(يَجُوزُ الجَمْعُ)، وتركُه أفضلُ.
وعنه: فعله، اختاره أبو محمَّد الجوزي وغيرُه؛ كجَمعَيْ عرفةَ ومُزدَلِفةَ.
وعنه: التَّوقُّف.
(بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَوِ الْعِشَاءَيْنِ (^١) فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا (^٢)، فهذه الأَربعُ هي التي تُجمَعُ في وقت إحداهما؛ الظُّهر والعصر، أو المغرب (^٣) والعشاء.
(لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: السَّفَرِ الطَّوِيلِ) نَصَّ عليه (^٤)، وهو قولُ أكثرهم؛ لما روى معاذٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان (^٥) في غزوة تَبوكَ إذا ارتحل قبل زَيغ الشَّمس؛ أخَّرَ الظُّهرَ حتَّى يَجمَعَها إلى العصر، يصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ (^٦) الشَّمس صلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا ثمَّ سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حسَنٌ غريب (^٧)، وعن
_________________
(١) في (أ) و(ز): والعشاءين.
(٢) في (ب) و(ز): أحدهما.
(٣) في (أ) و(ب) و(ز): والمغرب.
(٤) ينظر: مسائل عبدالله ص ١١٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٤٨٤، مسائل ابن هانئ ١/ ٨٢.
(٥) قوله: (كان) سقط من (أ).
(٦) في (أ): رفع.
(٧) أخرجه أحمد (٢٢٠٩٤)، وأبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، وابن حبان (١٤٥٨)، قال الترمذي: (حسن غريب)، وأعلَّ هذا الحديثَ جماعةٌ من الحفاظ، منهم أبو داود والترمذي والطبراني والبيهقي، بتفرد قتيبة به عن الليث، وحكموا على هذه الرواية بالنكارة، قاله الخطيب والمنذري والذهبي، والمحفوظ ما أخرجه مسلم (٧٠٦): «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعا»، وقال ابن حجر: (أشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة)، ومال إلى تصحيحه ابن القيم والألباني. ينظر: تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٢٧٤، الهدي ١/ ٤٥٩، البدر المنير ٤/ ٥٦٠، الفتح ٢/ ٥٨٣، الإرواء ٣/ ٢٨.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
أنس معناه، متَّفقٌ عليه (^١).
وظاهِرُه: لا فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا، في جمع التَّقديم أو التَّأخير (^٢).
وقال القاضي: لا يجوز إلاَّ لسائِرٍ.
وعنه: لسائِرٍ وقتَ الأولى، فيؤخِّر إلى الثَّانية، اختاره الخِرَقيُّ؛ لما روى ابن عمر قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا أعجلَهُ السَّيرُ في السَّفرِ يؤخِّرُ المغربَ حتَّى يَجمَعَ بينها (^٣) وبين العشاءِ»، قال سالم: وكان ابنُ عمرَ يَفعَلُه، متَّفقٌ عليه (^٤).
وقال ابن أبي موسى: الأظهر من مذهبه: أنَّ صفةَ الجمع فِعلُ الأولى آخر وقتها، والثَّانية أولَ وقتها.
وظاهره: أنَّه لا يجوز في القصر على المذهب، وفيه وجْهٌ.
(وَالمَرَضِ الذِي يَلْحَقُهُ بِتَرْكِ الجَمْعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) نَصَّ عليه (^٥)، وصحَّحه جماعةٌ، وجزم به في «المحرَّر» وغيره؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جَمَعَ (^٦) من غير خَوفٍ ولا مَطَرٍ»، وفي رواية: «من غير خوفٍ ولا سَفَرٍ»، رواهما مسلمٌ من حديث ابن عبَّاسٍ (^٧)، ولا عذر بعد ذلك إلاَّ المرض، وقد ثبت جواز
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١١١)، ومسلم (٧٠٤).
(٢) في (أ): والتأخير.
(٣) في (ب) و(د): بينهما.
(٤) أخرجه البخاري (١٠٩١)، ومسلم (٧٠٣).
(٥) ينظر: مسائل صالح ٣/ ١٧٧.
(٦) زاد في (أ) و(ز): (فيه).
