لمَّا تمَّم الكلام على الواجب والمستحَبِّ؛ شرع في بيان صفته، والعلم بالموصوف متقدِّم (^١) على العلم بالصفة.
(وَهُوَ (^٢) ضَرْبَانِ):
(كَامِلٌ)، سُمِّي كامِلًا لاشتماله على الواجبات والسنن، (يَأْتِي فِيهِ بِعَشْرَةِ أَشْيَاءَ)، وكذا في «المحرر» و«الوجيز»، وجعلها في «الكافي» تسعةً، وفيه حديث عائشةَ وميمونةَ متَّفق عليهما (^٣):
(النِّيَّةِ)، وهو أن ينوي رفع الحدث، أو استباحة ما لا يشرع إلا (^٤) به؛ كقراءة القرآن ونحوها.
(والتَّسْمِيَةِ)، قال أصحابنا: هي هنا كالوضوء؛ قياسًا لإحدى الطَّهارتين على الأخرى.
وفي «المغني»: (أنَّ حكمها هنا أخف؛ لأنَّ حديث التَّسمية إنَّما (^٥) تناول بصريحه الوضوء لا غيرُ) انتهى.
ويتوجَّه عكسه؛ لأنَّ غسل الجنابة وضوء وزيادة، ولم يذكرها الخِرَقِيُّ هنا (^٦)؛ نَظَرًا للحدَثين.
_________________
(١) في (و): يتقدم.
(٢) قوله: (وهو) سقط من (و).
(٣) حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦)، وحديث ميمونة ﵂: أخرجه البخاري (٢٤٩)، ومسلم (٣١٧).
(٤) قوله: (إلا) سقط من (أ).
(٥) في (و): إما.
(٦) قوله: (هنا) سقط من (أ).
[ ١ / ٢٨٤ ]
(وَغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا)؛ كما في الوضوء، لكن هنا آكَدُ باعتبار رفع الحدث عنهما بذلك، ولفعله ﵇ في حديث ميمونة: «فغسل (^١) كفَّيه مرَّتين أو ثلاثًا»، ويكون قبل إدخالهما الإناءَ، ذكره في «الكافي» وغيره.
(وَغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أَذًى)؛ لحديث عائشة: «ثمَّ يُفرِغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه»، وظاهره: لا فرق بين أن يكون على فرجِه أو بقيَّةِ بدنِه، نجسًا كان - كما صرَّح به في «المحرر» - أو طاهِرًا مُستقْذَرًا؛ كالمَنِيِّ كما ذكره بعضهم، وهو المراد بقوله في «الوجيز» و«الفروع»: وغَسْل ما لوَّثَه.
(وَالْوُضُوءِ) الكامِلِ؛ لقوله ﵇: «ثم يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة».
وعنه: يؤخِّر غَسل رجليه؛ لحديث ميمونة: «ثم تنحَّى عن مقامه فغسل رجليه».
وعنه: هما سواء؛ لمجيء السُّنَّة بهما.
والعمل على الأوَّل؛ لحديث عائشة؛ لأنَّه (^٢) إخبار عن غالب فعله، وميمونة أخبرت عن غسل واحد.
(وَيَحْثِي)، يقال: حَثَوْت، أحثو حثوًا؛ كغزوت (^٣)، وحَثَيْتُ أحثي (^٤) حثيًا؛ كرميت، (بِالْمَاءِ (^٥) عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) (^٦)؛ لقول ميمونة: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حَثَيات»، (يُرَوِّي بِهَا) في كلِّ مرَّة (أُصُولَ الشَّعْرِ)؛ لقول عائشة: «ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إذا رأى أنه قد استبرأ؛ حفن على رأسه ثلاث حفنات»، ولقوله ﵇: «تحت كلِّ شعرة
_________________
(١) في (و): يغسل.
(٢) في (و): لأنَّ.
(٣) في (ب): كعدوت.
(٤) قوله: (وحثيت أحثي) هو في (و): وحثوت أحثو.
(٥) قوله: (بالماء) سقط من (و).
(٦) زيد في (و): يعني بالماء.
[ ١ / ٢٨٥ ]
جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» رواه أبو داود (^١).
(وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا)؛ لقول (^٢) عائشة ﵂: «ثُمَّ أفاض على سائر جسده»، ولقول ميمونة ﵂: «ثمَّ غسل سائر جسده».
وما ذكره من التَّثليث فيه هو الصَّحيح، وجزم به في «المحرر» و«الوجيز»، وقيل: مرَّة، ولم يرجِّح في «الفروع» شيئًا (^٣).
(وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ)؛ لأنَّه ﵇ «كان يعجبه التَّيمُّنُ في طُهوره» (^٤).
(وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ)؛ لأنَّه أنقى، وبه يتيقَّن (^٥) وصول الماء إلى مغابِنه وجميعِ بدنِه، وبه يخرج من الخلاف.
(وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ) فيُعيد (غَسْلَ قَدَمَيْهِ)؛ لقول ميمونة: «ثمَّ تنحَّى عن مقامه فغسل رجليه». وقيل: لا يعيد غَسلهما إلَّا لطين ونحوه كالوضوء. وعنه: يخيَّر؛ لورودهما. وظاهر إحدى روايات حديث عائشة: أنَّه جمع بينهما، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، قاله الزَّرْكشي.
فرع: يُستحَبُّ أن يخلِّل أصول شعر رأسِه ولحيتِه بماءٍ قبلَ إفاضتِه عليه، قاله في «المغني» و«الشَّرح».
ويكفي ظنُّ وصول الماء إلى ما يجِب غَسلُه أو مَسحُه.
قال بعضهم: ويحرِّك خاتَمه؛ ليَتيقَّن وصولَ الماء.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧)، وفي سنده الحارث بن وجيه، وهو ضعيف، وقد تفرد به عن مالك بن دينار، قال أبو حاتم: (هذا حديث منكر)، وضعف الحديث ابن معين، والبخاري، ويروى موقوفًا على أبي هريرة ﵁، ويروى عن الحسن مرسلًا. ينظر: علل ابن أبي حاتم (٥٣)، تنقيح التحقيق ١/ ٣٥٨.
(٢) في (و): كقول.
(٣) قوله: (شيئًا) سقطت من (أ).
(٤) أخرجه البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) قوله: (وبه يتيقن) هو في (و): وفيه تيقن.
[ ١ / ٢٨٦ ]
(وَمُجْزِئٌ)؛ أي: كافٍ (وَهُوَ: أَنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى)، ظاهره يقتضي أنَّ صحَّة الغسل متوقِّف على الحكم بزوال النَّجاسة، سواء كانت على فرجه أو غيره، وهو ظاهر «المستوعب»، وقد تَبِعا أبا الخطاب، لكن عبارته أبْيَنُ؛ فإنَّه قال: (يغسل فرجَه، ثمَّ ينوي)، وكذا قال ابن عبدوس.
ومنهم من حمل كلامهما على ما قال أبو الخطاب، ويكون المراد به الاستنجاء بشرط تقدُّمه على الغسل كما هو في الوضوء، لكن قال الزَّرْكشي: (يُشكل هذا على المؤلِّف؛ فإنَّه اختار (^١) ثَمَّ أنَّه لا يجب تقديم الاستنجاء، وعلى الخِرَقي؛ بأنَّه لا بدَّ من تقدُّمه (^٢).
وظاهر المذهب: أنَّه لا يشترط ذلك في المجزئ، فعلى هذا يرتفع الحدث مع بقاء النَّجاسة، وصرَّح به ابن عقيل، وهو المشهور، ونصَّ أحمد: أنَّ الحدَث لا يرتفع إلَّا مع آخر غسلة طهَّرت المحلَّ (^٣)، فيعضُد الأول.
ثمَّ هل يرتفع الحدث مع بقاء النَّجاسة، أو لا يرتفع إلَّا مع الحكم بزوالها؟ فيه قولان.
ثمَّ محلُّهما ما لم تكن النَّجاسة (^٤) كثيفةً تمنَع وصولَ الماء، فإن منَعتْه فلا.
(وَيَنْوِيَ)؛ أي: يقصِد رفعَ الحدث، أو استباحَة (^٥) أمرٍ لا يباح إلَّا بهما؛ كمسِّ المصحف.
(وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]، ولما روى جابر: أنَّ ناسًا قدموا على النَّبيِّ ﷺ، فسألوا عن غسل
_________________
(١) في (و): إخبار.
(٢) وكلام الزركشي كما في شرحه ١/ ٣١٦: (وعلى الخرقي؛ فإن مذهبه تقديم الاستنجاء، فكان من حقه أن ينبه على ذلك).
(٣) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٣١٥.
(٤) في (أ): بالنَّجاسة.
(٥) في (و): واستباحة.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الجنابة، وقالوا (^١): إنَّا بأرضٍ بارِدةٍ، فقال: «إنَّما يكفي أحدكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات» رواه مسلم (^٢).
وظاهره: الاجتزاء (^٣) بالتَّطهير والاغتسال من غير وضوء.
والمراد بتعميمه: أن يغسل الظَّاهرَ جميعَه، وما في حكمه من غير ضرر؛ كالفم والأنف، وتركهما هنا اعتمادًا على ما سبق، وصرَّح به الخِرَقي، وأن يغسل البَشَرة التي تحت الشُّعور؛ كالرَّأس واللِّحية وإن كانت كثَّة.
وذكر الدِّينَوَرِيُّ: أنَّ باطن اللِّحية الكثَّة في الجنابة كالوضوء.
ويجب غسل الشعر ظاهره وباطنه، مع مسترسِله في ظاهر قول أصحابنا.
والثَّانية: لا يجب غسل المسترسِل (^٤)، ورجَّحه في «المغني» و«الشرح» (^٥).
فعلى الأوَّل: إن ترك غَسل شيءٍ منه؛ لم يتمَّ غُسله، فلو غَسَله ثمَّ تقطَّع؛ لم يجب غَسل موضِع القَطع.
