﷽
رَبِّ يَسِّرْ وأعِنْ بِرَحْمَتِكَ (^١)
قال العبدُ الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الحنبلي عفا الله عنهم (^٢):
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه، ورفع قدر العلم وعظَّمه، ووفَّق للفقه (^٣) في دينه من اختار (^٤) وفهَّمه.
_________________
(١) قوله: (برحمتك) سقط من (أ).
(٢) قوله: (قال العبدُ الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الحنبلي عفا الله عنهم) هو في (أ): (قال مولانا وسيدنا وشيخنا، الشَّيخ الإمام العالم العامل العلَّامة القدوة، الرحَّالة المحقِّق المدقِّق، وحيد الدَّهر، فريد العمر، شيخ الإسلام وعالمهم، بقيَّة المجتهدين، عمدة النُّحاة والمحدِّثين، بركة الملوك والسَّلاطين، خالصة أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن مفلح المقدسي الحنبلي، أسبغ الله ظلاله، وختم بالصَّالحات أعماله، ونفعنا به وبعلومه في الدُّنيا والآخرة بمنِّه وكرمه). ومن قوله: (رَبِّ يَسِّر وأعن)، إلى قوله: (ونفعنا به وبعلومه في الدُّنيا والآخرة بمنِّه وكرمه)، هو في (ب) و(و): (وبه نستعين. قال الشيخ الإمام العلامة، الحبر الفهامة، إمام عصره، ووحيد دهره، شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، مولانا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي عفا الله عنه). وفي (ز): (قال الشيخ الإمام العلامة، الحبر الفهامة، إمام عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الحنبلي عفا الله عنه).
(٣) في (أ): للتنبيه.
(٤) في (ب): اختاره.
[ ١ / ٥ ]
أحمده حمدًا يعصم من نِقَمِه، ويتكفَّل (^١) بدوام نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالمُ خَفِيَّات الأسرار، وغافرُ الخطيئاتِ والأوزار.
وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الدَّاعي إلى سبيل ربِّه بالحكمة، والكاشف برسالته جلابيب الغمَّة، صلَّى الله عليه وعلى آله الكرام، وأصحابه الحائزين من رِضى الله أقصى المرام، وسلَّم وكرَّم، وشرَّف وعظَّم.
وبعد (^٢): فإنَّ الاشتغال في العلم من أفضل (^٣) القُرباتِ، وأجلِّ الطَّاعاتِ، وآكدِ العباداتِ، خصوصًا علمَ الحلالِ والحرامِ، الَّذي به قِوامُ الأنامِ، ويُتوصَّل به إلى العمل بالأولى (^٤)، وتحصل به السَّعادة في الأُولى، ورفع الدَّرجات في الأخرى.
وكنت قرأت فيه كتاب «المقنع» لشيخ الإسلام العلَّامة موفَّق الدِّين أبي محمَّد عبد الله بن أحمد (^٥) بن قُدامة - تغمَّده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة (^٦) جنَّته - وهو من أجلِّها تصنيفًا، وأجملها تَرْصيفًا، وأغزرها علمًا، وأعظمها تحريرًا، وأحسنها ترتيبًا وتقريرًا.
فتَصدَّيْتُ لأن أشرحَه شرحًا يبيِّن حقائقه، ويوضِّح دقائقَه، ويذلِّل من اللَّفظ صعابَه، ويكشف عن وجه المعاني نقابَه، أنبِّه فيه على ترجيح ما أُطلق، وتصحيح ما أُغلق، وأجتهدُ (^٧) في الاختصار خوفَ الملل والإضجار.
_________________
(١) في (و): يكتفل.
(٢) قوله: (وبعد) سقط من (و).
(٣) قوله: (في العلم من أفضل) هو في (و): بالعلم من أعظم.
(٤) زيد في (ب) و(و) و(ز): والأخرى.
(٥) قوله: (أبي محمَّد عبد الله بن أحمد) هو في (ب): أبي عبد الله ابن أحمد، وفي (و): عبد الله محمد. وقوله: (بن) سقطت من (أ).
(٦) في (أ): فسيح. وفي (ب) و(و): بحبوح.
(٧) في (ب) و(و): وأجتهدت.
[ ١ / ٦ ]
وسمَّيته ب: «المُبدع شرح المُقنع»، واللهَ أسأل أن ينفعَ به، ويجعلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ، إنَّه غفورٌ رحيمٌ.
قال المؤلِّف رحمه الله تعالى (^١): (الْحَمْدُ لِلهِ)، افتتح (^٢) كتابه بعد التَّبرُّك بالبسملة بحمد الله؛ أداءً لحقٍّ يُنبئ عمَّا يجب عليه (^٣) من شكر نعمائه الَّتي تأليفُ (^٤) هذا المختصر أثرٌ من آثارها، ولقوله ﷺ: «كلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدأُ فيه بحمدِ اللهِ فهو أجذمُ» رواه أبو داود، وابن حبَّان في «صحيحه»، من حديث أبي هريرة ﵁ (^٥)، ومعنى «ذي بال» أي: حَال يُهتمُّ به. و«الأجذمُ» بالجيم والذال المعجمة: هو الأقطع، ومعناه: أنَّه مقطوعُ البركةِ.
