(السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ)، هذا ظاهر «المذهب»، وجزم به مُعظَم الأصحاب؛ لما روى أبو سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامةِ أقرؤهم» رواه أحمدُ ومسلمٌ (^١)، وعن أبي مسعودٍ (^٢): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله، فإن (^٣) كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءً فأقْدَمُهم هِجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقْدَمُهم سِنًّا - وفي لفظٍ: سلمًا -، ولا يؤمَّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في سلطانِهِ، ولا يَقعُد في بيته على تَكرمتِهِ إلاَّ بإذنِهِ» رواه مسلمٌ (^٤)، قال الطَّبري (^٥): لمَّا استخلَف ﵇ أبا بكرٍ بعد قوله: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم»؛ صحَّ أنَّ أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنَّهم لم يكونوا يتعلَّمون شيئًا من القرآن حتَّى يتعلَّموا معانيَه وما يراد به، كما قال ابن مسعود: «كان الرَّجل منَّا إذا علم عشر آيات لم يتجاوزهنَّ حتَّى يعلم (^٦) معانيَهنَّ، والعملَ بهنَّ» (^٧).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١١٩٠)، ومسلم (٦٧٢).
(٢) في (ز): سعيد.
(٣) في (أ): وإن.
(٤) أخرجه مسلم (٦٧٣).
(٥) لم نجده في كتب الطبري المطبوعة، وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥٨) من قول أبي الحسن الأشعري.
(٦) في (ب) و(د): يتعلم.
(٧) أخرجه الطبري (١/ ٨٠)، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، وإسناده صحيح كما قال الشيخ أحمد شاكر. وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥٠)، والحاكم (٢٠٤٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٢٨٩)، من طريق شَريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، وشَريكٌ النخعي ضعيف، وقد خالفه سفيان عند الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥١)، وحماد بن زيد عند ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٧٢)، وجرير بن عبد الحميد عند الطبري (١/ ٨٠)، أن أبا عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا. ولم يقل: (ابن مسعود)، وهو المحفوظ.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
لكنْ أجاب أحمد عن حديث أبي بكر في تقديمه مع تقدُّم قوله: «أقرؤكم أُبَيٌّ» (^١): أراد به الخلافة (^٢).
ومراده بالأَقرَأ: أجودُه؛ كما جزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقوله ﵇: «من قرأ القرآنَ فأعربَهُ؛ فله بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومن قرأه (^٣) ولحنَ فيه؛ فله بكلِّ حرفٍ حسنةٌ» رواه التِّرمذيُّ، وقال: صحيحٌ حسَنٌ (^٤)، ولأنَّه أعظمُ في الأجر.
وقيل: يقدَّم الأكثرُ قُرآنًا؛ لقوله ﵇: «ليؤمَّكم أكثرُكُم قُرآنًا» (^٥). وعليهما (^٦): إذا عرف واجب الصَّلاة، وما يحتاجه فيها، وقيل: وسجود
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣٩٩٠)، والترمذي (٣٧٩١)، وابن ماجه (١٥٤)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه الضياء المقدسي في المختارة (٢٢٤٠). ينظر: السلسلة الصحيحة (١٢٢٤).
(٢) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٢٠٣.
(٣) في (أ): قرأ.
(٤) اللفظ الذي أخرجه الترمذي (٢٩١٠)، هو قوله: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»، وأما لفظ المصنف؛ فأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٥٧٤)، وفي سنده نهشل بن سعيد القرشي يرويه عن الضحاك بن مزاحم، وهو متروك، وقال بعض الأئمة: (روى عن الضحاك الموضوعات)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ٢٣٩)، بلفظ آخر وهو: «من قرأ القرآن فأعربه؛ كان له بكل حرفٍ أربعون حسنة، ومن أعرب بعضًا ولحن في بعضٍ؛ كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن لم يعرب منه شيئًا؛ فإن له بكل حرفٍ عشر حسنات»، وفيه نوح بن أبي مريم قال الذهبي: (فقيه واسع العلم، تركوه). ينظر: الكاشف للذهبي ٢/ ٣٢٧، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٧٩، السلسلة الضعيفة (٢٣٤٨).
(٥) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، من حديث عمرو بن سلمة ﵁.
(٦) قوله: (وعليهما) سقط من (د) و(ز) و(و)، وهو في (أ): وعليها.
[ ٢ / ٤٦١ ]
السَّهو، وقيل: وجاهل يأتي بها عادةً، والمنصوص خلافه (^١).
وعنه: يُقدَّم الأَفْقه عليه، اختاره ابن عَقِيل، إذا كان يَقرَأ ما يكفي في الصَّلاة؛ لأنَّه قد ينوبُه في الصَّلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلاَّ بالفقه، فقُدِّم كالإمامة الكبرى والحُكم.
(ثُمَّ أَفْقَهُهُمْ)؛ للخبر السَّابق، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أفقه أو أقرأ؛ قُدِّم، فإن كانا قارئين؛ قُدِّم أجودُهما قراءةً، أو أكثرهما (^٢).
ويقدَّم قارئٌ لا يعرف أحكامَ الصلاة (^٣) على فقيه أُمِّيٍّ، فإن اجتمع فقيهان أحدُهما أعلمُ بأحكام الصَّلاة؛ قُدِّم؛ لأنَّ علمه يُؤثِّر في تكميل الصَّلاة.
(ثُمَّ أَسَنُّهُمْ)، اختاره الخِرَقيُّ، وذكره (^٤) السَّامَرِّيُّ، وصحَّحه في «المذهب»، وفي «الرِّعاية»: أنَّه أشهر، وجزم به في «الوجيز»؛ لقوله ﵇ لِمالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ: «إذا حضرَتِ الصَّلاةُ؛ فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم» متَّفقٌ عليه (^٥)، ولأنَّه أقربُ إلى الخشوع وإجابةِ الدُّعاء.
(ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً)؛ للخبر، ومعناه: أن يكون أحدُهما أسبقَ هِجرةً من دار الحرب إلى دار الإسلام، قيل: بنفسه، وقيل: بآبائه، وقيل: بكلٍّ منهما؛ لأنَّه قُربةٌ وطاعةٌ؛ فقُدِّم به، وسَبْقُ الإسلام كالهجرة، قاله في «الشَّرح» و«الفروع».
(ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ)؛ لقوله ﵇: «الأئمَّةُ من قريشٍ» (^٦)، وقال: «قَدِّموا قريشًا،
_________________
(١) ينظر: مسائل صالح ٢/ ١١٨، مسائل عبدالله ص ١١٠.
(٢) في (أ): وأكثرهما.
(٣) في (أ): صلاته.
(٤) في (أ): وذكر.
(٥) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤).
(٦) حديث مشهور عن جماعة من الصحابة، منها ما أخرجه أحمد (١٢٣٠٧)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩) والبيهقي (٥٢٩٨)، من حديث أنس ﵁، وإسناده صحيح. ومنها حديث أبي برزة الأسلمي، أخرجه أحمد (١٩٧٧٧) وقال ابن حجر: (وإسناده حسن)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٥٢١)، والحاكم (٦٩٦٢)، والبيهقي (١٦٥٤٠)، من حديث علي ﵁، قال ابن كثير: (إسناده جيد)، واختلف عليه في وقفه ورفعه، ورجح الدارقطني وقفه، وعند البخاري (٣٥٠١)، ومسلم (١٨٢٠) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي في الناس اثنان». ينظر: علل الدارقطني ٢/ ١٩٨، تحفة الطالب لابن كثير (١٣٦)، التلخيص الحبير ٤/ ١١٦، الإرواء ٢/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
ولا تَقدَّموها» (^١)، والشَّرف (^٢) يكون بعلوِّ النَّسب، ذكره في «المغني» و«الشَّرح»، فعليه تُقدَّم بنو هاشم ثمَّ قريشٌ.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ (^٣): يُقدَّم الأقدمُ هِجرةً، ثمَّ الأسنُّ، ثمَّ الأشرَفُ، وقدَّمه في «المحرَّر».
وقال الخِرَقيُّ: يُقدَّم الأسنُّ، ثمَّ الأَشرَفُ، ثمَّ الأقدمُ هِجرةً، وقدَّمه في «الفروع».
وقال ابن حامد: الأشرف ثمَّ الأقدم هجرةً ثمَّ الأسنُّ، عكس ما في المتن.
(ثُمَّ الْأَتْقَى)، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه أقربُ إلى الإجابة، وقد ورد: «إذا أمَّ الرَّجلُ القومَ، وفيهم من هو خَيرٌ منه؛ لم يزالوا في سَفالٍ» (^٤)، ذكره
_________________
(١) أخرجه الشافعي (ص ٢٧٨)، من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب بلاغًا، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥٢٩٧)، عن الزهري، عن سليمان بن أبي حثمة، قال البيهقي: (هذا مرسل، وروي موصولًا، وليس بالقوي)، وله شواهد عن جماعة من الصحابة لا تخلو من مقال، وصححه الألباني. ينظر: البدر المنير ٤/ ٤٦٦، الإرواء ٢/ ٢٩٥.
(٢) في (أ): والشريف.
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ٥.
(٤) كتب على هامش (د): (السفال: نقيض العلو). والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٥٨٢)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٥٥، وابن عدي في الكامل ٣/ ٢٧٠، من حديث علي ﵁، وفي سنده الهيثم بن عقاب، قال العقيلي: (كوفي مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الإمامُ أحمدُ في رسالته (^١).
وقال جماعةٌ: ثمَّ الأتقى والأوْرع.
وقيل: يقدَّمان على الأشرف، وذكره في «الشَّرح» احتمالًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجرَات: ١٣]، ولأنَّ شرف الدِّين خيرٌ من شرَف الدُّنيا.
(ثُمَّ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ)، ذكره في «المذهب» و«التَّلخيص»، وجزم به في «الوجيز»؛ وهو روايةٌ؛ لأنَّ سعد بن أبي وقَّاص أقرعَ بين النَّاس في الأذان يومَ القادسية (^٢)، فالإمامةُ أَوْلى، ولأنَّهم تساوَوْا في الاِستِحقاق، وتعذَّر الجمعُ، فأُقرع بينهم كسائر الحقوق.
ثمَّ اختيار الجماعة في روايةٍ.
وقيل: يقدَّم القائمُ بعِمَارة المسجد، وجزم به في «الفصول».
فإن اختلف الجماعةُ؛ عُمِل بالأكثر، فإن استوَوْا؛ قيل: يُقرَع، وقيل: يختار السُّلطان الأَوْلى، وقيل: يقدَّم بحُسْن الخُلق وه م (^٣)، وقيل: والخِلْقة، وفاقًا لمالك (^٤) وزاد: وبحُسْن اللِّباس، وهذا كلُّه على سبيل الاستحباب بغير خلاف علمناه.
(وَصَاحِبُ الْبَيْتِ) بشرطه (^٥)، (وَإِمَامُ المَسْجِدُ؛ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ)، من الكلِّ بغير خلاف نعلمه (^٦)؛ لما رُوي أنَّ ابن عمر أتى أرضًا له وعندها مسجد
_________________
(١) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٥٩.
(٢) سبق تخريجه ١/ ٤٧٠ حاشية (٥).