ولم يتعرَّض المؤلِّف لنقض الشَّعْر، والمنصوص: أنَّه يجب نقضه في الحيض (^٦)، قال في «الشرح»: روايةً واحدة؛ لقول عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها - وكانت حائضًا -: «انقضي شعرك، واغتسلي» رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيحٍ (^٧)، وعن أمِّ سلمة ﵂ نحوه، رواه مسلم (^٨)؛ لأنَّ مدَّة الحيض
_________________
(١) في (أ): فقالوا.
(٢) أخرجه مسلم (٣٢٨).
(٣) في (و): الإجزاء.
(٤) في (أ): المترسل.
(٥) في (و): الشرح والمغني.
(٦) في (و): من الحيض. وينظر: مسائل أبي داود ص ٢٩، مسائل ابن هانئ ١/ ٢٤.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٦٤١)، بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (٣١٦)، ومسلم (١٢١١)، بلفظ: «انقضي رأسك وامتشطي».
(٨) أخرجه مسلم (٣٣٠)، عن أم سلمة: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين».
[ ١ / ٢٨٨ ]
تطول فيتلبَّد، فشُرِع النَّقض طريقًا موصلًا إلى وصول الماء إلى أصول الشَّعر، ولا يتكرَّر، بخلاف الجنابة.
وعنه: لا يجب كالجنابة، وصحَّحه في «المغني» و«الشرح»، واختاره ابن عبدوس وابن عَقِيل في «التذكرة»، وروى مسلم من رواية عبد الرزاق عن أم سلمة: أفأنقُضه من الحيض والجنابة؟ قال: «لا» (^١).
وفيه وجه: يجب كالحيض، وقيَّده ابن الزاغوني بما إذا طال وتلبَّد.
والنُّفَساء كالحائض.
أمَّا إذا كان على رأس إحداهنَّ ما يمنع وصول الماء؛ كالسِّدر ونحوه؛ وجب نقضه.
والرَّجل كالمرأة، ذكره في «المغني».
وكذا يجب غسل حَشَفَة الأقلف إذا أمكن تشميرها، كما يجب تطهيرها من النَّجاسة، بخلاف المُرْتَتق (^٢).
وكذا ما يظهر من فرجها عند قعودها لحاجتها؛ لأنَّه يمكن تطهيره (^٣) من غير ضرر؛ كحشفة الأقلف.
ونصَّ أحمد: أنَّه لا يجب غسله مطلقًا (^٤)؛ لأنَّه من الباطن أشبه الحلقوم،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٣٠) في إحدى الروايات، وذِكر الحيض شاذٌ، تفرد به عبد الرزاق عن الثوري، وجميع الروايات ليس فيها ذكر الحيض، وبين شذوذها ابن القيم وابن رجب وغيرهما. ينظر: تهذيب السنن لابن القيم ١/ ٢٩٥، فتح الباري لابن رجب ٢/ ١١٠، الإرواء ١/ ١٦٨.
(٢) المرتتق: من التحمت جلدة ذكره فلا تخرج من قلفته. ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٨٠، المغني ١/ ١١٨.
(٣) في (و): تطهيرها.
(٤) ينظر: الفروع ٥/ ٤١٤.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكذلك (^١) يثبت الفطر بحصول الحشفة فيه، لكن حمله القاضي على ما عَمُق منه.
وظاهره: أنَّه لا تسمية (^٢)، وقد تقدَّمت.
ولا ترتيب، وهو كذلك اتِّفاقًا، قال أحمد: (إذا انغمس الجنب مرَّةً واحدةً، ثمَّ تمضمض واستنشق أجزأه) (^٣)، بخلاف المحدث.
ولا موالاة على الأصحِّ؛ للحاجة إلى تفريقه كثيرًا، ولكثرة المشقَّة بإعادته، ولخبر اللُّمعة (^٤)، وحيث فاتت الموالاة فيه أو في وضوء، وقلنا: يجوز؛ فلا بدَّ للإتمام من نيَّةٍ مستأنَفةٍ؛ بناءً على أنَّ مِنْ شرط النِّيَّة الحُكْمِيَّة قُرْبَ الفعلِ منها، كحالة (^٥) الاِبتداء، فدلَّ على الخلاف.
ولا دلْكَ، وقد أوجبه م (^٦) حيث يناله (^٧)؛ لأنَّه لا يقال: اغتسل إلَّا لمن دلك نفسه، ولأنَّها طهارةٌ عن حدث، فوجب فيها إمرارُ اليدِ كالتَّيمُّم. مع أنَّ أحمد قال في رواية أبي داود، وسأله رجل عن إمرار اليد فقال: (إذا اغتسل بماءٍ باردٍ في الشتاء أمرَّ يده؛ لأنَّ الماء ينزلِق عن البدن في الشتاء) (^٨).
والجواب عن التَّيمُّم: بأنَّه (^٩) أمرنا بالمسح، ويتعذَّر في الغالب إمرار التراب بغير اليد.
_________________
(١) في (و): ولذلك.
(٢) في (أ): يسميه.
(٣) ينظر: مسائل أبي داود ص ١١.
(٤) سبق تخريجه ١/ ١٦١ حاشية (٢).