والحمد: هو الثَّنَاءُ باللسانِ على قَصدِ التَّعظيمِ، سواءٌ تعلَّق بالنِّعمة أو بغيرها، والشُّكر ينبئُ عن تعظيم المُنعم لكونه مُنعِمًا، سواءٌ كان باللِّسان أو بالجَنان أو بالأركان.
فمورد الحمد: هو اللِّسان وحدَه، ومُتَعلَّقه: النِّعمة وغيرها، والشُّكر (^٦) يعمُّ اللِّسانَ وغيرَه، ومُتَعلَّقُه: النِّعمة فقط.
_________________
(١) كتب على هامش الأصل: (ولد مصنف المقنع موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي بقرية بجبل من جبل نابلس من الأرض المقدسة في شهر شعبان سنة ٥٤١، وتوفي نهار السبت وهو يوم عيد الفطر بدمشق، ودفن يوم الأحد من سنة ٦٢٠، ودفن بجبل قاسيون تحت مغارة توبة، وكان الخلق لا يحصي عددهم إلا الله ﵎، انتهى).
(٢) زاد في (أ): (الشيخ).
(٣) قوله: (يُنبئ عمَّا يجب عليه) هو في (ب) و(و): شيء مما يجب على.
(٤) في (و): بتأليف.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠) وابن ماجه (١٨٩٤) وابن حبان (١) من حديث أبي هريرة ﵁ به، أعله النسائي والدارقطني بالإرسال، وفي سنده قرة بن عبدالرحمن المعافري، ضعفه جماعة، وصحح الحديث ابن حبان وأبو عوانة، وحسنه النووي، وابن الصلاح، وابن الملقن، ينظر: العلل للدارقطني (٨/ ٣٠)، السنن له (١/ ٤٢٧)، تحفة الأشراف (١٣/ ٣٦٨)، البدر المنير (٧/ ٥٢٨)، الإرواء (١/ ٣٠).
(٦) قوله: (والشكر) سقط من (ز).
[ ١ / ٧ ]
فالحمد أعمُّ من الشُّكر باعتبار المتعلَّق، وأخصُّ باعتبار المورد، وعكسه الشُّكر، فبينهما عموم وخصوص من وجه؛ لأنَّهما يجتمعان في مادَّة؛ وهو الثَّناء باللِّسانِ في مُقابَلة الإحسان، ويفترقان في صدق الحمدِ فقط على الوصف بالعلم والشَّجاعة (^١)، وصدق الشُّكر فقط على الثناء بالجَنان أو الأركان في مقابلة الإحسانِ.
وقيل: الحمد أعمُّ من الشُّكر. وقيلَ: هما سواء.
ونقيض الحمد: الذَّمُّ، ونقيض الشُّكر: الكفر.
والألف واللَّام فيه للعموم، أي: يستحق المحامدَ كلَّها (^٢).
واختلف في اشتقاقه؛ فقال النَّضر بن شميل (^٣): (هو مشتقٌّ من «الحَمَدَة»، وهي شدة (^٤) لهب النار)، وقال ابن الأنباري (^٥): (هو مقلوب من «المدح»؛ كقولهم: ما أطيبه وأَيطبَه (^٦).
(للهِ): اسم للذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، ولهذا لم
_________________
(١) قوله: (والشجاعة) سقط من (و).
(٢) قوله: (أي يستحق المحامد كلها) سقطت من (أ).
(٣) هو أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة بن زهير السكب، التميمي المازني، النحوي، البصري؛ كان عالمًا بفنون من العلم، صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ٢٠٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٣٩٧، تاريخ الإسلام ٥/ ٢٠٧.
(٤) في (أ): سكرة.
(٥) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان، أبو بكر بن الأنباري، محدث، مفسر، لغوي، نحوي، قال محمد بن جعفر التميمي: (ما رأينا أحدًا أحفظ من ابن الأنباري ولا أغزر من علمه)، توفي سنة ٣٢٨ هـ، من تصانيفه: عجائب علوم القران، وغريب الحديث، والمشكل في معاني القرآن. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧٤، وتاريخ بغداد ٣/ ١٨٩.
(٦) في (ز): وأيطب به.
[ ١ / ٨ ]
يقل (^١): الحمد للخالق أو للرَّازق (^٢)، ممَّا يُوهِم باختصاص (^٣) استحقاقِه الحمدَ بوصفٍ دونَ وَصفٍ.
ونقل البَنْدَنِيجِي (^٤) عن أكثر العلماء: أنه الاسم الأعظم؛ لأنَّه في سائر تصاريفه يدلُّ على الذَّات المقدَّسة.
وذهب الخليل بن أحمد وأبو حنيفة (^٥): أنَّه ليس بمشتق.
وذهب آخرون - وحكاه سيبويه عن الخليل - إلى خلافه؛ فقيل: هو من أَلَه - بالفتح - إلاهةً؛ أي: عبَدَ عبادة، والمعنى: أنَّه مستحقٌّ للعبادة دونَ غيرِه.
