(فَصْلٌ)
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَاءٌ نَجِسٌ)، هذا شروعٌ في بيانِ ما يَسلُب الماءَ صِفتَيه: طهارتَه وتطهيرَه، (وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ) في غيرِ محلِّ التَّطْهير، فينجُس إجماعًا، حكاه ابن المنذِر (^١).
وحكى ابن البَنَّاء: أنَّ بعضهم أخذ من كلام الخِرَقِي العفو عن يسير الرَّائحة، وهو شاذٌّ؛ إذ لا فرق بين كثير التَّغير ويسيره.
يحرُم (^٢) استعمالُه إلَّا ضرورةً لدفع عطشٍ أو لُقمةٍ (^٣)، ويجوز سقيه البهائم قياسًا على الطَّعام إذا تنجَّس، وقال الأَزجِي: لا يجوز قربانُه بحال، بل يُراق.
(فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهُوَ يَسِيرٌ فَهَلْ يَنْجُسُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)؛ أظهرهما: ينجُس، قال في «النهاية»: (وعليه الفتوى)، وقدَّمه في «المحرر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى ابن عمر قال: سئل النَّبيُّ ﷺ عن الماء يكون بالفلاة، وما ينوبه من الدَّواب والسِّباع، فقال: «إذا بلغ الماء قُلَّتين لم ينجسه شيء»، وفي رواية: «لم يحمل الخبث» رواه الخمسة، والحاكم وقال: (على شرط الشَّيخين)، ولفظه لأحمد، وسئل ابن معين عنه فقال: (إسناده جيد)، وصحَّحه الطَّحاوي، قال الخطابي: (ويكفي شاهدًا على صحَّته أنَّ نجوم أهل الحديث صحَّحوه) (^٤)، ولأنَّه ﵇ أمر بإراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ولم
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر ص ٣٥.
(٢) قوله: (يحرم) هو في (أ): ويحرم، وفي (ب) و(ز): مسألة: يحرم.
(٣) في (أ): لقمة أو عطش.
(٤) أخرجه أحمد (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، والحاكم (٤٥٨)، وصححه الخطابي، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وغير واحد من الأئمة، وتكلم فيه ابن عبد البر وغيره، وأُعلَّ بالاضطراب في إسناده وألفاظه، وقيل: الصواب وقفه. ينظر: تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤١٥٢)، معالم السنن للخطابي ١/ ٣٦، التلخيص الحبير ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٥٩ ]
يَعتبِر التَّغيرَ (^١).
وعموم كلامه يشمل الجاري والرَّاكد، وهو المذهب.
وفي ثانية: أنَّ الجاري لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، اختارها الموفق وجمع، ورجَّحها في «الشرح».
وفي أخرى: تُعتبر كلُّ جَرية بنفسها، اختارها القاضي وأصحابُه، فإن (^٢) كانت يسيرةً نجُست، وإلَّا فلا.
والجَرية: ما أحاط بالنَّجاسة؛ فوقها وتحتَها إلى قرار النَّهر، ويَمْنةً ويَسْرةً ما بين حافَتَيِ النَّهر، زاد في «المغني» و«الشرح»: ما قرُب من النَّجاسةِ أمامَها وخلفَها، ولابنِ عَقِيل: (ما فيه النَّجاسة وقدرُ مساحتها؛ فوقها وتحتها ويمينها ويسارها) انتهى.
فإن كانت النَّجاسةُ ممتدَّةً؛ فهل يجعل كل جَرية منها كنجاسة مفردةٍ، أو كلها نجاسة واحدة؟ فيه وجهان.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٩)، والنسائي (٦٦)، وابن خزيمة (٩٨)، وابن حبان (١٢٩٦)، وابن الجارود (٥١)، عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار»، قال الدارقطني: (إسناد حسن، ورواته كلهم ثقات)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، وأعلَّ جماعة من الحفاظ زيادة: «فليرقه»؛ منهم حمزة الكناني، والنسائي وابن عبد البر، وقال ابن منده: (تفرد بذكر الإراقة فيه علي بن مسهر، ولا يُعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا من روايته)، وقد رواها عن الأعمش ثمانية من أصحابه منهم شعبة، ولم يذكروا هذه اللفظة. وورد الأمر بالإراقة موقوفًا عن أبي هريرة ﵁: رواه الدارقطني (١٨٣)، وقال: (موقوف صحيح)، وصححه ابن حجر. ينظر: التمهيد ١٨/ ٢٧٣، المحرر لابن عبد الهادي ١/ ٨٨، تحفة الأشراف ٩/ ٣٦٤، التلخيص الحبير ١/ ١٤٨، الفتح ١/ ٢٧٥.
(٢) في (ز): وإن.
[ ١ / ٦٠ ]
والثَّانية (^١): لا ينجس إلَّا بالتَّغير (^٢)، اختاره ابن عقيل وابن المَنِّي والشَّيخ تقي الدِّين وم (^٣)، لما رَوى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل: أنتوضَّأُ من بئر بُضاعةَ - وهي بئر تُلقى فيها الحِيَضُ والنَّتْنُ ولُحومُ الكلابِ - فقال النَّبي ﷺ: «الماءُ طَهورٌ لا (^٤) يُنَجِّسُه شيْءٌ» رواه أحمد وأبو داود، والتِّرمذي وحسَّنه، قال أحمدُ: (حديثُ بئرِ بُضاعةَ صحيح) (^٥)، قلت: ويعضُده حديث أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: «الماء لا ينجسه شيءٌ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه والدارقطني (^٦).