(٧) أخرجه البخاري (٥٤٣)، ومسلم (٧٠٥)، وليس عند البخاري: «في غير خوف ولا وسفر»، ولا الرواية الأخرى «من غير خوف ولا مطر»، وإنما لفظه: «أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء»، وأعلَّ بعض الحفاظ لفظة: «ولا مطر»، منهم: البزار وابن عبد البر والبيهقي. ينظر: الفتح لابن رجب ٤/ ٢٦١، نصب الراية ٢/ ١٩٣، الفتح لابن حجر ٢/ ٢٣.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الجمع للمستحاضة؛ وهي نوعُ مرضٍ.
وفي «الوجيز»: يجوز بكلِّ عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، عدا النعاس ونحوه، انتهى.
واحتجَّ أحمدُ: بأنَّ المرض أشدُّ من السَّفر، وشرط بعضهم: إن جاز له ترك القيام، واحتجم أحمد بعد الغروب ثمَّ تعشَّى، ثم جمع (^١) بينهما (^٢).
وعنه: لا يجوز؛ لما سبق.
تنبيهٌ: يجوز لمرضع، نَصَّ عليه (^٣)، للمشقَّة بكثرة النَّجاسة. وفي «الوسيلة» روايةٌ: لا.
وقال أبو المعالي: هي كمريض، وكمن به (^٤) سلَس البول، ذكره في «المحرَّر»، ولكلِّ من يَعجِز عن الطَّهارة والتَّيمُّم لكلِّ صلاة، وعن (^٥) معرفة الوقت؛ كأعمى ونحوه، أومَأ إليه أحمد (^٦)، ومن له شغل أو عذر يبيح ترك جمعة وجماعة، قاله ابن حمدان وغيره.
(وَالمَطَرِ الذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ)، نَصَّ عليه (^٧)، وهو قول الأكثر؛ لما تقدَّم من حديث ابن عبَّاسٍ، وفعله ابن عمر، رواه مالكٌ (^٨)، قال أبو سلمة: «من السُّنَّة
_________________
(١) في (أ): فجمع.
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ١٠٥.
(٣) ينظر: التمهيد لابن عبد البر ١٢/ ٢١٦.
(٤) في (أ): له.
(٥) في (أ) و(ز): وغير.
(٦) عزاه في الإنصاف ٥/ ٩٠ إلى الرعاية.
(٧) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠٨.
(٨) أخرجه مالك (١/ ١٤٥)، وعنه عبد الرزاق (٤٤٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٥٦)، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
إذا كان يومٌ مَطِيرٌ أن يَجمَع بين المغرب والعشاء» رواه الأثرم (^١)، وروى النَّجَّاد بإسناده: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مَطيرةٍ» (^٢)، وفعَله أبو بكر وعمر وعثمان (^٣).
وحكم الثَّلج كذلك في المنصوص (^٤).
وفيهما وجه: لا يجوز، قال ابن تميم: (وهو ظاهر كلام أحمد).
وظاهره: أنَّه لا يجوز لِطَلٍّ، ولا لمطرٍ خفيفٍ لا يَبُلُّ الثِّيابَ، وهو الأصحُّ؛ لعدم المشقَّة، وفيه وجْهٌ.
(إِلاَّ أَنَّ جَمْعَ المَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) نَصَّ عليه (^٥)، واختاره جمهور الأصحاب، قال في «الفروع»: (وهو الأشهر)؛ لأنَّه لم يَرِد إلاَّ في المغرب والعشاء، ومشقَّتُهما أكثرُ من حيث إنَّهما يفعلان في الظُّلمة، ومشقَّة السَّفر لأجل السَّير وفوات الرفقة، وهو معدوم هنا.
_________________
(١) ينظر: التمهيد (١٢/ ٢١٢).
(٢) أخرجه الضياء المقدسي كما في المنتقى من مسموعات مرو، ذكره الألباني في الإرواء، وحكم عليه بقوله: (ضعيف جدًّا)، ينظر: الإرواء ٣/ ٣٩.