وقال المبرد (^٦): (هو من قول العرب: أَلِهْتُ إلى فلان؛ أي: سكنت إليه) (^٧).
وأصله: إلَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزّخرُف: ٨٤]،
_________________
(١) في (و): يقبل.
(٢) في (ب) و(و): الرازق.
(٣) في (ب): اختصاصه، وفي (و): اختصاص.
(٤) في (ب): البدنجي، وفي (و): البندنجي. هو القاضي أبو علي الحسن بن عبيد الله ابن الشيخ البندنيجي، من أصحاب الوجوه عند الشافعية، درس على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان دينًا صالحًا، وله كتاب الجامع، قال النووي: (قلَّ في كتب الأصحاب مثله)، توفي سنة ٤٢٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية للسبكي ٤/ ٣٠٥، طبقات الشافعيين ١/ ٣٨٨
(٥) هو أحمد بن داود الدينوري، العلامة، أبو حنيفة، النحوي، تلميذ ابن السكيت، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة، من مصنفاته: كتاب النبات، والأخبار الطوال، توفي سنة ٢٨٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٢٢، الوافي بالوفيات ٦/ ٢٢٣.
(٦) هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان بن سليمان الثمالي الأزدي البصري، المعروف بالمبرد النحوي؛ كان إمامًا في النحو واللغة، من مصنفاته: كتاب الكامل، وكتاب الروضة، وغير ذلك، توفي سنة ٢٨٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣١٣، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٧٦.
(٧) ينظر: تفسير الثعلبي ١/ ٩٧، اشتقاق أسماء الله ﷿ للزجاجي ص ٢٣.
[ ١ / ٩ ]
فأدخلت عليه الألف واللام، فصار «الإله»، ثمَّ أُلقيت (^١) حركة الهمزة على لام التعريف، ثمَّ سكِّنت وأدغمت في اللام الثَّانية، فصار (^٢) «الله» بالتَّرقيق، ثمَّ فخِّم (^٣) إجلالًا وتعظيمًا، فقيل: «الله»، كذا قرَّره أبو البقاء (^٤) وغيره، وفيه نظر؛ لما فيه من التَّكلُّف.
وهو عربيٌّ، خلافًا للبلخيِّ (^٥) في تعريبه من (^٦) السِّريانيَّة.
(الْمَحْمُودِ): هو صفة لله تعالى، والأَوْلى جره، وكذا ما بعدَه من الصِّفات.
(عَلَى كُلِّ حَالٍ)؛ لما روي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى مَا يُعْجِبُه، قال: «الحمدُ لله الذي بنعمتِه تَتمُّ الصَّالحاتُ، وإذا رأى غيرَ ذلك، قال: الحمد لله على كلِّ حالٍ» (^٧).
_________________
(١) في (أ): أبقيت.
(٢) في (ب) و(و): وصار.
(٣) في (و): فخمت.
(٤) هو أبو البقاء محب الدين، عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العكبري، ثم البغدادي، الأزجي، الفقيه المفسر الفرضي النحوي الضرير، تفقه على القاضي أبي يعلى الصغير، من مصنفاته: تفسير القرآن، والبيان في إعراب القرآن، وغيرها، توفي سنة ٦١٦ هـ. ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٢٢٩، المقصد الأرشد ٢/ ٣٠.
(٥) هو: أحمد بن سهل، أبو زيد، البلخي المعتزلي، كان يسلك طريق الفلاسفة في مصنفاته إلا أنه بأهل الأدب أشبه، ويقال له: جاحظ زمانه، من مصنفاته: كتاب شرائع الأديان، كتاب كمال الدين، كتاب أسماء الله ﷿ وصفاته، وغيرها، توفي سنة ٣٢٢ هـ. ينظر: الفهرست لابن النديم ص ١٧٠، الوافي بالوفيات ٦/ ٢٥١، لسان الميزان ١/ ١٨٣.
(٦) في (أ): في.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٧٨)، والحاكم (١٨٤٠)، عن عائشة ﵂، وسنده ضعيف؛ لأنه من رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد الخراساني، ورواية الشاميين عنه ضعيفة، وللحديث شاهد من حديث علي وأبي هريرة وابن عباس ﵃، ينظر: تهذيب الكمال (٩/ ٤١٦)، الصحيحة للألباني (٢٦٥).
[ ١ / ١٠ ]
(الدَّائِمِ)، قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرّعد: ٣٥]؛ أي: مُستمرٌّ، ولمَّا كان أحقُّ (^١) الأشياءِ بالدَّوام هو الله، كان الدَّائم هو الله تعالى.
(الْبَاقِي)، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحمن: ٢٧]، والدَّوام أعمُّ من البقاء؛ لأنَّه يستعمل في الزَّمن الماضي، ويسمَّى أَزَلِيًّا، وفي المستقبلِ، ويُسَمَّى أَبَديًّا. (بِلَا زَوَالٍ)؛ أي: بلا انفصالٍ.
