أجمَعوا على قصرها بشرطه، وسنَدُه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠١]، علَّق القصرَ بالخوف؛ لأنَّ الآية نزلت على غالب أسفاره ﵇، وأكثرُها لم تَخلُ من عدوٍّ.
وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين أنَّ القَصْرَ قِسمان (^١):
مُطْلَق: وهو ما اجتمع فيه قصر الأفعال والعَدَد؛ كصلاة الخوف حيث كان مسافرًا، فإنَّه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن، والآية وردت على هذا.
ومُقيَّد: وهو ما اجتمع فيه قصر العدد فقط؛ كالمسافِر، أو قصر العمل فقط؛ كالخائف.
وهو حسَنٌ، لكنْ يَرِد عليه (^٢) قَولُ يَعْلَى لِعُمرَ بن الخطَّاب: ما لنا نَقْصُر وقد أمِنَّا؟ فقال: سألتُ رسولَ الله ﷺ (^٣) فقال: «صدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبَلوا صدقتَهُ» رواه مسلمٌ (^٤)، فظاهِرُ ما فَهِماه (^٥): تقييدُ قصرِ العدد بالخوف، والنَّبيُّ ﷺ أقرَّهما على ذلك.
وقيل: قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٠١]؛ كلامٌ مبتدَأٌ معناه: وإن خفتم.
وقال ابنُ عمرَ: «صحبتُ النَّبيَّ ﷺ فكان لا يزيد في السَّفر على ركعتَين، وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ كذلك» متَّفقٌ عليه (^٦).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩١.
(٢) في (ب) و(ز): على هذا.
(٣) من هذا الموضع سقط من (د).
(٤) أخرجه مسلم (٦٨٦).
(٥) في (و): فهمناه.
(٦) أخرجه البخاري (١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩).
[ ٢ / ٥٤١ ]
(وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا)، ذَكَره أكثرُ (^١) الأصحاب، وحكاه ابن هُبَيرةَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه ﵇ كان يترخَّص (^٢) في العود من (^٣) السَّفر، وهو مُباحٌ، وكالغزو، وفي «الوجيز»: سفرًا جائزًا، وهو أعمُّ.
والمرادُ: من ابتدأ سفرًا مُباحًا، وصرَّح به في «الفروع»، والأصحُّ: أو هو أكثرُ قصده.
وعنه: لا يَترخَّص في سفر النُّزهة والتَّفرُّج، اختاره (^٤) أبو المعالي؛ لأنَّه إنَّما شُرع إعانةً على تحصيل المصلحة، ولا مصلحة في هذا.
وظاهِرُ (^٥) كلامِ ابنِ حامِدٍ: اختصاصُه بسفر الطَّاعة.
وقال في «المبهج»: إذا سافر لتجارةٍ مُكاثِرًا في الدُّنيا؛ فهو سفرُ معصيةٍ.
والأَوَّل أَوْلى، وهو شامِلٌ إذا غُرِّبت المرأةُ ومعها مَحرَمٌ، فله التَّرخُّصُ، وكذا الزَّاني، وقاطِع الطَّريق (^٦)، وفيهما وجْهٌ (^٧).
ودَلَّ على جوازه في سفرٍ واجبٍ من باب التَّنبيه.
ولا قصر في سفر المعصية، نَصَّ عليه (^٨)؛ لما فيه من الإعانة على المعصية.
_________________
(١) في (و): معظم.
(٢) في (أ): يرخص.
(٣) في (أ) و(د) و(ز): في.
(٤) في (ب) و(ز): واختاره.
(٥) في (ب) و(ز): فظاهر.
(٦) كتب في هامش (و): (لأنَّه سفر وجب بالشرع؛ أشبه سفر الفرد).
(٧) كتب على هامش (و): (قوله: "وفيهما وجه"، قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا تقصر؛ لأنَّه سفر سببه المعصية، أشبه سفر المعصية، ولأنَّه ليس بأحسن حالًا من سفر النزهة وفيه روايتان، فيخرج ههنا مثله).
(٨) ينظر: مسائل ابن منصور ٥/ ٢٤١٣، زاد المسافر ٢/ ٢١٨. كتب في هامش (و): (واختار الشيخ تقي الدين: جواز القصر فيه، ورجحه ابن عقيل في بعض المواضع).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وأباح في «التَّلخيص» تناول الميتة للضَّرورة.
ولو عصى في سفره المباحِ لم يَمنَع التَّرخُّصَ؛ كارتكابها في الحضر (^١) لا يمنعه.
ومن (^٢) نقل سفرَه المباحَ إلى معصيةٍ؛ لم يترخَّص في الأصحِّ؛ لزوال سببه.
وإن نقل سفرَ المعصية إلى مباح، وقد بقِي مسافة قَصْرٍ؛ قَصَرَ في الأصحِّ؛ لأنَّ وجودَ ما مضى من (^٣) سفره كعدَمه.
مسألة: إذا سافَر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عَقِيلٍ وصاحبُ «التَّلخيص»: لا يُباح له التَّرخُّصُ (^٤)؛ لقوله: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ لثلاثةِ مساجدَ» متَّفقٌ عليه (^٥).
وقال المؤلِّف: الصَّحيح جوازُه، والحديثُ محمولٌ على نفي الفضيلة.
وقال ابن المنَجَّى: السَّفرُ المكروهُ؛ كزيارة القبور والمشاهد؛ ملحَق بالسَّفر المحرَّم، وفيه نَظرٌ.
واختَلف كلامُ الحُلْوانيِّ؛ هل السَّفرُ لزيارة النَّبيِّ ﷺ أو الوالدين واجِبٌ، أو طاعةٌ كزيارته ﵇؟
لكنْ قال أبو محمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ: يَحرُم الشَّدُّ إلى غَير المساجد الثَّلاثة، نقله النَّوويُّ (^٦)، وذَكَر الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَجِب (^٧) السَّفرُ المنذورُ إلى المشاهِدِ.
_________________
(١) قوله: (الحضر) سقط من (أ).
(٢) في (و): ولو.
(٣) في (أ): في.
(٤) في (ز): الرخص.
(٥) أخرجه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧).
(٦) ينظر: شرح مسلم ٩/ ١٠٦.
