(فَصْلٌ)
هو عبارة عن الحجْزِ بين شيئين، ومنه فصل الرَّبيع؛ لأنَّه يحجز بين الشِّتاء والصَّيف، وهو في كُتُب العلم كذلك؛ لأنَّه حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها.
(الْقِسْمُ الثَّانِي: مَاءٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ)؛ جعله وسَطًا؛ لسلْب إحدى الصِّفتين وبقاءِ الأخرى، وهو قسمان:
أحدهما: غيْرُ مطهِّر بالإجماع، (وَهُوَ مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ) يمكن أن يُصان الماء عنه، والمراد بالمخالطة هنا: المُمازَجة بحيث يُستهلَك جرم الطَّاهر في جرم الماء، ويتلاقى جميع أجزائهما.
والثَّاني: مختلَف في التَّطهير به، وسيأتي.
والأوَّل ثلاثة أنواع:
ما خالطَه طاهرٌ (فَغَيَّرَ اسْمَهُ)؛ بأن صار صِبْغًا أو خلًّا؛ لأنَّه أزال عنه اسمَ الماء.
(أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ) فصيَّره حِبْرًا؛ لأنَّ المخالِط إذا غلب على أجزاء الماء أزال معناه؛ لكونِه لا يُطلَب منه الإرواء.
(أَوْ طُبِخَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ) حتَّى صار مَرَقًا؛ كماء الباقِلَّاء المَغْلِيِّ؛ لأنَّه قد بَقي طبيخًا، وزال عنه مقصودُ الماء من الإرواءِ، أشبهَ ما لو صار حِبرًا.
وقد فُهم منه: أنَّ الماء إذا خالطه الطاهر ولم يغيِّره أنَّه باق على طَهوريَّته؛ لما روت أمُّ هانئ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ اغتسل هو وزوجتُه من قصعة فيها أثرُ العجين» رواه أحمد وغيره (^١).
_________________
(١) أخرجه النسائي (٢٤٠)، وابن ماجه (٣٧٨)، وابن خزيمة (٢٤٠)، وابن حبان (١٢٤٥)، من طريق مجاهد، عن أم هانئ ﵂. رجاله ثقات رجال الشيخين، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، ولكن اختلف في سماع مجاهد من أم هانئ ﵂، قال الترمذي: (سألت محمدًا قلت له: مجاهد سمع من أم هانئ؟ قال: روى عن أم هانئ، ولا أعرف له سماعًا منها)، وقال الذهبي: (لم يدرك مجاهد أم هانئ، وقيل: سمع منها، وذلك ممكن). ينظر: العلل الكبير (٥٤٥)، تاريخ الإسلام ١/ ٧٣٧.
[ ١ / ٤٢ ]
وقد أورد ابن المنجى: بأنَّ الطَّبخ إن اعتبر فيه تغيُّر الاِسم، أو غلبةُ الأجزاء؛ كان كالنَّوعين، فلا حاجة إلى ذكرِه، وإن لم يُعتبر فيه ذلك؛ دخل فيه ماء سُلق فيه بَيضٌ؛ فإنَّه يسمَّى طَبخًا (^١) بدليل اليمين، وطبخُ ما ذُكِر لا يسلُبه الطَّهوريَّة.
وأجاب: بأنَّ المراد به الطَّبخ المعتاد، وقوله: (طُبِخ فيه) لا عموم له.
تذنيب: حكم المياه المُعتصرَة من الطَّاهرات؛ كماء الوَرد، وما ينزِل من عُروق الأشجار، غيرُ مطهِّر؛ خلافًا لابنِ أبي ليلى (^٢) والأصم (^٣)؛ إذ الطَّهارة لا تجوز إلَّا بالماء المطلق.
وكذا النَّبيذ، نصَّ عليه (^٤)، وهو قول الجماهير، واختاره الطَّحاوي (^٥)، وصحَّحه قاضي خان (^٦).
_________________
(١) في (أ): طبيخًا، وفي (ب) و(و): فيه طبخًا.
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، قاضٍ، فقيه، من أصحاب الرأي، ولي القضاء والحكم بالكوفة لبني أمية، توفي سنة ١٤٨ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٣/ ١٨٤، الأعلام ٦/ ١٨٩.
(٣) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، فقيه، معتزلي، مفسر، توفي سنة ٢٠١، وقيل بعد ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٠٢؛ الأعلام ٣/ ٣٢٢.
(٤) ينظر: مسائل عبد الله ص ٧.
(٥) هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، أبو جعفر، نسبته إلى طحا قرية بصعيد مصر، ابن أخت المزني صاحب الشافعي، من أئمة الحنفية، من تصانيفه: أحكام القرآن، ومعاني الآثار، وشرح مشكل الآثار، وغيرها، توفي سنة ٣٢١ هـ. ينظر: الجواهر المضية ١/ ١٠٢، والأعلام للزركلي ١/ ١٩٦.
(٦) هو الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي، المشهور بقاضي خان، من كبار فقهاء الحنفية في المشرق، من مصنفاته: شرح الجامع الصغير، توفي سنة ٥٩٢ هـ. ينظر: الجواهر المضية ٢/ ٢٠٥.
