وهي ثابِتةٌ؛ بقوله (^١) تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وما ثبت في حقِّه ﷺ ثبت في حقِّ أمَّته، ما لم يَقُمْ دليلٌ على اختصاصه؛ لأنَّ الله تعالى أمر باتِّباعه، وتخصيصُه (^٢) بالخطاب لا يقتضي اختصاصَه بالحكم، بدليل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبَة: ١٠٣].
وبالسُّنَّة، وقد ثبت وصحَّ أنَّه ﵇ صلاَّها (^٣)، وأجمع الصَّحابةُ على فعلها، وصلاَّها عليٌّ (^٤)، وأبو موسى الأشعريُّ (^٥)، وحُذَيفةُ (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ز): لقوله.
(٢) في (د): ويخصصه.
(٣) سيأتي تخريجها قريبًا.
(٤) علَّقه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٥٨)، بقوله: ويُذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن عليًّا ﵁ صلى المغرب صلاة الخوف ليلة الهرير»، هكذا أخرجه البيهقي بغير إسناد، وأشار إلى ضعفه. وأخرج في المعرفة (٦٧٢٠)، عن الشافعي أنه قال: «وحُفظ عن علي بن أبي طالب أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير كما روى صالح بن خوات عن النبي ﷺ»، ولم يقف على إسناده النووي وابن الملقن وابن حجر والألباني كما يدل عليه صنيعهم. ينظر: المجموع ٤/ ٤١٤، البدر المنير ٥/ ٢٧، التلخيص الحبير ٢/ ١٨٧، الإرواء ٣/ ٤٢.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٢٩٠)، وابن جرير في التفسير (٧/ ٤٣٥)، عن الحسن: «أن أبا موسى صلى بأصحابه بأصبهان، فصلت طائفة منهم معه، وطائفة مواجهة العدو، فصلى بهم ركعة، ثم نكصوا وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، وقامت الطائفتان فصلتا ركعة»، وهذا مرسل جيد. وأخرج ابن أبي شيبة (٨٢٧٤)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٢٦٠)، عن قتادة، عن أبي العالية الرياحي عن أبي موسى نحوه. رجاله ثقات، إلا أنه منقطع بين قتادة وأبي العالية. وأخرج خليفة في تاريخه (ص ١٣٩)، عن يونس بن جبير: «أن أبا موسى صلى بدارا صلاة الخوف»، وهذا مرسل جيد، فالأثر ثابت عن أبي موسى بمجموع هذه الطرق.
(٦) أخرج أحمد (٢٣٢٦٨، ٢٣٣٨٩)، وأبو داود (١٢٤٦)، والنسائي (١٥٢٩)، وغيرهم، عن ثعلبة بن زهدم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام، فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: «أنا»، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا. رجاله ثقات، وثعلبة بن زهدم مختلف في صحبته، قال في التهذيب ٢/ ٢٢: (جزم بصحة صحبته ابنُ حبان وابن السكن وأبو محمد بن حزم وجماعة ممن صنف في الصحابة يطول تعدادهم).
[ ٢ / ٥٧٥ ]
فإن قلتَ: فالنَّبيُّ ﷺ لم يُصَلِّها يومَ الخندق؟
وجوابُه: بأنَّه كان قبل نزولها، قال في «الشَّرح»: ويَحتمِل أنَّه ﵇ نَسيَها يومئذٍ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ يَمنَعه (^١) منها.
(قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عبْدِ اللهِ) أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ حَنبَلٍ: (صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةُ الخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أَوْ سِتَّةٍ)، وقال في روايةٍ أخرى: ستَّةِ أَوجُهٍ أو سَبْعَةٍ (^٢)، (كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعَلَهُ)، قال الأثْرمُ: قلت لأبي عبد الله: تَقُول بالأحاديث كلِّها، أو تَختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا أَقُول مَنْ ذهَبَ إليها كُلِّها فحَسَنٌ، وأمَّا حديثُ سَهلٍ (^٣) فأنا أختاره (^٤).
وشرطُه: أن يكون العدوُّ مُباحَ القتال، سفَرًا كان أو حضَرًا، مع خَوف هُجومِهم على المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠١].
(فَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ؛ صَفَّ الْإِمَامُ المُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ)، قال جماعةٌ: أو أكثرَ، (فَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا) من الإحرام، والقيام، والرُّكوع، والرَّفع منه، (إِلَى أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدُ مَعَهُ الصَّفُّ الذِي يَلِيهِ، ويَحْرُسُ
_________________
(١) في (ز): تمنعه.