(٣) أخرجه النجاد بإسناده كما في تعليقة القاضي (٣/ ٩١)، عن عروة بن الزبير، قال: «جُمِع على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ في الليلة المطيرة، يفرغ من المغرب، ثم يؤذن المؤذن العشاء، ثم يقيم»، ولم نقف على إسناده، إلا أن رواية عروة عن الخلفاء منقطعة، قال أبو حاتم وأبو زرعة: (حديثه عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي ﵃ مرسل). وأخرج ابن وهب كما في المدونة (١/ ٢٠٤)، عن ابن قسيط: «أن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر، المغرب والعشاء؛ سُنَّة، وأن قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك»، ولا بأس برجاله، إلا أنه منقطع، يزيد بن قسيط لم يدرك الخلفاء الثلاثة. وأخرج عبد الرزاق (٤٤٤٠)، عن صفوان بن سليم قال: «جمع عمر بن الخطاب بين الظهر والعصر في يوم مطير». وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه إبراهيم بن محمد وهو متروك، وصفوان لم يدرك عمر ﵁.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ١٠٥.
(٥) ينظر: مختصر ابن تميم ٣/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
والثَّاني: يجوز بين الظُّهر والعصر كالعشاءين، وهو رواية، اختاره القاضي وأبو الخطَّاب (^١)، وصحَّحه في «المذهب»؛ لأنَّه معنًى أباح الجمعَ، فأباحه بين الظُّهر والعصر كالسَّفر.
(وَهَلْ يَجُوزُ لِأَجْلِ الْوَحَلِ، أَوِ الرِّيحِ (^٢) الشَّدِيدَةِ (^٣)، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تَحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وفيه مسائلُ:
الأولى: يجوز الجمعُ لأجل الوحَل في الأصحِّ، قال القاضي: قال أصحابنا: هو عذرٌ يبيح الجمع بمجرَّده، ويَلحَق به المشقَّة كالمطر.
والثَّاني: لا يبيحه، ذكره أبو الخطَّاب؛ لأنَّ مشقَّته دون مشقَّة المطر، فلا يصحُّ قياسه عليه.
وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ الإنسان يتأذَّى به في نفسه وثيابه، وذلك أعظم ضررًا من البَلَل.
وظاهره: لا فرق بين أن يكون ليلًا أو نهارًا على المذهب.
وقيَّده الشَّريف وأبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل»: باللَّيل.
وظاهر كلام ابن أبي موسى: اعتبار الظُّلْمة ليلًا.
الثَّانية: يجوز في الرِّيح الشَّديدة، صحَّحه ابن الجوزي والآمِدِيُّ وابنُ تميمٍ، قال أحمد في رواية الميموني: «إنَّ ابن عمر كان يجمع في اللَّيلة الباردة» (^٤)، زاد غير واحد: ليلًا، وزاد في «المذهب» و«الكافي» و«المستوعب»: مع ظُلمةٍ.
_________________
(١) كتب على هامش (و): (قلت: والشيخ تقي الدين).
(٢) في (ز): والريح.
(٣) زاد في (ز): الباردة.
(٤) لم نقف عليه، وذكره عن الميموني: القاضي في التعليقة (٣/ ٩٥)، وابن مفلح في الفروع (٣/ ١٠٧).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
والثَّاني (^١): المنعُ، وقد عُلما.
الثَّالثة: يجوز لمن يصلِّي وحدَه، أو في جماعةٍ في بيته، أو مسجد طريقُه تحت ساباط، أو بينه وبينه خطوات يسيرة في ظاهر كلام أحمد، قاله القاضي؛ لأنَّ الرُّخصة العامَّة يَستوِي فيها حال وجود المشقَّة وعدمها؛ كالسَّفر.
والثَّاني: لا يجوز، اختاره ابن عقيل، وصحَّحه في «المذهب»؛ لعدم المشقَّة.
وقيل: إن كان يصلِّي الثَّانية جماعةً في وقتها لم يجمع، وإلاَّ جمع.
(وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَوْ تَقْدِيمِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا)، كذا ذكره جماعةٌ، منهم (^٢) صاحب «الوجيز»، وصحَّحه في «الشَّرح» (^٣)؛ لحديث معاذٍ السَّابق، تفرَّد به قتيبة، قال البخاريُّ: قلتُ له: مع مَنْ كتبتَ هذا عن اللَّيث؟ قال: مع خالدٍ المدائني، قال البخاريُّ: (وخالد هذا كان يدخل (^٤) الأحاديث على الشُّيوخ) (^٥)، وروى ابنُ عبَّاسٍ نحوَه، رواه الشَّافعيُّ وأحمدُ (^٦)، «وأخَّر النَّبيُّ ﷺ الصَّلاةَ يومًا في غَزوةِ تَبوكَ، ثمَّ خرج
_________________
(١) في (أ) و(ز): الثاني.
(٢) في (أ): ومنهم.