[ ١ / ٤٣ ]
وقال عكرمة (^١) وه في المشهور عنه: يتوضَّأ به في السَّفر عند عدم الماء. وعنه: يجب الجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقاله محمَّد بن الحسن. وعنه: الجمع بينهما مستحب، ويجوز الاقتصار على النَّبيذ، وقاله إسحاق.
وقال هـ: يتوضَّأ به، ويُشتَرط فيه النِّيَّة، ولا يَتيمَّم، قال الرَّازي: وهي أشهر عنه، وقاله زُفَرُ.
قال في «المحيط»، و«المبسوط»، وقاضي خان: النَّبيذ المشتدُّ حرامٌ شربُه، فكيف يُتوضَّأ به؟ (^٢).
واحتجُّوا بما روى أبو فَزارَة (^٣)، واسمه راشد بن كَيسان، عن أبي زيد، عن ابن مسعود قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ ليلةَ الجنِّ، فقال: «أمَعَك ماءٌ؟» قلتُ: لا. قال: «ما في الإداوة؟» قلت: نبيذٌ. فقال: «تمرةٌ طيِّبةٌ وماء طهور» رواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة (^٤).
وجوابه: أنَّه مائع لا يقع عليه اسم الماء المطلق، أشبه نبيذ الزَّبيب، وحديث ابن مسعود لم يصحِّحه أحمد وأبو زرعة (^٥)، وقال الخلَّال: (كأنَّه
_________________
(١) هو أبو عبد الله مولى ابن عباس، روى عنه وعن عائشة وعلي ﵃، أحد أوعية العلم. ينظر: ميزان الاعتدال ٥/ ٥١٦، والوافي بالوفيات ٢٠/ ٢٩.
(٢) ينظر: الأصل للشيباني ١/ ٧٤.
(٣) في (أ) و(و): فزارة.
(٤) أخرجه أحمد (٣٨١٠)، وابن أبي شيبة (٢٦٣)، وأخرجه أبو داود (٨٤) والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤) وإسناده ضعيف، لجهالة أبي زيد، وضعَّف الحديث جماعة منهم: أبو زرعة، والبخاري، وابن عدي، وابن المنذر، وغيرهم كما سيذكر المصنف. ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٥٢٥.
(٥) ينظر: مسائل حرب بتحقيق فايز حابس ٣/ ١٢٧٤، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/ ٤٨٥.
[ ١ / ٤٤ ]
موضوع)، وقال جماعة: لم يكن ابن مسعود مع النَّبيِّ ﷺ ليلةَ الجنِّ (^١). وقال الطَّبراني: (أحاديث الوضوء بالنَّبيذ وُضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبيَّة) (^٢)، قال عبد الحق: (لا يصحُّ منها شيء)، وقال الطَّحاوي: (إنَّما ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى الوضوء بالنَّبيذ اعتمادًا على حديث ابن مسعود، ولا أصل له) (^٣).
ثم شرع في بيان القسم الثَّاني المختلف فيه، فقال: (فَإِنْ غَيَّرَ) أي: الطَّاهرُ، سواء كان: مَذْرُورًا كالزَّعفران والأُشْنان، أو حُبوبًا كالبَاقِلَّاء والحِمِّص؛ (أَحَدَ أَوْصَافِهِ) والمذهب: أو أكثرها، (لَوْنِهِ) - واختُلف في لون الماء على أقوال، وذهب جماعة: أنَّه لا لون له، ورُدَّ بقوله ﵇ عن ماء الحوض: «أشدُّ بياضًا من اللَّبنِ» (^٤) - (أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ)؛ فهو طاهر غير مطهِّر في رواية نصَّ عليها، اختارها الخِرَقِي (^٥)، وأبو بكر في «الشافي» (^٦)،
_________________
(١) منهم الإمام أحمد كما في مسائل حرب بتحقيق فايز حابس ٣/ ١٢٧٤، وسؤالات الأثرم ص ٤٣.
(٢) ينظر: التحقيق لابن الجوزي ١/ ٥٧.
(٣) ينظر معناه: شرح معاني الآثار ١/ ٩٥، وقد ذكر فيه أن أبا يوسف خالف أبا حنيفة، فقال: (وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵁، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يتوضأ بنبيذ التمر، ومن لم يجد غيره تيمم، ولا يتوضأ به. وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف).
(٤) أخرجه مسلم (٢٣٠٠)، والترمذي (٢٤٤٥)، من حديث ثوبان ﵁، وروي من حديث جماعة من الصحابة، وأحاديث الحوض من الأحاديث المتواترة.
(٥) قال في الروايتين والوجهين ١/ ٥٩: (ونقل الصاغاني كلامًا يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح). والخرقي: هو عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، شيخ الحنابلة في وقته، تفقه على والده الحسين المسمى بخليفة المروذي، له المختصر في الفقه، المعروف بمختصر الخرقي، توفي سنة ٣٣٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٧٥، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٦٣.
(٦) هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد البغدادي، المشهور بغلام الخلال، كان متسع الرواية مشهورًا بالديانة، من مصنفاته: تفسير القرآن، والشافي، والتنبيه في الفقه، وزاد المسافر، توفي سنة ٣٣٦ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩، المقصد الأرشد ٢/ ١٦٢.
