بيَّن المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من منهجه في كتابه في مقدمته، فقال بعد أن ذكر كتاب «المقنع» وأهميته: (فتَصدَّيْتُ لأن أشرحَه شرحًا يبيِّن حقائقه، ويوضِّح دقائقَه، ويذلِّل من اللَّفظ صعابَه، ويكشف عن وجه المعاني نقابَه، أنبِّه فيه على ترجيح ما أُطلق، وتصحيح ما أُغلق، وأجتهدُ في الاختصار؛ خوفَ الملل والإضجار).
فاتسم منهج المؤلف في كتابه بسمات عديدة، من ذلك على وجه الاختصار:
١ - شرح معاني المقنع وتوضيح ألفاظه، وكانت طريقته في ذلك: أنْ مَزَج
[ المقدمة / ٢٢ ]
شرحه مع المتن، وحَذَا فيه - كما قال ابن المبرد - حذو المحلِّي الشافعي في «شرح المنهاج»، وهي طريقةٌ لا نعلم أحدًا سبقه إليها من علماء الحنابلة، وقد تبعه عليها جماعة ممن أتى بعده، من أبرزهم منصور البهوتي في شروحه.
٢ - تَعقَّب صاحب «المقنع» في بعض ألفاظه، وبين ما كان ينبغي أن يكون، فمن ذلك: ما جاء في عبارة «المقنع»: (التاسع: أن يشهدا على رجل بقتل عمد، أو ردة أو زنى)، قال في «المبدع»: (وعبارة «الوجيز» و«الفروع»: ولو شهدت بينة بما يوجب قتله. وهي أحسن).
ومن ذلك أيضًا: ما في كفارة اليمين بالنسبة للعبد المبعض، عبَّر في «المقنع» بقوله: (ومن نصفه حر)، قال في «المبدع»: (وعبارة «المحرر» و«الوجيز» و«الفروع»: ومن بعضه. وهو أولى).
٣ - اعتنى بنُسَخ «المقنع» الخطية وضَبَط ما احتاج إلى ضبطٍ من ألفاظها.
فمن ذلك: قول صاحب «المقنع» في شروط الصلاة: (وهي ست)، قال: (كذا بخط المؤلف بغير هاء، وقياسه «ستة» بالهاء، لأن واحدها شرط، وهو مذكر يلزم الهاء في جمعه).
ومن ذلك أيضًا: ما جاء في كتاب الوصايا عند قول صاحب «المقنع»: (ولو كانوا أربعةً، فأوصى بمثل نصيب خامسٍ لو كان إلا مثل نصيب سادسٍ لو كان، فقد أوصى له بالخمس إلا السدس بعد الوصية)، قال البرهان في الشرح: (وفي بعض النسخ المقروءة على المؤلف: ولو كانوا أربعة، فأوصى بمثل نصيب أحدهم إلا مثل نصيب ابن خامس لو كان، فقد أوصى بالخمس إلا السدس بعد الوصية، وهذه هي الصحيحة المعتمدة في المذهب الموافقة لطريقة الأصحاب، وعلى ما ذكره هنا هي مشكلة على طريقة الأصحاب).
٤ - بيَّن الراجح من المرجوح فيما أطلقه صاحب «المقنع»، وصحَّح ما يحتاج إلى تصحيح، فكثيرًا ما يقول فيما أطلقه المؤلف: (وأصحهما)، أو
[ المقدمة / ٢٣ ]
يقول: (والصحيح من المذهب)، أو يقول: (والمذهب كذا)، ونحو ذلك من العبارات الدالة على التصحيح في المذهب، وقد اعتنى البرهان ببيان ما هو المذهب من الروايات والأوجه والأقوال المذكورة.
٥ - راجع شروح «المقنع» التي سبقته، ونقل عنها، وتعقبها، وانتقى منها ما يحتاج إليه.
٦ - اجتهد في اختصاره؛ خوفًا من الملل والإضجار كما قال، إلا أنه في حقيقة الحال أتى على نمط متوسط من الشروح.
وكان في بعض مواطن اختصاره يُخِلُّ بالمعنى، مما يُحتاج معه إلى التنبيه عليه.
ومثال ذلك: ما ذكره في مسألة تداخل الحدود، بعد أن ذكر قول صاحب «البلغة» وصاحب «المستوعب»، قال في «المبدع»: (ثُمَّ قال شَيخُنا: قَولُ الفقهاء: تتداخل دليلٌ على أنَّ الثابت أحكامٌ …)، فقوله: (قال شيخنا) يوهم أنه شيخه ابن نصر الله أو غيره، وفي الواقع هو شيخ الإسلام ابن تيمية، والكلام لصاحب الفروع، إلا أنه لم يذكر ذلك.