(الْمُوجِدِ)؛ هو اسم فاعل من أوجد. (خَلْقَهُ)؛ أي: مخلوقاتِه؛ إذْ المصدر يرِد بمعنى المفعولِ؛ كقولهم: الدِّرهم ضَرْبُ الأمير؛ أي: مَضروبُه. (عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ) سبَق؛ لأنَّه أنشأها من العدم لكمال قُدرته وعَظَمته.
(الْعَالِمِ)؛ هو (^٢) من جملة أوصافِه الذَّاتيَّة؛ لأنَّه يوصَف به، ولا يوصف بنقيضِه في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّه تعالى عالمٌ بعلم، وعلمُه قديم، ليس بضَروريٍّ ولا نظريٍّ، وفاقًا (^٣). (بِعَدَدِ)، يقال: عدَدْت الشَّيءَ عدًّا: أحصَيْته (^٤)، والاسم: العَدَد، والعَدِيد، يقال: هم عَدِيد الحصى والثَّرَى؛ أيْ: في الكثرة. (الْقَطْرِ)، جمع قطرة، وهو المطر، وقد قطر الماء، يقطر (^٥) قَطْرًا، وقطرتُه أنا (^٦)، يتعدَّى ولا يتعدَّى. (وَأَمْوَاجِ)، يقال: ماج البحر، يموج موجًا: إذا اضطربَت (^٧)، وكذلك النَّاسُ يَمُوجون يومَ القيامة. (الْبَحْرِ)
_________________
(١) في (ب) و(و): هو أحق.
(٢) قوله: (هو) سقط من (ز).
(٣) قال الشيخ ابن عثيمين في شرح مختصر التحرير ص ٤٣: (هذا من التكلف، فلا ينبغي أن تقول: هو ضروري أو نظري؛ لأنه ليس لنا أن ننفي عن الله صفة إلا بدليل، كما لا نثبتها إلا بدليل).
(٤) في (ز): أحصيت.
(٥) قوله: (يقطر) سقط من (أ).
(٦) في (ب): إليَّ، وفي (و): أي.
(٧) في (ب) و(و) و(ز): اضطرب. وزاد في (أ) و(ب): أمواجه. وضرب عليها في الأصل.
[ ١ / ١١ ]
هو خلاف البَرِّ، يقال: سُمِّي به لِعُمقِه واتِّساعِه، والجمعُ أَبحُرٌ وبِحارٌ وبُحُورٌ، وكلُّ نَهر عظيم: بَحْرٌ، ويسمَّى الفرسُ الواسعُ الجَرْيِ: بَحْرًا، وماءٌ بَحْرٌ؛ أيْ: مِلْحٌ، وتبحَّر في العِلْم وغيرِه؛ أي: تعمَّق فيه وتوسَّع (^١). (وَذَرَّاتِ الرِّمَالِ) الذَّرَّاتُ: واحدُها ذرَّة، وهي صُغرَى النَّمل، ثمَّ استُعمِل في الرَّمل تشبيهًا.
(لَا يَعْزُبُ) هو بضم الزَّاي وكسِرها؛ أي: لا يبعُدُ ولا يغيبُ، (عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)؛ أي: زِنَة مثقالِ ذرَّةٍ. (فِي الْأَرْضِ)، قال ابن عباس ﵄: «خلقَ الله الأرض على قرنِ ثور، والثَّورُ واقفٌ على ظهرِ نُونٍ، والحوتُ في الماء، والماءُ على ظهر صَفًا، والصَّفَا على ظهر مَلَك، والملَك على صَخرة، والصَّخرةُ على الرِّيح، وهي الصَّخْرةُ الَّتي ذكرها لقمانُ، ليست في الأرض ولا في السماء» (^٢).
قال الحكماء: الأرضُ جسمٌ بسيطٌ كُرِّيٌّ بارِدٌ يابِسٌ، يتحرَّك إلى الوسَط، ولولا برودتُها ويُبْسها ما أمكنَ قرارُ الحيوانِ على ظهرِها، ومدرت (^٣) المعادن والنَّبات في بطنها، وخُلقت قبل السَّماء في قولٍ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٩].
وهي سبعٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ١٢]، ولقوله ﵇:
_________________
(١) قوله: (تعمَّق فيه وتوسَّع) هو في (ب) و(و): توسع تعمق وتوسع.
(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير (١/ ٤٦٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٧)، من طريق السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄. قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد هذا الخبر: (وهذا الإسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة، وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات). ينظر: البداية والنهاية ١/ ٣٤.
(٣) قوله: (ومدرت) سقط من (و)، وفي (ب): بردت. جاء في تاج العروس ١٤/ ٩٥: (مدر الحوض: سد خصاص حجارته بالمدر).
[ ١ / ١٢ ]
«من اقتَطَع من الأرضِ شبرًا بغير حقٍّ؛ طُوِّقَه (^١) يومَ القيامةِ من سبع أرضين» (^٢).
(وَلَا فِي السَّمَاءِ)، قال قتادة: (خُلقت قبل الأرض) (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [النَّازعَات: ٢٧] إلى قوله: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النَّازعَات: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعَام: ١].
