الحَضانةُ بفَتْحِ الحاء: مصدر حَضَنْتُ الصَّغِيرَ حَضانةً؛ أيْ: تحمَّلت (^١) مُؤنَتَه وتَربِيَتَه، والحاضنة (^٢): الَّتي تُرَبِّي الطِّفْلَ، سُمِّيَتْ به؛ لأِنَّها تَضُمُّ الطِّفلَ إلى حِضْنِها.
وهي واجبةٌ؛ لأِنَّه يَهلِكُ بتَرْكِه، فَوَجَبَ حِفْظُه عن الهلاك، كما يَجِبُ الإنفاقُ عليه، وإنجاؤه (^٣) من المهالِكِ.
ومُستَحِقُّها: رجلٌ عَصَبةٌ، وامرأةٌ وارِثةٌ، أوْ مُدْلِيَةٌ بِوارِثٍ؛ كخالةٍ وبناتِ أخَواتٍ، أوْ مُدلِيَةٌ بعَصَبةٍ؛ كبِناتِ إخْوةٍ وأعمام (^٤)، ثُمَّ هل تكونُ كحاكِمٍ، أوْ كبقيَّةِ الأقارِب مِنْ رَجُلٍ وامرأةٍ ثُمَّ لحاكم (^٥)؟ فيه وَجْهانِ.
(أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ، وَالْمَعْتُوهِ)، وهو المُخْتَلُّ العَقْلِ: (أُمُّهُ)؛ أي (^٦): إذا كانَتْ حرَّةً، عاقِلةً، عَدْلًا في الظَّاهِر، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (^٧)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه: أنَّ امرأةً قالَتْ: يا رسولَ الله إنَّ ابْنِي هذا كان بَطْنِي له وِعاءً، وثَدْيِي له سِقاءً، وحِجْرِي له حِواءً، وإنْ أباهُ طلَّقَنِي، وأرادَ أنْ ينتزعه (^٨) مِنِّي، فقال لها النَّبيُّ ﷺ: «أنتِ أحقُّ به ما لم
_________________
(١) في (م): تتحمل.
(٢) في (م): والحضانة.
(٣) في (م): وإلجاؤه.
(٤) في (م): أو أعمام.
(٥) في (م): الحاكم.
(٦) قوله: (أي) سقط من (م).
(٧) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٨٤، الاستذكار ٧/ ٢٩٠.
(٨) في (ظ): ينزعه.
[ ٩ / ٣٤ ]
تَنكِحِي» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ ولَفْظُه له (^١)، ولِقضاءِ أبي بكرٍ على عمرَ، بعاصِمِ بنِ عمرَ لأِمِّه، فقال: «ريحُها وشَمُّها ولَطْفُها خَيرٌ له منكَ» رواه (^٢) سعيدٌ (^٣)، واشْتَهَرَ ذلك ولم يُنكَرْ، ولأِنَّها أشْفَقُ عليه وأقْرَبُ، ولا يُشارِكُها في القُرْب إلاَّ الأبُ، ولَيسَ له مِثْلُ شَفَقَتِها، ولا يَتوَلَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدفَعُه إلى مَنْ يَقومُ به.
وظاهِرُه: ولو بأجرِ (^٤) مِثْلٍ؛ كرَضاعٍ، قاله في «الواضح»، واقْتَصَرَ عليه في «الفروع».
فإن لم تكُنْ مَوجُودةً، أوْ كانَتْ ولم تَستَوعِبِ الشُّروطَ؛ انتقلَ إلى مَنْ يَلِيها في الاِسْتِحْقاقِ، وهو المنبَّهُ عليه بقَولِه: (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا)؛ لأِنَّ وِلادَتَهُنَّ مُتحَقِّقةٌ فَهُنَّ في (^٥) مَعْنَى الْأُمِّ، (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ)؛ لأِنَّ الأقْرَبَ أكْمَلُ شَفَقةً من الأبْعَدِ، وأقْرَبُ شَبَهًا بالأمِّ.
(ثُمَّ الْأَبُ) في الصَّحيح عنه؛ لأِنَّه أقْرَبُ مِنْ غَيرِه، ولَيسَ لِغَيرِه كمالُ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٧٠٧)، وأبو داود (٢٢٧٦)، والدارقطني (٣٨٠٨)، والحاكم (٢٨٣٠)، وصححه الحاكم وابن الملقن، وقواه ابن القيم وذكر أن الأئمة احتجوا به، وحسنه الألباني للخلاف المعروف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ينظر: زاد المعاد ٥/ ٣٨٩، البدر المنير ٨/ ٣١٧، الإرواء ٧/ ٢٢٤.