فرع: يَسيرُ النَّجاسة مثلُ كثيرِها في التَّنجيس، وإن لم يدركها الطَّرْفُ؛ أي: لا تشاهد بالبصر.
وفي «عيون المسائل»: لا بد وأن يدركها الطَّرْف، وش (^٧). وقيل: إن مضى زَمن تَسْري فيه.
_________________
(١) جاء في هامش (ب): (قال في الشرح الكبير: والثانية لا ينجس إلا بالتغير، روي عن ابن عباس، وروي مثله عن مالك وابن المنذر، وهو قول للشافعي؛ لما روى أبو سعيد … إلى آخره. انتهى).
(٢) في (أ): بالتغيير.
(٣) قوله: (وم) بدلها في (ب): واختاره ابن القيم. ينظر: بداية المجتهد ١/ ٣٠، مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٣٧، إغاثة اللهفان ١/ ١٥٦.
(٤) في (أ) و(و): لم.
(٥) تقدم تخريجه ١/ ٣١ حاشية (٢).
(٦) قوله: (أن رسول الله ﷺ قال: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه والدارقطني) سقط من (أ) و(ب) و(ز). والحديث أخرجه ابن ماجه (٥٢١)، والدارقطني (٤٧)، قال الشافعي: (هذا الحديث لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافًا)، والصواب أنه مرسل، كما قاله أبو حاتم. ينظر: العلل لابن أبي حاتم (٩٧)، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٦٠.
(٧) ينظر: الحاوي الكبير ١/ ٢٩٣، المجموع ١/ ١١٠.
[ ١ / ٦١ ]
زاد في «الشرح»: إلَّا أنَّ ما يُعفى عن يسيره كالدَّم، حكم الماء الذي تنجَّس به حكمه في العفو عن يسيره.
(وَإنْ كَانَ كَثِيرًا) ولم يتغيَّر بالنَّجاسة؛ (فَهُوَ طَاهِرٌ) بغير خلاف في المذهب، ما لم يكن بولَ آدمي أو عَذِرَتَه؛ لخبر القُلَّتين وبئر بُضاعةَ.
وذهب هـ (^١) وأصحابُه (^٢) إلى نجاسته إلَّا أن يَبلغ حدًّا يغلب على الظَّنِّ أنَّ النَّجاسة لا تصل إليه، واختُلف فيه فقيل: ما إذا حُرِّك أحدُ طرَفيه لم يتحرَّك الآخَر، وقيل: عشرة أذرع في مثلها، وما دون ذلك فهو قليل وإن بلغ ألف قُلَّة.
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا)؛ أي: بولَ آدمي بقرينة ذكر العَذِرة؛ فإنَّها مختصَّة به، ولا فرق بين قليله وكثيره، وخصَّ في «التلخيص» الخلاف به فقط، وقاله أحمد في رواية صالح (^٣)، (أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً)؛ لأنَّ أجزاءها تتفرَّق في الماء وتَنْتشر، فهي (^٤) كالبول بل أفَحْشُ، والمذهب: أنَّ حكم الرَّطْبة واليابسة إذا ذابت كذلك، نصَّ عليه (^٥)، قال في «الشرح» وقدَّمه في «الرعاية»: (والأَولى التَّفريق بين الرَّطْبة والمائِعةِ)؛ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ):
(إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ)، اختارها أبو الخَطَّاب وابن عَقِيل، وقدَّمه السَّامَرِّي (^٦) وفي «المحرر»؛ لخبر القُلَّتين، ولأنَّ نجاسة الآدَمِيِّ لا تزيد على
_________________
(١) كتب في هامش (أ) و(و): (لعله أبو حنيفة).
(٢) ينظر: الهداية ص ٢١، حاشية ابن عابدين ١/ ١٩٢.
(٣) مسائل صالح ١/ ٢١٠.
(٤) في (أ) و(و): فهو.
(٥) في رواية حرب ١/ ١٨٢.
(٦) هو محمد بن عبد الله بن الحسين السامري، الفقيه الفرضي، أبو عبد الله، ويلقب نصير الدين، ويعرف بابن سُنَيْنَه، تفقه على أبي حكيم النهرواني ولازمه مدة، وبرع في الفقه والفرائض، وكان حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، توفي سنة ٦١٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٤، ذيل الطبقات ٣/ ٢٤٨. والسامري: بفتح الميم وتشديد الراء، نسبة إلى بلدة على دجلة يقال لها: سرَّ من رأى، فخففها الناس وقالوا سامراء. ينظر: الأنساب للسمعاني ٧/ ٢٨.
[ ١ / ٦٢ ]
نجاسة بول الكلب، وهو لا يُنَجِّسُها، فهذا أَوْلَى.
(وَالْأُخْرَى: يَنْجُسُ)، نصَّ عليه في رواية صالح والمَرُّوذِي وأبي طالب (^١)، اختارها الخِرَقِي والشَّريف والقاضي وابن عَبْدوس وأكثر شيوخ أصحابنا؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم (^٢) الذي لا يجري ثمَّ يغتسلُ فيه»، لفظ البخاري، وقال مسلم: «ثم يغتسل منه»، وهذا يتناول القليل والكثير، وهو خاص في البول، وخبر القُلَّتين محمول على بقيَّة النَّجاسات، فحصل الجمع بينهما.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ؛ فَلَا يَنْجُسُ)، هذا مستثنًى ممَّا سبق، وهو الماء إذا كان كثيرًا ووقعت فيه نجاسة ولم يتغيَّر؛ فهو طاهر.