(٥) في (أ): كحالته.
(٦) ينظر: بداية المجتهد ١/ ٥٠، القوانين الفقهية ١/ ٢٢.
(٧) قوله: (حيث يناله) هو في (و): إلى حيث تناله.
(٨) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٥.
(٩) في (أ) و(ب): فإنه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
فإن عُلم أنَّ الماء لم يصل إلى محلِّه؛ فيجب؛ كباطِن الشُّعور الكثيفة.
تذنيب: يُستحبُّ السِّدر في غسل الحيض، وظاهر نقل الميموني وكلام ابن عقيل: يجب (^١)، وأن تأخذ (^٢) مِسكًا فتجعله في قُطنة أو شيء وتجعلُها في فرجها بعد غسلها، فإن لم تجد فَطِيبًا (^٣)، فإن لم يكن فطِينًا (^٤)، ولم يذكره المؤلف، ليقطع الرائحة.
وقال أحمد: (غسل حائِض ونُفَساءَ كَمَيِّتٍ) (^٥)، قال القاضي في «الجامع»: (معناه: يجب مرَّةً، ويُستَحبُّ ثلاثًا، ويكون السِّدر والطِّيب؛ كغسل الميِّت).
(وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ)، وهو رطل وثلث عراقي، وبالدَّراهم: مائة وأحد وسبعون درهمًا وثلاثة أسباع درهم.
(وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ)، وهو أربعةُ أمْداد، فيكون خمسة أرطال وثُلُثًا بالعراقي، نصَّ عليه (^٦)؛ لما رَوى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتوضَّأ بالمد، ويغتسل بالصاع» متَّفق عليه (^٧)، وقال لكعب: «أطعم ستَّة مساكين فَرَقًا من طعام» (^٨).
قال أبو عبيد: (لا اختلاف بين النَّاس أعلَمُه أنَّ الفَرَق ثلاثةُ آصُعٍ)، والفَرق: ستَّةَ عشَرَ رطلًا بالعراقي.
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٢/ ٨٤، من رواية المروذي.
(٢) في (أ): يأخذ.
(٣) في (و): فطينًا.
(٤) في (أ): لم يجد فطيبًا.
(٥) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٧٣، الفروع ١/ ٢٦٧.
(٦) ينظر: مسائل صالح ١/ ٣٨١، مسائل عبد الله ص ١٧٠.
(٧) أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥).
(٨) أخرجه البخاري (٤١٥٩)، ومسلم (١٢٠١).
[ ١ / ٢٩١ ]
وأوْمَأَ أحمد في رواية ابن مَشِيشٍ (^١): أنَّه ثمانيةُ أرطال من الماء (^٢)، اختاره في «الخلاف» و«مُنتهى الغاية»، لا مطلقًا هـ (^٣).
تنبيه: الرّطل العراقي: مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو تسعون مثقالًا، والمِثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، هكذا كان قديمًا.
ثمَّ إنَّهم زادوا فيه مثقالًا فجعلوه أحدًا وتسعين مثقالًا، وكمل مائة وثلاثين درهمًا، وقصدوا بذلك زوال الكسر.
والعمل على الأوَّل؛ لأنَّه الذي كان وقت تقدير العلماء المد به، وهو بالدمشقي: ثلاثة أواق وثلاثة أسباع أوقية، والصاع: رطل وأوقية وخمسة أسباع أوقية (^٤)، وإن شئت: رطل وسبع رطل.
(فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا؛ أَجْزَأَهُ) في المنصوص (^٥)؛ لحديث عائشة، قالت: «كنت أغتسل أنا والنَّبيُّ ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» رواه مسلم (^٦).
وفي كراهته وجهان.
وذكر ابن تميم: أنَّ أحمد أوْمَأَ إلى عدَم الإجزاء؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يجزئ من الوضوء المُدُّ، ومن الغُسل الصَّاع» رواه أحمد
_________________
(١) هو محمد بن موسى بن مشيش البغدادي، كان يستملي للإمام أحمد، وكان من كبار أصحابه، وروى عنه مسائل مشبعة جيادًا، وكان يقدمه ويعرف حقه. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٢٣.
(٢) في (أ): في الماء. تنظر الرواية في: الفروع ١/ ٢٦٨.
(٣) ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩٠، بدائع الصنائع ١/ ٣٥. ينظر: المبسوط للسرخسي ٣/ ٩٠، بدائع الصنائع ١/ ٣٥.
(٤) قوله: (وخمسة أسباع أوقية) سقط من (أ) و(و).
(٥) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٣٧.
(٦) أخرجه مسلم (٣٢١).
[ ١ / ٢٩٢ ]
والأثرم (^١)، فدلَّ على أنَّه لا يحصل الإجزاء بدونه.
وجوابه: أنَّ الله تعالى أمر بالغسل، وقد أتى به، فوجب أن يجزئه، بدليل حديث عائشة، وبما (^٢) روت أمُّ عمارة بنت كعب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ، فأُتي بماء في إناء قدر ثُلثي المد» رواه أبو داود والنَّسائي (^٣)، وحديثهم يدلُّ بمفهومه، وهذا بالمنطوق، وهو مقدَّم عليه اتِّفاقًا.