(٧) كتب على هامش (و): (لعله: لا يجب). والصواب: أن شيخ الإسلام ذكره ذلك وجهًا في المذهب لا اختيارًا، كما في الفروع ٥/ ١٥٦، قال: (وحكى شيخنا وجهًا: يجب السفر المنذور إلى المشاهد، ومراده والله أعلم: اختيار صاحب الرعاية). ويدل لذلك ما قرره شيخ الإسلام من تحريم السفر لتلك المشاهد، قال في مجموع الفتاوى ٢٧/ ٨: (ولو نذر السفر إلى قبر الخليل ﵇، أو قبر النبي ﷺ، أو إلى الطور الذي كلَّم الله عليه موسى ﵇، أو إلى جبل حراء الذي كان النبي ﷺ يتعبد فيه وجاءه الوحي فيه، أو الغار المذكور في القرآن، وغير ذلك من المقابر والمقامات والمشاهد المضافة إلى بعض الأنبياء والمشايخ، أو إلى بعض المغارات أو الجبال: لم يجب الوفاء بهذا النذر باتفاق الأئمة الأربعة؛ فإن السفر إلى هذه المواضع منهي عنه). وينظر: الرد على الإخنائي ١/ ١٩٥، مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٠، الإنصاف ٧/ ٥٨٧.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
(يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا)، الفَرْسَخُ: واحد الفَراسِخ، وهو ثلاثةُ أمْيالٍ هاشِميَّةٍ، وبأمْيال بني أُمَيَّة: مِيلانِ ونِصفٌ، والمِيلُ (^١): اثنا عشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، ستَّةُ آلاف ذراع، والذِّراعُ: أربعةٌ وعشرون أصبعًا مُعتَرِضةً مُعتدِلةً، كلُّ أصبُع: ستُّ حبَّاتِ شَعِيرٍ، بُطونُ بعضِها إلى بعضٍ، عَرْض كلِّ شعيرةٍ: ستُّ شَعَراتِ بِرْذَونٍ، وذلك أربعةُ بُرُدٍ، مسيرة يومَين قاصِدَين، نَصَّ عليه (^٢)، وهو قول عمر (^٣) وابن عبَّاسٍ (^٤)؛ لما روى الدَّارَقُطْنيُّ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا أهلَ مكَّةَ لا تَقصُروا في أقلَّ من أربعةِ بُرُدٍ، من مكَّةَ إلى عُسْفانَ» ضعَّفه أحمدُ ويحيى (^٥)،
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: (أي: الهاشمي).
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠٦، مسائل ابن منصور ٢/ ٦٧٤، مسائل صالح ١/ ١٣٥.
(٣) هكذا في الأصل في النسخ الخطية المعتمدة، والذي في كتب الأصحاب والموافق لما في المصادر الحديثية: ابن عمر. ولم نقف عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك شيئًا.
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٢٦١)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٩٧)، عن عطاء بن أبي رباح: «أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربع برد فما فوق ذلك»، وإسناده صحيح، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ٢/ ٤٣، وصحح النووي إسناده في الخلاصة ٢/ ٧٣٠.
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١١١٦٢)، والدارقطني (١٤٤٧)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥٤٠٤)، وقال: (وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس)، وقال النووي: (إسناده ضعيف جدًّا والصحيح موقوف على ابن عباس)، وضعفه ابن حجر. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٣١، الفتح ٢/ ٥٦٦، التلخيص الحبير ٢/ ١١٦، الإرواء ٣/ ١٣.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
مع أنَّ أحمدَ احتجَّ به مع تضعيفه (^١).
وظاهر كلامهم: أنَّ هذا تقريبٌ، وقال أبو المعالي: تحديدٌ.
والبَرُّ والبحرُ سواءٌ، فلو قطعه في زمنٍ يسيرٍ في البحر؛ قصر، كما لو قطعها في البرِّ في أقلَّ من يومين.
وذكر صاحب «المسالك» (^٢) أنَّ من دمشق إلى القَطيفة أربعةً وعشرين مِيلًا، ومن دمشق إلى الكُسوة اثنا عشر مِيلًا.
وعن ابن عبَّاسٍ وابن عمر: «يقصر في يوم» (^٣)، وقاله الأوزاعيُّ، وروى أبو داود: «أنَّ دِحية أفطر في (^٤) ثلاثة أميال، وأفطر معه ناسٌ كثيرون» (^٥).
وقيل: يقصر في طويل السَّفر وقصيره.
_________________
(١) ينظر: المغني ٢/ ١٨٨.
(٢) في (أ): المسائل. ينظر: المسالك والممالك لابن خرداذبة ص ٩٨.
(٣) أثر ابن عمر ﵄: أخرجه مالك (١/ ١٤٧)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢٢٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٩٤)، وعبد الرزاق (٤٣٠٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٣١٨٠)، عن سالم: «أن ابن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام»، وإسناده صحيح. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (٨١٤٧)، عن عطاء قال: قال ابن عباس: «تقصر الصلاة في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون ذلك»، وإسناده صحيح.
(٤) في (ب) و(ز): من.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٤١٣)، وابن خزيمة (٢٠٤١)، عن منصور الكلبي عن دحية. وإسناده ضعيف؛ لجهالة منصور الكلبي، قال ابن خزيمة: (إن ثبت الخبر، فإني لا أعرف منصور بن زيد الكلبي هذا بعدالة ولا جرح)، وقال في التقريب: (مستور)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ٢/ ٢٧٩.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
والأوَّلُ أَوْلى؛ لأنَّه مسافة تجمع مشقَّة السَّفر من الحلِّ والعقد (^١)، فجاز القصر فيه كغيره.
قال المؤلِّفُ: (والحجَّةُ مع من أباح القصرَ لكلِّ مُسافِرٍ، إلاَّ أنَّ الإجماع انعقد على خلافه) (^٢).
(فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً إِلَى رَكْعَتَيْنِ)، ولا قصر في المغرب والفجر إجماعًا، حكاه ابن المنذِر (^٣)؛ لأنَّ الفجر لو قُصرت صارت ركعةً، ولا نظير لذلك في الفرض، والمغربُ وتر النَّهار، فلو قُصر منها ركعةٌ؛ لم تَبقَ وترًا، وركعتان كان إجحافًا بها، وإسقاطًا لأكثرها، ولا نظير لها في الفرض.
(إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ)؛ لأنَّ الله تعالى جوَّز القصرَ لمن ضَرب في الأرض، وقبل مُفارَقةِ ما ذُكر لا يكون ضاربًا ولا مسافرًا، ولأنَّ (^٤) ذلك أحدُ طرفي السَّفر، أشبه حالة الانتهاء، و«لأنَّه ﵇ كان يَقصُر إذا ارتحل» (^٥).
فعلى هذا: يَقصُر إذا فارَق بيوتَ قريته العامرة (^٦)، بشرْط أن لا يَرجِع، أو لا يَنوِي الرُّجوعَ قريبًا، فإن فعل؛ لم يترخَّص حتَّى يرجع ويفارقه، ولو لم ينوِ الرُّجوع لكن بدا له لحاجة؛ لم يترخَّص بعد نيَّة عَوده حتَّى يفارِقَه ثانيًا.
وقيل: والخراب، كما لو ولِيه عامِرٌ، وقال أبو المعالي: أو جعل مزارع
_________________
(١) قوله: (والعقد) سقط من (أ) و(ز) و(و).
(٢) عبارة المغني ٢/ ١٩٠، والشرح الكبير ٥/ ٤١: (إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه).
(٣) ينظر: الأوسط ٤/ ٣٣١، الإجماع ص ٤١.
(٤) في (و): لأن.
(٥) مراده كما في الشرح الكبير (٥/ ٤٥)، ما أخرجه البخاري (١٠٨٩)، عن أنس بن مالك ﵁، قال: «صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين»، وبوَّب عليه البخاري قوله: (باب يقصر إذا خرج من موضعه).
(٦) قوله: (العامرة) سقط من (أ).
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وبساتين يسكنه أهله، ولو في فصل للنُّزهة.
وقيل: يَقصُر بمفارقته (^١) سور بلده.
وظاهِرُه: ولو (^٢) اتَّصل به بلدٌ، واعتبر أبو المعالي انفصاله ولو بذراع.
ويعتبر في ساكن القصور والبساتين؛ مفارقة ما نسبوا إليه عرفًا.
(وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ)؛ نَصَّ عليه (^٣)؛ لأنَّه ﵇ داوَم عليه، ولم يُنقَل عنه الإتمامُ، وكذلك الخلفاء الرَّاشدون مِنْ بعده (^٤)، وروى أحمدُ: أنَّ عمرَ قال (^٥): «إنَّ اللهَ يُحبُّ أن تُؤتى رُخصُهُ كما يَكرَهُ أن تُؤتى معصيَتُهُ» (^٦).
وفيه وجْهٌ: أنَّ الإتمامَ أفضلُ؛ لأنَّه أكثر عملًا وعددًا، وهو الأصلُ، أشبه غسل الرِّجلين.
(وَإِنْ (^٧) أَتَمَّ؛ جَازَ) في المشهور؛ للآية، ولِحديث يَعلَى (^٨)، قالت
_________________
(١) في (ب) و(ز) و(و): بمفارقة.
(٢) في (و): فلو.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨١، زاد المسافر ٢/ ٢٢٠.
(٤) أخرج البخاري (١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩)، عن ابن عمر ﵄ قال: «صحبت رسول الله ﷺ؛ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك ﵃».
(٥) هكذا بخط المؤلف وفي جميع النسخ الخطية المعتمدة، وتبعه على ذلك في كشاف القناع وشرح منتهى الإرادات ومطالب أولي النهى، ولم نقف عليه من قول عمر ﵁، وصوابه: عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
(٦) أخرجه مرفوعًا: أحمد (٥٨٦٦)، وابن خزيمة (٢٠٢٧)، وابن حبان (٢٧٤٢)، والبيهقي في الشعب (٣٦٠٧)، وحسن إسناده الهيثمي، وصححه الألباني. ينظر: مجمع الزوائد ٣/ ١٦٢، الإرواء ٣/ ٩. وأخرجه موقوفًا: ابن أبي شيبة (٢٦٤٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩١)، عن تميم بن سلمة، عن ابن عمر ﵄، ورجاله ثقات، إلا أن تميم بن سلمة لم يدرك ابن عمر، قال أبو نعيم: (كذا رواه تميم عن ابن عمر موقوفًا، ورواه نافع وغيره عنه مرفوعًا).
(٧) في (ب) و(و): فإن.
(٨) أخرجه مسلم (٦٨٦).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
عائشةُ: «أتمَّ النَّبيُّ ﷺ وقَصَر» قاله الشَّافعيُّ، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ، وصحَّحه (^١)، «وبيَّن سلمانُ أنَّ القصرَ رُخصةٌ بمَحضَرِ اثنيْ عشَرَ صحابيًّا» رواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (^٢)، ولمَّا أَتَمَّت عائشةُ قال لها النَّبيُّ ﷺ: «أحسنتِ» رواه أبو داود الطَّيالِسِيُّ والدَّارَقُطْنيُّ، وقال: (إسنادُ حسَنٌ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢٢٩٧)، باللفظ الذي ذكره المصنف، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه سنده طلحة بن عمرو الحضرمي، ضعفه الدارقطني والبيهقي، وقال ابن حجر في التقريب: (متروك)، وأما اللفظ الذي صححه الدارقطني فأخرجه بعده (٢٢٩٨)، عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم»، وقال: (هذا إسناد صحيح)، وقال أحمد (منكر)، ورجَّح ابن عبد الهادي وابن حجر وقفه على عائشة، قال ابن حجر في البلوغ: (ورواته ثقات، إلا أنه معلول والمحفوظ عن عائشة ﵂ من فعلها)، والرواية الموقوفة أخرجها البيهقي (٥٤٣٠)، من طريق شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: «يا ابن أختي، إنه لا يشق علي». ينظر: تنقيح التحقيق ٢/ ٥١٩، التلخيص الحبير ٢/ ١١٢، بلوغ المرام (٤٣١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٨٣، ١٠٣٢٩)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦٠٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦٠٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٣٩)، وابن أبي شيبة (٨١٦٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٤٢٠)، عن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في اثني عشر راكبًا - أو ثلاثة عشر - من أصحاب رسول الله ﷺ، فلما حضرت الصلاة قالوا: تقدم يا أبا عبد الله قال: «إنا لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله هدانا بكم»، قال: فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات، فلما سلم قال سلمان: «ما لنا وللمربَّعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة، ونحن إلى الرخصة أحوج»، وفيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس. وأخرجه ابن أبي شيبة (٨١٦١)، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر كما في المطالب العالية (٧٢٩)، من وجه آخر، وفيه راوٍ مجهول، والأثر ثابت بمجموع الطريقين والله أعلم.