(٣) قوله: (وه م) سقط من (أ) و(ب) و(و) و(ز). ينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٣٤، القوانين الفقهية ١/ ٤٨.
(٤) ينظر: القوانين الفقهية ١/ ٤٨، أسهل المدارك ١/ ٢٤٦.
(٥) في (أ): بشرط.
(٦) ينظر: المغني ٢/ ١٥٠.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
يصلِّي فيه مولًى له، فصلَّى ابن عمر معهم، فسألوه أن يؤمَّهم فأبى، وقال: «صاحب المسجد أحقُّ» (^١)، ولأنَّ في تقديم غيره افتِياتًا وكَسْرًا لقلْبِه (^٢).
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يكون أَوْلى مع التَّساوي.
والأوَّلُ أَولى.
ويُستحَبُّ تقديمُهما للأفضل (^٣) منهما.
ويُستثنى من الأولى: أنَّ السَّيِّد يقدَّم على عبده في بيت العبد؛ لفعل الصَّحابة، رواه صالِحٌ (^٤)، ولعموم ولايته.
(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ)، فهو أولى في المنصوص (^٥)؛ «لأنَّه ﵇ أَمَّ عِتْبانَ بنَ مالِكٍ وأَنَسًا في بيوتهما» (^٦)، ولأنَّ له ولايةً عامَّةً، وكذا
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣٨٥٠)، والشافعي في الأم (١/ ١٨٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥٣٢٥)، وإسناده صحيح، قال النووي في المجموع ٤/ ٢٨٤: بإسناد حسن أو صحيح.
(٢) في (و): لغيره.
(٣) في (د): لأفضل.
(٤) لم نقف عليه، ولعل المؤلف وهم في نقله، فالذي في المغني ٢/ ١٥١ والشرح الكبير ٤/ ٣٤٨: (ولو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى؛ لأنه المالك على الحقيقة، وولايته على العبد، وإن لم يكن سيده معهم فالعبد أولى؛ لأنه صاحب البيت)، ثم استدلوا بفعل الصحابة الذي خرَّجه صالح في مسائله. أخرجه صالح في مسائله (٩٢٤)، وعبد الرزاق (٣٨٢٢)، وابن أبي شيبة (٦١٠٤)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٢٣)، عن أبي سعيد مولى بني أُسَيد قال: تزوجت وأنا مملوك، فدعوت أصحاب النبي ﷺ أبا ذرٍّ وابن مسعود وحذيفة، فحضرت الصلاة، فتقدَّم حذيفة ليصلي بنا، فقال له أبو ذر أو غيره: «ليس ذلك لك»، فقدَّموني وأنا مملوك فأممتهم. وإسناده صحيح إلى أبي سعيد، وقد وثَّقه ابن حبان والهيثمي. ينظر: الثقات لابن حبان ٥/ ٥٨٨، مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٩.
(٥) ينظر: الأحكام السلطانية ص ٣٧.
(٦) حديث عتبان ﵁: أخرجه البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣)، وحديث أنس ﵁ أخرجه البخاري (٨٧١).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
الوالي مِنْ قِبَله، زاد في «الكافي»: ونائبهما.
واقتضى ذلك: أنَّ السلطان مقدَّمٌ على خليفته.
وذكر أبو الخطَّاب وجهًا: أنَّهما يقدَّمان عليه؛ لعموم قوله ﵇: «مَنْ زارَ قَومًا فلا يَؤمّهم» (^١)، ولأنَّ ولايةَ صاحبِ البيتِ والمسجد خاصَّة، وإمامة السلطان عامَّة، ولذلك لا يتصرَّف السلطان إلاَّ بالغبطة؛ كالوكيل، بخلاف المالك، فافترقا.
وقال ابن حامِدٍ: صاحِبُ البيت وحده أحقُّ بها، وهو أَولى.
فرع: مُعيرٌ ومستأجِرٌ أَولى في الأصح (^٢) من مستعيرٍ ومؤجِرٍ، وفي «الوجيز»: وساكن (^٣) البيت أحقُّ، ومقتضاه: أنَّ المستعيرَ مقدَّمٌ على المالك، وفيه نَظَر على المذهب.
(وَالحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ)، ذكره الأصحاب؛ لأنَّه أكملُ في أحكامه وأشرفُ، ويَصلُح إمامًا في الجمعة والعيد، ولو مبعَّض.
وعنه: العبدُ أَوْلى إن كان أفضلَ أو أَدْينَ؛ لما ذكرناه (^٤).
واقتضى ذلك: صحَّةَ إمامته في قول الجمهور؛ «لأنَّ عائشة كان يؤمُّها
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٥٣٢)، وأبو داود (٥٩٦)، والترمذي (٣٥٦)، وابن خزيمة (١٥٢٠)، وفي إسناده أبو عطية مولى بني عقيل، قال عنه أبو حاتم: (لا يعرف ولا يسمى)، وقال ابن المديني: (لا يعرفونه)، وقال ابن القطان: (مجهول)، قال ابن حجر: (وصحَّح ابنُ خزيمة حديثه)، وجعل ابن حجر تصحيح ابن خزيمة لحديثه تقوية لحاله، ولذا قال عنه في التقريب: (مقبول)، وللحديث شاهد صحيح من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه الألباني. ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ١٧٠، صحيح أبي داود ٣/ ١٤٨.
(٢) في (أ): الصَّحيح.
(٣) في (و): وصاحب.
(٤) في (ب) و(ز): ذكرنا.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
غلامٌ لها» (^١)، وفيه شَيءٌ، ولعموم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم» (^٢)، «وصلَّى ابنُ مسعود وحذيفةُ وأبو ذرٍّ وراءَ أبي سعيدٍ مولى أبي أسيد وهو عبدٌ» رواه صالح في مسائله (^٣)، ولأنَّه من أهل الأذان، فصحَّ أن يكون إمامًا كالحرِّ.
فعلى هذا: لا يُكرَه، جزم به غير واحد.
(وَالحَاضِرُ أَوْلَى مِنَ المُسَافِرِ)، ذكره معظم الأصحاب؛ لأنَّه إذا أمَّ حصَّل جميع الصَّلاة في جماعةٍ بخلافه.
وقال القاضي: إن كان إمامًا فهو أحقُّ، جزم به ابن تميم؛ لأنَّه ﵇ كان يصلِّي بهم عام الفتح، ويقول لأهل البلد: «صَلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ» رواه أبو داود (^٤).
فعلى هذا: يُتمُّها المقيمُ بعد السَّلام كمسبوق، فإن أتمَّ المسافر؛ فروايتا متنفِّلٍ بمفترِضٍ.
وقال ابن عَقِيلٍ: ليس بجيِّد؛ لأنَّه الأصل، فليس بمتنفِّلٍ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٢١٦)، وابن أبي داود في المصاحف (ص ٤٥٦)، عن القاسم، قال: «كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف»، وعلقه البخاري بصيغة الجزم (١/ ١٤٠)، وقال الحافظ في التغليق ٢/ ٢٩١: (وهو أثر صحيح).
(٢) أخرجه مسلم (٦٧٣).
(٣) / ٤٦٥ حاشية (٤).
(٤) أخرجه أحمد (١٩٨٧١)، وأبو داود (١٢٢٩)، والترمذي (٥٤٥)، وابن خزيمة (١٦٤٣)، والبيهقي (٥٤٨٤)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، قال ابن حجر: (وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف)، وقال في التلخيص: (وإنما حسَّن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عُرِف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق). ينظر: الفتح ٢/ ٥٦٣، التلخيص الحبير ٢/ ١١٥، ضعيف سنن أبي داود ٢/ ٣٤.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وصحَّح في «الشَّرح»: الصِّحَّةَ؛ لأنَّ المسافرَ إذا نوى الإتمامَ لزمه، فيصير المجموعُ فرضًا، فعلى هذا؛ لا تُكره (^١) إمامتُه بمسافِرٍ؛ كعكسه.
وفي «الفصول»: إن نوى المسافِرُ القصرَ؛ احتمل ألا يجزئه؛ وهو أصحُّ؛ لوقوع الأخيرتَين منه بلا نيَّةٍ، ولأنَّ المأموم إذا لزمه حكم المتابعة؛ لزمه نيَّة (^٢) المتابعة كنيَّة (^٣) الجمعة، واحتمل أن يجزئه؛ لأنَّ الائتمام لزمه حكمًا.
(وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنَ الْأَعْمَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، ذكره غيرُ واحدٍ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع» (^٤)؛ لأنه أقدرُ على تَوقِّي النَّجاساتِ، واستقبالِ القِبلة باجتهاده.
والثَّاني: يقدَّم الأعمى؛ وهو روايةٌ؛ لأنَّه أخشع؛ لكونه لا يشتغِل في الصَّلاة بما يُلهيهِ.
وعنه (^٥): هما سواءٌ، وقاله القاضي؛ لأنَّ الخشوع مع توقِّي النَّجاسة يتقابلان (^٦)، فيتساويان.
قال المؤلف: (والأَوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّ البصير لو غمَّض عينَيه كُرِه له ذلك، ولو كان فضيلةً لكان مستحَبًّا؛ لأنَّه يحصِّل بتغميضه ما يحصِّله الأعمى).
فإن كان الأعمى أصمَّ؛ ففي صحَّة إمامته وجهان (^٧).
وظاهره: أنَّها لا تكره (^٨) إمامتُه؛ «لأنَّه ﵇ استخلَف ابنَ أمِّ مكتومٍ على
_________________
(١) في (و): يكره.
(٢) في (أ) و(و) و(ز): نيَّته.
(٣) في (و): كغير.
(٤) قوله: (وقدمه في الفروع) سقط من (و).
(٥) في (و): وعنده.
(٦) في (د) و(و): متقابلان.
(٧) كتب على هامش (و): (المذهب الصحَّة).
(٨) في (أ): تكره.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
المدينة، فصلَّى بهم وهو أعمى» رواه أحمد وغيره من حديث أنس (^١).
تنبيه: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لإمامة البَدَوِيِّ، والأصحُّ: أنَّها لا تُكرَه إمامتُه، ويُقدَّم الحَضَرِيُّ عليه.
وقال جماعةٌ: ويقدَّم حَسَن الخُلق، وقيل: الخِلقة على غيره (^٢).
وتُكرَه (^٣) إمامةُ من يُصرَعُ، نَصَّ عليه (^٤).
قال جماعةٌ: ومن يُضحِك (^٥) صوتُه أو رؤيتُه، وقيل: والأمْرد.
وفي «المذهب» وغيره: وإمامةُ من اختُلِف في صحَّة إمامته.
قال في «الفروع»: (فيؤخذ منه: يُكره إمامةُ المُوسوِس؛ وهو متَّجه؛ لئلاَّ يَقتدِيَ به عامِّيٌّ، وظاهر كلامهم: لا).
قال في «المذهب»: والمتوضِّئُ أَوْلى من المتَيمِّم.