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ١١١، الأوسط لابن المنذر ٥/ ٤٣، وأما قول أحمد: (خمسة أو ستة) فلم نقف عليه، وفي مسائل ابن منصور ٢/ ٧٣٤: أنه من قول إسحاق لا أحمد.
(٣) سيذكره المصنف بلفظه.
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
الآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدُ وَيَلْحَقُهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الذِي حَرَسَ، وَحَرَسَ الآخَرُ، حَتَّى يَجْلِسَ فِي التَّشَهُّدِ فَيَسْجُدُ، وَيَلْحَقُهُ فَيَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ) جميعًا، هذه الصِّفةُ رواها جابِرٌ قال: «شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفَّنا خلْفَه صفَّينِ، والعدوُّ بيننا وبين القِبلة، فكبَّر رسولُ الله ﷺ فكبَّرنا جميعًا، ثمَّ ركَع وركعْنا، ثمَّ رفع رأسه من الرُّكوع ورفعْنا جميعًا، ثمَّ انحدَر بالسُّجود والصَّفُّ الذي يليه، وقام الصَّفُّ المؤخَّرُ في نَحْر العدوِّ، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ السُّجودَ، وقام الصَّفُّ الذي يليه؛ انحدر الصفُّ المؤخَّرُ بالسُّجود، وقاموا، ثمَّ تقدَّم الصَّفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّر الصَّفُّ المقدَّمُ، ثمَّ ركع، وركعْنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسَه من الرُّكوع، ورفعْنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسُّجود، والصَّفُّ الذي يليه الذي (^١) كان مؤخَّرًا في الركعة الأُولى، وقام الصَّفُّ المؤخَّرُ في نَحْرِ العدوِّ، فلمَّا قضى النَّبيُّ ﷺ السُّجودَ، وقام الصَّفُّ الذي يليه؛ انحدر الصَّفُّ المؤخَّرُ بالسُّجود فسجد، ثمَّ سلَّم النَّبيُّ ﷺ وسلَّمنا جميعًا» رواه مسلم، وروى البخاري بعضَه، وروى (^٢) هذه الصفة أحمد وأبو داود من حديث أبي عيَّاش (^٣) الزرقي (^٤)، قال: «فصلاَّها النَّبيُّ ﷺ مرَّتَينِ؛ مرَّةً بعُسْفَانَ، ومرَّة بأرض بني سُلَيمٍ» (^٥).
_________________
(١) قوله: (الذي) سقط من (أ).
(٢) في (أ): روى.
(٣) في (د) و(ز): أبي عباس.
(٤) في (ز): الرزقي.
(٥) أخرجه البخاري (٤١٣٠)، ومسلم (٨٤٠)، وحديث أبي عياش أخرجه أحمد (١٦٥٨٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي (١٥٤٩)، وابن حبان (٢٨٧٥)، وأعله البخاري بالإرسال، قال ابن رجب: (وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ، وأما أبو حاتم الرازي، فإنه قال في حديث منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش: إنه صحيح)، ثم قال: (قال الإمام أحمد: كل حديث رُوي في صلاة الخوف فهو صحيح)، وصححه الدارقطني، وقال ابن حجر: (إسناده جيد). ينظر: العلل الكبير للترمذي (١٦٥)، سنن الدارقطني (١٧٧٨)، الفتح لابن رجب ٨/ ٣٤٦، الإصابة لابن حجر ١١/ ٢٧٣.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
ولم يَذكُرِ المؤلِّفُ هنا تأخُّرَ المتقدِّمِ، وتَقدُّمَ المؤخَّرِ، وهو مذكور في الخبر كما ترى، وجزم به في «الوجيز».
فقيل: هو أَولى؛ للتَّساوي في فضيلة الموقف، ولقرب مواجهة العدُوِّ.
وقيل: يجوز؛ في الرَّكعة الثَّانية (^١) يَحرُس السَّاجدَ معه أوَّلًا.
وذكر القاضي وأصحابُه، واقتصر عليه في «المحرر»: أنَّ الصَّفَّ الأوَّلَ في (^٢) أوَّلِ ركعةٍ لا يَسجُدون مع الإمام، بل يَقِفون حَرَسًا؛ لأنَّه أحوطُ.
وإن حرَس بعض الصَّفِّ، أو جعلهم صَفًّا واحدًا؛ جاز؛ لحصول المقصود، وفِعْله ﵇ أَوْلَى.
وظاهِرُ (^٣) ما ذكره المؤلِّف: أنَّه لا يُشتَرَط لها إلاَّ أن يكون العدوُّ في جهة القِبلة، والأشهر: أنَّه يشترط مع ذلك ألا يَخفى بعضُهم عن المسلمين، وأن لا يخافوا كَمِينًا، زاد أبو الخطَّاب وتَبِعه في «التَّلخيص»: أو (^٤) يكونَ المسلمون فيهم (^٥) كثرةٌ بأن يَحرُس بعضُهم، ويصلِّي بعضٌ؛ لأنَّ المقصودَ يَحصُل به.
(الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ (^٦)، فَإِذَا قَامُوا إِلَى الثَّانِيَةِ؛ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمَّتْ لأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ (^٧) الْأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ
_________________
(١) في الفروع ٣/ ١١٦: (وفي الركعة الثانية).
(٢) قوله: (الأول في) هو في (ب) و(ز): من.
(٣) في (و): وظاهره.
(٤) في (ب) و(ز): أن.
(٥) في (ز): منهم.
(٦) زاد في (ب) و(ز): ركعة.
(٧) زاد في (ب) و(ز): الطائفة.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ؛ أَتَمَّتْ لأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ، وَسَلَّمَ بِهِمْ)، وذلك متَّفقٌ عليه من حديث صالح بن خوَّاتِ بن جُبَيرٍ عمَّن صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ يوم ذات الرِّقاع صلاة الخوف: «أنَّ طائفةً صفَّت معه، وطائفةً وجاه العدوِّ، فصلَّى بالتي معه ركعة، ثمَّ ثبت قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا وصفُّوا وِجاه العدوِّ، وجاءتِ الطَّائفةُ الأخرى فصلَّى بهم الرَّكعة التي بَقِيَتْ من صلاتِهِ، ثمَّ ثَبَتَ جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثمَّ سلَّم بهم»، وصحَّ عن صالِحِ بن خوَّات عن سهل بن أبي حَثْمةَ مرفوعًا (^١)، وهذا هو المختار عند أحمد؛ لأنَّه أنكى للعدو، وأقلُّ في الأفعال، وهو أشبهُ بكتاب الله تعالى، وأحوطُ للصلاة والحرب.
وإن صلَّى كما في حديث ابن عمر (^٢)، وهو الوجه الثَّالث؛ جاز.
وظاهره: أنَّه يشترط لهذه الصَّلاة أن يكون العدوُّ في غير جِهة القِبلة، وهو قول القاضي وجماعةٍ؛ لأنَّ صلاته ﵇ بذات الرِّقاع كانت كذلك، والمنصوص عن أحمد: أنَّها تفعل وإن كان العدو (^٣) في جهة القِبلة (^٤).
قال ابنُ تميمٍ: (قال شيخنا: نصُّ أحمد محمول على ما إذا لم تمكن صلاة عُسْفان؛ لانتشار العدوِّ، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكنت).
قوله: (جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ العَدُوِّ)؛ شرط (^٥) أبو الخطَّاب، واقتصر عليه في «التَّلخيص»: أن يكونَ المصلُّون يمكن تفريقهم طائفتين، كلُّ طائفةٍ ثلاثةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩).
(٣) قوله: (العدو) سقط من (أ).
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٢٩٨.
(٥) في (ز): شرطه.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وذهب المؤلِّف وجمعٌ: إلى عدم اشتراطه؛ لأنَّ ما دون الثَّلاثة يَصِحُّ به الجماعةُ، فجاز أن تكون (^١) طائفةً كالثَّلاثة، بل تطلق ويراد بها الواحد.
قال القاضي وغيره: إن كان كلُّ طائفةٍ أقلَّ من ثلاثةٍ؛ كُرِه، وصحَّ.
وظاهره: لا تجب (^٢) التَّسوية بينهما، لكن يجب أن تكون الطَّائفةُ التي بإزاء العدوِّ تحصل الثِّقةُ بكِفايتها وحراستها، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم فرارها، فإن فرَّط الإمامُ في ذلك؛ أثِمَ، وهو صغيرة، الأشبه أنَّه لا يقدح؛ لأنَّ النَّهي لا يختصُّ بشرط الصَّلاة، وقيل: يَفسق وإن (^٣) لم يتكرَّر، كالمودَع.
ومتى خشِي اختلالَ حالهم، واحْتِيج إلى معونتهم بالطَّائفة الأخرى؛ فللإمام أن يَنْهَز إليهم بمن معه، وثبتوا على ما مضى من صلاتهم، فإن أتى الطَّائفةَ التي بإزاء العدو مدَدٌ، استغنت به عن الحراسة؛ فهل تترك (^٤) الحراسة بغير إذن الإمام وتصلِّي (^٥)؟ فيه وجهان، وعليهما: متى صلَّت (^٦)؛ فصلاتُها صحيحةٌ.
قوله: (وَطَائِفَةً تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً)، يُستحَبُّ أن يخفِّف بهم الصَّلاة؛ لأنَّ موضوعها على التَّخفيف، وكذا الطَّائفة التي تفارقه.