واستُثني من ذلك: ما إذا كانت النَّجاسة بولًا أو عذِرَةً مائعةً؛ فإنَّه ينجس على المذهب وإن لم يتغيَّر، ما لم يبلغ الماء حدًّا يشقُّ نَزْحُه.
قال في «الشرح»: (لا نعلم خلافًا أنَّ الماء الذي لا يمكن نَزْحه إلَّا بمشقَّةٍ عظيمةٍ؛ مثل المصانع التي جُعِلتْ مَوْرِدًا للحاجِّ بطريق مكَّة يصدرون عنها ولا ينفَدُ ما فيها؛ أنَّها لا تَنْجُس إلَّا بالتَّغيير).
قال في «المُغني»: (لم أجد عن أحمد ولا عن (^٣) أصحابه تقدير ذلك بأكثر من المصانع التي بطريق مكَّة)، وقال الشيرازي: (المحقِّقون من أصحابنا يقدِّرونه ببئر بضاعة، وهي ستَّة أشبار في مثلها)، قال أبو داود:
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ١/ ٣٠١، سنن الأثرم ١/ ٢٤٣، الروايتين والوجهين ١/ ٦١.
(٢) في (أ) و(و): الراكد.
(٣) زاد في (أ): أحد من.
[ ١ / ٦٣ ]
(قدَّرتها فوجدتها ستَّةَ أَذْرُع، وسألتُ الذي فتح لي بابَ البستان: هل غُيِّر بناؤها؟ (^١)؛ قال: لا)، وقال: (سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عُمقها، فقال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانَة، قلت: فإذا نقص، قال: دون العورة) (^٢).
تنبيهات:
الأول: أنَّ كلَّ مائِعٍ؛ كزَيْت وسَمْن، ينجُس قليلُه وكثيرُه بملاقاة النَّجاسة في رواية صحَّحها في «الشرح»، وقدَّمَها في «الرعاية»؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُ غيرَه، فلم يدفَع النَّجاسة عن نفسِه كاليسيرِ.
وفي أخرى: كالماء، ينجس إن قلَّ أو تغيَّر، وإلَّا فلا.
وفي ثالثة: ما أصله الماء؛ كالخَلِّ التَّمْريّ، فهو كالماء، وغيره ينجُس مطلقًا.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ولبن كزيت (^٣).
الثَّاني: ظاهر كلامهم: أنَّ نجاسة الماء النَّجِس عَيْنيَّة، وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لا؛ لأنَّه يُطهِّر غيرَه، فنفْسَه أَوْلى، وأنَّه كالثَّوب النَّجِس (^٤)، ولهذا يجوز بيعه.
الثالث: إذا غيَّرتْ نجاسةٌ بعضَ الطَّهور الكثيرِ؛ ففي نجاسة ما لم يتغيَّر مع كثرته وجهان، والأشهر: أنَّه طَهور.
(وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ)؛ أي: طَهور (كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ
_________________
(١) زيد في (ب) و(و): الماء.
(٢) ينظر: سنن أبي داود ١/ ١٧.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٥١٤.
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٨٦، الاختيارات ص ٥.
[ ١ / ٦٤ ]
يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ (^١) بَعْدَهُ كَثِيرٌ؛ طَهُرَ).
هذا شروع في بيان تطهير الماء النَّجِس، وهو يَنقسِم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونَ الماءُ النَّجِسُ دون قُلَّتيْن، فتطهيره بالمُكاثَرة حسب الإمكان، زاد في «الرِّعاية»: عُرْفًا، واعتَبر الأَزَجِي والسَّامَرِّي الاتصالَ فيه بقُلَّتين طَهوريَّتين، إمَّا أن يُصبَّ فيه، أو يجري إليه من ساقِيَة أو نحوِ ذلك، فيزولُ بهما تَغيُّرُه إن كان متغيِّرًا.
وإن كان غير متغيِّرٍ؛ طَهُر بمجرَّد المُكاثَرة (^٢)؛ لأنَّ القلَّتين تدفع النَّجاسة عن نفسها وعمَّا (^٣) اتَّصل بها، ولا تَنجُس إلَّا بالتَّغييرِ.
وفُهِم منه: أنَّ النَّجِس القليل لا يَطهُر بزوال تغيُّره بنفسه؛ لأنَّ علَّةَ نجاستِه الملاقاةُ لا التَّغيرُ (^٤).
الثَّاني: أن يكون قُلَّتين؛ فإن كان غير متغيِّر بالنَّجاسة، أو متغيِّرًا بها: فتطهيره بالمُكاثَرة إذا زال التَّغيُّر، وبزوال تغيُّره بنفسه؛ لأنَّ علَّة التَّنجيس زالت؛ كالخَمرة إذا انقلبت بنفسها خَلًّا.
وقال ابن عَقِيل: لا تطْهُر؛ بناءً على أنَّ النَّجاسة لا تطْهُر بالاِستحالة.