(وَهَلْ تَصِحُّ إِمَامَةُ الْفَاسِقِ وَالْأَقْلَفِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
إحداهما: لا تصحُّ إمامةُ الفاسق مطلقًا، قاله أكثر الأصحاب، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «الفروع»، وذكر ابن هُبَيرةَ أنَّها الأشهَر، قال ابنُ الزَّاغُونيِّ: وهي اختيار المشايخ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣٠٠٠)، وأبو داود (٥٩٥)، وفي سنده عمران بن دَاوَر القطان أبو العوام، قال ابن معين في رواية: (ليس بشيء)، وضعفه النسائي، قال أحمد: (صالح الحديث)، واستشهد به البخاري في الصحيح، قال ابن حجر: (صدوق يهم)، وحسن إسناده الضياء المقدسي، وأخرجه ابن حبان (٢١٣٤)، من حديث عائشة ﵂، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄، قال ابن حجر: (إسناده حسن)، وصححه بشواهده الألباني. ينظر: المختارة ٧/ ٩١، التلخيص الحبير ٢/ ٩١، تهذيب التهذيب ٨/ ١٣١، الإرواء ٢/ ٣١١.
(٢) قوله: (وقال جماعة: ويقدم حسن الخلق وقيل: الخلقة على غيره) سقط من (و).
(٣) في (و): ويكره.
(٤) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٩٤.
(٥) في (أ) و(د) و(ز): تضحك.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السَّجدَة: ١٨]، ولما (^١) روى ابن ماجَه عن جابِرٍ مرفوعًا: «لا تَؤُمَّنَّ (^٢) امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيٌّ مهاجِرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا، إلاَّ أن يقهرَهُ بسلطانٍ يخافُ سوطَهُ وسيفَهُ (^٣)» (^٤)، وعن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اجعلوا أئمَّتَكم خياركم؛ فإنَّهم وفدُكم بَيْنَكم وبين ربِّكم»، قال البَيهَقيُّ: (إسنادُه ضعيفٌ) (^٥)، ولأنَّه لا يُقبل إخباره لمعنًى في دينه أشبه الكافرَ، ولا يُؤمَن (^٦) على شرائط الصَّلاة.
ولا فرق بين أن يكون فِسقُه من جهة الاعتقاد أو من جهة الأفعال، فمتى (^٧) كان يُعلن ببدعته، ويتكلَّم بها، ويناظر عليها؛ لم يصحَّ.
قال أحمدُ: لا يُصلَّى خلْفَ أحَدٍ من أهل الأهواء إذا كان داعيةً (^٨)، أي:
_________________
(١) في (ز): لما.
(٢) في (أ) و(د) و(و) و(ز): يؤمن.
(٣) في (د) و(و): سيفه وسوطه.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٥٤)، وهو حديث ضعيف جدًّا في سنده الوليد بن بكير أبو خباب، قال أبو حاتم: (شيخ)، وقال الدارقطني: (متروك)، وفيه: عبد الله بن محمد العدوي، قال البخاري وأبو حاتم والدارقطني: (منكر الحديث)، ورماه وكيعٌ بالوضع، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث واهي الإسناد). ينظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٥ - ١٩٦، تهذيب التهذيب ١١/ ١٣٢، الإرواء ٣/ ٥٠.
(٥) أخرجه الدارقطني (١٨٨١)، والبيهقي (٥١٣٣)، وفي سنده عمر بن عبد الرحمن المدائني، قال ابن عدي: (منكر الحديث)، وفيه سلام بن سليمان الثقفي وهو ضعيف كما في التقريب، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٧٧)، والدارقطني (١٨٨٢)، والحاكم (٤٩٨١)، من حديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وفيه سنده ضعيفان وهما عبدالله بن موسى التيمي ويحيى بن يعلى الأسلمي، قال الدارقطني: (إسناد غير ثابت). ينظر: السلسلة الضعيفة (١٨٢٢)، (١٨٢٣).
(٦) في (ز): يؤتمن.
(٧) في (د) و(و): فمن.
(٨) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٦٢، المغني ٢/ ١٣٧.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
يظهرها، ويدعو إليها (^١)، وعليه حمل المؤلِّفُ كلامَ الخِرَقيِّ.
ومن صلَّى خلْف من يُعلن ببدعته أو بسُكْرٍ؛ أعاد، فيكون موافِقًا لما اختاره الشَّيخان من أنَّ البطلانَ مختصٌّ بظاهِر الفِسقِ دون خَفِيِّه.
قال في «الوجيز»: لا يَصِحُّ خلْفَ الفاسق المشهورِ فِسقُه، لكنْ ظاهِرُ كلامه - وهو المذهبُ - مُطلقًا.
فعلى هذا: تَصِحُّ (^٢) خلْف عدل استنابه، ولا إعادة في المنصوص، وقيل: إن كان المستنيب وحده عدلًا فوجهان، صحَّحه أحمد، وخالف القاضي وغيره.
وظاهر كلامهم: لا يؤمُّ فاسقٌ فاسقًا، وقاله القاضي وغيره، بخلاف الأمِّيِّ؛ لأنَّه لا يمكنه رفْعُ ما عليه من النَّقص، والفِسقُ يزول بالتَّوبة.
ويعيد في المنصوص إذا علم فسقه (^٣).
ودخل في كلامه: الجمعةُ، والمذهبُ: أنَّها تصلَّى خلْفَه؛ لأنَّها تختصُّ بإمامٍ واحدٍ، فالمنع منها خلفه يؤدي إلى تفويتها دون سائر الصَّلوات.
نعم، لو أقيمت في موضِعَين في أحدهما عدْلٌ؛ فعلها وراءه.
ونقل ابنُ الحكم: أنَّه كان يصلِّي الجمعة ثمَّ يصلِّي الظهر أربعًا (^٤)، وذكر غير واحد الإعادة ظاهر المذهب كغيرها، وصحَّحه ابن عقيل.
وعنه: لا إعادة، قال في «الرِّعاية»: هي الأشهر؛ لأنَّها صلاةٌ مأمورٌ بها كغيرها (^٥).
_________________
(١) في (أ): لها.
(٢) في (و): يصح.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٤، زاد المسافر ٢/ ١٩٢.
(٤) ينظر: الانتصار ٢/ ٤٧٥.
(٥) قوله: (وعنه: لا إعادة، قال في الرعاية: هي الأشهر لأنَّها صلاة مأمور بها كغيرها) سقط من (و).
[ ٢ / ٤٧١ ]
وكذا إن خاف فتنةً أو أذًى؛ صلَّى خلْفه وأعاد، نَصَّ عليه (^١).
فإن نوى الانفرادَ ووافقه في أفعالها؛ لم يُعِد على الأصحِّ.
وألحق المؤلِّفُ وصاحبُ «التَّلخيص» العيدَ بالجمعة.
والثَّانية: تصحُّ مع الكراهة، ذكر الشَّريف أنَّها قولُ أكثرهم، روى ابنُ مسعودٍ وواثِلةُ وأبو الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ هذا بأسانيدَ ضعيفةٍ رواها الدَّارَقُطْنيُّ (^٢)، وعن مكحولٍ عن أبي هريرة: «الصَّلاةُ واجبةٌ عليكم خلْف كلِّ مسلمٍ برًّا كان أو فاجِرًا» رواه أبو داود والدَّارَقُطْنيُّ، وقال: (مكحولٌ لم يلقَ أبا هريرةَ، ومَن (^٣) دونَه ثِقاتٌ)، وضعَّف في «التَّحقيق» إسنادَه (^٤)، وعن
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ١٤٢.
(٢) حديث ابن مسعود: أخرجه الدارقطني (١٧٦٩)، ولفظه: «والصلاة على كل ميت من أهل التوحيد وإن كان قاتل نفسه»، قال الدارقطني: (فيه عمر بن صبح متروك). وحديث واثلة: أخرجه الدارقطني (١٧٦٦)، ولفظه: «لا تُكفِّروا أهل قبلتكم وإن عملوا الكبائر، وصلوا مع كل إمام، وجاهدوا مع كل أمير، وصلوا على كل ميت»، وفيه الحارث بن نبهان وهو متروك. وحديث أبي الدرداء: أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٩٠)، والدارقطني (١٧٦٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٤٢٦، ولفظه: «وصلوا خلف كل إمام، وجاهدوا»، قال الدارقطني: (ولا يثبت إسناده، من بين عباد وأبي الدرداء ضعفاء)، وذكر العقيلي والدارقطني والبيهقي وغيرهم أنه ليس في هذا الباب شيء ثابت، وأن جميع الطرق ضعيفة، قال البيهقي: (وأصحها حديث مكحول عن أبي هريرة). ينظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٠، البدر المنير ٤/ ٤٥٥، الدراية لابن حجر ١/ ١٦٩.
(٣) في (و): وفي.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٩٤)، والدارقطني (١٧٦٨)، والبيهقي (٦٨٣٢) من طريق مكحول عن أبي هريرة، ومكحول لم يلق أبا هريرة، وأنكر أحمد هذا الحديث، وقال الحاكم: (حديث منكر)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٣١٠) والدارقطني (١٧٥٩) من طريق هشام بن عروة عن أبي صالح عنه، وفيه راو متروك. ينظر: التحقيق لابن الجوزي ١/ ٤٧٨، فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٨٨، الإرواء ٢/ ٣٠٤، ضعيف سنن أبي داود ١/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
ابن عمر مرفوعًا: «صَلُّوا على مَنْ قال: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وصَلُّوا خلف (^١) من قال: لا إلهَ إلاَّ اللهُ» رواه الخلاَّل والدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ (^٢)، وكما تَصحُّ مع فسق المأموم.
وعنه: في نفل، جزم به جماعة، وذكره بعضهم روايةً واحدةً.
وأمَّا إمامة (^٣) الأَقْلَف؛ فعنه: تصحُّ مع الكراهة، ذكره في «المحرَّر»، وقدَّمه ابنُ تميمٍ وصاحب «الفروع»، وجزم به في (^٤) «الوجيز»؛ لأنَّه إن أمكنه غسلُ النَّجاسة غَسَلها، وإلاَّ عُفيَ عن إزالتها؛ لعدَم الإمكان.
والثَّانية: لا تصحُّ؛ لأنَّه حامِلٌ لنجاسة (^٥) ظاهرةٍ يمكنه إزالتُها.
وهل ذلك لترك الخِتان الواجب، أو لعجزه عن غسل النَّجاسة؟ فيه وجهان.
وقيل: إن كثرت إمامتُه لم تَصحَّ.
وعلى المنع: تصحُّ إمامته بمثله، قاله جماعةٌ، زاد ابن تميمٍ: (إن لم يَجب الختانُ).
وقيل: يصحُّ في التراويح إذا لم يكن قارِئٌ غيره.
فروع:
الأول: تصحُّ خلف من خالَف في فرع، نَصَّ عليه (^٦)؛ لفعل الصَّحابة
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(و) و(ز): على.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣٦٢٢)، والدارقطني (١٧٦١)، وهو حديث ضعيف جدًّا، له طرق عن ابن عمر ﵄ كلها شديدة الضعف، لا تخلو من متهم بالوضع أو متروك. ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٩٦، الإرواء ٢/ ٣٠٥.
(٣) قوله: (وأما إمامة) هي في (ب) و(ز) و(و): وإمامة.
(٤) في (ز): صاحب.
(٥) في (و): نجاسة.
(٦) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٢١١، مسائل أبي داود ص ١٧.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
والتَّابعين مع شدَّة الخلاف، ما لم يَعلم أنَّهم تركوا ركنًا أو شرطًا.