(٣) لم نقف عليه عند الطيالسي، وأخرجه النسائي (١٤٥٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٥٨)، من رواية عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة ﵂، وأخرجه الدارقطني (٢٢٩٣)، ومن طريقه البيهقي (٥٤٢٨)، من رواية عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، ولفظه: «خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان، فأفطر رسول الله ﷺ وصمت وقصر وأتممت» الحديث، وأُعلَّ هذا الحديث بعلتين: الأولى: أن عبد الرحمن لم يسمع من عائشة، وأن الرواية بذكر أبيه غير محفوظة قاله أبو حاتم وأبو بكر النيسابوري، ورجَّح جمع من الأئمة ثبوت سماعه منها، والثانية: أن ذكر العمرة في رمضان منكر، قاله ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي وابن الملقن وابن حجر، وقالوا: (إن رسول الله ﷺ لم يعتمر في رمضان قط). ينظر: علل الدارقطني ١٤/ ٢٥٨، الهدي ٢/ ٥٥، ٢/ ٩٣، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٢/ ٥٢٠، تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٢٧٠، البدر المنير ٤/ ٥٢٦، التلخيص الحبير ٢/ ١١١.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وقيل: يَجب القصرُ، وهو قولُ حماد (^١).
وعنه: الوقفُ.
وقال مرَّةً: لا يُعجبني الإتمامُ (^٢)، وكرِهه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٣)، قال في «الفروع»: وهو أظهرُ.
مسائل:
الأولى: يُعتبَر تحقيقُ المسافة، فلو شكَّ في قدر السَّفر؛ لم يَقصُر وإن بان بعده أنَّه طويلٌ، كما لو صلَّى شاكًّا في دخول الوقت. وقال ابن أبي موسى وابن عَقِيلٍ: متى بلغ المسافةَ قَصَر، وعنه: إن بلغ عشرين فرسخًا.
الثَّانية: أنَّه لا بدَّ أن يَقصِد جِهةً مُعيَّنةً، فلو سافر ولم يَقصِدها؛ لم يَقصُر، وأنَّه (^٤) لا بدَّ من الجزم ببلوغ المسافة، فلو علِم صاحبَه في بلدٍ بعيدٍ، ونوى إن وجده قَبْلَه؛ لم يَقصُر.
وقيل: إن بلغ مسافة قصر؛ قصَر (^٥)، وكذا سائحٌ وتائهٌ.
الثَّالثة: إذا سافر ليَترخَّص؛ فقد ذكروا لو سافَر ليُفطر؛ حَرُما. وقيل: يُكرَه.
_________________
(١) في (ب) و(د) و(و): جماعة. والصواب المثبت، لموافقته ما في المغني ٢/ ١٩٧، والشرح الكبير ٥/ ٥٠، وهو حماد بن أبي سليمان.
(٢) ينظر: التمهيد ١١/ ١٨٧.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٨٢.
(٤) في (و): فإنه.
(٥) قوله: (قصر) سقط من (أ).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ومثلُه: من لا خُفَّ في رجله، فلبسه لغرَض المسح خاصَّةً؛ لا يُستحبُّ له، كما لا يُستحَبُّ إنشاءُ السَّفر لغرَض الترخُّص (^١)، ويأتي من سافر (^٢) يقصد حلَّ يمينه.
الرَّابعة: يَقصُر ويترخَّص مسافر مُكرَهًا؛ كأسيرٍ على الأصحِّ؛ كامرأةٍ وعبدٍ تَبَعًا لزوجٍ وسيِّدٍ في نيَّته وسفره.
وفيهما وجهٌ: لا قَصْرَ.
وقال أبو المعالي: والجيشُ مع الأميرِ، والجنديُّ مع أميره إن كان رزقُهم في مال أنفسهم، ففي أيِّهما يعتبر نيَّته؟ فيه وجهان، وإلاَّ فكالأجير.
والعبدُ لشريكين؛ تُرجَّح نيَّة إقامة أحدهما.
والأسير إذا صار ببلدهم، فإنَّه يُتمُّ في المنصوص (^٣)؛ تَبَعًا لإقامتهم، كسفرهم.
الخامسة: يُوتِر ويركع سنَّةَ الفجر في السَّفر، ويخيَّر في غيرهما.
وعند الشَّيخ تقيِّ الدِّين: يُسنُّ تركُ غيرهما (^٤).
وأطلق أبو المعالي التَّخييرَ في النَّوافل والسُّنن.
ونقل ابن هانِئٍ: يتطوَّع أفضل (^٥)، وجزم به في «الفصول» و«المستوعب»، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في غير الرَّواتب (^٦)، ونقله بعضهم إجماعًا (^٧).
(فَإِنْ أَحْرَمَ فِي الحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتمَّ، نَصَّ
_________________
(١) في (ز) و(و): الرخص.
(٢) في (ب) و(ز): في مسافر.
(٣) ينظر: مسائل صالح ٣/ ١٩٨، مسائل أبي داود ص ٣٣١.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٢٨.
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨١.
(٦) ينظر: الفروع ٣/ ٨٧.
(٧) ينظر: الفروع ٣/ ٨٧.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
عليهما (^١)؛ لأنَّها عبادةٌ اجتمع لها حكم الحضر والسَّفر، فغُلِّبَ حكم الحضر كالمسح.
وفي الثَّانية وجْهٌ: اعتبارًا بحالة أدائها؛ كصلاة صحَّة في مرض.
والمسألةُ مصوَّرةٌ في راكب السَّفينة، فلو سافر بعد دخول الوقت؛ لم يَجُز القصرُ في قول أصحابنا؛ لأنَّه تعيَّن فعلها أربعًا، فلم يجز النُّقصان منها كالمنذورة.
وعنه: يجوز، وحكاه ابن المنذر إجماعًا (^٢)؛ لأنَّها مؤدَّاةٌ في السَّفر، أشبه ما لو دخل وقتها فيه.
وقيل: إن ضاق الوقت؛ لم يَقصُر (^٣) وجهًا واحدًا.
(أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ)؛ أتمَّها إجماعًا، حكاه أحمدُ وابنُ المنذِر (^٤)، إلاَّ أنَّه قال: اختُلف فيه عن الحسَن، ولأنَّ القضاءَ معتبَرٌ بالأداء، وهو أربَعٌ.
(أَوْ) ذَكَرَ (صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ) أتمَّ، نَصَّ عليه (^٥)، وقاله الأوزاعيُّ؛ لأنَّ القصرَ من رُخَص السَّفر، فبطل بزواله؛ كالمسح ثلاثًا.
وكذا لو أخَّرها مسافِرٌ عمدًا حتَّى خرج وقتُها، أو ضاق عنها، قاله في «المحرَّر» وغيره؛ لأنَّها تَعلَّقتْ بذِمَّته كالدَّين، والأصلُ الإتمامُ.
وقيل: يَقصُر فيهما، وفيما إذا ذكر صلاة حضَرٍ في سفرٍ.
(أَوِ ائْتَمَّ مُسَافِرٌ بِمُقِيمٍ) أتمَّ، نَصَّ عليه (^٦)، قال ابنُ عبَّاسٍ: «تلك السُّنَّة»
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٧٣٠.
(٢) ينظر: الأوسط ٤/ ٣٥٤.
(٣) هنا ينتهي السقط من (د).
(٤) ينظر: الأوسط ٤/ ٣٦٨.
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٠٩.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٨٠، مسائل ابن هانئ ١/ ٨١.
[ ٢ / ٥٥١ ]
رواه أحمد (^١)، ولأنَّها صلاةٌ مردودةٌ من أربَعٍ، فلا يُصلِّيها خلْف من يصلِّي الأَربَع كالجمعة.
وسواءٌ أدرك معه جميع الصَّلاة، أو بعضَها، اعتقده مسافرًا أو لا.
وعنه: في ركعة فأكثر.
فعلى الأولى: إن أدرك معه تَشهُّدَ الجمعة؛ أتمَّ، نَصَّ عليه (^٢). وعلى الثَّانية: يَقصُر.
ويتوجَّه تخريجٌ من صلاة الخوف: يَقصُر مسافِرٌ مطلقًا، كما خرَّج بعضُهم إيقاعَها مرَّتيْنِ على صحَّة مفترِضٍ بمتنفِّلٍ.
وشمِل ما إذا أحرم المسافرون خلْف مسافِرٍ، فأحدث واستخلف مقيمًا، فيَلزَمُهم الإتمامُ دون إمامهم المحدِث.
(أَوْ بِمَنْ (^٣) يَشُكُّ فِيهِ)؛ أي: في إقامته وسفره؛ لزمه أن يُتمَّ، وإن بان أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ لعدَم نيَّته، لكن إذا علِم أو غلَب على ظنِّه أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ بأَمَارةٍ وعَلامةٍ؛ كهَيئة لِباسٍ، لا أنَّ (^٤) إمامَه نوى القصرَ؛ فله أن ينويَه؛ عملًا بالظَّنِّ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٦٢)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٢٨٩٥)، والطبري في تهذيب الآثار (٣٣٣)، وأبو الشيخ في الأقران (١١٧)، عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم ﷺ»، وإسناده حسن. وأخرجه مسلم (٦٨٨)، وابن خزيمة (٩٥١)، عن موسى بن سلمة الهذلي، بلفظ: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ»، قال ابن خزيمة: (هذا الخبر عندي دال على أن المسافر إذا صلى مع الإمام فعليه إتمام الصلاة).
(٢) ينظر: مسائل أبي داود ص ٨٦.
(٣) في (و): من.
(٤) قوله: (لا أن) هو في (ب) و(و): لأن.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ولو قال: إن قَصَر قَصَرتُ، وإن أتمَّ أتممْتُ؛ لم يَضُرَّ.
وإن سبق إمامَه الحدث، فخرج قبل علمه بحاله؛ فله القصرُ؛ عمَلًا بالظَّاهر.
وقيل: يَلزَمه الإتمامُ؛ لأنَّه الأصل.
(أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُه إِتْمَامُهَا)؛ كما لو اقتدى بمقيمٍ، أو نَوَى الإِتْمامَ، (فَفَسَدَتْ) بالحدَث، ونحوِه، (وَأَعَادَهَا)؛ أتمَّ؛ لأنَّها وجبتْ عليه بتلبُّسه بها.
وقيل: إن بان أنَّ الإمامَ محدِثٌ قبل السَّلام؛ ففي وُجوب الإتمام وجهان.
(أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ) عند الإحرام؛ (لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ)، ذَكَره معظمُ الأصحاب؛ لأنَّه الأصلُ، وإطلاقُ النِّيَّة يَنصرِف إليه، كما لو نوى الصَّلاةَ مُطلقًا انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصلُ.
فعلى هذا: إن شكَّ في النِّيَّة في (^١) الصَّلاة أتمَّ، فإن ذكر أنَّه كان نوى القصرَ لم يَقْصُر، ذكره في «المذهب» و«الشَّرح»؛ لأنَّه لزِمه الإتمامُ، فلم يَزل.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) وجماعةٌ: (لَا يَحْتَاجُ الجَمْعُ وَالْقَصْرُ إِلَى نِيَّةٍ)؛ لأنَّه مُخَيَّرٌ قبل الدُّخول في الصَّلاة، فكذا بعده، والقصرُ هو الأصلُ؛ لخبر عُمرَ وعائشةَ (^٢)، ولأنَّ السَّفرَ حال يُبِيح القصرَ، فإذا تلبَّس المسافِرُ بها فيه بغير نيَّةٍ؛ جاز له القصرُ؛ لقيام السَّفر مقامَ نيَّته؛ كالإتمام في الحضر.
فعلى هذا: لو نوى الإتمامَ (^٣)، ثمَّ أراد القصْر؛ قَصَر؛ لأنَّه رُخصةٌ.
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) أثر عمر أخرجه مسلم (٦٨٦)، وأثر عائشة سبق ٢/ ٥٤٨ حاشية (١).
(٣) في (د): الإمام.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وقيل: لا؛ لأنَّ ما يوجِب (^١) الأَربَع قد وجد.
مسائل:
منها: إذا صلَّى مسافِرٌ ومُقِيمٌ خلْف مُسافِرٍ؛ أتمَّ المقيمُ إذا سلَّم إمامُه إجماعًا (^٢).