الثَّالث: الزَّائد على القُلَّتين، فإن كان غير متغيِّر فتطهيره بالمُكاثَرة فقط، وإن كان متغيِّرًا فتطهيره بالأمرين (^٥) السَّابقين، وبثالث، وهو: أن يُنزَح منه حتَّى يزول التَّغيُّرُ، ويبقى بعد النَّزْح قُلَّتانِ، هذا إن كان متنجسًا بغير البول
_________________
(١) في (ب): يبقى.
(٢) قوله: (المكاثرة) سقطت من (أ).
(٣) في (أ) و(و) و(ز): وغيرها. والمثبت موافق لما في المغني ١/ ٢٦.
(٤) في (أ) و(و): التغيير. وقوله: (وفُهم منه: أنَّ النَّجس القليل لا يطهر بزوال تغيُّره بنفسه؛ لأنَّه علَّة نجاسته الملاقاة لا التَّغيير) سقط من (ز).
(٥) في (ب): بأحد الأمرين.
[ ١ / ٦٥ ]
والعذرة، ولم يكن مجتمعًا من متنجس، كل ماء دون قلتين، نص عليه (^١).
فإن نقص عنهما (^٢) قبل زوال التَّغيُّر، ثمَّ زال؛ لم يطهر؛ لأنَّ علَّة التَّنجيس في القليل مجرَّد (^٣) ملاقاة النَّجاسة، ويعتبر زوال التَّغيُّر في الكل (^٤).
(وَإِنْ كُوثِرَ)، أو كان كثيرًا فأضيف إليه (^٥) (مَاءٌ (^٦) يَسِيرٌ) طَهور، (أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ) كالتُّراب والخَلِّ ونحوِهما، لا مسْكٍ ونحوِه، (فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ)؛ لم يَطهُرْ على المذهب؛ لأنَّه لا يدفع النَّجاسة عن نفسه، فعن غيرِه أولى.
(وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَطْهُرَ)، وقاله بعض أصحابنا؛ لخبرِ القُلَّتين، ولأنَّ علَّة النَّجاسة زالت، وهي التَّغيُّر، أشبه ما لو زالت (^٧) بالمكاثَرة.
وقال ابن عقيل: التُّرابُ لا يطهِّر؛ لأنَّه يستر النَّجاسة، بخلاف الماء، وقيل به في النَّجِسِ الكثيرِ فقطْ، جَزم به في «المستوعب» وغيره، وأطلق في «الإيضاح» روايتين في التُّراب.
مسألة: إذا اجتمع مِنْ (^٨) نَجِسٍ وطَهورٍ وطاهِرٍ قُلَّتان بلا تغيُّر؛ فكلُّه
_________________
(١) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٦١. وقوله: (هذا إن كان متنجسًا بغير البول والعذرة، ولم يكن مجتمعًا من متنجس كل ماء دون قلتين، نص عليه) سقط من (أ) و(و) و(ز).
(٢) في (أ) و(ز): عنها.
(٣) في (ب) و(ز): بمجرد.
(٤) زاد في الأصل تنبيهًا ثم ضرب عليه، وهو: (تنبيه: إذا كان متنجسًا بغير بول آدمي وعذرته، فإن كان بأحدهما، ولم يتغير، فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه، وإن تغير، وكان مما يشق نزحه، فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه مع زوال تغيره، أو بنزح يبقى بعده قلتان، أو بزوال تغيره بنفسه، وإن كان بما لا يشق نزحه فبإضافة ما يشق نزحه، كمصانع مكة مع زوال التغير)، وهي مثبتة في الإقناع.
(٥) قوله: (أو كان كثيرًا فأضيف إليه) سقط من (ب) و(ز).
(٦) في (ب) و(ز): بماء.
(٧) في (ب) و(ز): زال.
(٨) قوله: (من) سقط من (ب) و(ز).
[ ١ / ٦٦ ]
نجِس. وقيل: طاهر. وقيل: طَهور.
وإن أضيفت قُلَّة نجسة إلى مثلها، ولا تغيُّر؛ لم تطهر في المنصوص (^١)؛ كنجاسة أخرى.
وفي غسل جوانبِ بئر نُزحت وأرضِها؛ روايتان.
(وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ)؛ هما تثنية قُلَّة، وهي اسم لكلِّ ما ارتفع وعلا، ومنه قُلَّة الجبل.
والمراد هنا: الجَرَّةُ الكبيرةُ، سُمِّيت قُلَّةً؛ لعُلوِّها وارتفاعِها، وقيل: لأنَّ الرَّجل العظيم يُقِلُّها بيده؛ أي: يرفعها، والتَّحديد وقع بقِلال هَجَر (^٢)، وفي حديث الإسراء أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ثمَّ رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَرَ» رواه البخاري (^٣)، ولأنَّها مشهورةُ الصِّفةِ معلومةُ المقدارِ لا تَختلِف؛ كالصِّيعانِ، ولأنَّ خبر القُلَّتين دلَّ بمنطوقه على دفعهما النَّجاسة عن أنفسهما، وبمفهومه (^٤) على نجاسة ما لم يَبلغْهما، فلذلك جعلناهما حدًّا للكثير.
(وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا)؛ أي: دون القلَّتين (^٥)، (وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ)، قدَّمه في «المحرر» و«الفروع»، وذكره في «الشرح»: ظاهر المذهب،
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٨٩.