وذكر ابن أبي موسى في الصَّلاة خلْف شارِب نبيذ معتقِدًا (^١) حلَّه روايتين.
وذكر أنَّه لا يُصلى (^٢) خلْف من يقول: الماءُ من الماء، أو يُجيزُ ربا الفضل.
الثَّاني: إذا ترك ركنًا أو شرطًا عند المأموم؛ فعنه: يعيد المأموم، اختاره جمع، وقدَّمه في «المستوعب» و«المحرَّر»؛ لاعتقاده فسادَ صلاة إمامه، كما لو اعتقد مُجمعًا عليه فبان خلافُه.
وعنه: لا يُعيد، اختاره المؤلِّفُ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٣)؛ كالإمام، وكعِلْم المأموم لمَّا سلَّم في الأصحِّ.
الثَّالث: إذا ترك الإمام عمدًا ما يَعتقِدُه وحدَه واجبًا؛ بطلت صلاتُهما. وقال السَّامَرِّيُّ: تَفسُد صلاةُ المأموم إن علِم في الصَّلاة بحال الإمام.
الرَّابع: إذا ترك رُكنًا أو شرطًا أو واجبًا مختلَفًا فيه بلا تأويلٍ ولا تقليدٍ؛ أعاد، ذكره الآجري إجماعًا؛ كتركه فرضَه، ولهذا أمر ﵇ الذي ترك الطُّمأنينة بالإعادة.
وعنه: لا؛ لخفاء الطُّرق. وعنه: إن طال.
الخامس: إذا فعل ما يعتقد تحريمه في غير الصَّلاة من المختلَف فيه، فإن داوم على ذلك فسق، وإن لم يداوم؛ فذكر المؤلِّفُ: أنَّه لا بأس بالصَّلاة خلفه؛ لأنَّه من الصَّغائر، وذكر السَّامَرِّيُّ أنَّه يُفسَّق.
قال ابن عَقِيلٍ: لو شرب النَّبيذَ عامِّيٌّ بلا تقليدٍ لعالِم؛ فَسَق، وهو معنى
_________________
(١) في (أ) و(و) و(ز): يعتقد.
(٢) في (أ): لا يَصحُّ.
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ٣٤، الاختيارات ص ١٠٧.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
كلام القاضي بناءً على ما صرَّح به جماعةٌ: أنَّه (^١) لا يجوز أن يُقدِم على (^٢) فعلٍ لا (^٣) يعلم جوازَه، ويَفسُق إن (^٤) كان ممَّا يُفسَّق به.
(وَفِي إِمَامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ) أو أحدهما (وَجْهَانِ)، وقيل: روايتان، حكاهما الآمِديُّ:
أحدهما: يصحُّ، اختاره القاضي، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بركنٍ في الصَّلاة؛ كقطع الأنف.
والثَّاني: لا، اختاره أبو بكر؛ لإخلاله (^٥) بالسُّجود على عُضْوٍ.
وقيل: إن كثرت إمامته.
وحُكمُ أقطعِ الرِّجلين أو أحدِهما كذلك.
واختار في «المغني» و«الشَّرح»: أنها لا تَصِحُّ إمامتُه؛ لأنَّه عاجز عن القيام أشبه الزَّمِن.
وعلى المنع: تصحُّ إمامتُه بمثله، ذكره في «الكافي».
وجزم ابن عقيل: بأنَّها تكره إمامة من قُطِع أنفُه.
(وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ) وِفاقًا (^٦)؛ لأنَّها تَفتقِرُ إلى النِّيَّة والوضوء، وهما لا يَصحَّان منه، ولأنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس هو من أهل الصَّلاة، أشبه ما لو ائْتَمَّ بمَجْنونٍ.
وسواءٌ علِم بكفره في الصَّلاة، أو بعد الفراغ منها؛ لأنَّ الكفرَ لا يَخفَى غالبًا، فالجاهلُ به مفرِّط.
_________________
(١) في (أ): لأنه.
(٢) في (د): حل.
(٣) في (و): ولا.
(٤) في (أ): إذا.
(٥) في (ز): لا إخلاله.
(٦) ينظر: تبيين الحقائق ١/ ١٣٤، الذخيرة ٢/ ٢٣٧، الحاوي ٢/ ٣٢٨، المغني ٢/ ١٤٦.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وقيل: يَصِحُّ إن كان يُسِرُّه، وعلى هذا: لا إعادةَ على مَنْ صلَّى خلْفه وهو لا يعلم، كما لو ائْتَمَّ بمُحدِثٍ وهو لا يَعلَم.
وجوابُه: بأنَّ المُحدِث يُشتَرَط ألا يَعلَمَ حدَث نفسِه، والكافرُ يَعلَمُ حالَ نفسِه.
تنبيه: إذا علِمَه مُسلمًا فصلَّى خلْفه، فقال بعد الصَّلاة: هو كافِرٌ؛ لم تَبطُلْ؛ لأنَّها كانت محكومًا بصحَّتها؛ وهو ممَّن لا يُقبَل قولُه.
وإن قال بعد سلامه: هو كافرٌ، وإنَّما صلى (^١) تهزِّيًا؛ فنصه: يعيد المأموم (^٢)، كمن ظن كفره أو حدثه فبان خلافه.
وقيل: لا، كمن جهل حاله؛ لأن الظاهر من المصلين الإسلام، سيما (^٣) إذا كان إمامًا.
وإن علم له حالان، أو إفاقة وجنون لم يدر في أيهما ائتم، وأمَّ فيهما؛ ففي الإعادة أوجه، ثالثها (^٤): إن علم قبل الصلاة إسلامه، وشكَّ في ردَّته؛ لم يُعِد، وإلاَّ أعاد، ذكره في «الشَّرح».
(وَلَا أَخْرَسَ)؛ لأنَّه أخلَّ بفرض الصَّلاة؛ كالمضطجع يؤمُّ القائم.
وظاهره: أنَّها لا تصحُّ ولو بمثله، نص عليه (^٥)، وقاله أكثر الأصحاب؛ لأنه مأيوس من نطقه.
وفي «الأحكام السلطانية»، و«الكافي»: أنها تصحُّ (^٦)، قال في «الشَّرح»: هو قياس المذهب؛ قياسًا على الأمِّيِّ والعاجِزِ عن القيام يؤمُّ مِثلَه.
_________________
(١) سقطت من (ز) و(و).
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ٢٧.
(٣) في: (أ) و(ز): لاسيما.
(٤) قوله: (وإن علم له حالان) إلى هنا سقط من (أ).
(٥) ينظر: زاد المسافر ٢/ ١٩٤.
(٦) قوله: (ولو بمثله، نص عليه) إلى هنا سقط من (أ).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
(وَلَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ)؛ لأنَّ في صلاته خلَلًا غير مجبور (^١) ببدَل؛ لكونه يصلِّي مع خروج النَّجاسة التي يحصل بها الحدَث من غير طهارةٍ، أشْبه ما لو ائْتَمَّ بمُحدِثٍ يعلم بحدثه، وإنَّما صحَّت صلاته في نفسه؛ للضَّرورة.
ولو عبَّر ب (من حدَثُه مستمِرٌّ) ك «الوجيز» و«الفروع»؛ لكان أَوْلى.
وتصحُّ إمامتُه بمثله، ذكره في «الشَّرح»، وفي «الفروع» وجهان.
مسألة: لا يَصِحُّ ائْتِمامُ المتطهِّر بعادِم الطَّهورَين، ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه؛ لأنَّه تاركٌ لشرطٍ يقدر عليه المأموم، أشبه ائْتِمامَ المُعافَى بمن حدَثُه مُستمِرٌّ.
(وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ)؛ أي: لا تَصِحُّ إمامةُ عاجِزٍ عن رُكنٍ أو شرط بالقادر عليه، ذكره في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأنَّه أخلَّ بركنٍ لا يَسقُط في النَّافلة، فلم يَجُزْ؛ كالقارئ بالأُمِّيِّ.
وقيل: يجوز، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٢)؛ كالقاعد يؤمُّ القائمَ.
وعلى الأوَّل: لا (^٣) فرق فيه بين إمام الحيِّ وغَيرِه.
وقاس أبو الخطَّاب المنعَ على صلاة الجنازة والمربوط، وأمَّا القيام فهو أخفُّ، بدليل سقوطه في النَّافلة.
قال في «الشَّرح»: (أمر النَّبيُّ ﷺ المصلِّين خلْفَ الجالِسِ بالجُلوسِ (^٤)، ولا خلاف أنَّ المصلِّيَ خلْف المضطجع لا يضطجع).
وتصحُّ إمامتُهم بمثلهم، جزم به في «الفروع»، وفي «الشَّرح»: أنَّه قياسُ
_________________
(١) في (أ) و(و) و(ز): محتَرِزٍ.
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ٢٩.
(٣) في (أ) و(و) و(ز): ولا.
(٤) في قوله ﷺ: «وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون»، أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
المذهب؛ لأنَّه ﵇ صلَّى بأصحابه في المطر بالإيماء (^١).
(وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ)؛ لأنَّه عجَز عن ركنٍ من أركان الصَّلاة، فلم يَصحَّ الاقتداءُ به؛ كالعاجز عن القراءة.
(إِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ)، وهو الإمامُ الرَّاتبُ في المسجد؛ لما في المُتَّفَقِ عليه من حديث عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في بَيْته وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم أن اجلسوا، فلمَّا انصرفَ قال: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به» إلى قوله: «وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» (^٢)، قال ابن عبد البَرِّ: (رُوي هذا مرفوعًا من طُرُقٍ متواترةٍ) (^٣)، ولأنَّ إمامَ الحيِّ يُحتاج إلى تقديمه، بخلاف غيره، والقيام أخفُّ بدليل سقوطه في النَّفل.
(المَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ)؛ لئلاَّ يُفْضِي إلى ترك القيام على الدَّوام، أو مخالفة الخبر، ولا حاجة إليه، والأصل فيه فعله ﵇، وكان يُرجَى برؤه.
وعنه: يصحُّ مع غيرِ إمام الحيِّ، وإن لم يُرجَ زوالُه.
(وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوسًا)؛ لما تقدَّم، قال في «الخلاف»: هذا اسْتِحسانٌ، والقياسُ: لا تصحُّ؛ لأنَّه ﵇ صلَّى في مرض موته قاعدًا، وصلَّى أبو بَكرٍ والنَّاسُ خلْفَه قِيامًا، متَّفقٌ عليه من حديث عائشةَ (^٤).
وأجاب أحمدُ عنه (^٥): بأنَّه لا حجَّةَ فيه؛ لأنَّ أبا بكر ابتدأ بهم قائمًا، فيُتمُّها كذلك، والجمع أَولى من النَّسخ، ثمَّ يَحتمل أنَّ أبا بكر كان هو الإمام.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧٥٧٣)، والترمذي (٤١١)، والبيهقي (٢٢٢٤)، قال الترمذي: (حديث غريب)، وضعفه البيهقي والألباني. ينظر الإرواء ٢/ ٣٤٧.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة ﵂.
(٣) التمهيد لابن عبد البر ٦/ ١٣٨.