(٣) كتب في هامش (و): (واختاره الشيخ تقي الدين).
(٤) قوله: (وخالد هذا كان يدخل الأحاديث على) هو في (أ): رجل يد هذا كان يده لا.
(٥) ينظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١١٩.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٤٠٥)، والشافعي كما في المسند (ص ٤٨)، وأبو داود معلقًا (١٢٠٨)، من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، بلفظ: «ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر، قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك»، وحسين بن عبد الله ضعيف، واختلف عليه في سنده، وله طرق أخرى، منها ما أخرجه أحمد (٢١٩١)، من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: - لا أعلمه إلا قد رفعه - قال: «كان إذا نزل منزلًا فأعجبه المنزل؛ أخَّر الظهر حتى يجمع بين الظهر والعصر …» فذكره، قال ابن حجر: (ورجاله ثقات إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف)، وقوَّاه البيهقي بمجموع طرقه وشواهده، وكذا صححه الألباني أيضًا. ينظر: الفتح ٢/ ٥٨٣، الإرواء ٣/ ٣١.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فصلَّى الظُّهر والعصر جميعًا، ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلَّى المغربَ والعشاء جميعًا» رواه مالكٌ، عن أبي (^١) الزُّبير، عن أبي الطُّفيل، عن معاذٍ، قال ابنُ عبد البَرِّ: (هذا حديثٌ صحيحٌ ثابِتُ الإسنادِ) (^٢)، ولأنَّ الجَمْع من رُخَص السَّفر، فلم يَختصَّ بحالةٍ؛ كسائر رُخَصه.
وتقدَّم أنَّه مختَصٌّ بحالة السَّير في روايةٍ، وحُمل على الاستحباب.
والمنصوص عنه: أنَّ الجَمعَ في وقت الثَّانية أفضلُ (^٣)، وذكره المجْدُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّه أحوطُ، وفيه خروجٌ من الخلاف، وعملٌ بالأحاديث كلِّها.
وقيل: في جَمع السَّفر.
وقيل: التَّقديم، وجزم به غير واحدٍ في جمع المطر، ونقله الأثرم (^٤)، وأنَّ في جمع السَّفر تؤخَّر (^٥).
وما ذكره المؤلِّف هنا هو قولٌ في المَذهب، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٦)، وذَكَره ظاهِرَ مذهب أحمد المنصوص عنه، وهو يَعُمُّ (^٧) أقسامه،
_________________
(١) في (أ): ابن.
(٢) أخرجه مالك (١/ ١٤٣)، والشافعي كما في مسنده (ص ٢٩)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي (٥٨٧)، وأصله في مسلم بمعناه (٧٠٦)، وقال ابن عبد البر: (حديث صحيح ثابت). ينظر: التمهيد ١٢/ ١٩٤.
(٣) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٨٤، مسائل أبي داود ص ١٠٨، مسائل ابن هانئ ١/ ٨٢.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ١٠٧.
(٥) في (ب) و(و): يؤخر.
(٦) ينظر: الفروع ٣/ ١٠٧، الاختيارات ص ١١٢.
(٧) في (د) و(و): يقسم.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
لكن قال في «الشَّرح»: المستحَبُّ أن يؤخِّر الأولى عن أوَّل وقتها شيئًا، قال أحمدُ: يَجمَع بينهما إذا اختلط الظَّلام أو غاب الشَّفق، فعله ابنُ عمرَ (^١).
(وَلِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ):
الأوَّلُ: (نِيَّةُ الجَمْعِ) في الأَشهَر، قال القاضي (^٢) وغيرُه: هو المذهبُ؛ لأنَّه عمَلٌ، فيدخل في عموم قوله: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (^٣)، (عِنْدَ إِحْرَامِهَا) على المذهب؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ اشتُرِطتْ فيها النِّيَّةُ؛ اعتُبِرتْ في أوَّلها؛ كنيَّةِ الصَّلاة.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا)، هذا قولٌ، وصحَّحه ابنُ الجَوزيِّ؛ لأنَّ مَوضِعَ الجمع عند الفراغ من الأُولى إلى الشُّروع في الثَّانية، فإذا لم تتأخَّر النِّيَّةُ عنه؛ أجزأه (^٤).
وقيل: تُجزِئه بعد سلام الأُولى قبل إحرام الثَّانية.
