وهو فِعْلُ مَجْنِيٍّ عليه (^١) أوْ وَلِيِّه بِجانٍ مِثْلَ ما فَعَلَ، أوْ شِبْهَه.
(وَيُشْتَرَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ):
(أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا)؛ لأِنَّ غيرَ المكلَّف لَيسَ أهْلًا لِلاِسْتِيفاء؛ لِعَدَمِ تكليفِه، بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ إقْرارُه ولا تصرُّفه (^٢)؛ لأِنَّ غَيرَ المكلَّف إمَّا صَبِيٌّ أوْ مجنونٌ، وكِلاهُما لا يُؤمَنُ منه الحَيفُ على الجاني، ولا يَقومُ وَلِيُّه مَقامَه؛ لأِنَّ القِصاصَ شُرِعَ للتَّشَفِّي، فلم يَقُمْ غَيرُه مَقامَه.
(فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا؛ لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ)؛ لِمَا ذكرنا (^٣)، والقَوَدُ لَيسَ لأِبيهِ ولا لغَيرِه اسْتِيفاؤه.
وعَنْهُ: بَلَى، حكاها أبو الخَطَّاب، وقالَها الأكثرُ؛ لأِنَّ القصاصَ أحدُ بَدَلَي النَّفس، فكان للأب استيفاؤه (^٤)؛ كالدية، وكذلك الحكمُ في الوصيِّ والحاكِمِ في الطَّرَفِ دُونَ النَّفْس.
والأوَّلُ هو (^٥) ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا يَملِكُ إيقاعَ الطَّلاقِ بزَوجَتِه، فلم يَملِك اسْتِيفاءَ القصاص؛ كالوصيِّ، ولأِنَّ القَصْدَ التَّشفِّي وتَرْكُ الغَيظ، ولا يَحصُلُ ذلك باسْتِيفاءِ الأبِ، بخِلافِ الدِّيَة، فإنَّ الغَرَضَ يحصل (^٦) باسْتِيفائه، ولأِنَّ الدِّيَة إنَّما يُملك (^٧) استيفاؤها إذا تعيَّنَتْ، والقِصاصُ لا يتعيَّنُ.
_________________
(١) قوله: (عليه) مكانه بياض (م).
(٢) في (ن): ولا يصرفه.
(٣) في (م): ذكر.
(٤) قوله: (وعنه: بلى، حكاها أبو الخطاب …) إلى هنا سقط من (م).
(٥) قوله: (والأول هو) في (م): وهو.
(٦) قوله: (ذلك باستيفاء الأب، بخلاف الدية، فإن الغرض يحصل) سقط من (م).
(٧) في (م): تملك.
[ ٩ / ١٢٣ ]
فَعَلَى هذا: (يُحْبَسُ (^١) الْقَاتِلُ (^٢) حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ)، ويَقدَمَ الغائبُ؛ لأِنَّ فيه حَظًّا للقاتِلِ بتأْخِيرِ قَتْلِه، وحَظًّا للمُستَحِقِّ بإيصاله (^٣) إلى حقِّه، ولأنَّه (^٤) يَستَحِقُّ إتْلافَ نَفْسِه ومَنفَعَتِه، فإذا تعذَّر اسْتِيفاءُ النَّفْس لِعارِضٍ؛ بَقِيَ إتْلافُ المَنفَعَةِ سالِمًا عن المعارض (^٥)، وقد حَبَسَ مُعاوِيَةُ هُدبة (^٦) بن خشرم في قَوَدٍ حتَّى يَبلُغَ ابنُ القَتِيلِ، فلم يُنكَرْ ذلك، وبَذَلَ الحَسَنُ، والحُسَينُ، وسعيدُ بنُ العاص (^٧) لاِبْنِ القَتِيلِ سَبْعَ دِياتٍ، فلم يَقْبَلْها (^٨).