[ ١ / ٤٥ ]
وأبو حفص في «المقنع» (^١)، والقاضي، وقال: هي المنصورة عند أصحابنا؛ لأنَّه تغيَّر بمخالطة طاهر يمكن صونُه عنه، أشبه ما لو تغيَّر بطبخ، ولأنَّه لو وكل في شراء ماءٍ لم يلزمه قبوله، والنُّصوص إنَّما وردت في الماء المطلق العاري عن القيود؛ بدليل صحَّةِ النَّفي، ولو حلف لا يشرب ماء فشرب ماء الزَّعفران؛ لم يحنث.
وكلامه دالٌّ على أنَّه لا فرق في التَّغَيُّر بين الأوصاف الثَّلاثة؛ لأنَّ الأصحاب سوَّوا بينهم؛ قياسًا لبعضها على بعض (^٢).
وفي أخرى: مُطهِّر، نقلها أبو الحارث والميموني، وذكر في «الكافي» أنَّها أكثر الرِّوايات عنه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وهو عامٌّ في كلِّ ماء؛ لأنَّه نكرة في سياق النَّفي، فلم يَجُز التَّيمُّم عند وجوده، ولأنَّه لم يسلبْه اسمَه ولا رِقَّته، أشبَه المتغيِّر بالدهن.
وفي ثالثة: طَهور مع عدَمٍ، قاله ابن أبي موسى (^٣).
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه إن لم يسلبه اسمَه فقد سلبه الإطلاق، والقياس على المتغيِّر بالدُّهن لا يصحُّ؛ لأنَّه تغيَّر عن مجاورة، وهذا تغيَّر عن مخالَطة.
_________________
(١) هو عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العكبري، يعرف بابن المسلم، معرفته بالمذهب المعرفة العالية، له التصانيف السائرة، مثل: المقنع، وشرح الخرقي، والخلاف بين أحمد ومالك، وغير ذلك من المصنفات، وكلها مفقود، كانت أكثر ملازمته لأبي عبد الله بن بطة، وصحب أبا إسحاق بن شاقْلا، توفي سنة ٣٨٧ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٣.
(٢) زاد في (أ) و(ب): (لكن الخِرَقِي شرط الكثرة في الرَّائحة دون غيرها، قال ابن حمدان: وهو أظهر؛ لسرعة سِرايتها ونُفوذها) وقد ضرب عليها في الأصل.
(٣) هو القاضي محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي، إليه انتهت رئاسة المذهب، صحب أبا الحسن التميمي من الأصحاب، له من المصنفات: الإرشاد إلى سبيل الرشاد، وشرح الخرقي، توفي سنة ٤٢٨ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٨٢.
[ ١ / ٤٦ ]
تنبيه: إذا غيَّر وصفين أو ثلاثة؛ فذكر القاضي روايتين:
إحداهما: مُطهِّر؛ لأنَّ الصَّحابة كانوا يسافرون، وغالبُ أسقيتهم الأَدَم، وهي تغيِّر أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيمَّمون معها.
والثَّانية: ليس بمطهِّر على الأشهر؛ لأنَّه غلب على الماء (^١)؛ أشبه ما لو زال اسمُه.
(أَوِ اسْتُعْمِلَ) وكان دون القلَّتين، جزم به في «المحرر» و«الوجيز»، (فِي رَفْعِ حَدَثٍ)؛ أيَّ حدث كان، فهو طاهِرٌ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صبَّ على جابر من وضوئه» رواه البخاري (^٢)؛ غير مُطَهِّر في رواية، وفي «الكافي»: إنَّها الأشهر، وذكره ابن شهابٍ (^٣) ظاهِرَ المذهب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «لا يَغتسلنَّ أحدُكم في الماء الدَّائم وهو جُنُبٌ»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة (^٤)، ولولا أنَّه يفيد منعًا لم ينهَ عنه، ولأنه أزال به مانعًا من الصَّلاة؛ أشبَهَ ما لو أزالَ به النَّجاسة، أو استُعملَ في عبادة على وجه الإتلاف؛ أشبه الرَّقبة في الكفَّارة.
وفي أخرى: مطهِّر، اختارها ابن عَقِيل (^٥) وأبو البقاء؛ لما روى ابنُ عبَّاس
_________________
(١) قوله: (الماء) سقطت من (أ).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، من حديث جابر ﵁.
(٣) هو الحسن بن شهاب بن الحسن بن شهاب، أبو علي العُكبري، لازم أبا عبد الله ابن بطة إلى حين وفاته، له مصنفات في الفقه، والفرائض، والآداب، توفي سنة (٤٢٨ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٨٦، المقصد الأرشد ١/ ٣٢٠.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، واتفقا عليه بذكر النهي عن البول، كما في البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢)، ولفظه لمسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه»، وللبخاري: «الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه».
(٥) هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي، الظفري، أبو الوفاء، أحد الأئمة الأعلام، تفقه على القاضي وغيره، وله الكثير من المصنفات، منها: الفنون، والفصول في الفقه، ويسمى كفاية المفتي، والمناظرات، والمفردات، وعمد الأدلة، والمنثور، والتذكرة، وغيرها، توفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٣، ذيل الطبقات ١/ ٣١٦.