٧ - ذَكَر أقوالَ الأصحاب في المسائل التي أوردها صاحب «المقنع»، ونسبها في الغالب إلى أصحابها، معتمدًا في ذلك - غالبًا - على كتاب جدِّه «الفروع»، وقد يزيد عليه أحيانًا.
واعتنى رحمه الله تعالى بأقوال الموفق ابن قدامة صاحب «المقنع»، فيذكر ما قاله في كتبه الأخرى في نفس المسألة، ويبيِّن ما جزم به في بعضها، وما أطلقه أو رجَّحه، وما قيَّده أو استثنى منه.
كما اعتنى بأقوال أئمة المذهب السابقين، حتى إنه يوردها أحيانًا بألفاظها، فاعتنى بكلام الخرقي، والخلال، وأبي بكر عبد العزيز، والقاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والموفق، والمجد ابن تيمية،
[ المقدمة / ٢٤ ]
والشارح، والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجده شمس الدين ابن مفلح صاحب «الفروع»، وكثيرًا ما يسوق كلام صاحب «الرعاية» و«الوجيز» و«المستوعب»، وغيرهم.
٨ - ذَكَر توجيهات الأصحاب، وخاصة ما وجَّهه جدُّه شمس الدين في «الفروع»، وقد ينسبها لجدِّه، وقد يذكرها دون نسبة مما يدل على تأييده لذلك التوجيه.
ومثل ذلك: بعض الأقوال الواردة عن محققي المذهب كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، يورد أقوالهم أو توجيهاتهم دون أن ينسبها لهم.
٩ - دلَّل للمسائل الواردة بما تيسر من الأدلة من الكتاب والسنة والآثار والنظر.
١٠ - يستدرك أحيانًا على كلام الأصحاب، إما في أقيستهم أو في فهمهم لكلام الإمام أحمد، أو لكلام صاحب «المقنع»، أو في تخريجهم للأحاديث أو غير ذلك.
فمن ذلك مثلًا: أورد عند قول صاحب «المقنع»: (ويشترط كون العامل أمينًا) كلام صاحب الفروع فقال: (وفي «الفروع» ومرادهم بها العدالة) ثم قال: (وفيه نظر).
ومن ذلك أيضًا: ما ذكره عند قوله صاحب «المقنع»: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده، ولا للمرأة الإحرام نفلًا إلا بإذن زوجها)، قال ابن المنجى: (قيَّده بالنفل منها دون العبد؛ لأنه لا يجب عليه حج بحال بخلافها)، فعلَّق عليه برهان الدين ابن مفلح بقوله: (وفيه نظر، فإنهم صرحوا بأن العبد لو نذره لزمه بغير خلاف نعلمه).
ومن ذلك: لما أورد في «المبدع» حديث: «لا تُبرِز فخِذَكَ، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ أو ميتٍ»، وبيَّن من خرَّجه، قال: (وقال ابن المنجَّى: رواه أحمد.
[ المقدمة / ٢٥ ]
وفيه نظر)، وذلك أن الذي خرَّجه هو عبد الله في زوائد المسند، وليس الإمام أحمد.
١١ - اعتنى بالأحاديث والآثار، فكثيرًا ما يذكرها بأسانيدها، ويبين من خرَّجه من أصحاب الكتب، ويبين الصحيح منها والضعيف، ويتكلم في العلل، ويورد كلام أهل الحديث في نقد المتون والرجال، بما لا يوجد في كثير من كتب المذهب.
بل إن عناية المؤلف بنقد الأحاديث ظاهرة جلية في كتابه، تدل على سعة اطلاعه على علل الحديث ورجاله، وعلى كلام أهل العلم المحققين به.
فمن ذلك على سبيل المثال قوله: (قال عمر: «لو أستطيع أنْ أجعلَ العدَّةَ حَيضةً ونصفًا لَفَعَلْتُ» رواه البَيهقِيُّ، ولا يصحُّ للجهالة أو الانقطاع)، وهو يشير إلى أن البيهقي رواه بإسنادين، أحدهما فيه راوٍ مجهول وهو رجل من ثقيف الراوي عن عمر، والإسناد الآخر فيه انقطاع؛ لأنه من رواية عمرو بن أوس عن عمر، وهو منقطع.
١٢ - اعتنى ببيان غريب الألفاظ، وكان عمدته في الغالب كتاب «المطلع في حل ألفاظ المقنع»، مع اعتماده على غيره من أهل اللغة؛ كأبي عبيد والجوهري والأزهري وغيرهم.