ومنها: إذا أمَّ مسافِرٌ مقيمين فأتمَّ بهم الصَّلاةَ، صحَّ؛ لأنَّ المسافِرَ يَلزَمه الإتمامُ بنيَّته.
وعنه: تَفسُد صلاةُ المقيمين، قال القاضي: لأنَّ الرَّكعتين الأخيرَتَين نفْلٌ في حق الإمام، فلا يَؤمُّ بهما مفترِضٌ.
ومنها: إذا انتقل مسافِرٌ من القصر إلى الإتمام؛ جاز، وفرضه الأُولَيانِ، قاله ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه.
وإنْ فَعَله عمدًا مع بقاء نيَّة القصر؛ فهل تَبطُل صلاتُه؟ على وجهين.
وإن لم يغيِّر (^٣) نيَّة القصر، وصلَّى أربعًا؛ سجد للسَّهو على الأصحِّ، ولا يجب ذلك على الأشهر، فإن كان إمامًا، وعلِم المأمومُ أنَّه لم يُرِد الإتمامَ؛ سبَّحوا به، ولم يُتابِعوه؛ لأنَّه سهوٌ، فإن تابَعوه؛ فوجهان.
ومنها: إذا شكَّ هل نوى إمامه الإتمام، أو قام سهوًا؟ لزِم (^٤) متابعتُه.
وقال ابن عقيل: إن قام إلى ثالثةٍ عمدًا أتمَّ، فإن سلَّم منها عمدًا؛ بطَلتْ، وإن قام سهوًا؛ لم يَلزَمه الإتمامُ، فإن شاء سجد وجلس، وإن شاء أتمَّ.
ومنها: إذا نوى مسافِرٌ القصرَ خلْف مقيمٍ عالِمًا بذلك؛ لم يَصِحَّ. وقيل:
_________________
(١) في (أ): موجب.
(٢) ينظر: المغني ٢/ ٢١١.
(٣) في (أ): تعتبر، وفي (و): يعتبر.
(٤) في (ب) و(ز): لزمه.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
بلى، ويُتِمُّها. وقيل: ويَقصُرها، وفي وجوب نيَّة سفر القصر في أوَّله؛ وجهان.
وإذا نوى الظُّهرَ تامَّةً مُسافِرٌ أو عبدٌ خلْف إمامِ جمعةٍ؛ لم يَصِحَّ، نَصَّ عليه (^١).
(وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ بَعِيدٌ وَقَرِيبٌ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ)؛ قَصرَ، كذا في «الوجيز» وغيرِه؛ لأنَّ المسافةَ بعيدةٌ، أشْبهَ المنفرِدَ، وكما لو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو مُشِقًّا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن سلكه لرفع أذيَّةٍ، واجتلابِ نفعٍ؛ قَصر قولًا واحدًا، وإن كان لا لغرَضٍ صحيحٍ؛ خُرِّج على الرِّوايتين في سفر النُّزهة، قال ابنُ حَمدانَ: ومثلُه بقيَّةُ رُخَص السَّفر.
(أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي) سفر (آخَرَ؛ فَلَهُ الْقَصْرُ)؛ لأنَّ وجوبَها وفِعلَها وُجِد في السَّفر، أشبَه ما لو أدَّاها. وقيل: يُتِمُّها؛ كذكره لها في إقامة متخلِّلة.
وظاهره: أنَّه إذا ذكرها فيه؛ أنَّه يقصر وِفاقًا (^٢).
وفيه وجْهٌ: يُتِمُّها؛ لأنَّه مختصٌّ بالأداء؛ كالجمعة.
قال ابنُ تميمٍ وغيره: وقضاءُ بعض الصَّلاة في ذلك؛ كقضاء جميعها.
(وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً)؛ أي: اثنتين وعشرين صلاةً؛ (أَتَمَّ، وَإِلاَّ قَصَرَ)، هذا هو المشهور عن أحمد، وفي «الكافي»: أنَّه المذهب، واختاره الخِرَقيُّ والأكثرُ؛ لما احتجَّ به أحمد، ومعناه متَّفقٌ عليه من حديث جابر وابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِم مكَّةَ صبيحةَ
_________________
(١) ينظر: الفروع ٣/ ٩٠.
(٢) ينظر: الجوهرة النيرة ١/ ٨٨، التاج والإكليل ٢/ ٤٩٦، منهاج الطالبين ١/ ٤٤، المغني ٢/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
رابِعةٍ من (^١) ذي الحجَّة، فأقام بها الرَّابع والخامس والسَّادس والسَّابع، وصلَّى الصُّبحَ في اليوم الثَّامن، ثمَّ خرج إلى مِنًى، وكان يَقصُر الصَّلاةَ في هذه الأيام، وقد أجمعَ على إقامتها» (^٢)، وقال أنسٌ: «أقمنا بمكَّةَ عشرًا نَقصُر الصَّلاةَ» متَّفقٌ عليه (^٣)، قال الأثرمُ: سمعتُ أبا عبد الله يَذكُر حديثَ أنسٍ، ويقول: (هو كلامٌ ليس يَفقَهُه كل أحدٍ) (^٤)، ووجهه: أنَّه حسب مقام النَّبيِّ ﷺ بمكةَ ومِنًى، وليس له وجْهٌ غير هذا.
وعنه: إن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيَّامٍ؛ أتمَّ، وإلاَّ قَصَر، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»، وجزم به في «الوجيز»، وصحَّحه القاضي، وذكر ابنُ عَقِيلٍ أنَّه المذهب؛ لأنَّ الذي تحقَّق أنَّه ﵇ نواه: إقامة أربعة أيَّامٍ؛ لأنَّه كان حاجًّا، والحاجُّ لا يَخرُج قبل يوم التَّرْويةِ.
وعنه: إن نوى إقامةَ أربعةِ أيَّامٍ؛ أتمَّ، وإلاَّ قَصَر، قدَّمه في «المحرَّر»؛ لقول النَّبيِّ ﷺ: «يُقيمُ المهاجِرُ بعد قضاءِ نُسُكِهِ ثلاثًا» (^٥)، وبأنَّ عمر أجْلى اليهود من جزيرة العرب وضرب لهم أجلًا ثلاثًا (^٦).