(٢) كتب على هامش الأصل: المراد قلال هجر بفتح الهاء والجيم: قرية بالقرب من المدينة، لا هي البحرين.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، من حديث مالك بن صعصعة ﵁.
(٤) في (أ) و(و): ومفهومه.
(٥) كتب على هامش الأصل: مجموع القلتين بالدراهم: أربعة وستون ألفًا ومائتان وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم، فإذا أردت معرفة القلتين بأي رطل أردت؛ فاعرف عدد دراهمهم، ثم اطرحه من دراهم القلتين مرة بعد أخرى حتى لا يبقى منها شيء، واحفظ الأرطال المطروحة، فما كان فهو مقدار القلتين بالرطل الذي حسبته، وإن بقي أقل من رطل فانسبه منه ثم اجمع إلى المحفوظ.
[ ١ / ٦٧ ]
لقول عبد الملك بن جريج: (رأيت قِلال هَجَر، فرأيت القُلَّة تَسَعُ قِرْبتَين، أو قِرْبتَين وشيئًا) (^١)، والاحتياطُ إثباتُ الشَّيْءِ، وجعْلُه نصفًا؛ لأنَّه أقْصَى ما ينطلِق عليه اسم شيءٍ مُنَكَّرٍ، فيكونُ مجموعُهما خمسَ قِرَبٍ بقِرَب الحِجاز، كل واحدة تَسَعُ مِائةَ رَطْل عراقيةً باتِّفاق القائلين بتحديد الماء بالقِرب.
والرَّطلُ العِراقيُّ (^٢): مائةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا، قاله في «المغني» القديم (^٣)، وعزاه إلى أبي عُبيد (^٤). وقيل: وثلاثةُ أسْباع دِرهم، ذكره في «التلخيص». وقيل: وأربعة أسباع درهم، قاله في «المُغني» الجديد، وهو المشهور.
فعلى هذا: هو سُبُعُ الرَّطل الدِّمشْقي ونصفُ سُبُعِه، فتكون القُلَّتان بالدِّمشقي (^٥): مائةُ رَطل وسَبعةُ أرطال وسُبُعُ رَطْل، ويعبَّر عنه بأُوقِية وخمسةُ أسْباع أُوقية. وبالقُدُسي: ثمانون رَطلًا وسُبُعا رَطلٍ ونصف سُبُع. وبالحَلَبي: تسعة وثمانون رطلًا وسبعَا رطل. وبالمِصري: أربعمائة وستة وأربعون رَطلًا وثلاثة أسْباع رطل.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٨.
(٢) كتب على هامش الأصل: أوقية العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم وأوقية المصري اثني عشر درهمًا، وكذا المكي والمدني الآن، وأوقية القدسي والحمصي ست وستون درهمًا وثلثا درهم، وأوقية الدمشقي خمسون درهمًا، وأوقية الحلبي ستون درهمًا، وأوقية البعلي خمسة وسبعون درهمًا.
(٣) تكرر ذكر المغني القديم في كتب الأصحاب؛ كالممتع لابن المنجى، وشرح الزركشي، والإنصاف، فإما أن يكون مصنفًا مستقلًا، وإما أن يكون هو المغني قبل أن يصلحه المصنف.
(٤) هو القاسم بن سلَّام بن عبد الله الهروي، من كبار العلماء في الحديث والفقه، من مصنفاته: غريب الحديث، فضائل القرآن، أدب القاضي، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦٦٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥.
(٥) كتب على هامش الأصل: والقلتان بالبعلي: أحد وسبعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل.
[ ١ / ٦٨ ]
ومِساحتُهما مُرَبَّعًا: ذراع ورُبُعٌ طولًا، وعرضًا، وعُمْقًا.
ومُدَوَّرًا: ذِراعٌ طولًا، وذِراعان ونصفُ ذِراع عمقًا.
والمراد به: ذراع اليد، صرَّح به بعضهم.
(وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةٍ)، رواه عنه الأَثْرَم (^١)، وقدَّمه ابن تَميم؛ لقول (^٢) يحيى بن عَقيل: (رأيت قِلال هَجَر، وأظنُّ القُلَّة تأخذ قِرْبتين) رواه الجُوزَجاني (^٣).
وعلى هذا هما بالدِّمشقي: خمسة وثمانون رَطلًا وثُلُثَا رَطْل وأربعة أسباع أوقية.
وفي ثالثة: هما قِرْبتان وثُلُثٌ، جَعْلًا للشيء ثُلُثًا.
(وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ؟) صحَّحه في «المغني» و«الشرح» و«الفروع»؛ لأنَّ الشيء إنَّما جُعِل نِصْفًا احتياطًا، والغالب استعماله فيما دون النِّصف، (أَوْ تَحْدِيدٌ؟) هو ظاهر قول القاضي، واختاره الآمِدي؛ لأنَّ ما جُعل احتِيَاطًا يَصيرُ واجبًا؛ كغَسل جزء من الرَّأس مع الوجه؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، ظاهرُ كلامه أنَّ الخلاف راجعٌ إلى الرِّوايتين، وكلامه في «المغني» و«المحرر» يَقتَضي اختصاصَ الخلاف بالأُولى، قال ابن المُنَجَّى: (وهو الأشبه إن قيل: القِرْبة مائةٌ بإجماعٍ؛ لأنَّه لا ترديد في كون القُلَّة قِرْبتين، وإنَّما التَّرديد في الزائد
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال الكلبي، الأثرم، الإسكافي، أبو بكر، جليل القدر، حافظ إمام، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٦٦.