[ ١ / ٤٧ ]
مرفوعًا: «الماء لا يَجْنُب» رواه أحمد وغيره، وصحَّحه التِّرمذي (^١)، لأنَّه ماء طاهر لاقى أعضاءً طاهرةً (^٢)؛ فلم يسلبْه الطَّهوريَّة، أشبَه ما لو تبرَّد به.
وفي ثالثة: نجِس، نصَّ عليه في ثوب المتطهِّر (^٣)؛ لأنَّه ﵇ «نهى عن الغُسل في الماءِ الدَّائِمِ»، «ونهى عن البول فيه»، ولا شكَّ أنَّ البول يُنَجِّسه، فكذا الغسل، ولأنَّه أزال مانعًا من الصَّلاة، أشبه إزالة النَّجاسة.
قال جماعة: وعليها يُعفى عمَّا قَطَر على يدي المتطهِّر وثوبه، ويستحبُّ غسله في رواية.
وفي أخرى: لا، صحَّحه (^٤) الأزَجِي والشَّيخ تقي الدِّين (^٥).
والأُولى أصحُّ؛ لأنَّ رفع الحدث لا يقاس على إزالة النَّجَس؛ لما بينهما من الفرق، وبأنَّه يكفي اشتراكهما في أصل المنع من التَّطهير به، ولا يلزم اشتراكهما في التَّنجيس، قاله في «الشرح».
وقال أبو الفَرَج (^٦): (ظاهر كلام الخِرَقِي أنَّه طَهور في إزالة الخبث)، وفيه نظرٌ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٠٢)، وأبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن خزيمة (٩١)، وابن حبان (١٢٤٨)، من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، واللفظ الذي ذكره المصنف لفظ أبي داود والترمذي، ولفظ أحمد: «إن الماء لا ينجسه شيء»، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة مضطربة، لكن روى عنه شعبة وذلك مما يقوي أمرها، قال ابن حجر: (وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم)، وللحديث شواهد تقويه. ينظر: البدر المنير ١/ ٣٩٥، الفتح ١/ ٣٠٠، الإرواء ١/ ٦٤.
(٢) في (أ): طاهر.
(٣) ينظر: الفروع ١/ ٧١.
(٤) في (أ): صححها.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٧١.
(٦) المراد به هنا: ابن أبي الفهم، وهو عبد القادر بن عبد القاهر بن عبد المنعم بن محمد بن حمد بن سلامة، ابن أبي الفهم، الحراني، أبو الفرج، شيخ حران ومفتيها، توفي سنة ٦٣٤ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ٣/ ٤٤١، المقصد الأرشد ٢/ ١٥٩.
[ ١ / ٤٨ ]
والمنفصلُ من غسل الميت - إذا قلنا بطهارتِه -؛ الرِّوايات، ويستثنى على الأولى غير غسل ذمِّيَّة لحيض ونفاس وجنابة، بالشَّرط السَّابق.
فإن كان قلَّتين، أو غسل رأسه بدلًا عن مسحِه؛ لم يسلبْه.
مسألة: إذا اشترى ماءً ليشربَه، فبان قد تُوُضِّئ به؛ فعَيْب؛ لأنَّه مستقذَر شرعًا، ذكره في «النوادر».
(أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ؛ كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ)، والإحرام، وسائر الأغسال المستحبَّة، فالمذهب: أنَّه طَهور، قدَّمه في «الكافِي» و«المحرر»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه في «النِّهاية»؛ لأنَّه لم يرفع حدثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا، أشبه التَّبرُّدَ.
والأخرى: غير مطهِّر، قدَّمها ابن تميم (^١)؛ لأنَّه استُعمل في طهارة شرعيَّة، أشبه ما لو رفَعَ به حدَثًا.
وظاهره: أنَّ الطَّهارة إذا لم تكن مشروعة؛ كالتَّبرُّد؛ لم تسلبه الطَّهوريَّة بغير خلاف نعلَمُه. قاله في «المغني» و«الشرح».
مسائل:
الأولى: المذهب يصير الماء مستعملًا بانتقالِه إلى عُضو آخرَ. وعنه: لا، قاله في «النهاية». وعنه: لا في الجنب. وعنه: يكفيهما مسح اللَّمعة بلا غَسل، ذكره ابن عقيل.
الثَّانية: أعضاء الحدث الأصغر ليست كعضو واحد. وعنه: بلى.
_________________
(١) هو محمد بن تميم الحرَّاني الحنبلي، أبو عبد الله، صاحب المختصر المشهور في الفقه، وصل فيه إلى كتاب الزكاة، تفقه على مجد الدين ابن تيمية، توفي وهو شاب سنة ٦٧٥ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ٤/ ١٣١، المقصد الأرشد ٢/ ٣٨٦.
[ ١ / ٤٩ ]
الثالثة: إذا انغمس جنُب (^١)، أو محدِثٌ، في قليلٍ (^٢) راكد بنيَّة رفع حدثِه، أو نواه بعد انغماسِه؛ لم يرتفع، وصار مستعمَلًا، نصَّ عليه (^٣).