وقال مجاهد: (إنه تعالى أيبَسَ الماء الذي كان عرشه عليه، فجعلَه أرضًا، وثار منه دخانٌ، فارتفعَ فجعلَه سماءً، فصارَ خَلقُ الأرضِ قَبلَ السَّماء، ثمَّ قصدَ أمره إلى السَّماء فسواهنَّ سبع سماواتٍ، ثمَّ دحا الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مَدحُوَّة) (^٤).
(وَلَا تَحْتَ أَطْبَاقِ الْجِبَالِ)، واحدها جبل، وأعظمها خلقًا جبل (^٥) قاف، قال المفسِّرون (^٦): هو أخضر من زَبَرْجَدَةٍ خضراء، ومنها خضرة السَّماء، وهو محيط بالدُّنيا إحاطة بياض العين بسوادها، ومن ورائه خلق لا يعلمها (^٧) إلَّا
_________________
(١) في (ب) و(و): طوقه الله.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩٨) ومسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁.
(٣) تفسير الطبري ٩/ ١٤٥.
(٤) أورده القرطبي في تفسيره بلفظه دون إسناد (١/ ٢٥٥)، وأخرجه مسندًا بمعناه: عبد الرزاق في تفسيره (٢٩)، وابن جرير في التفسير (١/ ٤٦٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٣٠٥).
(٥) قوله: (وأعظمها خلقًا جبل) سقط من (ب) و(و).
(٦) قال الحافظ ابن كثير ٧/ ٣٩٤: (وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا (ق): جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف. وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم).
(٧) قوله: (خلق لا يعلمها) في (أ): (خلق لا يعلمهم)، وفي (ب) و(و) و(ز): خلائق لا يعلمها.
[ ١ / ١٣ ]
الله، وخلقها الله لحكمة، وهي أنَّ الحوت لمَّا اضطرب تزلزلت (^١) الأرض، فأرسل عليها الجبال فقرَّت، فالجبال تفخر على الأرض، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبيَاء: ٣١].
قال بعض المهندسين (^٢): لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض (^٣) مستديرًا أملس، ولو كان كذلك، لغطَّى الماء جميع جهاتها وأحاطَ بها.
(عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)؛ لأنَّه تعالى يعلم ما غاب عن العيون ممَّا لم يُعايَن ولم يُشاهَد، وقيل: هما السِّرُّ والعلانية.
والإشارة به: أنَّ العلم ينقسم إلى شهادة وغَيب، فالشَّهادة: ما حصلت معرفتُه من طريق الشُّهود، وما عدا ذلك فهو غَيب بالإضافة إليه.
(الْكَبِيرِ): العظيم. (الْمُتَعَالِ): المنزَّه عن صفات المخلوقين.
واعلم أنَّه قد أُنكر على المؤلف في إسقاط التَّشهُّد من الخطبة؛ لما ورد في الحديث: «كلُّ خُطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء» (^٤).
وأجيب عنه: بأنَّ ما سبق فهو كافٍ.
(وَصَلَّى اللهُ)؛ لما فرغ من الثناء على الله تعالى؛ قرَن ذلك بالصَّلاة على نبيِّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشَّرح: ٤] قال: لا أُذكَر إلَّا ذُكِرت معي (^٥).
_________________
(١) قوله: (اضطرب تزلزلت) في (ب): اضطربت نزلت، وفي (و): اضطرب نزلت.
(٢) قال الخليل في العين ٤/ ١٢٠: (المهندس: الذي يقدر مجاري القنى، ومواضعها حيث يحتفر، وهو مشتق من الهندزة، فارسي صيرت الزاي سينًا).
(٣) من هنا يوجد سقط من (و).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٨٤١)، والترمذي (١١٠٦)، وابن حبان (٢٧٦٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: (حديث حسن غريب)، وتفرد به عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب، قاله مسلم؛ قال البيهقي بعد أن أسند كلام مسلم: (عبد الواحد بن زياد من الثقات الذي يقبل منهم ما تفردوا به)، وصححه الألباني، ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٠٩)، الصحيحة للألباني (١٦٩).
(٥) أخرجه الطبري في التفسير ٢٤/ ٤٩٤، والخلال في السنة (٣١٨)، وابن حبان (٣٣٨٢)، وأبو يعلى الموصلي (١٣٨٠)، من طريق دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁، ودراج هو ابن سمعان المصري ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، صدوق في غيره، قال أحمد: (أحاديث دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف)، وكذا قال أبو داود وغيره، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٤٩٤ معلقًا من قول مجاهد بإسناد صحيح. ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٩، السلسلة الضعيفة (١٧٤٦).
[ ١ / ١٤ ]
والصَّلاة من الله الرَّحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي (^١) تضرُّعٌ ودعاء، قاله الأزهري وغيره (^٢).
وقال أبو العالية: (صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء) (^٣).
(عَلَى سَيِّدِنَا)؛ السَّيِّد: هو الذي يفوق قومه في الخَير، قاله الزَّجَّاج (^٤). وقيل: التَّقي. وقيل: الحليم. وقيل: الَّذي لا يغلبُه غَضَبُه، وجميع ذلك منحصر فيه ﵇.