(٤) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٥، مسائل صالح ٣/ ٢٣٩.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قال ابن المنذِر: وقد رُوي عن عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في مرضه خلف أبي بكر في ثوبٍ متوشِّحًا به» ورواه أنسٌ أيضًا، وصحَّحهما التِّرمذيُّ، قال: ولا يُعرف (^١) أنَّه ﵇ صلَّى خلْفَ أبي بكر إلاَّ في هذا الحديث، قال مالك: العمل عليه عندنا (^٢).
لا يقال: لو كان هو الإمام؛ لكان عن يسار النَّبيِّ ﷺ، وفي الصَّحيح: «أنَّه كان عن يسار أبي بكر»؛ لأنَّه يحتمل أنَّه فعل ذلك لأنَّ خلفه صفٌّ، وفعل مثل قولنا أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وجابِرٌ، وقيسُ بنُ قهد (^٣)، وأبو هريرة (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ز): ولا نعرف.
(٢) حديث عائشة ﵂ أخرجه أحمد (٢٥٢٥٧)، والترمذي (٣٦٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٦٤٨)، وابن حبان (٢١١٩)، وإسناده صحيح، قال الترمذي: (حسن صحيح غريب). وحديث أنس ﵁ أخرجه أحمد (١٢٦١٧)، والترمذي (٣٦٣)، والنسائي (٧٨٥)، والبزار (٦٨٣٨)، وابن حبان (٢١٢٥)، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، قال ابن رجب: (وصححه العقيلي وغير واحد). ينظر: فتح الباري ٦/ ٨٠.
(٣) في (أ) و(ب) و(د): فهد. والصواب المثبت كما في الإصابة لابن حجر ٥/ ٣٧٦: (بالقاف).
(٤) قال الإمام أحمد كما ذكر ابن رجب في الفتح ٦/ ١٥٤: (فعله أربعة من الصحابة: أسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر، وأبو هريرة)، وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ١٧٥: (والأسانيد عنهم بذلك صحيحة). أثر أسيد بن حضير ﵁: أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦٠٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٤٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٣١٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٣٩)، عن بشير بن يسار: أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمره أن يتقدم فيصلي بهم، قال: «فإني لا أستطيع أن أصلي قائمًا؛ فاقعدوا»، قال: فصلى بهم قاعدًا وهم قعود. قال ابن رجب في الفتح ٦/ ١٥٤: (وهذا إسناد صحيح). وأثر جابر بن عبد الله ﵄: أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ١٦١)، وابن أبي شيبة (٧١٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٤/ ٣١٤)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٤٣)، والبيهقي في المعرفة (٥٧١٥)، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: «أنهم خرجوا يشيعونه وهو مريض، فصلى جالسًا، فصلوا خلفه جلوسًا»، وإسناده صحيح. وأثر قيس بن قهد ﵁: أخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٤)، وابن أبي شيبة (٧١٤٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٤٢)، عن قيس بن أبي حازم قال: أخبرني قيس بن قهد أن إمامًا لهم اشتكى، قال: «فصلينا بصلاته جلوسًا»، وإسناده صحيح. وأثر أبي هريرة ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٧١٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٤٤)، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: «الإمام أمير، فإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا»، وإسناده صحيح. وكتب على هامش (و): (وبه قال الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: لا تصحُّ صلاة القادر على القيام خلف القاعد، وهو قول محمَّد بن الحسن، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يصلون خلفه قيامًا؛ لما روت عائشة: «أن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر، ثم وجد في نفسه خفة، فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد» متفق عليه).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
لكنِ المستحبُّ له أن يَستخلِف؛ لأنَّ النَّاس مختلِفون في صحَّة إمامته، مع أنَّ صلاة القائم أكمل، وكمالُها مطلوبٌ.
(فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا؛ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو المشهور، وصحَّحه في «التَّلخيص» و«الفروع»، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لأنَّ «النَّبيَّ ﷺ حين صلَّى وراءه القومُ قيامًا لم يأمرهم بالإعادة» (^١)، ولأنَّ القيامَ هو الأصلُ، وقد أتَوا به.
والثَّاني: لا يَصِحُّ، أوْمأَ إليه أحمدُ (^٢)؛ للنَّهي عنه.
وقيل: لا تصحُّ صلاة من علِم وجوبَ الجلوس دون مَنْ جهِله؛ كالرَّاكع دونَ الصَّف.
فرع: إذا قدَر المقيَّدُ والمريضُ على الإتيان بجميع الأركان؛ فلا بأسَ بإمامتهما.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة ﵂.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٥، مسائل صالح ٣/ ٢٣٩.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
(وَإِنِ ابْتَدَأَ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ)؛ أي: حصل له عِلَّةٌ (فَجَلَسَ؛ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا)؛ لقِصَّة أبي بكر، ولأنَّ القيام هو الأصل، فإذا بدأ به في الصَّلاة؛ لزمه في جميعها إذا قدَر عليه، كمن أحرم في الحضر ثمَّ سافر، قاله في «الشَّرح».
وظاهِرُه: أنَّه لا يجوز الجلوسُ، نَصَّ عليه (^١)، وذكر الحُلْوانيُّ: ولو لم (^٢) يكن إمامَ الحيِّ.
(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ المَرْأَةِ وَالخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا الْخَنَاثَى (^٣)، لا يَصحُّ أن يَأْتمَّ رجلٌ بامرأةٌ في الصَّحيح من المذهب؛ وهو قول عامَّتهم، قال البَيهَقيُّ: (وعليه الفقهاءُ السَّبعةُ والتَّابعون فمَن بعدهم) (^٤)؛ لما روى ابن ماجَهْ عن جابِرٍ مرفوعًا: «لا تَؤُمَّنَّ (^٥) امرأةٌ رجلًا» (^٦)، ولأنَّها لا تُؤذِّن (^٧) للرِّجال، فلم يجز أن تَؤُمَّهم كالمجنون.
وكذا لا تَصِحُّ إمامتُها (^٨) بالخُنثى؛ لاحتمال أن يكون رجلًا.
وظاهِرهُ: لا فرْق بين الفرض والنَّفل على الصَّحيح، وأنَّه (^٩) لو صلَّى خلْفها وهو لا يعلم؛ لا يصحُّ، وعليه الإعادة، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه.
وعنه: تَصِحُّ (^١٠) في النَّفل.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ٣٤.
(٢) قوله: (ولو لم) هو في (أ): ولم.
(٣) في (أ): للخناثى.
(٤) ينظر: السنن الكبرى ٣/ ١٢٨.
(٥) في (أ): يؤمن.
(٦) سبق تخريجه ٢/ ٤٧٠ حاشية (٤).
(٧) في (و): يؤذن.
(٨) في (د) و(و): لا يصح إمامته.
(٩) في (د): ولأنَّه.
(١٠) في (و): يصح.
[ ٢ / ٤٨١ ]
وعنه: في التَّراويح، قدَّمه في «التَّلخيص»، وجزم به ابنُ هُبَيرةَ.
وخصَّ بعضُ أصحابنا الجواز: بذوي الرَّحم، وبعضُهم: بكونها عجوزًا، وبعضُهم: بأن تكون أقرأَ من الرِّجال (^١).
وعلى الصحَّة: تَقِفُ خلْفَهم، ويَقتدون بها في جميع أفعال الصَّلاة؛ لأنَّ أمَّ ورقةَ قالت: يا رسول الله إنِّي أحفظ القرآنَ، وإنَّ أهل بيتي لا يَحفَظونه، فقال: «قدِّمي الرِّجالَ أمامَك، وقُومي فصلِّي من ورائهم» ذكره صاحب «النِّهاية» (^٢)، ولأنَّه (^٣) أسترُ.
وقيل: لا بدَّ أن يتقدَّمهم أحدُهم، وفيه بُعْد.
وعنه: يَقتدون بها في القراءة، وتقتدي بهم في غيرها، فيَنوِي الإمامةَ أحدُهم.
واختار الأكثرُ الصِّحَّةَ في الجملة؛ لخبر (^٤) أمِّ ورقة العامِّ؛ وهو ما رواه أبو داود: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَذِن لها أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها، وجعل لها مؤذِّنًا»، فظاهِرُه الصِّحَّةُ مطلقًا، والخاصِّ؛ وهو ما رواه الدَّارَقُطْنيُّ: «أنَّه أَذِن لها أن تَؤُمَّ نساءَ أهلِ دارِها» (^٥).
_________________
(١) في (ب) و(ز): الرجل.
(٢) في (و): التلخيص. والحديث أخرجه أبو بكر المرُّوذي كما في التعليقة للقاضي (٢/ ٤٣٧)، بإسناده عن أبي خلاد الأنصاري قال: سألتْ أم ورقة ﵂ رسولَ الله ﷺ، ثم ذكره. ولم نقف عليه.
(٣) في (د) و(و): ولأنَّها.
(٤) في (أ) و(ز): لخبري، في (د): بخبر.
(٥) أخرجه أحمد (٢٧٢٨٣)، من طريق الوليد بن جميع، قال: حدثتني جدتي، عن أم ورقة، وفيه جهالة جدة الوليد، وأخرجه أبو داود (٥٩١)، (٥٩٢)، وابن خزيمة (١٦٧٦)، والدارقطني (١٠٨٤)، وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، قال ابن حجر: (مجهول الحال)، ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
قال (^١) في «الشَّرح»: (هذه زيادةٌ يَجب قبولُها)، لكنْ إن صحَّ فيحمل على النَّفل؛ جمعًا بينه وبين النَّهي.
وأمَّا الخُنثى؛ فلا تَصِحُّ إمامتُه للرَّجل (^٢)؛ لاحتمال أن يكون امرأةً، ولا بخُنثى مثلِه؛ لجواز أن يكون الإمامُ امرأةً والمأمومُ رجلًا.
وقيل: اقتداءُ خنثى بمثلِه، وإن قلنا: لا يَؤمُّ خُنثى نساءً، وفيه نَظرٌ.
وظاهره: صحَّة إمامة المرأة بالنِّساء، وسيأتي، وكذا إمامة الخنثى بهنَّ؛ لأنَّ غايته أن يكون امرأةً، وإمامتها بهنَّ صحيحة، وإذا أمَّها وقفت خلفه.
وقال ابن عَقِيلٍ: إذا أمَّ الخنثى قام وسَطهنَّ.
وقيل: لا تَصحُّ (^٣) صلاتُه في جماعةٍ، وذكره القاضي عن أبي حفصٍ البَرْمَكِيِّ.
(وَلَا إِمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغٍ (^٤) في فرض، نَصَّ عليه (^٥)، واختاره أكثر الأصحاب، ورواه الأثرم عن ابنِ مسعودٍ (^٦) وابنِ عبَّاسٍ (^٧)، وقال ﵇: «لا
_________________
(١) في (د): فقال.
(٢) في (أ) و(ب): للرجال، وفي (و): إمامة الرجل.
(٣) في (أ) و(و) و(ز): لا يصحُّ.
(٤) في (ب) و(و): البالغ.
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٢، مسائل صالح ٣/ ٢٣٩.