وظاهره: أنَّها لا تفارقه حتَّى يَستقِلَّ قائمًا؛ لأنَّ النُّهوضَ يشترِكون فيه جميعًا، فلا حاجة إلى مفارقتهم له قبله؛ لأنَّها إنَّما جازت للعذر، وتنوي
_________________
(١) في (ب) و(و): يكون.
(٢) في (و): لا يجب.
(٣) في (و): إن.
(٤) في (و): يترك.
(٥) في (ب) و(و): ويصلي.
(٦) في (أ): جاءت.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
المفارقة؛ لأنَّ من ترك المتابَعةَ، ولم يَنوِ المفارقةَ؛ بطلت.
وتَسجُد لسهو إمامها قبل المفارقة عند فراغها؛ وهي بعد المفارقة منفرِدةٌ.
وقيل: مَنْويَّةٌ، والطَّائفةُ الثَّانية منويَّةٌ في كلِّ صلاته، يسجدون لسهوه لا لسهوهم.
قوله: (ثَبَتَ قَائِمًا)؛ أيْ: يقرأ حال انتظاره ويُطيلها، ذكره في «المحرَّر» وغيره، ولم يذكرها (^١) المؤلِّفُ؛ لأنَّه ليس في الصَّلاة حالُ سكوتٍ، والقيامُ محلُّ القراءة، فينبغي أن يأتي بها؛ كما في التشهُّد إذا انتظرهم.
وقال القاضي: إذا قرأ في انتظارهم؛ قرأ بعد مجيئهم بفاتحة الكتاب وسورةٍ خفيفةٍ، وإن لم يقرأ في انتظارهم؛ قرأ إذا جاؤوا بالفاتحة وسورةٍ، وهذا على سبيل الاستحباب، فلو قرأ قبل مجيئهم، ثمَّ ركع عند مجيئهم، أو قبلَه، فأدركوه راكعًا؛ ركعوا معَه، وصحَّت لهم الرَّكعة مع ترك السُّنَّة.
قوله: (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ)، أي: يتشهَّدُ ويطيلُه، ويُطيل الدَّعاء فيه حتَّى يُدركوه فيتشهَّدوا، ويسلِّم بهم.
وقيل: له أن يُسلِّم قبلهم بعد أن صلَّوا معه ركعةً، ثمَّ يُصَلُّوا وحدَهم ركعةً أخرى ويُسلِّموا.
والأوَّل أَوْلى لموافقة الخبر، ولقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، فيدلُّ على أنَّ صلاتَهم كلَّها معه، ولِتَحصُلَ المعادلةُ بينهما، فإنَّ الأُولى أدركت معه فضيلةَ الإحرام، والثَّانية السَّلامَ.
وهذه الصِّفة والتي (^٢) قبلها؛ في الرَّكعتين، كصلاة الفجر، والرُّباعيَّة المقصورة للمسافِر، فأمَّا الجُمَعة فتصلَّى (^٣) في الخوف حضرًا بشرط كون
_________________
(١) في (ز): يذكره.
(٢) في (ب) و(و): التي.
(٣) في (أ): الجُمَع فيصلَّى.
[ ٢ / ٥٨١ ]
الطَّائفة أربعين، فيصلِّي بطائفةٍ ركعةً بعد حضورها الخُطبةَ، فإن أحرم بالتي لم تحضرها؛ لم يَصِحَّ، وتقضي كلُّ طائفةٍ ركعةً بلا جهرٍ.
ويُصلَّى الاستسقاءُ ضرورةً كالمكتوبة، والكُسوفُ والعِيدُ آكَدُ منه.
(فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا؛ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً)، ذَكَره الأصحابُ؛ لأنَّه إذا لم يكن بدٌّ من التَّفضيل؛ فالأُولى أَحَقُّ به، وما فات الثَّانيةَ يَنجبِرُ بإدراكها السَّلام مع الإمام.
ونَصَّ أحمد على أنَّه لو عَكَس؛ صحَّتْ (^١)، ورُوي عن عليٍّ (^٢)؛ لأنَّ الأُولى أدركتْ معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يزيدَ الثَّانية في الرَّكعات؛ ليَحصل الجبرُ به.
قال في «الشَّرح»: (وكيف فعل جازَ)، والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّها تصلِّي جميع صلاتها في حكم الإتمام، والأُولى تَفعَل صلاتَها في حكم الانفراد.
قال في «الفروع»: (ويتخرَّج: تَفسُد (^٣) من فسادها بتفريقهم (^٤) أربعَ طوائفَ.