(مُحَمَّدٍ)؛ لمَّا علِم الله كثرة خصاله المحمودة؛ ألهم أهله أن يسمُّوه محمَّدًا، وهو عَلَم منقولٌ من التَّحميد، مشتق من الحميد، وهو من أسمائه تعالى، وإليه أشار حسَّان بن ثابت بقوله (^٥):
_________________
(١) في (أ): الآدميين.
(٢) ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ١٦٦، المطلع (ص ٨).
(٣) علقه البخاري بصيغة الجزم، في كتاب تفسير القرآن ٦/ ١٢٠، ووصله القاضي إسماعيل في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ، (ص ٨٢)، بتحقيق الألباني وحسَّن إسناده.
(٤) ينظر: معاني القرآن ١/ ٤٠٦. والزجاج: هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج النحوي؛ من تلاميذ المبرد، كان من أهل العلم بالأدب والدين، وكان يخرط الزّجاج، فسمي بذلك، من مصنفاته: معاني القرآن، والأمالي، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العروض، توفي سنة ٣١١ هـ، وقيل: ٣١٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٩٤، الوافي بالوفيات ٥/ ٢٢٨.
(٥) قال في الدر الفريد ١٠/ ٢٥٥: (يروى لحسان بن ثابت، والأشهر لأبي طالب). وينظر: خزانة الأدب ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٥ ]
وشَقَّ له من اسمه لِيُجِلَّهُ … فذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ
(الْمُصْطَفَى): هو الخالص من الخَلق، وهو خير الخلائق كافَّة.
(وَآلِهِ)؛ جمهور العلماء على جواز إضافة «آل» إلى المضمر كما استعمله المؤلف.
وقال الكسائي (^١) والنَّحَّاس (^٢) والزُّبيدي (^٣): لا تضاف إلَّا إلى المظهر؛ لتوغُّله في الإبهام (^٤)، وسيأتي الكلام عليهم.
(خَيْرِ آلٍ)، أصلُ خير: أَخْيَر، فحذفوا الهمزة، وبعدها ساكن لا يمكن النطق به، فنقلوا حركةَ ما قبلَ الآخِر إليه، فبقِي (خير)، كلُّ ذلك تخفيفًا.
(صَلَاةً دَائِمَةً)؛ أي: مستمرَّةً متَّصلةً، لا تَنقطِع.
اقتصر على الصَّلاة عليه كمسلم في «صحيحه»، وهو مكروه كما نقله في «شرح مسلم» فقال: يكره إفراد الصَّلاة من غير تسليم (^٥)؛ لأنَّ الله تعالى أمر بهما جميعًا؛ لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزَاب: ٥٦] مع تأكيد التَّسليم بالمصدر، فدلَّ على الاهتمام به.
(بِالْغُدُوِّ) جمع غُدوة، وهو نفس الفعل، تقول: غدا يغدو غُدُوًّا، عبَّر
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله، الأسدي بالولاء، الكوفي، المعروف بالكسائي؛ أحد القراء السبعة، كان إمامًا في النحو واللغة والقراءات، توفي سنة ١٨٩ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٩٥، تاريخ الإسلام ٤/ ٩٢٧.
(٢) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس، النحوي المصري؛ من مصنفاته: تفسير القرآن، وإعراب القرآن، والناسخ والمنسوخ، توفي سنة ٣٣٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٩٩، الوافي بالوفيات ٧/ ٢٣٧.
(٣) هو محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج الزبيدي الأندلسي الإشبيلي، عالم باللغة والأدب، شاعر، من مصنفاته: الواضح في النحو، وطبقات النحويين واللغويين، ولحن العامة، توفي سنة ٣٧٩ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٧٢، الأعلام للزركلي ٦/ ٨٢.
(٤) ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه ص ٣٠، المصباح المنير ١/ ٢٩.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ٤٤).
[ ١ / ١٦ ]
بالفعل عن الوقتِ، والمراد: بالغدوات، كما تقول: آتيك طلوع الشَّمس؛ أي: وقتَ طلوعها.
(وَالآصَالِ) جمع أُصُلٍ، وهو جمع أصيل، وقيل: الآصال: جمع أصيل، والآصال: العَشيَّات، وقال أبو (^١) عبيدة: (هي ما بين العصر إلى غروب الشَّمس) (^٢).
(أَمَّا بَعْدُ)؛ أي: بعد ما ذكر من الثَّناء على الله تعالى، والصَّلاة على نبيِّه، وهذه الكلمة يأتي بها المتكلِّم إذا كان في كلامٍ وأراد الانتقال إلى غيره، ولا يؤتى بها في أوَّل الكلام، وكان ﷺ يأتي بها في خُطَبه وكُتُبه، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا (^٣).
فأمَّا «أمَّا»، فهي كلمة فيها معنى الشَّرْط، قال سيبويه: (قول النحويين: أمَّا زيد فمنطلق، معناه: مهما يكن من شيء فزيدٌ مُنطلِقٌ) (^٤).
قال بعضهم: وأصلها «ماما»، فحذفت الألف، ثمَّ أدغم بشرطه، والابتداء بالسَّاكن متعذر، فألحقت الهمزة مفتوحة؛ لئلَّا يلتبس.