قيل: بأوَّل جُزء لاقَى منه الماء؛ كمحلٍّ نجِس لاقاه، وذلك الجزء غير معلوم. قاله القاضي وغيره.
وقيل: بأوَّل جُزء انفصل؛ كالمتردِّد على المَحل.
ويتوجَّه على الخلاف: ما لو اغترفَ منه آخرُ، وتوضَّأ به قبل الانفصال.
وقيل: ليس مستعملًا.
وقيل: يرتفع.
(أَوْ غَمَسَ يَدَهُ) - وهي من رؤوس الأصابع إلى الكوع، وقيل: أو بعضها - (فِيهِ) أي: في الماء إذا كان دون قُلَّتين، ودلَّ على أنَّه لا أثَر لغمسِها في مائع طاهر، وهو كذلك في الأصحِّ، (قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يَسْلُبُهُ الطَّهورِيَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: يسلبه، اختاره أبو بكر والقاضي وكثير من الأصحاب؛ لقول رسول الله ﷺ: «إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِس يدَه في الإناء حتَّى يغسِلَها ثلاثًا؛ فإنَّه لا يدري أين باتت يدُه» متَّفق عليه من حديث أبي هريرة، ولفظه لمسلم (^٤)، وفي رواية: «فليغسل يديه»، ولأبي داود والتِّرمذي وصحَّحه: «من اللَّيل» (^٥).
_________________
(١) زاد في (ب): كله أو بعضه.
(٢) زاد في (ب): ماء.
(٣) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١٢.
(٤) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).
(٥) أخرجه أبو داود (١٠٣)، والترمذي (٢٤)، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، والرواية التي أشار إليها المصنف هي رواية البخاري.
[ ١ / ٥٠ ]
ومقتضى ذلك الوجوبُ، وعليها غَسْلُهما شَرطٌ لصحَّة الوضوء، قاله ابن عَبْدوس (^١).
وهل هو تعبُّد، فيجب إن شُدَّت يَدُه أو جُعلت في جِراب أو نحوه؟ أو معلَّل بوَهْم النَّجاسَة فلا يجب؟ فيه وجهان.
ويتعلَّق هذا الحكم بالنَّوم النَّاقض للوضوء، وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف اللَّيل؛ لأنَّه قبل ذلك لا يسمَّى بيتوتة، بدليل ما لو دفع قبل نصف اللَّيل فإنَّ عليه دمًا.
وينتقض بمن وافاها بعد نصف اللَّيل؛ فإنَّه لا دم عليه، مع كونه أقلَّ من نصفه.
واقتضى كلامه: أنَّ نوم النَّهار لا أثر له، قال في «الشرح»: روايةً واحدة؛ حملًا للمطلق على المقيَّد.
وعنه: بلى، وهو قول الحسن.
وظاهره: أنَّه يؤثِّر غمسُها فيه بعد غسلها مرَّة أو مرَّتين، وهو كذلك في قول الأكثر.
وقيل: يكفي غسلها مرَّة، فعلى هذا لا يؤثِّر غَمسها فيه بعد ذلك.
وفي وجوب النِّيَّة والتَّسمية لغسلهما (^٢) أوجه، ثالثها: تجب النِّيَّة فقط.
والمذهب: لا فرق في الغَمْس بعد نيَّة غسلهما أو قبلها.
وقال المَجْدُ: إنَّما يؤثِّر إذا كان بعد نيَّة الوضوء، وقبل غسلهما، وعليها
_________________
(١) هو محمد بن عبدوس بن كامل أبو أحمد السلمي السراج، روى عنه عبد الله البغوي وأبو بكر النجاد وغيرهما، مات سنة ٢٩٣ هـ. وهو ابن عبدوس المتقدم؛ كما في الإنصاف ١/ ٢٨٠، وليس هو علي بن عمر بن عبدوس المتأخر صاحب التذكرة، المتوفى سنة ٥٥٩ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣١٤، المقصد الأرشد ٢/ ٢٣٩.
(٢) في (أ): بغسلهما.
[ ١ / ٥١ ]
إذا لم يَجِدْ غيرَه؛ استعملَه وتيمَّم معه.
ويجوز استعماله في شُرب وغيره. وقيل: يكره. وقيل: يحرم، صحَّحه الأَزَجِي؛ للأمر بإراقته.
وظاهره: أنَّه إذا حصل في يده من غير غمس؛ أنَّه طَهور، وهو كذلك في رواية.
وعنه: كغمسه (^١).
وفمٌ أو رِجْلٌ كيَدٍ في قليلٍ بعد نيَّةِ غُسلٍ واجبٍ لا وضوءٍ.
وفي «الشرح»: أنَّه إذا كانتْ يدُه نجسةً والماء قليل، وليس معه ما يغترف به: فإن أمكنه أن يأخذ (^٢) بفيه ويصبَّ على يديه، أو يغمس خِرقَة أو غيرَها؛ فعَل؛ فإن لم يُمكنْه تيمَّم كي لا يُنجِّسَ الماءَ ويتنجس به (^٣).
ومقتضاه: أنَّه شامِلٌ للصغير والمجنون والكافر كضدِّهم، وهو وجه.