لا يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُخَلَّى سبيلُه كالمُعْسِر؛ لِمَا في تَخْلِيَتِه مِنْ تضييعِ الحقِّ؛ لأنَّه (^٩) لا يُؤمَنُ هَرَبُه، والفرق (^١٠) بَينَهما مِنْ وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ قضاءَ الدَّين لا يَجِبُ مع الإعْسار، فلا يُحبَسُ بما لا يَجِبُ، والقِصاصُ واجِبٌ، وإنَّما تعذَّر (^١١) لِمَانِعٍ.
الثَّاني: أنَّ المُعْسِرَ لو حُبِسَ تعذَّر عليه الكَسْبُ لِقَضاءِ الدَّين.
_________________
(١) كتب في هامش (ظ): (أي: وجوبًا. أي: وعلم بقوله: "ويحبس" أنه لا يُخلَّى بكفيل ولا رهن، فقد يهرب فيفوت الحق، ولا يحتاج الحاكم في حبسه بعد فوت القتل عنده إلى إذن الولي).
(٢) كتب في هامش (ظ): (ولو قال المصنف: "ويحبس حتمًا الجاني" كان أعم).
(٣) في (م): باتصاله.
(٤) في (م): ولا.
(٥) في (ن): العارض.
(٦) في (م): هدية.
(٧) في (م): المسيب.
(٨) تقدم تخريجها ٥/ ٤٦٠ حاشية (٥).
(٩) في (ن): ولأنه.
(١٠) في (م): والمفرق.
(١١) في (ن): يعذر.
[ ٩ / ١٢٤ ]
الثَّالِثُ: أنَّه قد اسْتَحَقَّ قَتْلَه، وفيه تَفْويتُ نفسِه ونَفْعِه، فإذا تعذَّر تَفويتُ النَّفس لِمَانِعٍ؛ جاز تَفْويتُ نَفْعِه لِإمْكانِه.
ولو كان القوَدُ لحي (^١) في طَرَفِه؛ لم يتعرَّضْ لِمَنْ هي عليه.
فإنْ أقام كفيلًا بنفسه لِيُخَلَّى سبيلُه؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الكفالةَ لا تَصِحُّ في القِصاص؛ كالحَدِّ.
(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَبٌ؛ فَهَلْ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (^٢):
الأصحُّ: أنَّه لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّ مقصودَ شرعيَّةِ القِصاص مَفْقودٌ في الأب، وكوصيٍّ وحاكِمٍ.
والثَّانيةُ: بَلَى؛ لأِنَّ له (^٣) وِلايَةً كامِلةً، بدليلِ أنَّه يَملِكُ أنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِه لنفسه، بخِلافِ غَيرِه.
(فَإِنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَى النَّفَقَةِ؛ فَهَلْ لِوَلِيِّهِمَا العَفْوُ (^٤) عَلَى الدِّيَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)، وحَكاهُما في «الفروع» رِوايَتينِ:
أحدهما (^٥): يَجُوزُ، صحَّحه القاضي والمؤلِّفُ، وقدَّمه في «الرِّعاية».
والثَّاني: المَنْعُ؛ لأِنَّه لا (^٦) يَمْلِكُ إسْقَاطَ قِصاصِه، ونَفَقَتُه في بيتِ المال، وكما لو كانَا مُوسِرَينِ.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ وُجوبَ نَفَقَتِه في بيتِ المال (^٧) لا يغنيه (^٨) إذا لم
_________________
(١) في (م): يحيي.
(٢) في (م): وجهين.
(٣) قوله: (لأن له) سقط من (م).
(٤) في (ظ): للعفو.
(٥) في (م): إحداهما.
(٦) قوله: (لا) سقط من (م).
(٧) قوله: (وكما لو كانا موسرين …) إلى هنا سقط من (ن).
(٨) في (م): لا لغيبة. وفي (ن): تغنيه.
[ ٩ / ١٢٥ ]
يَحصُلْ، ولا يَجُوزُ عَفْوُه مَجَّانًا.