(٢) في (ب) و(ز): لنقل.
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن (٣٢)، وجعل الكلام كله ليحيى بن عقيل، وأخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٥٢)، وبيَّنه، وفيه: قال محمد - الراوي عن يحيى -: قلت ليحيى بن عقيل: أي قلال؟ قال: قلال هجر، قال محمد: "فرأيت قلال هجر، فأظن كل قلة تأخذ قربتين"، قال الحاكم فيما ذكره عنه البيهقي: (هذا الذي حدث عنه ابن جريج هو محمد بن يحيى، يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل)، قال ابن حجر معلقًا: (وكيف ما كان فهو مجهول). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ١٣٨.
[ ١ / ٦٩ ]
عليهما، وإن قيل: هي مائةٌ تقريبًا؛ حَسُن مجيء الخلاف المذكور).
وقال ابن حَمْدانَ: الأصحُّ أنَّ الخمسَمِائة تقريبٌ، والأربعَمِائة تحديدٌ.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا نَقَصت القلَّتان رَطْلًا أو رطلين، ووقع فيهما نجاسةٌ، فعلى الأُولى: طاهر؛ لأنَّه نَقْصٌ يسير لا أثر له، وعلى الثَّاني: نَجِس؛ لأنَّه نَقَص عن قلَّتين.
مسائل: إذا وقع نجاسة في قليل، ولم يغيِّره، وقلنا: ينجُس بها، فانْتَضَح منه على ثوبه ونحوه؛ نَجُس على المذهب.
وله استعمال كثير لم يتغيَّر ولو مع قيام النَّجاسة فيه وبينه وبينها قليل.
وإن شكَّ في كثرة الماء، أو نجاسة عظْم أو رَوثة، أو جفاف نجاسة على ذباب وغيره، أو ولوغ كلب أدخل رأسه في إناء وثَمَّ بفيه رطوبة؛ فوجهان. ونقل حرب (^١) فيمن وطئ روثة: فرخص (^٢) فيه إذا لم يعرف ما هي (^٣).
(وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ)؛ فهو طاهرٌ؛ لأنَّها مُتَيَقَّنة، فلا تُزول (^٤) بالشَّك وإن وجده متغيِّرًا؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بمكثه (^٥) أو بما لا يمنع، وليس هذا خاصًا بالماء، بل يجري فيه وفي غيره.
(أَوْ كَانَ نَجِسًا فَشَكَّ (^٦) فِي طَهَارَتِهِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ أي: الأصل؛ لأنَّ
_________________
(١) هو حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، كان رجلًا جليلًا، روى عن أحمد وإسحاق مسائل كثيرة، قال الخلال: (هي أربعة آلاف عن أبي عبد الله وإسحاق بن راهويه)، قيل مات سنة ٢٨٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٤٥، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٤.
(٢) في (أ): رخص.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٩٠.
(٤) في (أ) و(ب): تزال.
(٥) في (أ) بياض بمقدار كلمة.
(٦) في (أ) و(ب): وشك.
[ ١ / ٧٠ ]
الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يَفتقِر إلى عَدَمها (^١) ووجود الأخرى، وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلَّا إلى مجرَّد البقاء، فيكون أيسر من الحدوث وأكثر، والأصلُ إلحاقُ الفرد بالأعمِّ الأغلب.
فإن أخبره عدل بنجاسته، وذَكر السببَ؛ قُبِل.
وإن لم يعيِّنه فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره؛ لاحتمال اعتقاد نجاسته بسبب لا يعتقده المخبَر، وقيل: يقبل؛ كالرِّواية.
ويكفي مستور الحال في الأصحِّ، كعبد وأنثى.
وإن أخبره أنَّ كلبًا ولَغ في هذا الإناء فقط، وقال آخر: إنَّما ولغ في هذا؛ حُكِمَ بنجاستهما؛ لأنَّ صدقَهما مُمكِنٌ، فإن عَيَّنا كلْبًا ووقتًا يَضِيق عن شربه منهما؛ تعارضا، ولم يحكم بنجاسة واحد منهما.
فإن قال أحدهما: ولَغ في هذا، وقال الآخر: نزل ولم يَشرَب؛ قُدِّم قول المُثْبِتِ، إلَّا أن يكون ضريرًا فيقدَّم قولُ البصيرِ عليه.
فرع: إذا أصابه ماءٌ، ولا أَمَارةَ تَدلُّ على النَّجاسة؛ كُره سؤاله عنه، نقله صالِحٌ (^٢)؛ لقول عمرَ: «يا صاحِب الحوْض لا تُخبرنا» (^٣)، فلا يلزم الجواب.
_________________
(١) بياض في (أ) بمقدار كلمة.
(٢) لم نجده في مسائل صالح، وذكره في المغني ١/ ٤٨.