وعلى الأوَّل: إذا صلَّى بالثَّانية الرَّكعة الثَّالثة، وجلس للتَّشهُّد؛ قامت ولا تتشهَّد معه؛ لأنَّه ليس بموضع لتشهُّدها، بخلاف الرُّباعية.
وفيه وجْهٌ: تتشهَّد معه إذا قلنا: إنَّها تقضي ركعتين متوالِيتَين؛ لئلاَّ يفضي إلى أن يُصلِّيَ ثلاث ركعاتٍ بتشهُّدٍ واحدٍ، ولا نظير له.
(وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ؛ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ١٢٢.
(٢) لم نقف عليه. قال في المغني ٢/ ٣٠٥: (لأنه روي عن علي ﵁ أنه صلى ليلة الهرير هكذا)، وتقدم في أول الفصل الكلام عن صلاة الخوف الواردة عن علي ﵁.
(٣) في (ب) و(د): يفسد.
(٤) في (أ): تفريقهم.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الْأُولَى) بعد مفارَقة الإمام (بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) وحدَها (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لأنَّها آخِرُ صلاتِها، (وَ) تقوم (الْأُخْرَى) إذا تشهَّدت معه الأُولى (تُتِمُّ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وَسُورَةٍ)؛ لأنَّها أوَّل صلاتها، وتستفتح إذا قامت للقضاء (^١)، ويُسلِّم بهم.
وإن قلنا: ما يقضيه المسبوقُ آخر صلاته؛ فلا استفتاح، ولا يقرأ السُّورةَ.
(وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ (^٢)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدهما (^٣): تُفارِقه (^٤) إذا فرغ من التَّشهُّد، قدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»، وجزم به في «الوجيز» وغيره، ويَنتظِر الثَّانية جالسًا، يكرِّره، فإذا أتت قام لتدرك (^٥) جميع الرَّكعة الثَّالثة، ولأنَّ الجلوس أخف على الإمام؛ لأنَّه متى انتظرهم قائمًا احتاج إلى قراءة السُّورة في الثَّالثة، وهو خلاف السُّنَّة.
وقال أبو المعالي: تُحْرِمُ معه، ثمَّ يَنهَض (^٦) بهم.
والثَّاني: يفارقونه حين قيامه إلى الثَّالثة؛ لأنَّه يحتاج إلى التَّطويل من أجل الانتظار، والتَّشهُّد يُستحَبُّ تخفيفُه، ولأنَّ ثوابَ القائم أكثرُ.
قال في «الشَّرح»: وكلاهما جائزٌ.
وتَصِحُّ (^٧) بطائفةٍ ركعةً، وبأخرى ثلاثًا، ويكون تاركًا للأفضل، قاله ابنُ تميمٍ.
(وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً)، أو فرَّقهم ثلاثَ فِرَقٍ،
_________________
(١) كتب على هامش (د): (وهو المذهب).
(٢) في (أ) و(د) و(و) و(ز): الثانية.
(٣) في (ز): إحداهما.
(٤) في (ب) و(و): يفارقه.
(٥) في (أ): ليدركه.
(٦) في (ز): نهض.
(٧) في (أ): ويصحُّ.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
فصلَّى بالأُولى ركعتَين، وبالباقيتَين (^١) ركعةً ركعةً، أو صلَّى بكلِّ فِرْقةٍ ركعةً في المغرب؛ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيَنِ) فقطْ، ذَكَره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و«الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّهما ائْتَمَّا بمَن صلاتُه صحيحةٌ، ولمفارقتها قبل الانتظار الثَّالث، وهو المبطِل؛ لأنَّه لم يَرِد، (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ)؛ لأنَّه زاد انتظارًا ثالثًا لم يَرِد الشَّرعُ به، فوجب بطلانُها، أشبه ما لو فعله من غير خَوفٍ.
وسواءٌ كان هذا التَّفريقُ لحاجةٍ أو غيرِها، قاله ابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّه يُمكنهم صلاةُ شدَّةِ الخَوفِ.
(وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ)؛ لأنَّهما ائْتَمَّا بمَن صلاتُه باطِلةٌ، أشْبهَ ما لو كانت باطلةً من أوَّلها.
وظاهره: أنَّهما إذا جهلتا بطلانَ صلاة الإمام أنَّها تَصحُّ؛ لأنَّه ممَّا يخفى، وكما لو ائْتَمَّ بمُحدِثٍ لا يعلم حدثَه، ويجوز خَفاؤه على الإمام أيضًا، قاله في «الشَّرح» و«الوجيز».
وفيه: تَبطُل صلاةُ الثَّالثة والرَّابعة مطلقًا؛ لأنَّ الإمامَ والمأمومَ يَعلمانِ وجودَ المبطِل، وإنَّما خَفِيَ عليهم حكمُه، فلم يَمنَع ذلك البُطلانَ، كما لو علم حدَث الإمام، ولم يعلم كونه مبطِلًا.