مسألة: إذا زاد على ذلك جاز، لكن يكره الإسراف والزيادة الكثيرة فيه، قاله في «المغني» و«الشرح»؛ لما روى ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على سعد وهو يتوضَّأ، فقال: «ما هذا السَّرف؟» فقال: أفي الماء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ» رواه ابن ماجه (^٤).
(وَإذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ)، وقال الأَزَجي والشَّيخ تقيُّ الدِّين: أو الأكبر (^٥)؛ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) على المنصوص (^٦)، ولم يلزمه ترتيب، ولا موالاة؛ لأنَّ الله تعالى أمر الجنب بالتَّطهير، ولم يأمر معه بوضوء، ولأنَّهما عبادتان، فتداخلا في الفعل دون النِّيَّة، كما تدخل العمرة في الحج، ولا يرِد غُسل الحائض الجنب؛ لأنَّ موجِبهما واحدٌ.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (١١٤)، وأحمد (١٤٩٧٦)، وابن خزيمة (١١٧)، بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود بلفظ: «كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد»، وإسناده حسن، مداره على يزيد بن أبي زياد القرشي، تُكلم فيه من قبل حفظه، وأنه تغير لما كبر، وكان يقبل التلقين. ينظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ١٣٥، صحيح أبي داود للألباني ١/ ١٥٦.
(٢) في (أ): وما.
(٣) أخرجه أبو داود (٩٤)، والنسائي (٧٤)، وهو حديث صحيح. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٣٧٨، الإرواء ١/ ١٧٢.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥)، وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، والعمل على تضعيف حديثه كما قال الذهبي وغيره من الأئمة. ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٢٩٩.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٩٩.
(٦) ينظر: مسائل أبي داود ص ١١.
[ ١ / ٢٩٣ ]
(وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) عن الأصغر (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) قبل الغسل أو بعده؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ توضَّأ لمَّا اغتسل (^١)، وفعله يفسِّر (^٢) الآية، ولأنَّهما عبادتان مختَلِفَتا القدر والصفة، فلم تتداخلا؛ كالحدود والكفَّارات.
وقال أبو بكر: يتداخلان إذا أتى بخصائص الصُّغرى، وهي (^٣) الترتيب، والموالاة، والمسح، فلو غسل وجهه، ثمَّ يديه، ثمَّ مسح رأسه حين أفاض عليه الماء، ثمَّ غسل رجليه؛ أجزأه.
والأوَّل أصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، فجعل الاغتسال نهاية المنع من الصَّلاة، فيجب إذا اغتسل تجوز له الصَّلاة.
لا يقال: النَّهي هنا عن قُرْبان مواضع الصَّلاة، وذلك يزول بالاغتسال؛ لأنَّا نقول: هو نهي عن الصَّلاة، وعن مسجدها.
ولا يجوز حمله على المسجد فقط؛ لأنَّ سبب نزول الآية صلاة من صلَّى بهم، وخلط في القراءة، وسبب النزول يجب أن يكون داخلًا في الكلام.
وسئل جابر: أيتوضَّأ الجنبُ بعد الغسل؟ قال: «لا»، وعن ابن عمر نحوه، رواهما سعيد (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه من حديث عائشة في الصحيحين ١/ ٢٨٤، حاشية (٣).
(٢) في (أ): مفسر.
(٣) في (أ): وهو.
(٤) أثر جابر ﵁: أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٥)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٦٧٤)، عن أبي سفيان به، وهو طلحة بن نافع القرشي، قال أحمد: (ليس به بأس)، وذكره الحاكم ممن كان يدلس من التابعين، قال شعبة وابن المديني وأبو خالد الداراني: (لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث)، وقال أبو زرعة: (طلحة بن نافع عن عمر مرسل، وهو عن جابر أصح)، فلا بأس بإسناده إن سلم من تدليس أبي سفيان. ينظر: جامع التحصيل ص ١٠٧، ص ١٠٢. وأثر ابن عمر ﵄: روي من طرق متعددة صحاح، منها: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٧٤٣)، عن غنيم بن قيس، عن ابن عمر ﵄، سئل عن الوضوء بعد الغسل، فقال: (وأي وضوء أعم من الغسل؟!)، وأخرجه عبد الرزاق (١٠٣٨)، عن سالم عنه، وأخرجه أيضًا (١٠٣٩)، عن نافع عنه. وأسانيدها صحاح.
[ ١ / ٢٩٤ ]
فإن نوى أحدهما؛ ارتفع وحدَه.
وعلى الأول: لو نوى رفع الحدث، أو استباحة الصَّلاة، أو أمرًا لا يباح إلَّا بوضوء واغتسل؛ ارتفعا، وظاهِر كلامِ جماعةٍ عكسُه؛ كالثَّانية.
قال ابن حامد: الجنابة المجرَّدة عن حدث قبلَها أو بعدَها لا يجب سوى الغسل، ذكره ابن عبد البَرِّ إجماعًا (^١).