(٦) أخرجه الأثرم بإسناده كما في تعليقة القاضي أبي يعلى - تحقيق الفريح - (٢/ ٣٤٠)، عن أبي هاشم الرُّمَّاني، عن ابن مسعود ﵁ قال: «لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود»، ولم نقف على من خرَّجه غيره، وأبو هاشم الرماني إنما يروي عن إبراهيم النخعي ومَن في طبقته، ولم يدرك ابن مسعود ﵁، ولذا قال ابن رجب في الفتح ٦/ ١٧٣: (وخرَّجه الأثرم أيضًا بإسناد منقطع عن ابن مسعود).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٢، ٣٨٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٣٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٨٥٨)، من طريق داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لا يؤم الغلام حتى يحتلم، وليؤذن لكم خياركم»، قال ابن رجب في الفتح ٦/ ١٧٣: (رُوي ذلك عن ابن عباس، خرَّجه عنه بإسناد فيه مقال)، وقال الذهبي عن الأثر في المهذب ٣/ ١١٥٥: (روايات داود عن عكرمة تُكلِّم فيها)، قال ابن المديني: (ما روى عن عكرمة فمنكر الحديث). ينظر: تهذيب الكمال ٨/ ٣٨٠.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
تُقدِّموا صِبيانَكم» (^١)، ولأنَّها حالُ كمال، والصَّبيُّ ليس من أهلها، أشبه المرأة بل آكَد؛ لأنَّه نَقصٌ يمنع التَّكليفَ وصحَّة الإقرار، والإمام ضامن، وليس هو من أهل الضَّمان؛ لأنَّه لا يُؤمَن منه الإخلال بشرط القراءة حالة السِّرِّ.
وعنه: تَصحُّ فيه، اختاره الآجُرِّيُّ، وذكره المجْدُ تخريجًا، وبناه جماعةٌ على اقتداء المفترِض بالمتنفِّل.
وظاهره: يقتضي صحَّةَ إمامته إن لزمته (^٢)؛ وهو متَّجِهٌ؛ لأنَّ «عمرَو بن سَلِمة كان يؤمُّ قومه وهو ابن ستِّ سنين أو سبعِ سنين» رواه البخاري وأبو داود، وقال فيه: «وأنا ابنُ سبع سنين أو ثمان سنين» (^٣).
وجوابُه: أنَّ الأمرَ لم يبلغِ النَّبيَّ ﷺ، لكنَّه خلافُ الظَّاهر، قال الخطَّابيُّ: (كان أحمدُ يُضعِّف أمرَ عمرِو ابن (^٤) سلمة، وقال مرَّة: دعْه ليس بشيءٍ) (^٥)،
_________________
(١) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٠٧، من حديث الحكم بن الصلت مرفوعًا بلفظ: «لا تقدموا بين أيديكم في صلاتكم سفهاءكم ولا على جنائزكم»، وذكره الديلمي في مسند الفردوس (٧٣١٠)، وضعفه البيهقي، وقال ابن عبد الهادي: (هذا حديث لا يصح، ولا يعرف له إسناد صحيح، بل روي بعضه بإسناد مظلم). ينظر: مختصر الخلافيات للبيهقي ٢/ ٣٠٣، تنقيح التحقيق ٢/ ٤٦٩. كتب على هامش (و): (هذا الحديث ذكره المصنف هكذا ولم يقرَّه، وقد أخرج الديلمي عن علي مرفوعًا: «لا تقدموا سفهاءكم وصبيانكم في صلاتكم ولا على جنائزكم، فإنهم وفدكم إلى الله ﷿»، وأخرج ابن قانع وعبدان وأبو موسى عن الحكم بن الصلت القرشي مرفوعًا: «لا تقدموا بين أيديكم في صلاتكم ولا على جنائزكم سفهاءكم» والحديثان واهيان، والله أعلم).
(٢) في (د): لزمه.
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، وأبو داود (٥٨٥).
(٤) قوله: (ابن) سقط من (أ).
(٥) ينظر: معالم السنن ١/ ١٦٩.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقال في رواية أبي داود: (لا أدري أيَّ شيءٍ هذا) (^١).
وعلى الصِّحَّة: يُقدَّمُ العبدُ عليه، ذكره ابنُ تميمٍ.
وظاهِرُه: أنَّ الخلاف فيمن يَعقِلُها؛ لقولهم: وتَصِحُّ منه إذا بلغ سبعَ سنين، فدلَّ أنَّ ما دونها لا تصحُّ (^٢)، نعم تصح (^٣) بمثله، وجزم في «المنتخب» بخلافه.
(إِلاَّ فِي (^٤) النَّفْلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، جزم به الأكثرُ، ونصره الشَّريف وأبو الخطَّاب، وصحَّحه في «المستوعب» و«الفروع»؛ لأنَّه متنفِّلٌ يُؤمُّ متنفِّلين؛ وهي أخفُّ؛ إذ الجماعة تَنعقِد به فيها إذا كان مأمومًا.
والثَّانية: لا تَصحُّ (^٥)؛ لما ذكرناه.
(وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ مُحْدِثٍ، وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ)، هذا هو المجزوم به عند المعظَم؛ لأنَّه أخلَّ بشرط الصَّلاة مع القدرة، أشبه المتلاعبَ؛ لكونه لا صلاة له في نفسه.
وظاهره: أنَّ من صلَّى خلفه فعليه الإعادة، سواءٌ جَهِل الحدثَ أو عَلِمه، وصرَّح به في «المذهب» وغيره خلافًا ل «الإشارة»، وبناه في «الخلاف» على إمامة الفاسِقِ؛ لفِسقه بذلك.
قيل (^٦) للقاضي: هو أمينٌ على طهارته لا يُعرَف إلاَّ من جهته، فإذا عملنا بقوله؛ لم يقبل رُجوعُه، كما لو أقرَّت بانقضاء العدَّة وزوِّجت ثمَّ رجعت.
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٦٢.
(٢) في (أ): لا يصحُّ.
(٣) قوله: (نعم تصحُّ) سقط من (أ) و(ب).
(٤) قوله: (في) سقط من (ب) و(ز).
(٥) في (أ): لا يصحُّ.
(٦) في (أ): وقيل.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قال: فيجب لهذا المعنى: ألا يُقبل قولُه قبل الدُّخول في الصَّلاة، وعلى أنَّ دخولها في عقد النِّكاح اعتراف بصحَّته، فلم تُصدَّق، وهذا من أمر (^١) الدين، فقيل: كقبل الصَّلاة.
وعلَّله في «الفصول»: بأنَّه فاسِقٌ، وإمامتُه عندنا لا تَصِحُّ.
ولكنَّ الفرقَ واضحٌ؛ بأنَّ الفاسق متطهِّر، وإنَّما تخلَّفت الصحَّة لمانِعٍ، بخلافه هنا.
(فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ؛ صَحَّتْ صَلَاةُ المَأْمُومِ وَحْدَهُ)، ذكره جماعةٌ منهم المؤلِّف، وفي «المحرَّر» و«التَّلخيص»؛ لما روى البَرَاء بنُ عازِبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا صلَّى الجنبُ بالقومِ أعادَ صلاتَهُ، وتمَّت للقومِ صلاتُهم» رواه محمَّد بن الحسين (^٢) الحَرَّانيُّ (^٣)، وهو قول جماعةٍ من الصَّحابة (^٤)؛ وهو في محلِّ الشُّهرة، ولم يُنكَر،
_________________
(١) في (أ): أمور.
(٢) في (أ) و(ب): الحسن.
(٣) أخرجه الدارقطني (١٣٦٦)، والبيهقي (٤٠٧٦)، من طريق جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، عن البراء بن عازب ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ بقوم وليس هو على وضوء، فتمت للقوم وأعاد النبي ﷺ»، وفيه جويبر بن سعيد الأزدي وهو ضعيف جدًّا، والضحاك لم يلق البراء، قال البيهقي: (وهذا غير قوي)، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢١٣، من حديث علي ﵁، وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف. ينظر: البدر المنير ٤/ ٤٤١، السلسلة الضعيفة (٢٣٧٦).
(٤) قال ابن المنذر في الأوسط ٤/ ٢١١: (فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة ولم يعد من خلفه صلاتهم، وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر). أثر عمر ﵁ روي من وجوه متعددة، منها: ما أخرجه الدارقطني (١٣٧١)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٧٣)، عن الشَّريد الثقفي: «أن عمر صلى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا»، وإسناده صحيح، ومن وجه آخر صحيح: أخرجه مالك (١/ ٤٩)، والشافعي كما في المسند (ص ١٨)، وعبد الرزاق (٣٦٤٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٠١)، عن زُبيد بن الصلت بنحوه. وأثر عثمان ﵁: أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٠٥٣)، والدارقطني (١٣٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٧٤)، عن محمد بن عمرو بن الحارث: أن عثمان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: «كبرت والله، كبرت والله، أجنبت ولا أعلم»، فاغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا. محمد بن عمرو بن الحارث لم نقف على من وثَّقه غير ابن حبان في الثقات ٧/ ٣٦٨. وأثر علي ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة (٤٥٧٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٥٤)، عن الحارث، عن علي قال: «إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة، آمره أن يغتسل ويعيد ولا آمرهم أن يعيدوا»، والحارث الأعور ضعيف الحديث. وأثر ابن عمر ﵄: أخرجه عبد الرزاق (٣٦٥٠)، وابن أبي شيبة (٤٥٦٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢٠٥٥)، والدارقطني (١٣٧٣)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٧٥) عن سالم، عن ابن عمر: «أنه صلى بهم الغداة، ثم ذكر أنه صلى بغير وضوء فأعاد ولم يعيدوا»، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فكان (^١) إجماعًا، ولأنَّ الحدَث ممَّا يَخفَى، ولا سبيلَ إلى معرفته، فكان المأمومُ معذورًا.
وهذا في غير الجمعة إذا كانوا بالإمام أربعين؛ فإنَّها لا تصحُّ، كما لو كان المأموم محدِثًا فيها.
وعنه: يعيد كالإمام، اختاره أبو الخطَّاب، رُوي عن عليٍّ ولم يَثبُت (^٢)، ولأنَّه صلَّى بهم محدِثًا، أشْبه ما لو علِم.
_________________
(١) في (أ): وكان.
(٢) أخرج عبد الرزاق (٣٦٦٣)، عن أبي جعفر: «أن عليًّا صلى بالناس وهو جنب، أو على غير وضوء، فأعاد وأمرهم أن يعيدوا»، وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه إبراهيم بن يزيد المكي وهو متروك الحديث، وهو منقطع أيضًا، قال ابن عبد البر في الاستذكار ١/ ٢٩٠: (غير متصل). وأخرجه عبد الرزاق (٣٦٦١)، والدارقطني (١٣٧٠)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٧٨)، عن علي ﵁ من وجه آخر، وفيه عمرو بن خالد الواسطي، قال الدارقطني: (متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب)، وبنحوه قال البيهقي، وقد ضعف الأثر عن علي: ابن المنذر وابن حزم. ينظر: الأوسط ٤/ ٢١٣، المحلى ٣/ ١٣٣.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وحُكمُ النَّجاسة كالحدَث؛ لأنَّ كلًّا منهما طهارةٌ لها.
والمجزوم به في «المحرَّر»: اختصاص الحكمِ بالحدَث؛ لأنَّ النَّجاسة أخفُّ، وخفاؤها أكثر، فلذلك (^١) صحَّت صلاةُ الإمام مع نسيانها.