وقيل: إن كان لحاجةٍ صحَّت صلاةُ الجميع (^٢)، قال ابنُ تميمٍ: (وهو
_________________
(١) في (د) و(و): وبالثانيتين.
(٢) كتب على هامش (و): (قوله: "وقيل إن كان لحاجة … " إلخ، هذا القول قاله المجد في شرحه، ونص كلامه: والصحيح عندي على أصلنا إن كان هذا الفعل لحاجة؛ صحت صلاة الكل؛ كحاجتهم إلى ثلاثمائة بإزاء العدو والجيش أربعمائة؛ لجواز الانفراد لعذر، والانتظار إنما تطويل قيام وقراءة وذكر، وإن كان لغير حاجة؛ صحت صلاة الأولى؛ لجواز مفارقتها، بدليل جواز صلاته بالثانية الركعات الثلاث، وبطلت صلاة الإمام والثانية؛ لانفرادها بلا عذر، وهو مبطل على الأشهر وبطلت صلاة الثالثة والرابعة؛ لدخولها في صلاة باطلة).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أقْيسُ، فعلى هذا تُفارِقه الأوليان بعد القيام، وتُفارِقه (^١) الثَّالثة، وتقوم الرَّابعة عَقِب رفعه من السُّجود، وإن كان لغير حاجة؛ صحَّت (^٢) صلاةُ الأُولى فقط، وبطلت صلاة الإمام وباقي الطَّوائف).
وقيل: تَبطُل صلاةُ الكلِّ؛ لنيَّته صلاةً محرَّمةً ابتداءً.
وقيل: تصحُّ صلاةُ الإمام فقط، جزم به في الخلاف؛ لأنَّ صلاة المأمومين إنَّما فسدت لانصرافهم في غير وقت الانصراف.
قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ: تَبطُل صلاةُ الأُولى والثَّالثة (^٣)؛ لانصرافهما في غير محلِّه).
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي (^٤) إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا)؛ لما رَوى ابنُ عمرَ قال: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ صلاةَ الخَوفِ (^٥) بإحدى الطَّائفتين ركعةً وسجدتَين، والطَّائفةُ الأخرى مُواجِهةُ العدوِّ، ثمَّ انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبِلين على العدوِّ، وجاء أولئك فصلَّى بهم (^٦) النَّبيُّ ﷺ ركعةً ثمَّ سلَّم، ثمَّ قضى هؤلاء ركعةً، وهؤلاء ركعةً» متَّفقٌ عليه (^٧).
_________________
(١) في (ب) و(و): ومفارقة.
(٢) قوله: (صحت) سقط من (أ).
(٣) هكذا بخط المؤلف و(أ). والذي في (ب) و(د) و(و): والثانية. وهو الموافق لما في الفروع ٣/ ١٢٣، والإنصاف ٥/ ١٣٥، قال المرداوي: (ووجه في «الفروع» بطلان صلاة الأولى والثانية؛ لانصرافهما في غير محله).
(٤) في (و): يمضي.
(٥) في (ز): للخوف.
(٦) في (أ): لهم.
(٧) أخرجه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وعلى كلِّ طائفةٍ القراءةُ في الرَّكعة التي تقضيها.
وقال القاضي: لا قراءة عليها؛ لأنَّها مُؤتَمَّةٌ به حكمًا، فلا تقرأ (^١) فيما تقضيه (^٢)؛ كمن (^٣) زُحم أو نام حتَّى سلَّم إمامه، والمنصوصُ خلافُه (^٤).
وإن قضت الثَّانيةُ ركعتها حين تفارق الإمام ثمَّ تمضي، وتأتي الأولى فتُتِمُّ صلاتَها؛ جاز، قال ابن تميم: وهو أحسنُ؛ لخبر ابن مسعودٍ (^٥).
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا)، رواه أحمدُ وأبو داود والنَّسائي عن أبي بكْرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (^٦)،
_________________
(١) في (أ) و(د) و(ز): يقرأ.
(٢) في (د) و(ز): يقضيه.
(٣) في (أ): من.
(٤) ينظر: الفروع ٣/ ١٢٤.
(٥) أخرجه أحمد (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٤)، من طريق خُصيف، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، ولفظه: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف فقاموا صفًّا خلف رسول الله ﷺ، وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة، ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم، واستقبل هؤلاء العدو، فصلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلَّم، فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلَّموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا»، وخصيف بن عبد الرحمن ضعيف، وتابعه أبو إسحاق السبيعي عند الطبراني في الكبير (١٠٢٧٢)، لكنه من رواية شَريك بن عبدالله النخعي وهو صدوق يخطئ كثيرًا، قال البيهقي: (وهذا الحديث مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه، وخُصيف الجزري ليس بالقوي)، وضعفه النووي والألباني. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٤٦، ضعيف سنن أبي داود ٢/ ٤٠.