(٢) زيد في (م): أبو.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٣٩)، وابن أبي شيبة (١٩١٢٢)، وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف. وأخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٣٩)، وابن أبي شيبة (١٩١١٤)، عن عكرمة مرسلًا. وأخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٣٩)، عن الحسن مرسلًا. وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٦٧)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٣٩)، عن القاسم بن محمد مرسلًا. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩١٢٣)، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهذا أقواها، وهي مراسيل مختلفة المخارج يقوي بعضها بعضًا.
(٤) في (م): بأجرة.
(٥) قوله: (متحققة فهن في) في (م): مستحقة فهي.
[ ٩ / ٣٥ ]
شفقته (^١)، ترجَّح بها، فَوَجَبَ أنْ يكون (^٢) أحقَّ بها بَعْدَ مَنْ ذُكِرَ.
(ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ)؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ بمن (^٣) هو أحقُّ.
فإنْ قِيلَ: الجَدُّ يُدْلِي بالأقْرَبِ؛ فساواهنَّ في ذلك، فَلِم يُقدَّمْنَ عليه؟
قِيلَ: الأَبَوِيَّة مع التَّساوِي، فَوَجَبَ الرُّجْحانُ (^٤)، دليلُه: الأمُّ مع الأَبِ.
وعنه: أنَّ أمَّ الأب مُقدَّمَةٌ على أمِّ الأمِّ؛ لأِنَّها تُدْلِي بعَصَبةٍ، فَعَلَيْها: يَكونُ الأبُ أَوْلَى بالتَّقديم؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ به، فيكونُ الأبُ بعدَ الأمِّ، ثُمَّ أمهاته (^٥).
(ثُمَّ الْجَدُّ)؛ لأِنَّه أبٌ، أوْ بمنزلَتِه، ومُقتَضاهُ: تقديمُه بَعْدَ الأَبِ، تُرِكَ العَمَلُ به في أُمَّهاتِ الأبِ؛ لِمَا ذُكِرَ من التَّرجيح بالأَبَوِيَّة (^٦).
(ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ)؛ لِمَا ذُكِرَ في أمَّهاتِ الأَبِ.
فإنْ قِيلَ: الأخَوَاتُ يُدْلِينَ بالأب، وهو أحقُّ من الجَدِّ، فيَجِبُ أنْ يكونَ مَنْ يُدْلِي به أحقَّ مِمَّنْ يُدْلِي بالجَدِّ.
قِيلَ: أُمَّهاتُ الجَدِّ اجْتَمَعَ فِيهنَّ الإدْلاءُ بالجَدِّ، وكَونُ الطِّفْل بَعضًا مِنهُنَّ، وذلك مَفْقودٌ في الأَخَواتِ.
(ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ لِلْأُمِّ)، قَدَّمهنَّ على (^٧) سائرِ القَراباتِ؛ لأِنَّهنَّ يُشارِكْنَ في (^٨) النَّسب، وقُدِّمْنَ في المِيراثِ، وتُقدَّمُ الأُخْتُ
_________________
(١) في (م): شفقة.
(٢) في (ظ): تكون.
(٣) في (م): عمن.
(٤) كذا في النسخ الخطية، وفي الكشاف ١٣/ ١٨٩، ومطالب أولي النهى ٥/ ٦٦٦: الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان.
(٥) قوله: (ثم أمهاته) سقط من (م).
(٦) كذا في النسخ الخطية، وصوابه كما تقدم: بالأنوثة.
(٧) في (م): قدمن.
(٨) في (م): من.
[ ٩ / ٣٦ ]
لِلْأَبَوَينِ؛ لِقُوَّةِ قَرابَتِها، ثُمَّ مَنْ كانَتْ لأِبٍ، ثُمَّ لأِمٍّ، نَصَّ عليه (^١).
(ثُمَّ الْخَالَةُ)؛ لأِنَّها تُدْلِي بالأُمِّ، ولأِنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خالةَ ابْنةِ حَمزةَ على عَمَّتِها صَفِيَّةَ (^٢)؛ لأِنَّ صَفِيَّةَ لم تَطلُبْ، وجَعفَرٌ طَلَبَ نائبًا عن خالتها (^٣)؛ فَقَضَى الشَّارِعُ بها لها في غَيبَتِها (^٤).
(ثُمَّ الْعَمَّةُ)؛ أيْ: لِأَبَوَينِ، ثُمَّ لأِبٍ، ثُمَّ لأِمٍّ، (فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)؛ كالأَخَوات، قد تَبِعَ المؤلِّفُ القاضِيَ وأصحابَه في تقديمِ الخالة على العمَّة، والأختِ من الأب (^٥) على الأُخْتِ مِنْ الأُمِّ، قال بعضُهم: فتَناقَضُوا.