وذكر في «الشرح»: لو اغتسل إلَّا أعضاء الوضوء؛ لم يجب الترتيب فيها؛ لأنَّ حكم الجنابة باقٍ.
وقال ابن عَقيل والآمِدِي فيمن غَسل جميع بدنه إلَّا رجليه، ثمَّ أحدث: يجب الترتيب في الأعضاء الثلاثة؛ لاِنفرادِها في الأصغر، دون الرِّجلين؛ لبقاء حدث الجنابة عليهما، فيغسلهما عن الجنابة، ثمَّ يتوضَّأ في بقية أعضائه.
وإن نوت من انقطع حيضها بغُسلها حِلَّ الوطء؛ صحَّ. وقيل: لا؛ لأنَّها إنَّما نوت ما يوجِب الغُسل، وهو الوطء، ذكره أبو المعالي.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ) ولو أنثى، وحائض ونفساء بعد انقطاع الدم، (إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ) أو الشرب أو (الْوَطْءَ (^٢): أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ)؛ لإزالة ما عليه من الأذى، (وَيَتَوَضَّأَ)؛ رُوي ذلك عن عليٍّ (^٣) وابنِ عُمرَ ﵄ (^٤).
_________________
(١) ينظر: التمهيد ٢٢/ ٩٥.
(٢) زاد في (أ) و(و): ثانيًا.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٥٩)، واللفظ له، وعبد الرزاق (١٠٧٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٢٣)، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي: «إذا أجنب الرجل فأراد أن يطعم أو ينام؛ توضأ وضوءه للصلاة»، قال أبو زرعة: (سالم عن علي مرسل). ينظر: جامع التحصيل ص ١٧٩.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٧٧)، وابن المنذر في الأوسط (٦١٧)، واللفظ له، عن محارب بن دثار قال: سألت ابن عمر عن الجنب، فقال: «إذا أراد أن ينام، أو يطعم، أو يعاود؛ فليتوضأ»، وأخرجه أبو نعيم في الصلاة (٤٢)، وابن أبي شيبة (٨٧٢)، عن محارب، مختصرًا.
[ ١ / ٢٩٥ ]
أمَّا كونه يستحبُّ بالنَّوم؛ فلما روى ابن عمر: أنَّ عمر قال: يا رسول الله! أيرقد أحدُنا وهو جنبٌ؟ قال: «نعم إذا توضَّأ فليرقد (^١)» (^٢)، وعن عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب (^٣)؛ غسل فرجه، وتوضَّأ وضوءه للصلاة» متَّفق عليهما (^٤).
وفي كلام أحمد ما يقتضي وجوبَه، قاله (^٥) الشَّيخ تقيُّ الدِّين (^٦).
والأصحُّ خلافه؛ لما روت عائشة قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ ينام وهو جنب، ولا يَمَسُّ ماءً» رواه الخمسة، قال يزيد بن هارون: (هذا الحديث وهَم)، وضعَّفه أحمد وغيره، وصحَّحه آخرون (^٧)، فيحمل على الجواز، والأوَّلان على الاستحباب؛ للجمع، ويكره تركه في الأصحِّ.
وأمَّا كونه يستحَبُّ للأكل والشرب؛ فلما روت عائشة قالت: «رخَّص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة» رواه أحمد بإسناد صحيح (^٨).
_________________
(١) قوله: (فليرقد) سقط من (أ) و(ب).
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، من حديث ابن عمر عن عمر ﵄.
(٣) قوله: (وهو جنب) سقط من (و).
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٨)، ومسلم (٣٠٥).
(٥) في (أ) و(ب): قال.
(٦) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٣٤، الاختيارات ص ٣١.
(٧) أخرجه أحمد (٢٥٣٧٧)، وأبو دواد (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٠٣)، وهو حديث معلول، أعله يزيد بن هارون وأبو داود وغيرهما من الأئمة، ومال إلى تصحيحه الدارقطني والبيهقي. ينظر: المحرر لابن عبد الهادي (١٢٣)، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٨.
(٨) أخرجه أحمد (٢٤٠٨٣)، من حديث عائشة ﵂ بلفظ: «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة». وأما اللفظ الذي ذكره المصنف؛ فأخرجه أحمد (١٨٨٨٦)، وأبو داود (٢٢٥) والترمذي (٦١٣)، من حديث يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر ﵁، وبيَّن أبو داود أن بينهما رجلًا، وكذا ذكر الدارقطني وغيره أنه لم يسمع من عمار، وقال الترمذي عن الحديث: (حديث حسن صحيح). ينظر: جامع التحصيل للعلائي (ص ٢٩٩)، تهذيب التهذيب ١١/ ٣٠٥.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وعنه: يَغسِل يديه، ويتمضمض.
وأمَّا كونه يستحبُّ لمعاودة الوطء (^١) وفاقٌ (^٢)؛ لما روى أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم أهله، ثمَّ أراد أن يعاود (^٣)؛ فليتوضَّأ بينهما وضوءًا» رواه مسلم، ورواه ابن خزيمة والحاكم، وزاد: «فإنَّه أنْشط للعَوْد» (^٤)، ولا يكره تركه في المنصوص (^٥).