(٦) أخرجه أبو داود الطيالسي (٩١٨)، وأحمد (٢٠٤٩٧)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٨٣٦)، والبزار (٣٦٥٨)، والدارقطني (١٧٨١)، من طريق الحسن، عن أبي بكرة، وحسن إسناده البزار، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، وأعله ابن القطان بالانقطاع؛ لأن أبا بكرة أسلم في حصار الطائف فهو لم يشهد هذه الصلاة، قال ابن حجر: (وهذه ليست بعلة؛ فإنه يكون مرسل صحابي)، وصححه ابن الملقن. ينظر: بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٧٥، البدر المنير ٥/ ٨، التلخيص الحبير ٢/ ١٧٨.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ورواه الشَّافعيُّ والنَّسائيُّ عن جابِرٍ مرفوعًا (^١).
وذكر جماعةٌ: أنَّ هذه صفة (^٢) حَسنةٌ قليلةُ الكُلفة، لا يُحتاج فيها إلى مفارَقة الإمام، ولا إلى تعريف كيفيَّة الصَّلاة.
وبناه القاضي على اقتداء المفترِض بالمتنفِّل، ونصُّه: التَّفرقةُ (^٣).
(الْوَجْهُ الخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ المَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ (^٤) مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونُ (^٥) لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً)؛ لما رَوى جابِرٌ قال: «أقْبلْنا مع النَّبيِّ ﷺ حتَّى إذا كنَّا بذاتِ الرِّقاع، قال: فنُودِي بالصَّلاة، فصلَّى بطائفةٍ ركعتين ثمَّ تأخَّروا، وصلَّى بالطَّائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت (^٦) لرسول الله ﷺ أربعُ ركعاتٍ، وللقوم ركعتان ركعتان (^٧)» متَّفقٌ عليه (^٨).
وتأوَّله القاضي: على أنَّه ﵇ صلَّى بهم كصلاة الحضَر، وأنَّ كلَّ طائفةٍ قضت ركعتين. وهو تأويلٌ فاسِدٌ؛ لمخالَفة صفة الرِّواية وقولِ أحمدَ، ومنعه صاحب «المحرَّر»؛ لاحتمال سلامه، فتكون (^٩) الصِّفة قبلها.
تتميمٌ: وهو الوجْهُ السَّادسُ، ولم يذكره المؤلِّف هنا، وهو: لو قصرها
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٤٠)، والبخاري مختصرًا (٤١٢٥)، والشافعي كما في المسند (ص ٥٧)، والنسائي (١٥٤٥).
(٢) في (أ): الصفة.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٦١، الفروع ٣/ ١٢٥.
(٤) في (ب) و(و): ويصلي.
(٥) في (و): فيكون.
(٦) في (ب) و(و): وكانت.
(٧) قوله: (ركعتان) سقط من (أ).
(٨) أخرجه البخاري (٤١٣٦)، ومسلم (٨٤٣).
(٩) في (و): فيكون.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وصلَّى بكلِّ طائفة (^١) ركعةً بلا قضاءٍ؛ كصلاته ﵇ في خبر ابن عبَّاسٍ وحُذيفةَ وزيد بنِ ثابِتٍ (^٢)؛ صحَّ في ظاهر كلامه (^٣)، واختاره المؤلِّف، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع» و«مَجمَع البحرَين» وغيرهم، والمذهبُ خلافُه، وعليه الأكثر.
قال في «الشَّرح»: الذين (^٤) قالوا: ركعةً، إنَّما هو عند شدَّة القتال، والذين رَوَينا عنهم صلاة النَّبيِّ ﷺ أكثرُهم لم ينقُصوا من ركعتين، وابن عبَّاسٍ
_________________
(١) قوله: (بكل طائفة) هو في (ز): بطائفة.