وقُدِّمْنَ على الأَعْمام؛ لأِنَّهنَّ نِساءٌ مِنْ أهْلِ الحَضانة، فَقُدِّمْنَ على مَنْ في دَرَجَتِهِنَّ مِنَ الرجال (^٦)؛ كتقديمِ الأمِّ على الأَبِ.
ثُمَّ خالات (^٧) أَبَوَيهِ، ثُمَّ عمَّاتُ أبِيهِ، ثُمَّ بناتُ الأعمامِ.
وقيل: تُقدَّمُ بناتُ بناتِ الإخْوةِ والأخوات (^٨) على العَمَّات والخَالاتِ
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٣/ ٤٦١.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) في (م): خالته.
(٤) هكذا في النسخ الخطية، وتبعه في الكشاف (١٣/ ١٨٩) حيث علل تقديم الخالة على العمة بأن صفية لم تطلب، وفي الاستدلال بذلك على المذهب نظر، والصواب: أنه جواب من قال بتقديم العمة على الخالة عن الاستدلال بقصة ابنة حمزة، قال في الفروع ٧/ ١٨٢: (وعنه عكسه في الكل - أي: يقدم أقارب الأب على أقارب الأم -، اختاره شيخنا وغيره، لأن الولاية للأب، وكذا قرابته، لقوته بها، وإنما قدمت الأم؛ لأنه لا يقوم مقامها هنا في مصلحة الطفل، وإنما قدم الشارع خالة ابنة حمزة على عمتها صفية، لأن صفية لم تطلب، وجعفر طلب نائبًا عن خالتها، فقضى الشارع بها لها في غيبته). وينظر: الاختيارات ص ٤١٤.
(٥) قوله: (الأب) مكانه بياض في (م).
(٦) في (م): الخال.
(٧) في (م): خالة.
(٨) قوله: (بنات الإخوة والأخوات) في (م): الأخوات.
[ ٩ / ٣٧ ]
ومَن بعدَهنَّ.
وهل (^١) تُقدَّمُ أمُّ أمِّه على أمِّ أبيهِ، وأخْتُه لِأُمِّه على أَخْتِه لأِبيهِ، وخالَتُه على عَمَّتِه، وخالةُ أمِّه على خالةِ أبيه، وخَالَاتُ أبيه على عَمَّاتِه، ومَنْ أدْلَى بعمة (^٢) وخالةٍ بأمٍّ عَلَى مَنْ أدْلَى بأبٍ، أوْ بالعكس (^٣)؟ فيه رِوايَتانِ.
(وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ)؛ لأِنَّهنَّ نِساءٌ يُدْلِينَ بالأُمِّ، فكُنَّ أَوْلَى من الأَبِ؛ كالجَدَّاتِ، (وَيَكُونُ (^٤) هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ)؛ لأِنَّهنَّ أحقُّ مِنْ الأَبِ، والأَبُ أحقُّ مِنْ الأْخْتِ مِنْ الأَبِ ومِن جَمِيعِ العَصَباتِ، فَعَلَى هذه: تُقدَّمُ نِساءُ الحَضانة على كلِّ رجلٍ.
وقِيلَ: إنْ لم يُدْلِينَ به.
ويَحتَمِلُ تقديمُ نِساءِ الأمِّ على الأب وجِهَتِه.
وقِيلَ: يُقدَّمُ العَصَبةُ على امْرأةٍ مع قُرْبِه، فإنْ تَساوَيا فَوَجْهانِ.
(قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ)، فيُؤخَذُ منه (^٥): تقديمُ قَرابةِ الأَبِ على قَرابَةِ الأم (^٦)؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ، فَقُدِّمْنَ؛ كتقديمِ الأخْت من الأب على الأُخْتِ من الأُمِّ؛ لأِنَّ الخالاتِ أخَواتُ الأمِّ، فيجرين (^٧) في الاِسْتِحْقاق والتَّقديمِ فِيما بَينَهُنَّ مَجْرَى الأَخَواتِ المفترِقات (^٨).
_________________
(١) في (م): وقد.
(٢) في (م): بعمته.
(٣) في (م): وبالعكس.
(٤) في (م): تكون.
(٥) في (م): فيدخل من.
(٦) قوله: (على قرابة الأم) سقط من (م).
(٧) في (م): فيجرهن.
(٨) في (م): المتفرقات.
[ ٩ / ٣٨ ]
وإن (^١) قُلْنا بتقديمِ الخالات؛ فبَعدَهُنَّ العَمَّاتُ، والعكسُ (^٢) بالعكس، فإذا عُدِمْنَ انْتَقَلَتْ إلى خالةِ الأب على قَولِ الخِرَقِيِّ، وعلى الصَّحيح: إلى خالةِ الأمِّ.
