معها (^٤)، بعضُها فرضٌ وبعضُها نفلٌ، وهو يَجهَل الفرضَ من السُّنَّة، أو يعتقِد الجميعَ فرضًا؛ صحَّتْ صلاتُه ع (^٥).
فرعٌ: الخشوعُ - وهو ما يَتعلَّق بالقلب - سنَّةٌ، ذَكره المؤِّلفُ وجَمْعٌ.
وذَكَر الشَّيخُ وجيهُ الدِّين: أنَّه واجِبٌ (^٦).
قال في «الفروع»: (مرادُه - واللهُ أعلمُ - في بعضها، وإن أراد في كلِّها، فإنْ لم تَبطل بتركِه (^٧) فخلافُ قاعدةِ تَرْكِ الواجِبِ، وإن أَبطَل به فخلافُ الإجماعِ، وكِلاهما خلافُ الأخبارِ).
فائدة: مَنْ علِم بطلانَ صلاته، ومضى فيها؛ أُدِّب؛ لاستهزائه بها، ذَكَره السَّامَرِّيُّ.
ولا يكفر (^٨) إذا صلَّى محدِثًا بلا عُذرٍ متعمِّدًا في قول الجماهير؛ لأنَّ الكفرَ بالاعتقاد، وهذا اعتِقاده صحيحٌ.
(وَسُنَنُ الْأَقْوَالِ)، هذا بيانُ القسم الثَّاني أو الثَّالِثِ (^٩) (اثْنَا عَشَرَ)، كذا في «الكافي» وغيرِه:
_________________
(١) في (ب): الاعتقاد.
(٢) في (ب) و(و): تؤثر.
(٣) في (أ): من.
(٤) زاد في (أ) و(د) و(ز): الصَّلاة.
(٥) قوله: (ع) هو في (ب): فائدة. وينظر: الفروع ٢/ ٢٥٤.
(٦) زيد في (و): لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وفسره علي بلين القلب وكف الجوارح.
(٧) قوله: (تبطل بتركه) هو في (و): يبطل تركه.
(٨) في (و): يبطل.
(٩) في (ب) و(د) و(ز): والثالث.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
(الاِسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَقِرَاءَةُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَوْلُ آمِينَ، وِقِرَاءَةُ السُّورَةِ) وقد سبَق ذِكرُها.
(وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ)، حكاه ابن هُبَيرةَ اتِّفاقًا. وقيل: واجِبانِ. وقيل: الإخفاتُ فقطْ.
وإنْ نَسِي فجهَر فيما يُسَرُّ فيه (^١)؛ بنى على قراءته سرًّا، وإن أسرَّ فيما يُجهَرُ فيه (^٢)؛ بنى على قراءته سرًّا.
وعنه: يَستأنِفُها جهْرًا وإن كان فرَغ من (^٣) القراءة، نَصَّ عليه (^٤).
والفرْقُ: أنَّ الجهرَ زيادةٌ حصل بها المقصودُ وزيادةٌ، فلا حاجة إلى إعادته، والإسرار نقص فاتَتْ به سنَّةٌ مقصودةٌ؛ وهو إسماعُ المأموم القراءةَ، وقد أمكنه الإتيانُ بها، فينبغي أن يأتيَ بها.
(وَقَوْلُ: مِلْءَ السَّمَاءِ، بَعْدَ التَّحْمِيدِ) لغَير مأمومٍ، (وَمَا زَادَ عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ المَغْفِرَةِ، وَالتَّعَوُّذِ فِي التَّشَهُّدِ (^٥) الْأَخِيرِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ)؛ لما تقدَّم في مواضعه. وعنه: واجبةٌ، وفيه شَيءٌ.
وكذا يُسَنُّ الدُّعاءُ في التَّشهُّد الأخيرِ غَير التَّعوُّذ، ذكره أبو الخَطَّاب في «هدايته»، وعدَّ (^٦) من سُننِ الأقوال (^٧): السُّجودَ على أنفِه، وجَلسةَ
_________________
(١) قوله: (يسر فيه) هو في (و): يستوفيه.
(٢) في (و): به.
(٣) قوله: (من) سقط من (ز) و(و).
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٧٩.
(٥) في (و): التعوذ.
(٦) في (أ) و(د): وعده.
(٧) هكذا بخط المؤلف، وعدها أبو الخطاب في الهداية ص ٨٧ من المسنونات، ولم يخصها بسنن الأقوال.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الاِستراحة، والتَّسليمةَ الثَّانيةَ في روايةٍ، ومن سُننِ الأفعال (^١): الجهرُ والإخفاتَ بالقراءةِ، وب (آمين)، وهو بعيدٌ.