وقيل: محلُّ النِّيَّة عند إحرام الثَّانية، لا قبلَه ولا بعدَه.
وعلى الأُولى: لا تجب في الثَّانية، وهو الأَشهَر.
(وَ) الثَّاني: الموالاةُ، وهو (أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) فُرقةً طويلةً؛ لأنَّ معنى الجمعِ المتابَعةُ والمقارَنةُ، ولا يحصل ذلك مع التَّفرُّق الطَّويل، وسواءٌ جَمعَ في وقت الأُولى أو الثَّانية على الأشهَر.
وقيل: يَسقُط بالنِّسيان، قدَّمه ابن تميمٍ؛ لأنَّ إحداهما هنا تَبَعٌ لاستقرارها؛ كالفوائت.
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ٢٠٥. وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٧٢٦٧)، وابن المنذر (١١٥٧) من طرق عن نافع قال: «كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجَّلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم لا يرى بذلك بأسًا» وإسناده صحيح.
(٢) قوله: (القاضي) سقط من (أ).
(٣) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٤) كتب على هامش (و): (قال في الإنصاف: وقيل: لا تشترط النية في الجمع، اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين، وتقدم ذكره في الفصل قبله).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
(إِلاَّ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ)، كذا في «المحرَّر» و«الفروع» (^١)؛ لأنَّ ذلك يَسيرٌ، وهو مَعْفُوٌّ عنه، وهما من مصالح الصَّلاة، وظاهِرُه: تقديرُ اليسير بذلك.
وصحَّح في «المغني»، وجزم به في «الوجيز»: أنَّ مرجِعَه إلى العُرف؛ كالقَبْض والحِرْز.
ويُشترَط في الوضوء: أن يكون خفيفًا، فإن طال؛ بطَل الجمعُ، واستثنى معهما (^٢) جماعةٌ: الذِّكرَ اليسيرَ؛ كتكبير عيدٍ (^٣).
(وَإِنْ (^٤) صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا؛ بَطَلَ الْجَمْعُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»، وهو ظاهر «الفروع»؛ لأنَّه فرَّق بينهما بصلاة، فبطل، كما لو قضى فائتةً.
والثَّانية: لا تَبطُل؛ لأنَّها تابِعةٌ للصَّلاة، فلم يَقَع الفَصْل بأجنبيٍّ، كما لو تيمَّم (^٥)، وفي «الانتصار»: يجوز تنفُّله بينهما، ونقل أبو طالِبٍ (^٦): لا بأس أن يَطَّوَّع (^٧) بينهما (^٨).
_________________
(١) كتب على هامش (و): (واختار الشيخ تقي الدين: عدم اشتراط الموالاة).
(٢) في (ز): معها.
(٣) كتب على هامش (و): (قوله: "واستثنى جماعة الذكر اليسير كتكبير عيد" يعني: ليس المراد تصوير الذِّكر اليسير كما في تكبير العيد، بل مراده: أن الذِّكر اليسير مستثنى كما استثني تكبير العيد).
(٤) في (أ) و(ب) و(ز): فإن.
(٥) كتب على هامش (و): (قال الطوفي في شرح الخرقي: أظهر القولين: عدم البطلان؛ إلحاقًا للسنة الراتبة بجزء من الصَّلاة لتأكدها).
(٦) ينظر: الفروع ٣/ ١١٢.
(٧) في (ب) و(د) و(و): يتطوع.
(٨) كتب على هامش (و): (وإذا قلنا: لا يصلي السنة بينهما؛ فله أن يصلي سنة الظهر بعد العصر من غير كراهة، قاله أكثر الأصحاب، وقيل: لا يجوز. وقيل: إن جمع في وقت العصر؛ لم يجز، وإلا جاز؛ لبقاء الوقت إذن، ويصلي في جمع التقديم سنة العشاء بعد سنة المغرب على الصحيح، وقال ابن عقيل: الأشبه عندي: أن لو أخرها إلى وقت دخول العشاء، وذكر الأول احتمالًا).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وهذا إذا لم يُطِل الصَّلاةَ، فإن أطالها؛ بطَل الجمعُ روايةً واحدةً.
فإن تكلَّم بكلمة أو كلمتين؛ جاز.
وذكر القاضي: أنَّ الجمع يَبطُل بالتَّفريق اليسير.