والثَّانية: لا يَسلُبه، اختارها الخِرَقِي والشَّيخان، وجزم بها في «الوجيز»، وذكر في «الشرح» أنَّه الصَّحيح؛ لأنَّه ماء لاقَى أعضاءً طاهرة، فكان على أصله.
ونهيُه ﵇ عن غمس اليد: إن كان لوهْم النَّجاسة؛ فهو لا يزيل الطَّهوريَّة، كما لا يزيل الطَّاهرية، وإن كان تعبُّدًا؛ اقتُصر على مورد النَّصِّ، وهو مشروعيَّة الغَسل، وحديث أبي هريرة محمول على الاستحباب.
وفي ثالثة: هو نجِس، اختارها الخلَّال (^٤)؛
_________________
(١) في (أ) و(و): بغمسه. والمثبت هو الموافق للفروع ١/ ٧٣.
(٢) في (ز): يأخذه.
(٣) قوله: (ويتنجس به) سقط من (أ) و(و). والمثبت موافق لما في الشرح الكبير ١/ ٧٥.
(٤) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون المعروف بالخلال، صحب أبا بكر المروذي إلى أن مات، قال الخطيب البغدادي: (وكان ممن صرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وطلبها وسافر لأجلها وكتبها عاليةً ونازلةً وصنفها كتبًا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع منه)، من تصانيفه: الجامع، والعلل، والسنة، وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٣/ ٢٣، المقصد الأرشد ١/ ١٦٦.
[ ١ / ٥٢ ]
لأنَّه مأمور بإراقته في خبرٍ (^١) رواه أبو حفص العُكْبَري (^٢).
وقد فصَّل بعضهم فقال: إن قلنا بوجوب غسلهما؛ فكمستعمل في رفع حدث، وإن سُنَّ غسلهما؛ فكمستعمل في طهارة مسنونة.
(وَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ (^٣) فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا)؛ فهو نَجِس بغيرِ خلاف؛ لأنَّه تغيَّر بالنَّجاسة.
(أَوْ قَبْلَ زَوَالِهَا)؛ يعني: إذا انفصل غيرَ متغيِّر مع بقاء النَّجاسة؛ كالمنفصل في السَّادِسة من وُلُوغ الكلب؛ (فَهُوَ نَجِسٌ)؛ لأنَّه مُلاقٍ لنجاسة لم يُطهِّرها، فكان نَجِسًا، أشبَه ما لو وردَت عليه والمحلُّ المنفصل عنه طاهر، صرَّح به الآمِدي (^٤)، وهو مقتضى كلام القاضي، وجزم في «الانتصار» بنجاسته، وهو ظاهر كلام الحُلْواني (^٥).
_________________
(١) في (ب) و(ز): الخبر.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ١٠٦)، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثم ليتوضأ، فإن غمس يده في الإناء من قبل أن يغسلها فليهرق ذلك الماء». قال ابن عدي: (وقوله في هذا المتن: «فليهرق ذلك الماء»؛ منكر لا يحفظ)، وجعل علته: المعلى بن الفضل، وله علل أخرى. ينظر: البدر المنير ١/ ٥٠٦، التلخيص الحبير ١/ ١٧٨.
(٣) زاد في (أ): أي: شرع في غسلها.
(٤) هو علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي، أبو الحسن، المعروف بالآمدي، ويعرف قديمًا بالبغدادي، من كبار تلاميذ القاضي أبي يعلى، له كتاب: عمدة الحاضر وكفاية المسافر، في أربع مجلدات، وهو مفقود، توفي سنة ٤٦٨ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ١/ ١١.
(٥) هو محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن المراق الحلواني، أبو الفتح، كان من فقهاء الحنابلة ببغداد، تفقه على: يعقوب البرزبيني، وأبي جعفر الشريف، له كتاب: كفاية المبتدي في الفقه، ومصنف آخر في الفقه أكبر منه، ومصنف في أصول الفقه، توفي سنة ٥٠٥ هـ. ينظر: الطبقات ٢/ ٢٥٧، ذيل الطبقات ١/ ٢٤٦.
[ ١ / ٥٣ ]
(وَإِنِ انْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا)، وهو معنى كلامه في «المحرر»، و«الوجيز»، ولم (^١) يَبْقَ للنجاسة أثر؛ (فَهُو طَاهِرٌ إِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا)، نصره في «الشرح»، وقدَّمه ابن تميم وابن حمدان؛ لما روى البخاري من حديث أبي هريرة: أنَّ أعرابيًّا بال في طائفة المسجد، فقام إليه النَّاس ليقعوا به، فقال النَّبيُّ ﷺ: «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء»، أمر بذلك لأجل التَّطهير، ولولا أنَّه يطهِّر؛ لكان تكثيرًا للنَّجاسة.
ويلزم منه طهارة المحلِّ، وقد صرَّح به في «المحرر» و«الوجيز»، وإن لم يَنفصِلِ الماءُ.
وعن أحمدَ: إن كانت النَّجاسةُ رطْبَةً والأرضُ صلبةً؛ فمنفصِلُه نَجِس.
وقيل: المنفصل عن الأرض كالمنفصل عن غيرها في الطَّهارة والنَّجاسة، وحكاه ابن البَنَّاء (^٢) روايةً.