وعُلِم منه: أنَّه إذا عَلِم هو والمأمومُ فيها؛ استأنف المأمومُ على الأصحِّ؛ لأنَّه ائْتَمَّ بمَن صلاتُه فاسدةٌ، أشْبه ما لو ائْتَمَّ بامرأةٍ.
وعنه: يَبنِي، ذكرها ابنُ عَقِيل؛ لأنَّ ما مضى من صلاتهم صحيحٌ، فكان (^٢) لهم البناء عليه جماعةً أو فُرادى.
فإن علم معه واحد أعاد الكلُّ، نَصَّ عليه (^٣). واختار القاضي والمؤلِّف: يُعيد من علِم.
وإن علِمه اثنان، فأنكره هو؛ أعادوا، نقله أبو طالبٍ (^٤)، واحتجَّ بخبر ذي اليدين. وقيل: بل هما فقطْ.
فائدة: إذا علم أنَّ على إمامه فائتةً، وصحَّت صلاتُه في وجْهٍ؛ ففي صلاة المأموم وجهان.
وإن عَلِم أنَّه ترك واجبًا عليه فيها (^٥) سهوًا، أو شكَّ في إخلال إمامه (^٦) بشرطٍ أو ركنٍ؛ صحَّت صلاتُه معه، بخلاف ما لو ترك السِّتارة أو الاستقبال؛ لأنَّه لا يَخفَى غالبًا.
(وَلَا تَصِحُّ (^٧) إِمَامَةُ الْأُمِّيِّ)، منسوبٌ إلى الأمِّ، وقيل: أمَّةِ العرَب، (وَهُوَ
_________________
(١) في (ب) و(ز): ولذلك.
(٢) في (أ): وكان.
(٣) ينظر: الفروع ٣/ ٢٧.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ٢٧.
(٥) قوله: (فيها) سقط من (د) و(و).
(٦) في (و): صلاته.
(٧) في (و): يصح.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ)؛ أي: لا يَحفَظها، أي: لا تَصِحُّ (^١) إمامتُه بمن يُحسِنها، (مضَتْ السُّنَّة على ذلك)، قاله الزُّهريُّ (^٢)؛ لأنَّ القراءةَ شرطٌ مقصودٌ في الصَّلاة، فلم يَصِحَّ اقتداءُ القادِر عليه بالعاجز عنه، كالطَّهارة والسُّترة؛ وهو يتحمَّلها عن المأموم، وليس هو من أهل التَّحمُّل. (أَوْ يُدْغِمُ) في (^٣) الفاتحة (حَرْفًا لَا يُدْغَمُ)؛ أي: في غيرِ مثلِه، وغيرِ ما يُقارِبه في المَخرَج؛ وهو الأَرَتُّ، وفي «المذهب»: هو الذي في لسانه عَجَلةٌ يُسقِط بعضَ الحروف.
(أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا) بغيره؛ وهو الألْثَغُ، كمن يبدل (^٤) الرَّاءَ غَينًا.
(أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى)؛ ككسر كافِ ﴿إيَّاكَ﴾، وضمِّ تاءِ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، وفتحِ همزة ﴿أَهْدِنَا﴾ في الأصحِّ فيها.
وظاهره: إذا لم يُحِل المعنى؛ كفتح دال ﴿نَعْبُدُ﴾ ونون ﴿نَسْتَعِنُ﴾؛ لا يكون أمِّيًّا، وصرَّح به جماعةٌ؛ لأنَّ المعنى المقصودَ حاصِلٌ.
وعنه: يَصِحُّ في ذلك كلِّه، حكاها الآمِدِيُّ وابنُ تميمٍ، وتأوَّلها القاضي.
وقيل: إن لم يَكثُر.
وقيل: في نفلٍ.
وظاهِرُ (^٥) ما ذكره المؤلِّفُ: أنَّها لا تَصِحُّ، سواء علِم المأمومون بحاله أو جهِلوه، فإن علموا كونَه أمِّيًّا لمَّا سلَّم؛ فوجهان.
وإن بَطَلتْ صلاةُ قارِئٍ خلْف أمِّيٍّ؛ ففي إمام (^٦) وجهان.
_________________
(١) في (د) و(و): يصح.
(٢) رواه أبو بكر النجاد، كما في التعليقة للقاضي - تحقيق الفريح - ٢/ ٢٤٦، ولم نقف عليه.
(٣) في (ب) و(و): من.
(٤) في (و): بدل.
(٥) في (و): فظاهر.
(٦) في (أ): إمامته. والمثبت موافق لما في الفروع ٣/ ٣١.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وإن اقتدى قارِئٌ وأمِّيٌّ واحدٌ خلف أمِّيٍّ؛ بَطَل فرضُ القارِئِ في ظاهر كلامه، ثمَّ هل تَبقَى نفْلًا فتَصِحُّ (^١) صلاة الكُلِّ، أو لا تبقى فتبطل (^٢)، أو الإمام؟ فيه أوجهٌ.
(إِلاَّ بِمِثْلِهِ) في الأصحِّ؛ لأنَّه يساويه، فصحَّت إمامتُه؛ كالعاجِز عن القيام.
تنبيه: لا يَصِحُّ اقتداءُ عاجزٍ عن نصف الفاتحة الأوَّل بعاجز عن نصفها الأخير، ولا عكسه، ولا اقتداء قادِرٍ على الأقوال الواجبة بالعاجز عنها، فإن لم يحسنها وأحسن بقدرها من القرآن؛ لم يَجُز أن يأْتمَّ بمن لا يحسن شيئًا من القرآن، وجوَّزه المؤلِّف، قال ابن تميم: وفيه نظرٌ.
وإن صلَّى خلف من يحسن دون السَّبْع؛ فوجهان.
فائدة: إذا شكَّ قارِئٌ في صلاةِ سرٍّ؛ هل إمامُه أمِّيٌّ؛ صحَّت؛ عملًا بالظَّاهر، فإن أسرَّ في صلاةِ جهرٍ؛ فوجهان، فإن أخبر أنَّه قرأ؛ فلا إعادةَ عليهما؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صدقُه، وتُستحَبُّ (^٣) الإعادةُ، ذكره في «الشَّرح».
(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلَاحِ ذَلِكَ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، ولا صلاةُ مَنْ ائْتَمَّ به؛ لأنَّه ترك رُكنًا مع القدرة على الإتيان به، أشْبه تاركَ الرُّكوع والسُّجود.
(وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ)، وهو كثيرُ اللَّحْن، وتَصِحُّ (^٤)، نَصَّ عليه (^٥) إن كان لا يُحِيل (^٦) المعنى، فإن أحاله في غير الفاتحة؛ لم يَمنع صحَّةَ إمامتِه إلاَّ أن يَتعمَّدَه، ذكره في «الشَّرح»؛ لأنَّه مُستهْزِئٌ ومُتعدٍّ، ونَقَل إسماعيلُ بنُ إسحاقَ:
_________________
(١) في (ز): تصحُّ.
(٢) في (و): فيبطل.
(٣) في (ب) و(و): ويستحب.
(٤) في (و): ويصح.
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٥٥.
(٦) في (و): يخل.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
لا يُصلَّى خلْفَه (^١).
(وَالْفَأْفَاءُ الذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامُ الذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ)؛ لأنَّ في قراءتهم نقصًا عن حال الكمال بالنِّسبة إلى مَنْ لا يفعل ذلك، ولأنَّهم يأتون بالحرف الواجب، وإنَّما يزيدون حركة أو فاءً أو تاءً، وذلك غيرُ مؤثِّرٍ؛ كتكرير الآية.
(وَ) تُكرَه (^٢) إمامةُ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُرُوفِ)؛ كالقاف والضَّاد في حقِّ البَدويِّ وغيره؛ للنَّقص.
وظاهِرُه: صحَّةُ إمامته (^٣)؛ أعجميًّا كان أو عربيًّا.
وقيل: من قرأ ﴿وَلَا الضَّالِيْنَ﴾ بظاءٍ قائمةٍ؛ لا تَصِحُّ (^٤)؛ لأنَّه يُحيل المعنى، يقال: ظلَّ يَفعَل كذا؛ إذا فعله نهارًا، وقد سبق.
(وَأَنْ يَؤُمَّ نِسَاءً أَجَانِبَ لَا رَجُلَ (^٥) مَعَهُنَّ)، كذا ذكره مُعظَمُ الأصحاب؛ لأنَّه ﵇ «نهى أن يَخلوَ الرَّجلُ بالأجنبية» (^٦)، ولِمَا فيه من مخالَطة الوسواسِ، وحُكمُ الواحدةِ كالجَمْع.
واقتضى ذلك: أنَّه إذا أمَّ محارمَه أو أجنبيَّاتٍ معهنَّ رجلٌ؛ فلا كراهة؛ لأنَّ النِّساء كنَّ يشهدن مع رسول الله ﷺ الصَّلاةَ (^٧)، وقيل (^٨): نسيبًا
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ١٩.
(٢) في (و): ويكره.
(٣) في (د) و(و): إمامه.
(٤) في (و): لا يصح.
(٥) في (د) و(و): رجال.
(٦) في (أ): الأجنبية. والحديث أخرجه البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٧) أخرجه البخاري (٥٧٨)، ومسلم (٦٤٥)، من حديث عائشة ﵂: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر» الحديث.
(٨) زيد في (د): ولا رجل، وزيد في (و): ولا رجل معين. والمثبت موافق لما في الفروع ٣/ ١٤.
[ ٢ / ٤٩١ ]
لإحداهنَّ، جزم به في «الوجيز»، وقيل: محرمًا، وعنه: يُكرَه في الجهر مطلقًا.
قال في «الفروع»: وعلى كلِّ حالٍ؛ لا وجْه لاعتبار كونه نسيبًا.
وفي «الفصول»: يُكرَه للشَّوابِّ وذواتِ الهَيئَة الخروجُ، ويُصلِّين في بيوتهنَّ.
فإن صلَّى بهم رجلٌ محرَمٌ؛ جاز، وإلاَّ لم يَجُز، وصحَّت الصَّلاةُ.
(أَوْ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) في قول أكثرهم؛ لما روى أبو أُمامةَ مرفوعًا قال: «ثلاثةٌ لا تُجاوزُ صلاتُهم آذانَهم: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجعَ، وامرأةٌ باتَتْ وزوجُها عليها ساخطٌ، وإمامُ قومٍ وهم له كارهونَ» رواه التِّرمذيُّ، وهو حسَنٌ غريبٌ، وفيه لِينٌ (^١)، وأخبر ﵇: «أنَّ صلاتَه لا تُقبَلُ» رواه أبو داود من رواية الإفْريقيِّ، وهو ضعيفٌ عند الأكثر (^٢).