واعتبر في «الفصول»: الموالاةَ، قال: ومعناها: أن لا يَفصِل بينهما بصلاةٍ ولا كلامٍ؛ لئلاَّ يزولَ معنى الاسمِ، وهو الجمع.
وقال: إن سبقه الحدَث في الثَّانية، وقلنا: تَبطُل به، فتوضَّأ أو اغتسل ولم يُطِل؛ ففي بطلان جمعه (^١) احتمالان.
(وَ) الثَّالثُ: (أَنْ يَكُونَ العُذْرُ (^٢) المبيحُ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ، وَسَلَامِ الْأُولَى)، كذا ذكره الأكثرُ، منهم في «المحرَّر» و«الوجيز»؛ لأنَّ افتِتاحَ الأُولى موضِعُ النِّيَّة، وفراغها وافتتاح الثَّانية مَوضِعُ الجمع.
وقيل: لا يُشترَط عند سلام الأولى، وأنَّه (^٣) متى انقطع ثمَّ عاد قبل طول الفصل؛ صحَّ الجمع، قال ابنُ تميمٍ وغيره: سواء قلنا باعتبار نيَّة الجمع أوْ لا.
وقيل: يُشترَط دوامُه في الأُولى.
وظاهرُه: أنَّه إذا انقطع المطرُ في الأُولى ولم يَعُدْ؛ أنَّه يَبطُل الجمع، لكن إن حصل وحَلٌ وقلنا بجوازه له (^٤)؛ لم يَبطُل.
ولا يُشترَط دوامُ العذر إلى فراغ الثَّانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف غيره.
_________________
(١) في (أ): جميعه.
(٢) قوله: (أن يكون) سقط من (ب) و(ز)، وقوله: (العذر) سقط من (أ).
(٣) في (ب) و(ز): فإنه.
(٤) قوله: (له) سقط من (أ) و(د).
[ ٢ / ٥٧١ ]
وإن انقطع السَّفرُ في الأُولى؛ بطل الجمعُ مطلقًا، وتَصحُّ ويُتمُّها.
وإن انقطع في الثَّانية؛ كمن نوى الإقامة فيها، أو دخلت السَّفينةُ البلدَ؛ بطل الجمعُ، كما لو (^١) كان قبل الشُّروع فيها؛ كالقصر والمسح، فعلى هذا: تنقلِب (^٢) نفلًا، وقيل: تبطل.
وقيل: لا يَبطُل الجمع؛ كانقطاع المطر في الأشهر (^٣)، والفرق: أنَّه لا يتحقَّق انقطاعُ المطر لاحتمال عَوده في أثناء الصَّلاة، ويَخلُفه الوحَلُ، وهو عُذرٌ مُبيحٌ، بخلاف مسألتنا.
ومريضٌ كمسافِرٍ.
وظاهر ما سبق: أنَّه إذا قدِم المسافِرُ، أو أقام، أو عُوفِيَ المريضُ بعد الثَّانية؛ صحَّ الجمعُ وإن كان الوقتُ باقيًا (^٤) كما لو قَدِم في أثناء الوقت.
(وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ كَفَاهُ)؛ أي: أجزأَه (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى)؛ لأنَّه متى أخَّرها عن ذلك بغير نيَّةٍ؛ صارت قضاءً لا جمعًا.
(مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا)، كذا جزم به الأكثرُ؛ لأنَّ تأخيرَها عن القدْر الذي يضيق عن فعلها؛ حرامٌ.
وذكر المجْدُ وغيرُه: أن يَنوِيَه قبل أن يبقى من وقت الأُولى بقدرها؛ لفوت فائدة الجمع؛ وهي التَّخفيف بالمقارَنة بينهما.
وقيل: أو قدْر تكبيرة أو ركعة، وذكره في «المغني» احتمالًا؛ لأنَّه يُدركُها به، وحمل الأوَّل على أنَّه الأَولى.
_________________
(١) قوله: (كما لو) هو في (أ) و(ب): فلو.
(٢) في (د) و(ز) و(و): ينقلب.
(٣) كتب على هامش (و): (قال في الفروع: والفرق أن نتيجة المطر وَحَل، فيعتبرونها في المعنى سواء).
(٤) في (أ): بان.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وقيل: يَنوِيه من (^١) الزَّوال والغروب.