(٣) أخرجه مالك (ص ٢٣)، ومن طريقه عبد الرزاق (٢٥٠)، والبيهقي في الكبرى (١١٨١)، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب، فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: «يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، وترد علينا». قال ابن عبد الهادي: (وفي إسناده انقطاع)، قال ابن معين في يحيى بن عبد الرحمن: (بعضهم يقول: سمع من عمر، وهذا باطل؛ إنما يروي عن أبيه عن عمر ﵁. ينظر: جامع التحصيل ص ٢٩٨. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٣٤)، والدارقطني (٦٢)، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك عمر أيضًا. وأخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٢١)، عن زيد بن أسلم، عن عمر. وزيد بن أسلم لم يدرك عمر. فالأثر بمجموع هذه المراسيل حسن، والله أعلم.
[ ١ / ٧١ ]
وقيل: بلى، كما لو سئل عن القبلة. وقيل: الأَولى السؤال والجواب. وقيل: بلزومهما، وأوجب الأزَجي إجابته إن علم نجاسته.
(وَإِنِ اشْتَبَهَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ)؛ أي: الطَّهور (بِالنَّجِسِ)؛ تنقسم هذه المسألة إلى صور:
منها: أن يزيد عدد النَّجِس، أو يتساويا: فهذا لا يجوز التَّحرِّي فيهما بغير خلاف.
ومنها: أن يزيدَ عددُ الطَّاهِر على عدد النَّجِس: قال ابنُ المُنَجَّى: (وهي مسألة الكتاب، ويكون من باب إطلاق اللفظ المتواطئ إذا أريد به بعض مَحالِّه، وهو مجاز سائغ).
(لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ)؛ لأنَّه اشْتَبه عليه المباح بالمحظور في موضِع لا تُبِيحه الضَّرورة؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات، أو كان أحدهما بَوْلًا؛ لأنَّ البوْل لا مَدخَل له في التَّطهير.
والثَّانية: له التَّحرِّي إذا زاد عدد الطَّهور، وهو قول أبي بكر وابنِ شاقْلا (^١) والنَّجَّاد (^٢)؛ لأنَّ الظاهِرَ إصابةُ (^٣) الطَّهور،
_________________
(١) هو إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا، البزار، أبو إسحاق، كان كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع. توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٨، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٢.
(٢) هو أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل النجاد الحنبلي البغدادي، شيخ العراق، سمع من جماعة من أصحاب أحمد؛ كابنه عبد الله، وأبي داود، وإبراهيم الحربي وغيرهم، وأخذ عنه: غلام الخلال والخرقي وغيرهما، توفي سنة ٣٤٨ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٧، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٠٢.
(٣) في (ب) و(ز): إصابته.
[ ١ / ٧٢ ]
ووِجْهةُ (^١) الإباحة ترجَّحت، أشبه ما لو اشتبهت عليه أخته في نساء بلد. ولنا: لأنه (^٢) يشقُّ عليه اجتناب الكل، ولذلك يجوز له النِّكاح من غير تحرٍّ.
وعلى هذا؛ هل يُكتفى (^٣) بمُطلَق الزيادة، أو كون الطَّهور أكثر عُرفًا، أو كون النَّجِس تسع (^٤) الطَّهور؟ فيه أوجه.
وظاهر كلامهم: لا فرق بين الأعمى وغيره.
وهل يلزم مَنْ علِم النَّجِس (^٥) إعلامُ من أراد أن يستعمله؟ فيه احتمالات، ثالثها: يلزم إن شرطت إزالتها لصلاة.
وإن توضَّأ من أحدهما بلا تحرٍّ، فبان طَهورًا؛ لم يصحَّ، ويُعايَا بها. وقال أبو الحُسين: يَصِحُّ.
(وَيَتَيَمَّمُ) في الصُّوَر السَّابقةِ؛ لأنَّه عادِمٌ للماء حُكمًا، وظاهِره: أنَّه إذا تيمَّم وصلَّى به، ثمَّ علِم النَّجس؛ فلا إعادة عليه، وهو كذلك في الأصحِّ.
(وَهَلْ يُشْتَرَطُ إِرَاقَتُهُمَا أَوْ خَلْطُهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقهما في الفروع (^٦):
إحداهما: لا يُشترط - لصحَّة التَّيمُّم - إعدامُهما بخلْط أو إراقةٍ، جزم بها في «الوجيز»، وقدَّمها ابن تميم وغيره، وصحَّحها في «المغني» و«الشرح»؛ لأنَّه غير قادر على استعماله، أشبه ما لو كان في بئر لا يمكنه الوصول إليه.
والثَّانية: تُشترط الإراقة ليكون عادِمًا حقيقةً وحكمًا، واختارها الخِرَقِي
_________________
(١) في (أ): وجهة.
(٢) قوله: (ولنا: لأنه) هو في (ب) و(ز): قلت أنه.
(٣) في (أ): يكفي.
(٤) في (أ) و(ب): عشر.
(٥) قوله: (من علم النَّجس) في (ب): فيمن علم النَّجاسة، وفي (ز): في علم النَّجاسة.
(٦) قوله: (كذا أطلقهما في الفروع) سقطت من (أ) و(ز).
[ ١ / ٧٣ ]
وأبو البَرَكات، وهذا إذا (^١) أمِنَ العطشَ، ولم يكن عنده طَهور بيقين، ولم يمكن تطهير أحدِهما بالآخر.
والمحرَّم بغصب كالنَّجِس فيما ذكرنا.