_________________
(١) قوله: (من) سقط من (ب) و(ز).
(٢) حديث جابر ﵁: أخرجه البخاري (٢٥٠٥)، ومسلم (١٢١٣)، وحديث ابن عباس ﵄: أخرجه البخاري (١٥٦٤) (٢٥٠٥)، ومسلم (١٢٤٠)، وليس باللفظ الذي ذكره المصنف، وإنما ذكره المصنف بمعناه.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣).
(٤) ينظر: المغني ٢/ ٢١٣.
(٥) أخرجه البخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢)، من حديث العلاء بن الحضرمي ﵁.
(٦) أخرجه مالك برواية أبي مصعب الزهري (١٨٦٤)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٨٧٦٢)، عن نافع، عن أسلم مولى عمر: أن عمر بن الخطاب ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال. وأخرجه مالك برواية محمد بن الحسن (٨٧٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٩٩٢)، وابن زنجويه في الأموال (٤١٧)، وأبو عبيد في الأموال (٢٧٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤١٧)، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، وذكره. فجعل مكان: (أسلم): ابن عمر. وهو صحيح عن عمر ﵁.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وفي «النَّصيحة»: فَوق ثلاثة أيَّامٍ، لا خمسةَ عشَرَ يومًا، بل في رُستاقٍ (^١) يَنتقل فيه، نَصَّ عليه (^٢)، كقصره ﵇ بمكةَ ومِنًى وعَرَفةَ عَشْرًا (^٣).
ويُحتسَب يوم الدُّخول والخروج من المُدَّة على الأظهر.
ولا فرق بين أن يكون البلدُ للمسلمين أو لغيرهم، وفي «التَّلخيص»: أنَّ إقامة الجيش للغزو لا يَمنع التَّرخُّص وإن طال؛ لفعله ﵇ (^٤).
وظاهِرُه: أنَّه إذا نوى الإقامةَ بمَوضِعٍ يتعذَّر فيه الإقامة؛ كالبرِّيَّة؛ لا يَقصُر؛ لأنَّه نوى الإقامة.
والمذهب: بلى؛ لأنَّه لا يمكنه الوفاءُ بهذه النِّيَّة، فلَغتْ، وبقِيَ حُكمُ السَّفر الأوَّل مُستدامًا.
فلو نوى المسافِرُ إقامةً مُطلَقةً، وقيل: بموضع يُقامُ فيه؛ أنَّه يُتِمُّ.
ومن نوى إقامةً تَمنَع القصرَ، ثمَّ نوى السَّفر قبل فَراغها؛ فقيل: يقصر (^٥)، وقيل: إذا سافر.
(وَإِنْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ)؛ قَصَر؛ «لأنَّه ﵇ أقام بتبوكَ عشرين يومًا يَقصُر الصَّلاةَ» إسنادُه ثِقاتٌ، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، وقال: تفرَّد معمر بروايته مسنَدًا، ورواه عليُّ بن المبارَك مرسَلًا (^٦)، «ولمَّا فتح النَّبيُّ ﷺ مكَّةَ؛
_________________
(١) قال في المصباح ١/ ٢٢٦: (الرستاق: معرب، ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم، والرزداق، بالزاي والدال: مثله، والجمع: رساتيق، ورزاديق).
(٢) ينظر: الفروع ٣/ ٩٤.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) من حديث أنس ﵁.
(٤) كما في فتح مكة وغزوة تبوك، وسيأتي تخريجه قريبًا.
(٥) في (أ) و(ز): تقصر.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٣٥)، ومن طريقه أحمد (١٤١٣٩)، وأبو داود (١٢٣٥)، وابن حبان (٢٧٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٧٣)، من رواية معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر موصولًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٨٢٠٩)، مرسلًا من رواية علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير به، قال أبو داود: (غير معمر يرسله، لا يسنده)، وأعله الدارقطني بالإرسال، وصححه ابن حزم والنووي، وقال: (ولا يقدح فيه تفرد معمر؛ فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة)، وكذا قال ابن الملقن، وصححه الألباني. ينظر: الخلاصة ٢/ ٧٣٤، البدر المنير ٤/ ٥٣٨، التلخيص الحبير ٢/ ١١٤، الإرواء ٣/ ٢٣.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أقام فيها (^١) تِسعَ عشْرةَ (^٢) يُصلِّي ركعتَين» رواه البخاريُّ (^٣)، وقال أنَسٌ: «أقام أصحابُ النَّبيِّ ﷺ بِرامَهُرْمُزَ تسعةَ أَشهُرٍ يَقصُرون الصَّلاةَ» رواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حسَنٍ (^٤)، قال ابنُ المنذِر: (أجمعوا أنَّ المسافِرَ يَقصُر ما لم يُجمِعْ إقامةً، ولو أتى عليه سِنونَ) (^٥).
ولا فرق بين أن يغلِب على ظنِّه كثرةُ ذلك أو قلَّته، وصرَّح به في «الكافي»، وابنُ تميمٍ.
وقيل: إن ظنَّ قضاءَ حاجته من استواء ريحٍ أو خروج قافلةٍ؛ لم يَقصُر، كما لو علِم.
(أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا)؛ قَصَر؛ لما روى الأثرمُ: «أنَّ ابنَ عمر أقام بأَذْرَبِيجَانَ ستَّةَ أَشهُرٍ يَقصُر الصَّلاةَ، وقد حال الثَّلجُ بينه وبين الدُّخول» (^٦)، وفي معناه:
_________________
(١) في (د) و(و): بها.
(٢) في (ب) و(ز): تسعة عشر.
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٩٩).
(٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٨١)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥٤٨٠)، عن يحيى بن أبي كثير عن أنس، وصحح إسناده النووي، وصححه ابن حجر، وأعله الألباني بالانقطاع بين يحيى وأنس، قال ابن حبان: (لم يسمع من أنس ولا من صحابي شيئًا). ينظر: الثقات ٧/ ٥٩٦، الخلاصة ٢/ ٧٣٤، الدراية ١/ ٢١٢، الإرواء ٣/ ٢٧.
(٥) ينظر: المغني ٢/ ٢١٥.