(وَ) يُشترَط: (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)؛ لأنَّ المُجوِّزَ للجمْعِ العُذْرُ، فإذا لم يَستمِرَّ؛ وجب أن لا يجوز؛ لزوال (^٢) المقتضي؛ كالمريض يَبرَأ، والمسافِرِ يَقدَم، والمطرِ يَنقَطِع.
وظاهره: أنَّه لا يُعتبَر وجودُ العذر في وقت الثَّانية؛ لأنَّهما صارتا واجِبتَين في ذِمَّته، فلا بدَّ له من فِعلهما.
ويُشترَط التَّرتيب في الجَمعَين، لكن إن جمع في وقت الثَّانية، وضاق الوقتُ عنهما، قال في «الرِّعاية»: أو ضاق وقتُ الأُولى عن إحداهما؛ ففي سقوط التَّرتيب لضيقه وجهان.
(وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا تقدَّم اشتراطُه في جمع التَّقديم من (^٣) نيَّة الجمع عند الافتتاح، ووجودِ العذر عند إحرامهما وسلامِ الأُولى، والموالاةِ؛ لأنَّ الثَّانيةَ مفعولةٌ فِي وقتها، فهي أداءٌ بكل حالٍ، والأُولى معها؛ كصلاةٍ فائتةٍ، وهذا هو الأصحُّ.
والثَّاني: يُشترَط؛ لأنَّ حقيقتَه ضمُّ الشَّيء إلى الشَّيء، ولا يحصل (^٤) مع التَّفريق.
فعلى هذا: إنْ تَرَك الموالاةَ أثِم، وصحَّت، كما لو صلَّى الأُولى في وقتها مع نيَّة الجمع ثم تركه.
وعلى الأوَّل (^٥): لا بأسَ بالتَّطوُّع بينهما، نَصَّ عليه (^٦).
_________________
(١) في (أ): في.
(٢) في (د) و(و): لجواز.
(٣) في (ب) و(د) و(و): في.
(٤) في (أ) و(د) و(ز): ولا تحصل.
(٥) كتب على هامش (و): (قوله: "على الأول" أي: القول باشتراط الموالاة).
(٦) ينظر: مختصر ابن تميم ٢/ ٣٧٠.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
ولو صلَّى الأُولى وحدَه، ثم الثَّانيةَ (^١) إمامًا أو مأْمومًا، أو صلَّى إمامٌ الأُولى، وإمامٌ الثَّانية، أو صلَّى معه مأمومٌ الأولى، وآخرُ الثَّانيةَ، أو نوى الجمعَ خلْف من لا يَجمَع، أو بمن لا يَجمَع؛ صحَّ.
مسائل:
الأولى: إذا بان فسادُ أُولاهما بعد الجمع بنسيان ركنٍ أو غيرِه؛ بطلت، وكذا الثَّانية، فلا جَمعَ، ولا تَبطُل الأُولى ببطلان الثَّانية، ولا الجمعُ إن صلاَّها قريبًا.
وإن ترك ركنًا، ولم يَدرِ من أيِّهما تركه؛ أعادهما إن بقي الوقتُ، وإلاَّ قضاهما.
الثَّانية: السُّنَّةُ تَتْبَعُ الفرضَ تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا. وقيل: لا يجوز فعلُ سنَّة الظُّهر الثَّانية بعد صلاة العصر جمعًا. وقيل: إن جمع في وقت العصر لم يَجُزْ، وإلاَّ جاز؛ لبقاء الوقت إذًا.
الثَّالثة: صلاةُ عرفةَ ومزدلفةَ كغيرهما، نَصَّ عليه (^٢)، اختاره الأكثرُ.
واختار أبو الخَطَّاب والشيخُ تقيُّ الدِّين: الجمعَ والقصرَ مطلقًا (^٣).
والأشهَرُ عن أحمد: الجمعُ فقط، اختاره المؤلِّفُ، ولامتِناعِ القصرِ للمَكِّيِّ.
قال أحمدُ: ليس ينبغي أن يُوَلَّى أحدٌ منهم الموسمَ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْدَم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ﵃ من المدينة» (^٤)، وقال عَطاءٌ: (من السُّنَّة أن لا يُوَلَّى أحدٌ منهم) (^٥).
_________________
(١) في (أ): والثانية.
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ١١٥.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٧٩، الفروع ٣/ ١١٥.
(٤) ينظر: مسائل عبد الله ص ٣٣٠.
(٥) لم نقف عليه.
[ ٢ / ٥٧٤ ]