وغسله عند كلِّ مرَّة أفضل.
وعنه: أنَّ ذلك خاصٌّ بالرَّجل؛ لأنَّ عائشة أخبرت عنه (^٦) بالوضوء، ولم تذكر أنَّها كانت تفعله، ولا أمرها به مع اشتراكهما في الجنابة.
ومن أحدث بعده؛ لم يُعِدْه في ظاهر كلامهم؛ لتعليلهم بخفَّة الحدَث أو بالنَّشاط، (وظاهر كلام شيخنا (^٧): يتوضَّأ؛ لمبيته على إحدى الطهارتين) قاله (^٨) في «الفروع».
_________________
(١) قوله: (الوطء) سقط من (و).
(٢) ينظر: المبسوط للسرخسي ١/ ٧٣، مواهب الجليل ١/ ٣١٦، المجموع ٢/ ١٥٧، الفروع ١/ ٢٦٩.
(٣) في (و): يعود.
(٤) أخرجه مسلم (٣٠٨)، وأخرجه الحاكم (٥٤٢) بالزيادة التي ذكرها المصنف، وصححها ابن عبد الهادي. ينظر: المحرر (١٢٠)، التلخيص الحبير ١/ ٣٧٩.
(٥) هو في (و): في المنصوص تركه. وينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٥١.
(٦) قوله: (عنه) سقط من (و).
(٧) أي: شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: الفروع ١/ ٢٧٠، الاختيارات ص ٣١.
(٨) في (و): وقاله.
[ ١ / ٢٩٧ ]
مسائل:
الأولى: كرِه أحمد بناء الحمَّام، وبيعَه، وإجارتَه، قال (^١): من بنى حمَّامًا للنِّساء ليس بعدل (^٢)، وحرمه (^٣) القاضي، وحمله الشَّيخ تقيُّ الدِّين على غير البلاد الباردة (^٤).
ويُكره كسب الحمَّامي، وفي «نهاية» الأزَجي: الصَّحيح: لَا.
الثَّانية: له دخوله بشرط أن يَستُر عورتَه، ويغُضَّ بصرَه عن عوراتِهم، ولا يمسَّ عورة أحد، ولا يُمكِّنَ أحدًا من مسِّ عورته، وقال ابن البنَّاء: يكره، وجزم به في «الغنية»، واحتجَّ: بأنَّ أحمد لم يدخله لخوف وقوعه في محرَّم، وإن علمه (^٥) حرم.
وفي «التلخيص» و«الرعاية»: له دخوله مع ظنِّ السَّلامة غالبًا، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (الأفضل تجنُّبها بكلِّ حال مع الاستِغناء عنها؛ لأنَّها ممَّا أحدث النَّاس من رقيق العيش) (^٦).
الثالثة: للمرأة دخوله لعذر، وإلَّا حرُم، نصَّ عليه (^٧)، وكرهه بدونه جماعة، وفي «عيون المسائل»: لا يجوز لها دخوله إلَّا من علَّة يصلحها الحمَّام.
واعتبر القاضي والمؤلِّف مع العذر: تعذُّر غُسلها في بيتها لخوف ضرر ونحوه، وظاهر كلام أحمد وجماعة خلافه.
_________________
(١) في (أ) و(ب): وقال.
(٢) في (أ): معدل. وينظر: مسائل أبي داود ص ٢٦٥، المغني ١/ ١٦٩.
(٣) قوله: (حرمه) هو في (أ): جزم به. والمثبت موافق لما في الفروع والإنصاف.
(٤) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٠٧، الاختيارات ص ٣٢.
(٥) في (و): عليه.
(٦) ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٥٠، مجموع الفتاوى ٢١/ ٣٠١.
(٧) ينظر: الفروع ١/ ٢٧٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقيل: اعتياد دخولها عذرٌ؛ للمشقَّة.
وقيل: ولا تتجرَّد، فتدخله في قميص خفيف، وأومأ إليه (^١).
الرابعة: ثمن الماء؛ على الزوج، أو عليها، أو ماء الجنابة عليه فقط، أو عكسه؟ فيه أوجه، وماء الوضوء كالجنابة، ذكره أبو المعالي.
قال في «الفروع»: ويتوجَّه: يلزم السَّيِّد شراء ذلك لرقيقه، ولا يتيمَّم في الأصحِّ.
الخامسة: تُكره القراءة فيه في المنصوص، ونقل صالح: لا يعجبني (^٢)؛ لنهي عمر عنه، رواه ابن بطَّة (^٣)، وظاهره (^٤): ولو خفض صوته، وذكر ابن عبد البَرِّ قال: سئل مالك عن القراءة فيه، فقال: (القراءة بكلِّ مكان حسن، وليس الحمَّام بموضع قراءة، فمن قرأ الآيات فلا بأس) (^٥).
_________________
(١) ينظر: الفروع ١/ ٢٧٠.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٣٤٩. ولم نجده في مسائل صالح.