ولِوَلِيِّ الفقيرِ المجنونِ العَفْوُ على مالٍ؛ لأِنَّه ليست (^١) له حالةٌ مُعْتادَةٌ يُنتَظَرُ فيها إفاقَتُه ورُجوعُ عَقْلِه، بخِلافِ الصَّبيِّ، وهذا هو المنصوصُ (^٢)، وجَزَمَ به في «الوجيز».
وعَنهُ: لأِبٍ. وعَنْهُ: ووصيٍّ وحاكمٍ اسْتِيفاؤه لهما في نَفْسٍ ودونها (^٣) فيَعْفُو إلى الدِّيَة، نَصَّ عليه (^٤).
(وَإِنْ قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا، أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا قَهْرًا؛ احْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُمَا (^٥)، هذا وجْهٌ قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه أتْلَفَ عَينَ حقِّه، فسَقَطَ الحقُّ، أشْبَهَ ما لو كانَتْ لهما وديعةٌ عِنْدَ شَخْصٍ فأخذاها (^٦) منه قَهْرًا، وكما لو اقتصَّا (^٧) ممَّن لا تَحمِلُ العاقِلةُ دِيَتَه.
(وَاحْتَمَلَ: أَنْ تَجِبَ لَهُمَا دِيَةُ أَبِيهِمَا فِي مَالِ الْجَانِي، وَتَجِبُ دِيَةُ الْجَانِي عَلَى عَاقِلَتِهِمَا)، جَزَمَ به في «التَّرغيب» و«عيون المسائل»؛ لأِنَّه لَيسَ من أهْلِ الاِسْتِيفاء، فلا يَكُونُ مُستَوْفِيًا لِحَقِّه، فيَجِبُ لهما دِيَةُ أبِيهِما في مالِ الجانِي؛ لأِنَّ عَمْدَ الصَّبيِّ والمجنونِ خطأٌ، وعلى عاقِلَتِهما ديةُ القاتِلِ؛ كما لو أتْلَفَ أجنبيًّا، بخلافِ الوديعة، فإنَّها (^٨) لو تَلِفَتْ بغيرِ تَعَدٍّ؛ بَرِئَ منها المُودَعُ.
_________________
(١) في (ظ): ليس.
(٢) ينظر: مسائل عبد الله ص ٤٠٨.
(٣) في (ظ): أو دونها.
(٤) ينظر: الفروع ٩/ ٣٩٩.
(٥) كتب في هامش (ظ): (أي الصغير والمجنون إذا ثبت لهما قصاصٌ على إنسان، فقتلاه فهذا - أي مبادرته بلا إذن ممن له ذلك -، يُسقط حقَّهما من القصاص؛ لأنه استيفاء لما وجب لهما، فيسقط حقهما).
(٦) في (م): فأخذاهما.
(٧) في (م): اقتضا.
(٨) في (م): فإنهما.
[ ٩ / ١٢٦ ]
ولو هَلَكَ الجاني مِنْ غَيرِ فِعْلٍ؛ لم يَبرَأْ مِنْ الجناية، فلو مات قَبْلَ تكليفه؛ فحقُّه من القَوَدِ إرْثٌ.
وقيل (^١): يَسقُطُ إلى الدِّيَة؛ كما لو مات المسْتَحِقُّ الغائبُ وجُهِلَ عَفْوُه، قاله (^٢) في «الرِّعاية».
(وَإِنِ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ (^٣) الْعَاقِلَةُ) كالعبد؛ (سَقَطَ حَقُّهُمَا (^٤) وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأِنَّه لا (^٥) يُمكِنُ إِيجابُ دِيَته على العاقلة، فلم يكُنْ إلاَّ سقوطه (^٦).
_________________
(١) في (ظ): قيل ..
(٢) في (م): فما له.
(٣) في (م): لا يحمل دية.
(٤) قوله: (حقهما) سقط من (م).
(٥) قوله: (لا) سقط من (م).
(٦) في (م): بسقوطه.
[ ٩ / ١٢٧ ]