(٦) ساق شيخ الإسلام ابن تيمية إسناد الأثرم كما في مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٤٢)، وأخرجه عبد الرزاق (٤٣٣٩)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٢)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر - (٤٠١)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٧٦)، وصحح إسناده النووي وابن حجر والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ٧٣٤، الدراية ١/ ٢١٢، الإرواء ٣/ ٢٧.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
إذا حبسه مرضٌ أو مطرٌ، فإن حُبِس بحقٍّ؛ لم يَقصُر.
(أَوْ لَمْ يَنْوِ الإْقَامَةَ؛ قَصَرَ أَبَدًا)؛ لما تقدَّم، وعن عليٍّ قال: «يَقْصُر الذي يقول: أخرجُ اليومَ، أخرجُ غدًا، شهرًا» (^١)، وعن سعدٍ: «أنَّه أقام في بعض قرى الشَّام أربعين يومًا يَقصُر الصَّلاةَ» رواهما سعيدٌ (^٢).
ولا فرق - إذا لم ينوِ الإقامةَ، أو نواها مدَّةً لا تَمنَع القصرَ - بين أن يكون (^٣) البلد مُنتهى قصْدِه أو لم تكن على المنصوص (^٤)، وهو ظاهر كلام الخِرَقيِّ والأكثرِ؛ لأنَّه ﵇ «قصر في حجِّه مدَّةَ مُقامه بمكَّةَ» (^٥)، وكان مُنتهى قصْدِه، وكذلك الخلفاءُ مِنْ بعدِه.
وقال بعضُ أصحابنا: إذا كان مُنتهى قصْدِه؛ لم يقصر حتَّى يخرج منه؛ لانتهاء سفره.
وهذا كلُّه إذا لم يكن فيه زوجةٌ، أو تزوَّج، فإنَّه يتمُّ على الأشهر.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٣٤)، وابن أبي شيبة (٨٢١٣)، والبيهقي في الخلافيات (٢٦٧٠)، وضعفه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٦)، وقال البيهقي في الخلافيات: (هذا مرسل).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٥٠)، وابن أبي شيبة (٨٢٠٠)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر - (٣٨٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٩٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢٣٨٤)، عن عبد الرحمن بن المسور به، وإسناده جيد؛ قال الحافظ في التقريب عن عبد الرحمن بن المسور: (مقبول)، وقد وثَّقه الذهبي في الكاشف ص ٦٤٤، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ١٠١، وروى له مسلم حديثًا في الأصول، وروى عنه جمع، فأقل أحواله أنه حسن الحديث.
(٣) قوله: (يكون) سقط من (أ).
(٤) ينظر: شرح الزركشي ٢/ ١٦٠.
(٥) سبق تخريجه ٢/ ٥٥٦ حاشية (٢) و(٣) من حديث ابن عباس وجابر وأنس ﵃.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وعنه: أو أهلٌ أو ماشيةٌ؛ لأنَّه قول ابن عبَّاسٍ (^١).
وقيل: أو مالٌ.
وقيل: إن كان به ولدٌ أو والدٌ أو دارٌ قَصَر، وفي أهلٍ غيرِهما ومالٍ؛ وجهان.
فرعان:
الأول (^٢): إذا مَرَّ المسافِرُ بوطنه؛ أتمَّ.
وعنه: لا، ولا حاجةَ فيه، وإلاَّ قَصَر.
الثَّاني: إذا نَسي حاجةً في بلده، فرجع لأخذها عن قرب؛ قَصَر في رجوعه، اختاره المؤلِّف.
وفي وجْهٍ: لا، اختاره القاضي، وحكاه عن أحمدَ.
وفي رجوعه إلى غير وطنه؛ وجهان.
فإن نوى أن يقيم به ما يَمنَع القصرَ؛ لم يَقصُر في رجوعه.
وقيل: إن قصد بلدًا بعينه، ونوى الرُّجوعَ قريبًا؛ قَصَر في رجوعه، نَصَّ عليه (^٣).
مسألةٌ: إذا سافَر من ليس بمكلَّف سفرًا طويلًا، ثمَّ كُلِّف بالصَّلاة في أثنائه؛ فله القَصرُ مطلقًا فيما بقِيَ.
_________________
(١) أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٤٨)، وعبد الرزاق (٤٢٩٧)، وابن أبي شيبة (٨١٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢٢٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٩٤)، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: «لا، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف، وإن قدمت على أهل أو ماشية فأتم»، وإسناده صحيح كما قال الحافظ في التلخيص ٢/ ١١٧.
(٢) قوله: (الأول) سقط من (ب) و(ز).
(٣) ينظر: الشرح الكبير ٥/ ٤٢.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
(وَالمَلاَّحُ) صاحب السَّفينة، قاله الجوهريُّ (^١)، (الذِي مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ؛ لَيْسِ لَهُ التَّرَخُّصُ) أي: يعتبر للسَّفر (^٢) المبيح: كونه منقطعًا، فإن كان دائمًا كما مثَّله؛ لم يترخَّص، نَصَّ عليه (^٣)، وهو قول الحَسن وعطاءٍ؛ لأنَّه غير ظاعِنٍ عن وطنِه وأهلِه، أشبه المقيمَ.
فعلى هذا: لا يترخَّص بفطر رمضان؛ لأنَّه يقضيه في السَّفر، وكما تعتدُّ امرأتُه مكانها كمقيم.
وظاهره: أنَّه لا بدَّ من اجتماع الأمرَين، فلو انتفى أحدُهما؛ لم يَمنَع التَّرخُّص.
ولم يَعتبِر القاضي فيه أن يكون معه أهله، وهو خلاف نصوصه؛ لأنَّ الشَّبَهَ لا يَحصُل حقيقةً (^٤) إلاَّ بمجموع الأمرَين.
ومثلُه مُكارٍ، وساعٍ، وبريدٌ، وراعٍ، ونحوُهم، نَصَّ عليه (^٥).
وقيل: عنه: يترخَّص، اختاره المؤلِّفُ، سواءٌ كان معه أهله أو لا؛ لأنَّه أشقُّ.
_________________
(١) ينظر: الصحاح ١/ ٤٠٨.
(٢) في (ب) و(ز): السَّفر.
(٣) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٧، مسائل أبي داود ص ١٠٧، مسائل صالح ٣/ ٤٥.
(٤) في (أ): حقيقته.
(٥) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٨٧، مسائل أبي داود ص ١٠٧، مسائل صالح ٣/ ٤٥.
[ ٢ / ٥٦١ ]