فرع (^٢): إذا احتاج إلى شُرب أو أكل؛ لم يجز بلا تحرٍّ في الأصحِّ، فإن فعل، قال ابن حمدان: أو تطهَّر من أحدهما بتحرٍّ، ثمَّ وجد ماء طَهورًا؛ وجب غسل ثيابه وأعضائه (^٣)، وقيل: يسنُّ.
ويريق النَّجِس إن علمه واستغنى عنه، وإن خاف العطش توضَّأ بالطَّاهر وحبس النَّجس، وقيل: يحبس الطَّاهر ويتيمَّم، وهو أولى؛ كما لو خاف احتياجهما للعطش.
فرع: إذا توضَّأ بماء، ثمَّ علم نجاسته؛ أعاد، نقله الجماعة، خلافًا «للرعاية»، ونصُّه: حتَّى يَتيقَّن براءتَه (^٤).
وذكر في «الفصول» والأَزَجِي: إن شكَّ هل كان وضوءُه قبل نجاسة الماء أو بعده؛ لم يُعِدْ، لأنَّ الأصل الطَّهارة.
(وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ؛ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، قال في «الوجيز»: مع عَدَم طَهور [غير] (^٥) مشتبه.
وظاهر ما ذكره المؤلف: أنَّه يتوضَّأ من كلِّ واحد منهما وُضوءًا كاملًا، صرَّح به في «المغني» و«المحرر»؛ لأنَّه أمكنه تأديةُ فرضه بيقين، فلزمه ذلك؛ كما لو نَسِي صلاةً من خمس لا يَعلم عينَها.
_________________
(١) قوله: (إذا) سقطت من (أ).
(٢) قوله: (فرع) سقطت من (أ).
(٣) قوله: (ثيابه وأعضائه) هي في (أ): (فيه أعضائه).
(٤) ينظر: الفروع ١/ ٩٨.
(٥) قوله: (غير) سقط من الأصل و(أ) و(و)، والمثبت موافق لما في الوجيز ص ٤٨.
[ ١ / ٧٤ ]
والمذهب: أنَّه يتوضَّأ منهما وضوءًا واحدًا، فيأخذ من هذا غَرفةً، ومن هذا غرفة مطلقًا.
فإن توضَّأ منهما مع طَهور بيقين وضوءًا واحدًا؛ صحَّ، وإلَّا فلا.
فإنِ احتاج إلى أحدهما للشُّرب؛ تحرى وتوضأ بالطَّهور عنده، وتيمم ليحصل له اليقين، ذكره في «الشرح» (^١).
(وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً)، قال في «المُغْني» و«الشرح»: (بغير خلاف نعلمُه؛ لأنَّه أمكنه أداء فرضِه بيقين من غير حرَج، فلزمه كما لو كانا طهورين، ولم يكفه أحدهما).
(وَإِنِ اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ) وهو يعلم عددَها؛ (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً)، يَنوِي بها الفرضَ احتياطًا؛ كمَن نسي صلاةً من يوم، ولم يجز التَّحرِّي مطلقًا، بخلاف القِبلة والأَوانِي.
وفرَّق أحمدُ بينهما: بأنَّ الماء يلصق بِبَدَنه فيَتَنَجَّس به، وأنه يباح صلاته (^٢) فيه عند العدم، بخلاف الماء النَّجس (^٣)، قال الأصحاب: ولأن القبلة يكثر الاشتباه فيها، والتفريط هنا حصل منه بخلافها، ولأن لها أدلة تدل عليها، بخلاف الثياب (^٤).
(وَزَادَ صَلَاةً)؛ لأنَّه صلَّى في ثوْبٍ طاهِر يقينًا.
_________________
(١) قوله: (فإن احتاج إلى أحدهما للشرب تحرى وتوضأ بالطهور عنده، وتيمم ليحصل له اليقين، ذكره في الشرح) سقطت من (أ).
(٢) في (ب) و(ز): طلبه.
(٣) قوله: (فيتنجس به، وأنه يباح طلبه فيه عند العدم، بخلاف الماء النَّجس) سقطت (أ) و(ز).
(٤) قوله: (ولأن القبلة يكثر الاشتباه فيها والتفريط هنا حصل منه بخلافها ولأن لها أدلة تدل عليها بخلاف الثياب) سقطت من (أ) و(ز). وزاد في (أ) و(ب) و(ز): (ولأنَّه ليس عليه [في (أ): على، وفي (ز): له] أمارة، ولا لها بدل يرجع إليه).
[ ١ / ٧٥ ]
وإن لم يَعلَم عدد النَّجِس؛ صلَّى حتَّى يتيقَّن أنَّه صلَّى في طاهر، صرَّح به الأصحاب.
فإن كثر ذلك وشقَّ صلاتُه في الكلِّ؛ فقال ابن عَقيل: يَتحرَّى في أصح (^١) الوجهين؛ دفعًا (^٢) للمشقَّة.
والثَّاني: لا يتحرى؛ لأنَّه يندر جدًّا.
وقيل: يصلِّي في واحد بلا تحرٍّ، وفي الإعادة وجهان.
ولا يصحُّ في ثياب مشتَبِهة مع وجود طاهِر يقينًا، وكذا حكم الأمكنة الضَّيِّقة، وأمَّا الواسعة فيصلِّي حيث شاء بلا تحرٍّ.
_________________
(١) قوله: (أصح) سقطت من (أ).
(٢) نهاية السقط من (و).
[ ١ / ٧٦ ]