و«بعدُ»: ظرف زمان، والأعرف فيها هنا البناء على الضم؛ لكونها قطعت عن الإضافة، وفيها وجوهٌ أُخَرُ.
_________________
(١) في (أ) و(و): ابن.
(٢) نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ١٨٤. وأبو عبيدة: هو معمر بن المثنى، التميمي بالولاء، البصري، النحوي العلامة، من مصنفاته: مجاز القرآن، وغريب الحديث، وغيرها. ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٢٣٥، سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٤٥.
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٠٦): (وقد تتبعَ طرقَ الأحاديث التي وقع فيها "أما بعد"؛ الحافظُ عبدُ القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًّا)، منها في صحيح البخاري المواضع التالية: (٩٢٢)، (٩٢٣)، (٩٢٤)، وغيرها من المواضع.
(٤) الكتاب لسيبويه ٣/ ٣٣٢.
[ ١ / ١٧ ]
وهي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].
وزعم الكلبي: أن أوَّل من قاله قُسُّ (^١) بن ساعدة. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل غير ذلك.
(فَهَذَا)، إشارة إلى الكتاب المؤلَّف، فإن قيل: كيف جازت الإشارة إليه قبل تأليفه؟
فالجواب عنه: أنَّ الإشارة كانت إلى كتاب مصوَّر في الذِّهن؛ لأنَّ مَنْ عَزَم على تأليف كتاب صوَّره في ذهنه، أو أنَّ عمل الخطبة كانت بعد الفراغ من تأليف الكتاب.
(كِتَابٌ)، هو من المصادر السَّيَّالة؛ أي: يوجد شيئًا فشيئًا، يقال: كتبت كتابًا وكَتْبًا وكِتابةً، وسمِّي المكتوب به مجازًا، ومعناه: جمع جملة من العلم.
(فِي الْفِقْهِ)، هو في اللُّغة: الفهم. وفي الاصطلاح: العِلم بالأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة من أدلَّتها التَّفصيليَّة بالاستدلال.
(عَلَى مَذْهَبِ)، هو الطريقُ، يقال: ذهب مذهبًا حقًّا، وذَهابًا وذُهوبًا، وجمعه مَذاهب.
(الإْمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بْنِ) محمد بن (حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِي)، والصِّدِّيق الثَّاني، إمام الأئمَّة، وناصر السُّنَّة، وُلد ببغداد بعد حمل أمِّه به بمَرْو في ربيع الأول سنة أربع وستِّين ومائة، وتوفي ببغداد يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأوَّل، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة.
_________________
(١) في (أ): قيس.
[ ١ / ١٨ ]
وروى ابن ثابت الخطيب (^١) بإسناده: (قال الوركاني (^٢) جار أحمد بن حنبل: أسلم يوم مات أحمدُ عشرون ألفًا من اليهود والنَّصارى والمجوس) (^٣)، ومناقبه مشهورة.
(اجْتَهَدْتُ)، هو بذل الْوُسع فيما فيه كُلْفَةٌ ومَشَقَّة. (فِي جَمْعِهِ) من كلام الإمام وأصحابه. (وَتَرْتِيبِهِ)؛ أي: ترتيب أبوابه ومسائله. (وَإِيجَازِهِ)؛ أي: تقصيره، يقال: أوجزَ في الكلام، فهو كلام مُوجِز ومُوجَز ووَجْزٌ ووجِيز، قاله الجوهري (^٤). (وَتَقْرِيبِهِ) إلى الأفهام بعبارة سهلة من غير تعقيد، ولقد بالغ في ذلك، وحرَص عليه طاقتَه، فجزاه الله خيرًا، وأثابَه الجنَّة. (وَسَطًا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ)؛ أي: متوسِّطًا بينهما، ليس هو بالقصير المُخِلِّ، ولا بالطَّويل المُمِلِّ، وخِيار الأمور أوسطُها؛ إذ الوسَط العدل، وهو منصوب ب «جَمْعِه» على الحال؛ أي: اجتهدت في جمعِه وسطًا، ويجوز أن يكون ناصبه فعلًا مقدَّرًا؛ أي: جعلتُه وسطًا.
قال الواحدي (^٥): هو اسم لما بين طرفي الشَّيء، فأمَّا اللفظ به، فقال
_________________
(١) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب، صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات، توفي سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٩٢، تاريخ الإسلام ١٠/ ١٧٥.
(٢) هو محمد بن جعفر الوركاني، أبو عمران، جار الإمام أحمد، ونقل عنه أشياء. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٢٨٧.
(٣) تاريخ بغداد ٦/ ٩٠.
(٤) ينظر: الصحاح ٣/ ٩٠٠. والجوهري هو: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر، من أئمة اللغة، أصله من فاراب، توفي سنة ٣٩٣ هـ، من أشهر مصنفاته: الصحاح، وله كتاب في العروض. ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٦٥٦، الأعلام ١/ ٣١٢.