_________________
(١) روي هذا الحديث من طرق عن الصحابة؛ منها ما ذكره المصنف من حديث أبي أمامة ﵁، أخرجه الترمذي (٣٦٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٠٩٠)، قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه)، وفي سنده أبو غالب البصري، اختلف في اسمه فقيل: حَزَوَّر، وقيل: غيره، واختلف في حاله، فقال ابن معين: (صالح الحديث)، وضعفه النسائي، وقال الدارقطني: (ثقة)، وفي رواية عنه: (يعتبر به)، قال ابن حجر: (صدوق يخطئ)، وقال البيهقي عن الحديث: (ليس بالقوي)، ورجح النووي تحسينه، قال أحمد شاكر في حاشيته على الترمذي: (بل هو حديث صحيح، فإن أبا غالب ثقة، وثَّقَهُ موسى بن هارون الحمال والدارقطني وغيرهما). وأخرجه ابن ماجه (٩٧١)، وابن حبان (١٧٥٧)، من حديث ابن عباس ﵄، وقال النووي: (إسناده حسن). وأخرجه الترمذي (٣٥٨)، من حديث أنس ﵁، وأعله بالإرسال. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٥٣٤٢)، الخلاصة ٢/ ٧٠٤، صحيح أبي داود ٣/ ١٤٥، السلسلة الصحيحة (٦٥٠، ٢٣٢٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩٣)، وابن ماجه (٩٧٠)، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وقيل: ديانةً، نَصَّ عليه، وجزم به في «الوجيز».
وظاهره: أنَّه إذا كرهه اثنان أو ثلاثةٌ؛ لا يُكرَه، وقاله (^١) أحمد، حتَّى يَكرَهه أكثرُهم (^٢).
قال القاضي: المستحَبُّ أن لا يَؤمَّهم؛ صيانةً لنفسه.
فإن استوى الفريقان؛ فوجهان، والأَولى أن لا يَؤمَّهم؛ إزالةً لذلك الاختلاف، ذكره في «الشَّرح» وغيره.
أمَّا إذا كان ذا دينٍ وسنَّةٍ فكرهوه لذلك؛ فلا كراهةَ في حقِّه، بل يُكره إن كان لِخَلَلٍ في دينِه أو فَضْلِه، قاله الأكثرُ.
وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّين: (إذا كان بَينهم مُعاداةٌ من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب؛ فلا ينبغي أن يَؤمَّهم؛ لأنَّ المقصودَ بالصَّلاة جماعةً إنما يتم (^٣) بالائْتِلاف) (^٤).
وقال جَدُّه: (أو لدُنيا)، وهو ظاهر كلام جماعة.
وقيل: تَفسُد صلاته؛ لخبر أبي (^٥) أُمامةَ السَّابِقِ.
(وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى وَالجُنْدِيِّ إِذَا سَلِمَ دِينُهُمَا)؛ لعُموم قوله: «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم» (^٦)، وصلَّى التَّابِعون خلْف ابنِ زِيادٍ؛ وهو ممَّن في نَسَبِه نَظرٌ، وقالتْ عائشةُ: «لَيس عليه من وِزْر أبَوَيه شَيءٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعَام: ١٦٤]» (^٧)،
_________________
(١) في (أ) و(ب): وقال.
(٢) ينظر: الشرح الكبير ٤/ ٤٠٥.
(٣) في (أ): إمامتُهم.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ١٧، الاختيارات ص ١٠٦.
(٥) قوله: (أبي) سقط من (أ).
(٦) أخرجه مسلم (٦٧٣).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٦٠)، وابن أبي شيبة (٦٠٩٦)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٤٩)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٩٢)، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
ولأنَّ كلًّا منهما حرٌّ (^١) مَرْضِيٌّ في دينه، فصلَح لها كغيره.
وكذا حُكمُ الخَصِيِّ، واللَّقِيطِ، والمَنفِيِّ بِلِعانٍ، والأعرابيِّ، إذا سلِم دينُهم، وصلَحوا لها.
وقيل: يُكرَه اتِّخاذُ ولدِ الزِّنى إمامًا راتِبًا.
وعنه: أحِبُّ أن يُصلِّيَ (^٢) خلْفَ غيرِ الجُنْديِّ.
وعنه: لا يُعجبني إمامةُ الأعرابيِّ إلاَّ أن يكونَ قد سَمِع (^٣)؛ لأنَّ الغالبَ عليهم الجهلُ.
قال (^٤) في «الشَّرح»: والمُهاجِرُ أَوْلَى.
مسألةٌ: لا يُكرَه على الأصحِّ إمامةُ ابنٍ بأبيه، وظاهِرُ روايةِ أبي داودَ (^٥): لا يَتقدَّمه في غير الفرض.
وإن أَذِن الأفضلُ للمفضول؛ لم يُكرَه في المنصوص (^٦)، وبدون إذنه؛ يُكرَه، نَصَّ عليه. وقيل: إلاَّ خوفَ أذًى.
والمرادُ: سوى إمامِ المسجد، وصاحبِ البَيت؛ فإنَّه يَحرم كما سبق.
(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيهَا) روايةً واحدةً، قاله الخلاَّلُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختَلَف الوقتُ، وكذا عكسه؛ لما قُلناه.
_________________
(١) في (د) و(ز) و(و): حسن.
(٢) في (ب) و(ز): أصلي.
(٣) كتب في هامش الأصل: (وفقه).
(٤) في (د) و(و): فإن.
(٥) الذي في مسائل أبي داود ص ٦٣: (قلت لأحمد: يؤم الرجل أباه؟ قال: مِنْ الناس مَنْ يتوقى ذلك؛ إجلالًا لأبيه، ثم قال: إذا كان أقرأهم فأرجو، يعني: أن لا بأس به).
(٦) ينظر: الفروع ٣/ ١١.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وعنه: لا يَصِحُّ (^١) مطلقًا؛ لاختلافِ النِّيَّة، وفي «المذهب»: إذا قضى (^٢) الظُّهرَ خلْفَ من يؤدِّيها صحَّ وجهًا واحدًا، وفي العكس (^٣) روايتان.
وإن قضى ظُهرَ يوم (^٤) خلف ظُهر يومٍ آخَرَ؛ فالأصحُّ الصحَّةُ، وذكره بعضُهم قولًا واحدًا، هذا فيما إذا اتَّحدَت الصَّلاةُ، فإذا اختلفت فسيأتي.
(وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ المُفْتَرِضِ (^٥) بِالمُتَنَفِّلِ) في رواية نقلها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ وأبو داود (^٦)، واختارها المؤلِّفُ وصاحب «النَّصيحة» و«التَّبصرة» والشَّيخُ تقِيُّ الدِّين (^٧)؛ لما روى جابِرٌ: «أنَّ معاذًا كان يُصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ عِشاءَ الآخرةِ، ثمَّ يَرجِع إلى قومه فيصلِّي بهم تلك الصَّلاة» متَّفقٌ عليه، ولفظُه لمسلمٍ (^٨)، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ وزاد: «هي له تطوُّعٌ، وهي لهم مكتوبةٌ» (^٩)، «وصلَّى ﵇ بطائفةٍ من أصحابه ركعتين، ثم سلَّم (^١٠)، ثمَّ صلَّى بالطائفةِ الأخرى ركعتَينِ ثمَّ سلَّم» رواه أحمد (^١١)، ولأنَّهما صلاتانِ اتَّفقتا في الأفعال، أشبه المُتَنَفِّلَ خلْفَ المُفتَرِض.
وذكر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وجهًا: لحاجةٍ (^١٢)، نحو كونه أحقَّ بالإمامة.
_________________
(١) في (ب) و(د) و(ز) و(و): لا تصحُّ.
(٢) في (د): قصر.
(٣) في (ب): الغلس.
(٤) في (أ): يومه.
(٥) في (د) و(و): المفرض.
(٦) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧١.
(٧) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٨٩.
(٨) أخرجه البخاري (٧٠٠)، ومسلم (٤٦٥).
(٩) أخرجه الدارقطني (١٠٧٥).
(١٠) قوله: (من أصحابه ركعتين ثم سلم) هو في (أ): له بركعتين.
(١١) أخرجه أحمد (٢٠٤٩٧)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (١٥٥١)، من حديث أبي بكرة ﵁، وإسناده صحيح. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٤٦، صحيح أبي داود ٤/ ٤١٥.
(١٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
والثَّانية: لا يصحُّ (^١)، نقلها حنبلٌ وأبو الحارث (^٢)، وصحَّحها ابن عَقِيلٍ وصاحب «التَّلخيص»، ونصرها جماعةٌ، وجزم بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»؛ لقوله ﵇: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فلا تَختَلِفوا عليه» (^٣)، ولأنَّ صلاةَ المأموم لا تتأدَّى بنيَّة الإمام، أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلِّي الظُّهر، وهو يَنتقِض بالمسبوق في الجمعة إذا أدرك أقلَّ من ركعة، فإنَّه ينوي الظُّهر خلْف من يصلِّيها.
(وَمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصلِّي الْعَصْرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، ومثلُه صلاةُ كلِّ مُفترِضٍ خلْف مُفترِضٍ (^٤) بفرض غيرِه وقْتًا واسمًا، وسيأتي.
(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا) وهو المذهب؛ لأنَّ الاختلافَ في الصِّفة كالاختلاف في الموصوف، فيجب أن تكون (^٥) الصحَّة وعدمها كما تقدَّم.
مسائل:
الأولى: إذا صلَّى فرضًا رُباعيَّة خلْف متنفِّلٍ بركعتَين، أو خلْف مَنْ يُصلِّي فجرًا؛ فالخلافُ.
وقيل: الصِّحَّةُ أقوى، فيتِمُّ كمسبوقٍ.
وكذا إن صلَّى فجرًا خلْف مَنْ يُصلِّي الظُّهرَ أربعًا، وقيل: أو المغربَ، فإذا تمَّ فرْضُه قبل إمامه هل يَنتظِره، أو يسلِّم قبله، أو يُخيَّر؟ فيه أوجُهٌ.
فإن كانت إحداهما تُخالف الأخرى؛ كصلاة كسوفٍ، واستسقاءٍ، وجنازةٍ، وعيدٍ؛ مُنِع فرضًا، وقيل: نفلًا؛ لأنَّه يُفضي إلى المخالفة في الأفعال.
_________________
(١) في (ب) و(ز): لا تصحُّ.
(٢) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ١٧١.
(٣) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤).
(٤) في (د): خلف مفرض.
(٥) في (أ) و(د) و(و) و(ز): يكون.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
الثَّانية: إذا صلَّى ظُهرًا تامَّةً خلْف مَنْ يُصلِّي الجمعةَ؛ لم يَصِحَّ على الأصحِّ، وقيل: إن صحَّ بِناءُ الظُّهر على نيَّة الجمعة صحَّ، وإلاَّ فلا.
وقيل: إن أدرك ما يعتدُّ به صحَّ.
وإن كمُلت الجمعة لمَن (^١) هو في ظُهر، كما لوْ سبَق الإمامَ الحدثُ في التَّشهُّد، وقد أدركه إنسانٌ فيه؛ فالخلاف.
الثَّالثة: إذا صلَّى مريضٌ بمثله ظُهرًا قبل (^٢) إحرام صلاة الجمعة، وقلنا: يَصِحُّ (^٣)، ثُمَّ حضر الإمامُ الجمعةَ؛ لم ينقلِب ظُهرُه نفلًا في الأصحِّ.
_________________
(١) في (د) و(و): لمن.
(٢) في (أ): مثل.
(٣) في (ب) و(ز): تصحُّ.
[ ٢ / ٤٩٧ ]