فرع: إذا وقع خمرٌ على أرض، فذهب بالماء لونُه دون ريحه؛ عُفِي عنه في الأصحِّ.
وتطهُر أرض البئر اليابِسةُ ونحوها بنبع ماء طَهور كثيرٍ فيها.
(وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ؛ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)، قاله ابن تميم وغيره؛ لأنَّه انفصل عن محلٍّ محكوم بطهارته؛ كالمنفصل في السَّابعة من ولوغ الكلب، وهو معنى كلامِه في «الوجيز»: (وآخرُ غسلة زالت النَّجاسة بها)، ولأنَّه بعض المتَّصل، وهو طاهر بالإجماع، وشرطه الانفصال، وصرَّح به في «المحرر» بخلاف الأرض؛ لأنَّه إذا لم ينفصل؛ فعَينُ النَّجاسة قائمةٌ،
_________________
(١) في (ب): ولو لم.
(٢) هو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنَّاء البغدادي من تلاميذ القاضي أبي يعلى، من مصنفاته: شرح مختصر الخرقي، الكافي المحدد في شرح المجرد، نزهة الطالب في تجديد المذهب. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٣، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٨٠.
[ ١ / ٥٤ ]
ومقصودُ الغَسل زوالُها.
والثَّاني: نجِس، اختاره ابن حامد؛ لأنَّه ماء قليل لاقَى نجاسة، أشبه ما لو انفصل قبل زوالها، والبلَلُ الباقي إنَّما عُفي عنه للضَّرورة.
(وَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، مبنيَّان على المستعمل في رفع الحدث؛ لأنَّه أُزِيلت به نجاسة حكميَّة؛ لأنَّها زالت بما قَبلها من الغَسلات، أشبه الحدث؛ لاشتراكهما في المنع الشَّرعي.
(وَإِنْ خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ)؛ أي: الكاملةِ عن حدث (مِنْهُ) إذا كان قليلًا، جزم به في «الشرح» و«الوجيز»؛ لأنَّ النَّجاسة لا تؤثر في الماء الكثير (^١)، فهذا أَوْلى، وقيل: وبكثير، (امْرَأَةٌ)، مسلمةً كانت أو ذمِّيَّةً، وهو أحد الوجهين فيها إذا خلت به لغسلِها من الحيض؛ لأنَّه قد تعلَّق به إباحة وطئِها.
والثَّاني: لا يمنع (^٢)؛ لأنَّ طهارتها غير صحيحة، ومثله غسلها من النَّفاس والجنابة، وقيل: المميِّزة كذلك.
(فَهُوَ طَهُورٌ) بالأصل؛ لأنَّه يجوز لها أن تتطهَّر به، ولغيرها من النِّساء، أشبه الذي لم تَخْلُ به.
(وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)؛ لما روى الحَكَم بن عمْرٍو الغِفَاري قال: «نهى النَّبيُّ أن يَتوضَّأ الرَّجلُ بفضل طَهور المرأة» رواه الخمسة، إلَّا أنَّ النَّسائيَّ وابنَ ماجَه قالا: «وَضوء المرأة»، وحسَّنه التِّرمذي، وصحَّحه ابن حبَّان، واحتجَّ به أحمد في رواية الأثرم (^٣)، وخصصناه بالخلوة؛
_________________
(١) في (ز): الكبير.
(٢) في (أ) و(و) و(ز): تمنع.
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٦٥٥)، وأبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي (٣٤٣)، وابن ماجه (٣٧٣)، وابن حبان (١٢٦٠)، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، ومال إلى عدم صحته أحمد، والبخاري، والخطابي، وأُعلَّ بالوقف أيضًا. ينظر: العلل الكبير للترمذي (٣٢)، معالم السنن للخطابي ١/ ٤٢، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ١/ ٣٩. وأما احتجاج أحمد به: فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله مرة أخرى: فضل وضوء المرأة؟ قال: (إذا خلت به فلا يتوضأ منه؛ إنما النبي ﷺ رخص أن يتوضآ معًا جميعًا)، وذكر حديث الحكم بن عمرو، وقال: هو يرجع إلى أنه إذا خلت به إلى الكراهية. ينظر: سنن الأثرم ص ٢٥٠.
[ ١ / ٥٥ ]
لقول (^١) عبد الله بن سَرْجِس (^٢): «توضَّأ أنتَ ههنا، وهي ههنا، فإذا خَلَتْ به فلا تَقْرَبَنَّه (^٣)» رواه الأثرم (^٤).
ثمَّ في معنى الخلوة روايتان:
إحداهما: انفرادها به عن مشاركة رجل؛ لقول عائشة ﵁: «كنت أغتسل أنَا والنَّبيُّ ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه، من الجنابة» متفق عليه (^٥).
والثَّانية - وهي الأصحُّ -: إلَّا يشاهدها أحد عند طهارتها.
فعلى هذا؛ هل تزول بمشاهدة المرأة والصَّبيِّ والكافر؟ على وجهين:
أحدهما: تزول؛ كخلوة النِّكاح، اختاره الشَّريف أبو جعفر (^٦).
والثَّاني: لا تزول إلَّا بمشاهدة مسلم مكلَّف، اختاره القاضي.
_________________
(١) في (ب) زيادة: النبي ﷺ.