(٥) هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن مَتُّويه، أبو الحسن الواحدي، مفسر، عالم بالأدب، من مصنفاته: البسيط، والوسيط، والوجيز؛ كلها في التفسير، توفي سنة ٤٦٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٣، الأعلام ٤/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٩ ]
المبرد: ما كان اسمًا فهو محرَّك السين؛ كقولك: وسَط رأسِه صُلب، وما كان ظرفًا فهو مسكَّن؛ كقولك: وسْط رأسه دهن؛ أي: في وسطه. وقال الجوهري: ما صلَح فيه «بين» فهو بالسُّكون، وما لم يصلح فيه «بين» فهو بالتَّحريك، وربَّما سُكِّن، وليس بالوجه. وقال الفراء (^١): قال يونس (^٢): سمعت وسَط ووسْط بمعنىً (^٣).
(وَجَامِعًا)، معطوف على (وَسَطًا)، (لِأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ)، جمعُ حُكْم، وهو في الأصل (^٤): خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التَّخيير أو الوضع. (عَرِيَّةً عنِ الدَّلِيلِ)؛ أي: مجرَّدًا عن ذكر الدَّليل غالبًا، وهو لغة: عبارة عن المرشد، واصطلاحًا: ما يمكن التَّوصُّل بصحيح النَّظر فيه إلى مطلوب خَبَريٍّ. والمراد به هنا: الدَّليل التفصيلي في كل مسألة. (وَالتَّعْلِيلِ)؛ أي: مجرَّدًا عن العلَّة أيضًا، وهي حِكْمة الحُكم؛ أي: ما يَثْبُت الحكمُ لأجله في محلِّه، وهو أخصُّ من الدَّليل؛ إذ كلُّ تعليلٍ دليلٌ، من غير عكس؛ لجواز أن يكون نصًّا أو إجماعًا. (لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ)؛ أي: جرَّده عن الدَّليل والتَّعليل غالبًا مع ما سبق في قوله: (اجتهدت …) إلى آخره (^٥)؛ لأجل
_________________
(١) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، مولى بني أسد، أبو زكريا، المعروف بالفراء، إمام الكوفيين، وكان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو، من مصنفاته: المقصور والممدود، ومعاني القرآن، والمذكر والمؤنث، توفي سنة ٢٠٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٦/ ١٧٦، تاريخ الإسلام ٥/ ١٤١.
(٢) هو يونس بن حبيب الضبي البصري، أبو عبد الرحمن، أخذ عنه: الكسائي، وسيبويه، والفراء، توفي سنة: ١٨٢ هـ. ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ١٠١٤، الأعلام ٨/ ٢٦١.
(٣) من قوله: (قال الواحدي ..) إلى هنا نقلًا من كتاب المطلع ص ١١. وينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٢١، الصحاح ٣/ ١١٦٧.
(٤) قوله: (في الأصل) سقط من (أ).
(٥) قوله: (إلى آخره) سقط من (ب) و(ز).
[ ١ / ٢٠ ]
تكثير (^١) أحكامه. (وَيَقِلَّ حَجْمُهُ) في النَّظر، فلا تنفِر النَّفس منه. (وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ)؛ أي: يسهل حفظ مبانيه وفهم معانيه؛ إذ الفهم: إدراك معنى الكلام، قيل: بسرعة، والأصحُّ: أنَّه لا يحتاج إليه. (وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ)؛ أي: يَقْنَع به حافظُه عن غيره. (نَافِعًا للنَّاظِرِ فِيهِ)؛ أي: بمطالعته (^٢).
(وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يُبَلِّغَنَا أَمَلَنَا، وَيُصْلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيْهِ، نَافِعًا لَدَيْهِ)، سأل من الله تعالى أن يبلِّغه أمَلَه، ويُصلِح قولَه وعملَه، وقد عمَّ في الدعاء، فإنَّه رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على عليٍّ وهو يدعو ويخصُّ نفسَه، فقال له: «يا عليُّ! عُمَّ، فإنَّ فضلَ العموم على الخصوص كَفضلِ السَّماء على الأرض» (^٣).
(وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، الحَسيب: الكافي. والوكيل: الحافظ، وقيل: الموكول إليه تدبيرُ خَلقِه، والقائم بمصالحهم، فيكون «ونِعم الوكيل» عطف على جملة «وهو حسبنا»، والمخصوص محذوف، وإمَّا أن يكون عطفًا على «حسبنا»؛ أي: وهو نعم الوكيل، والمخصوص هو الضَّمير المتقدِّم على ما قالوه في: زيد نعم الرَّجل، وعلى كلِّ تقدير؛ فقد عطف الإنشاء على الإخبار.
_________________
(١) في (ز): يكثر.
(٢) في (أ) و(و) و(ز): مطالعته.
(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٣٠)، عن عمرو بن شعيب، أن النبي ﷺ أتى عليَّ بن أبي طالب وقد خرج لصلاة الفجر وعلي يقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم تب عليَّ، فضرب النبي ﷺ على منكبه، وقال له: «عَمِّم؛ ففضل ما بين العموم والخصوص كما بين السماء والأرض»، وهو حديث مرسل.
[ ١ / ٢١ ]