(فَهَذِهِ سُنَنٌ (^٢) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لأنَّها غَيرُ واجِبةٍ، فلا تَبطُل بتركها؛ كمسنونات الحجِّ، (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهَا)؛ لأنَّ فعلَها غيرُ واجِبٍ، فجَبرُها أَوْلى، لكنْ يُكرَه تركُها، (وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يُشرَع، قدَّمه ابنُ تميمٍ وابنُ حَمدانَ، قال في «الشَّرح»: «لكلِّ سَهوٍ سجدتانِ» رواه أحمدُ من حديثِ ثَوبانَ، ورواه ابنُ ماجَهْ: ثنا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ وعثمانُ بن أبي شَيبةَ قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عياش، عن عبيد الله بن عبيد (^٣)، عن زُهَير بن سالم العَنسيِّ، عن عبد الرَّحمن بنِ جُبَير بنِ نُفَيرٍ، عن ثَوبانَ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (^٤): «لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعدما يُسلِّم»، وإسماعيلُ روايتُه عن الشَّامِيِّين حُجَّة، ورواه أحمدُ: ثنا الحَكَم بنُ نافِعٍ، ثنا إسماعيلُ، فذكره (^٥)، ولأنَّ السُّجودَ جُبْرانٌ، فشُرِع لينجبرَ ما فاتَ.
والثَّانية: لا يُشرَع، وهي ظاهِرُ «الوجيز»؛ لأنَّ تركها عمدًا لا يُبطِل
_________________
(١) هكذا بخط المؤلف والنسخ الخطية، وعدها أبو الخطاب في الهداية ص ٨٧ من الهيئات، وقال: (وهي مسنونة؛ إلا أنها صفة في غيرها، فسميت: هيئة)، ومرادهم بالهيئات: سنن الأفعال. ينظر: الإنصاف ٣/ ٦٨٣.
(٢) قوله: (سنن) سقطت من (أ) و(ب) و(و)
(٣) قوله: (عياش عن عبيد الله بن عبيد) هو في (أ): عباس عن عبيد الله، وفي (و): عباس عن عبيد الله بن عبيد.
(٤) قوله: (يقول) سقط من (أ).
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٤١٧)، وأبو داود (١٠٣٨)، وفي إسناده زهير بن سالم العنسي قال الدارقطني: (حمصي منكر الحديث)، ووثقه ابن حبان، وحسن الحديث ابن التركماني والألباني بشواهده. ينظر: الجوهر النقي ٢/ ٣٣٧، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٤، صحيح أبي داود ٤/ ٢٠١، الإرواء ٢/ ٤٧.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
الصَّلاةَ، فلم يُشرَع لسهوها سُجودٌ؛ كسُنَن الأفعال (^١)، ولأنَّ السُّجودَ زيادةٌ في الصَّلاة، فلم يَجُز إلاَّ بتوقيفٍ.
(وَمَا سِوَى هَذَا؛ مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ)، وتُسمَّى (^٢) هيئاتِها؛ كرفْع يدَيه عند الإحرام والرُّكوع والرَّفع منه، ووضع اليُمنى على اليُسرى، والنَّظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الرُّكبتين في الرُّكوع، والتَّجافي فيه وفي السُّجود، ومدِّ الظَّهر معتدِلًا، وجعله حِيال رأسه، والبَداءة بوضع الرُّكبتين قبل اليدين في (^٣) السُّجود، وعكسه في القيام منه وفي التشهُّد الأوَّل، والتفريق بين ركبتيه في السُّجود، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومةً مستقبلًا بهما القبلة، ونصب قدميه، وفتح أصابعهما في السُّجود والجلوس، والافتراش بين السَّجدتين وفي التشهُّد الأوَّل، والتورُّك في الثَّاني، ووضع اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة (^٤) محلَّقةً، والإشارة بالسَّبَّابة، ووضع اليسرى على الفخِذ اليسرى مبسوطةً، والالتفات في السَّلام عن يمينه ويساره، والسُّجود على الأنف، وجِلسة الاستراحة، ونيَّة الخروج منها في سلامه على ما سبق.
(لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا)؛ لأنَّها سنَّةٌ، (وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا)، نصره واختاره الأكثرُ؛ لأنَّه لا يمكن التَّحرُّز من تركها لكثرتها، فلو شرع السُّجود لم تخلُ صلاةٌ من سجود في الغالب، وبه يُفرَّق بينها وبين سنن الأقوال.
وذكر جماعةٌ منهم أبو الخَطَّاب الرِّوايتين فيهما، فعلى هذا لا فرق.
وقدَّم ابن تميم وابن حمدان: أنَّه يُشرع كالأوَّل.
_________________
(١) في (ب) و(ز): الأقوال.
(٢) في (و): ويسمى.
(٣) في (و): وفي.
(٤) في (ب) و(ز) و(و): مفتوحة.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وإذا (^١) قلنا لا يسجد (^٢) فسجد؛ لم تَبطُل صلاتُه، نَصَّ عليه (^٣).
_________________
(١) في (ب) و(و): فإذا.
(٢) في (و): يشرع.
(٣) زيد في (و): والله أعلم. وينظر: المغني ٢/ ٢٥١.
[ ٢ / ٣٠١ ]