(٢) كتب على هامش الأصل: عبد الله بن سرجس المزني صحابي بالبصرة، عنه قتادة وعاصم الأحول.
(٣) في (أ): تقربه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق، (٣٨٥)، وأبو عبيد في الطهور (١٩٤)، والدارقطني (٤١٨)، وصححه، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه موقوفًا، ونقل الميموني عن أحمد أنه قال: (صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به). ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٩٧، فتح الباري ١/ ٣٠٠.
(٥) أخرجه البخاري (٢٥٠) ومسلم (٣١٩).
(٦) هو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد الشريف، ينتهي نسبه إلى العباس بن عبد المطلب ﵁، برع في المذهب، ودرس وأفتى وصنف، من مصنفاته: رؤوس المسائل، وشرح المذهب، وصل فيه إلى أثناء الصلاة، توفي سنة ٤٧٠ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٧، ذيل الطبقات ١/ ٢٩.
[ ١ / ٥٦ ]
والثَّانية: تجوز، وهي اختيار ابن عقيل، قال في «الشرح»: وهو (^١) أقيس؛ لما روى ابن عبَّاس أنَّ امرأة من نساء النَّبيِّ ﷺ استحمَّت من جنابة، فجاء النَّبيُّ ﷺ يتوضَّأ من فضلها، فقالت: يا رسول الله، إنِّي اغتسلت منه، فقال: «الماء لا يَجنُب» رواه أحمدُ وأبو داود، والتِّرمذيُّ وصحَّحه (^٢).
وهو ظاهر في الخلوة؛ لأنَّ العادة أنَّ الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال، وكاستعمالهما معًا، وكإزالته به نجاسةً، وكامرأة أخرى، وكتطهيرها بما خلا به، في الأصحِّ فيهنَّ، ونقله الجماعة في الأخيرة، وذكره القاضي وغيره ع (^٣).
وفي ثالثة: يجوز مع الكراهة، ومعناه اختيار الآجُرِّي (^٤).
وهذا كلُّه على رواية الطَّهوريَّة، وقيل: أو الطَّاهرية، وهو الذي في «المستوعِب».
واقتضى كلامه: أنَّ الخلوة به للشُّرب أو التَّبريد أو التَّنظيف من (^٥) وسخ لا أثر له، وهذا هو الأصحُّ.
وإن كان لغسل بعض أعضائها عن حدث، أو في طهر مستحبٍّ، أو طهارة خبث؛ أثَّرت؛ قياسًا على الوضوء.
والثَّاني: لا؛ لأنَّ الطَّهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة.
_________________
(١) في (أ) و(ب): وهي.
(٢) تقدم تخريجه ١/ ٤٨ حاشية (١).
(٣) ينظر: الدر المختار ١/ ١٣٣، بداية المجتهد ١/ ٣٧، تحفة المحتاج ١/ ٧٧، المغني ١/ ١٥٧.
(٤) هو أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري، الفقيه، المحدث، الحافظ، والآجري: نسبة إلى درب الآجر محلة ببغداد، من مصنفاته: الأربعين حديثًا، النصيحة، توفي سنة ٣٦٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ١٣٣، المقصد الأرشد ٢/ ٣٨٩.
(٥) في (أ) و(و): في.
[ ١ / ٥٧ ]
فرع: الخنثى هنا كرجل، ذكره ابن تميم، وقدَّمه في «الفروع». وعند ابن عقيل: كامرأة.
قال ابن حمدان: هل تُلحق الصبيةُ بالمرأة، والصَّبيُّ بالرَّجل؟ على وجهين.
وفيما تيمَّمت به خلوةً؛ احتمالان.
تذنيب: إذا اغترف بيده من القليل بعد نيَّة غسله؛ صار مُستعملًا، نقله واختاره الأكثر.
وعنه: لا، اختاره جماعة؛ لصرف النِّيَّة بقصد استعماله خارجه، قال في «الفروع»: وهو أظهر.
وقيل: اغتراف متوضِّئ بعد غسل وجهه لم ينو غسلها فيه؛ كجُنب. والمذهب: طَهور؛ لمشقَّة تكرُّره.
فإن وقع في طَهور مُستعمل؛ عُفي عن يسيره، فإن كثُر الواقِعُ وتَفاحَش؛ مَنع في رواية.
وقال المجد: الحكم للأكثر قَدْرًا. وقال ابن عقيل: إن كان الواقع بحيث لو كان خَلًّا غيَّره؛ مَنع.
ونصُّه فيمن انتضح من (^١) وضوئه في إنائه: لا بأس (^٢).
وإن كان معه ماء لا يكفيه لطهارته، فكمَّله بمائع آخر لم يغيِّرْه؛ جاز الوضوء به في رواية، ورجَّحها في «الشرح»؛ لأنَّ المائع قد استُهلك.
وإن بلغ بعد خلطه قُلَّتين، أو كانا مُستعملين؛ فطاهر. وقيل: طَهور.
_________________
(١) قوله: (من) سقطت من (أ) و(و) و(ز).
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣١٧، وذكرها في الانتصار ١/ ١٩٨ من رواية صالح وحنبل.
[ ١ / ٥٨ ]