(٢) حديث ابن عباس ﵄: أخرجه أحمد (٢٣٨٢)، والنسائي في الكبرى (١٩٣٦)، وابن خزيمة (١٣٤٤)، من طريق أبي بكر بن أبي جهم، عن عبيد الله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال الشافعي: (وقد روي حديث لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله)، وذكره، وأخرجه البخاري (٩٤٤) بلفظٍ ليس فيه الاجتزاء بركعة واحدة، من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: «قام النبي ﷺ، وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا». قال ابن رجب: (وإذا اختلف أبو بكر بن أبي الجهم والزهري، فالقول قول الزهري، ولعل مسلمًا ترك تخريج هذا الحديث للاختلاف في متنه، وقد صحح الإمام أحمد إسناده). وأخرج مسلم (٦٨٧)، عن ابن عباس أنه قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». وحديث حذيفة ﵁: أخرجه أبو داود (١٢٤٦)، والبزار (٢٩٦٨)، وابن خزيمة (١٣٤٣)، والحاكم (١٢٤٥)، ولفظه عند أبي داود: «فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا»، وصححه ابن خزيمة والحاكم والألباني. وحديث زيد بن ثابت ﵁: أخرجه النسائي (١٩٣٢)، وابن خزيمة (١٣٤٥)، وأحالَا على لفظ حديث حذيفة، وسنده صحيح أيضًا. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٦٠٤٩)، فتح الباري لابن رجب ٨/ ٣٦٥، الإرواء ٣/ ٤٤، صحيح أبي داود ٤/ ٤٠٩.
(٣) في (أ) و(ب) و(د) و(و): كلامهم.
(٤) في (ز): والذين.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
لم يَعلَم ذلك لصغر سنِّه، فالأخذ برواية من حضرها وصلاها مع النَّبيِّ ﷺ أَوْلى.
زيادةٌ: إذا صلَّى بهم صلاةَ النَّبيِّ ﷺ عامَ نَجْدٍ على ما خرَّجه أحمدُ من حديث أبي هريرة (^١)؛ وهي: أن تقوم (^٢) معه طائفةٌ، وأخرى تُجاه العدوِّ، وظَهرُها إلى القِبلة، ثمَّ يُحرِم وتُحرِم معه الطَّائفتان، ثمَّ يصلِّي ركعةً هو والتي معه، ثمَّ يقوم إلى الثَّانية ويذهب الذين معه إلى وجه العدوِّ، وتأتي الأخرى فتَركَع وتَسجُد، ثمَّ يصلِّي بالثَّانية ويجلس، وتأتي التي تُجاه العدوِّ فتركع وتسجد، ويسلِّم بالجميع؛ جاز.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلَهُ؛ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ)، ذَكَره مُعظَمُ الأصحاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠٢]، فدلَّ على الجُناح عند عدم ذلك، ولأنَّه لو وجب لكان شرطًا كالسُّترة، قال ابنُ مُنَجَّى: (وهو خلاف الإجماع)، ولأنَّ حمله يراد لحراسةٍ أو قتالٍ، والمصلِّي لا يَتَّصف بواحدةٍ منهما، والأمر به للرِّفق بهم والصِّيانة لهم، فلم يكن (^٣) للإيجاب، كما أنَّ النَّهي عن الوِصال لمَّا كان للرِّفق؛ لم يكن للتَّحريم.
وذَكَر الشَّريف وابنُ عَقِيلٍ: بأنَّ حملَه في غير الصَّلاة محظورٌ، فالأمرُ به هنا أمرٌ بعد حظرٍ، وهو للإباحة مع قولهم: يُستحَبُّ.
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا (٤١٣٦)، وأحمد (٨٢٦٠)، وأبو داود (١٢٤٠)، وابن خزيمة (١٣٦١)، وحسنه البخاري، نقله عنه الترمذي في العلل (١٦٨).
(٢) في (و): يقوم.
(٣) في (د) و(و): تكن.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وظاهره: أنَّه يُكرَه حمل ما يُثقِله كالجَوْشَن، وما يَمنَع من إكمالها كالمِغْفَر، وما يَضرُّ غيرَه كالرُّمح، هذا إذا كان متوسِّطًا، فإن كان في حاشية لم يُكرَه، قال (^١) جماعةٌ: وإن احتاج إلى ذلك؛ فلا كراهة.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ)؛ أي: حَمْل الخِفِّ من سلاحٍ يَقِيه، واختاره جماعةٌ، وقاله داود (^٢)، وفي «الشَّرح»: (وهو أظهرُ؛ لأنَّ الأمرَ للوجوب)، وليس بشرطٍ وِفاقًا (^٣)، قال في «الفروع»: (ويَتوجَّهُ احتمالٌ).
لكنْ إن كان بهم أذًى من مطرٍ أو مرضٍ، فلا يجب بغير خلاف (^٤).
فرعٌ: يجوز حملُ سلاحٍ نَجِسٍ في هذه الحال للحاجة، بلا إعادة على المشهور.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(د) و(ز): قاله.
(٢) في (ب) و(و): أبو داود. والمثبت موافق لما في المغني ٢/ ٣٠٦.
(٣) ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٤٤، شرح التلقين ١/ ١٠٥١، الحاوي الكبير ٢/ ٤٦٨، الشرح الكبير ٥/ ١٤٢.
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٥٩٠ ]