(٣) أخرجه ابن بطة بإسناده إلى معاوية بن قرة في كتاب الحمام. كما ذكر شيخ الإسلام في شرح العمدة (١/ ٤٥٢)، وابن عبد الهادي في أحكام الحمام (ص ٢٤٥). وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٣٩٤)، عن أبان، عن مُورِّق العجلي، قال: شهدت كتاب عمر إلى أبي موسى ﵄: «إنه بلغني أن أهل الأمصار اتخذوا الحمامات، فلا يدخلن أحد إلا بمئزر، ولا يذكر فيه اسم الله حتى يخرج منه»، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه أبان بن أبي عياش، قال في التقريب: (متروك). وأخرجه عبد الرزاق (١١٢١)، عن ابن جريج بلاغًا. بنحوه. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (١١٧٥)، وعبد الرزاق (١١٢٠)، عن قتادة مرسلًا. ورواه ابن الجعد (٢٣٧٤)، عن جبير بن نفير كذلك. وأخرجه ابن أبي شيبة (١١٧٩)، عن مكحول مرسلًا. جميعهم لم يذكروا فيه عدم ذكر اسم الله.
(٤) في (و): فظاهره.
(٥) ينظر: بهجة المجالس لابن عبد البر ٣/ ٩٥.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وكذا السَّلام في الأشهر، ورخَّص فيه بعضهم كالذِّكر؛ فإنَّه حَسَنٌ؛ لما روى النَّخَعي: أنَّ أبا هريرة دخل الحمَّام فقال: «لا إله إلا الله» (^١)، وعن سفيان قال: «كانوا يستحبون لمن دخله أن يقول: يا برُّ يا رحيم، مُنَّ، وقنا (^٢) عذاب السموم» (^٣).
وسطحه ونحوه كبقيته، قال في «الفروع»: ويتوجَّه فيه كصلاةٍ.
السادسة: إذا اغتسل بحضرة أحد من بني آدم؛ وجب عليه ستر عورته، وإن لم يحضره أحد؛ فينبغي أن يستتر بسقف أو حائط أو نحوهما، وألا يرفع ثوبه حتَّى يدنُوَ من الأرض، قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (وهو أوكد) (^٤).
فإن تجرَّد في الفضاء واغتسل؛ جاز مع الكراهة، وقيل: لا يكره كما لو استتر بحائط، وذكر القاضي في كراهة كشف العورة للاغتسال في الخلوة روايتين.
السابعة: يكره الاغتسال في مستحَمٍّ أو ماءٍ عُريانًا. وعنه: لا، اختاره جماعةٌ وفاقًا، وقال أحمد: (لا يعجبني، إنَّ للماء سُكَّانًا، قاله الحسن) رواه أبو حفص العُكبري (^٥)،
_________________
(١) أخرجه ابن بطة بإسناده كما أفاده ابن تيمية في شرح العمدة (١/ ٤٥٢). وأخرجه ابن أبي شيبة (١١٦٨)، عن إبراهيم النخعي، عن أبي هريرة ﵁، ولم يذكر فيه وجه الشاهد، والنخعي لم يلق أبا هريرة ﵁. وأخرجه البيهقي في الدعوات (٤٨٢)، عن حفص بن عاصم قال: «كان أبو هريرة إذا دخل الحمام قال: لا إله إلا الله»، ورجاله ثقات.
(٢) زاد في (أ): برحمتك.
(٣) لم نقف عليه. وسفيان هو ابن عبد الله كما أفاده شيخ الإسلام في شرح العمدة (١/ ٤٥٢)، وهو سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي، صحابي، وكان عامل عمر على الطائف. ينظر: تقريب التهذيب ص ٢٤٤.
(٤) في (ب) و(و): آكد. وينظر: شرح العمدة ١/ ٤٠١.
(٥) أخرجه الدولابي في الكنى (٨١٧)، عن أبي سعيد عقيصَا، يسمى: دينارًا، قال: رأيت حسنًا وحسينًا يستنقعان وعليهما بردتان لهما، فأعظمت ذلك لحال البردتين، فقال: (يا أبا سعيد، أما علمت أن للماء سكانًا)، وأبو سعيد قال فيه ابن معين: (ليس حديثه بشيء)، وقال النسائي: (ليس بالقوي). وأخرجه عبد الرزاق (١١١٤)، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، أو عن أبي جعفر محمد بن علي. وجابر ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٨٧)، عن ليث، قال: أخبرني من رأى حسين بن علي، وذكره، وليث بن أبي سليم ضعيف، والراوي عنه مبهم. قال ابن تيمية: (واحتج به إسحاق، وأحمد بمعناه). ينظر: شرح العمدة ١/ ٤٤٥. وينظر قول أحمد في: الروايتين والوجهين ٣/ ١٣٨، المغني ١/ ١٧١.
[ ١ / ٣٠٠ ]
واحتجَّ أبو المعالي للتحريم خلوةً بهذا الخبر، والله أعلم (^١).
_________________
(١) جاء في هامش الأصل: (بلغ الولد نجم الدين أيده الله قراءة عليَّ من أوله إلى هنا، وأجزته. وكتبه: إبراهيم بن مفلح الحنبلي).
[ ١ / ٣٠١ ]