(ثُمَّ تَكُونُ (^٣) لِلْعَصَبَةِ)، وأقْرَبُهم: أبٌ، ثُمَّ جَدٌّ، ثُمَّ أقْرَبُ عَصَبةٍ على تَرتَيبِ المِيراث، ولأِنَّ لهم وِلايَةً وتعصيبًا بالقرابة، فتثبت (^٤) لهم الحَضانةُ كالأب، بخِلافِ الأجانِبِ، فإنَّه لا قَرابَةَ لهم، ولا شَفَقَةَ.
(إِلاَّ أنَّ (^٥) الْجَارِيَةَ لَيْسَ لاِبْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا)، وعلَّله: (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا)، ولَيسَ هذا خاصًّا بابْنِ العَمِّ، بل يَجْرِي ذلك في كلِّ عصبةٍ غَيرِ مَحرمٍ (^٦).
وظاهره: ولو كانَتْ مميِّزةً.
وفي «المغْنِي» و«الشَّرح»: إذا بَلَغَتْ سَبْعًا لم تُسلَّمْ إلَيهِ.
وفي «التَّرغيب»: تُشْتَهَى.
واخْتارَ صاحِبُ «الهَدْيِ»: مُطلَقًا (^٧)، وحِينَئِذٍ: يُسلِّمُها إلى ثِقَةٍ يَختارُها هو، أوْ إلى (^٨) مَحرَمِه؛ لأِنَّه أَوْلَى مِنْ أجنَبِيٍّ وحاكِمٍ.
وهذا إذا لم يكُنْ بَينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ، فإنْ كان؛ فيَجوزُ له حَضانَتُها.
وكذا قال فِيمَنْ تزوَّجَتْ ولَيسَ للولد غَيرُها، وهذا مُتوَجِّهٌ، ولَيسَ بمُخالِفٍ
_________________
(١) في (م): وإذا.
(٢) قوله: (والعكس) سقط من (م).
(٣) في (م): يكون.
(٤) في (م): فثبتت.
(٥) قوله: (إلا أن) في (م): لأن.
(٦) في (م): محرمه.
(٧) أي: له حضانتها مطلقًا. ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤٣٢.
(٨) في (م): وإلى.
[ ٩ / ٣٩ ]
للخبر؛ لِعَدَمِ عُمُومِه.
(وَإِذَا امْتَنَعَتِ (^١) الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا) في أظْهَرِ الوَجْهَينِ؛ لأِنَّ حقَّ القريب سَقَطَ لِمَعْنًى اختصَّ به، فاختصَّ السُّقوطُ به؛ كما لو سَقَطَ لمانع (^٢).
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَنْتَقِلَ (^٣) إِلَى الْأَبِ)؛ لأِنَّ أمَّهاتِها فَرْعٌ عليها (^٤) في الاِسْتِحْقاق، فإذا أسْقَطَتْ حقَّها؛ سَقَطَ فَرْعُها.
وكذا الخِلافُ في الأب إذا أسقط (^٥) حقَّه، بخلافِ الأُخْتِ للأبَوَينِ، وأنَّها إذا أسْقَطَتْ حقَّها؛ لم يَسقُطْ حقُّ الأخْتِ مِنْ الأب وَجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ اسْتِحْقاقَها مِنْ غَيرِ جِهَتِها، وليست (^٦) فَرْعًا عَلَيهَا.
(فَإِنْ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ؛ فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
(أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ)؛ لأِنَّ لهم رَحِمًا وقَرابَةً يَرِثُونَ بِها عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هو أَوْلَى منهم، أشْبَهَ البعيدَ مِنْ العَصَبةِ، (فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ (^٧) أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ)؛ لأِنَّه يُسقِطه (^٨) في المِيراثِ.
(وَفِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الأَمِّ (^٩) وَجْهَانِ):
_________________
(١) في (م): منعت.
(٢) في (م): المانع.
(٣) في (م): ينتقل.
(٤) في (م): عليه.
(٥) في (م): سقط.
(٦) في (م): وليس.
(٧) في (م): وأمهاتها.
(٨) في (م): يسقط.
(٩) قوله: (من الأم) سقط من (م).
[ ٩ / ٤٠ ]
أحدهما: يُقدَّمُ الأخُ مِنْ الأم (^١)؛ لأِنَّه يَرِثُ بالفَرْض، ويُسقِطُ ذَوِي الأرْحامِ كلَّهم، فيُقدَّمُ عَلَيهم في الحَضانَة.
والثَّاني: أبُو الأمِّ وأمَّهاتُه أَوْلَى منه؛ لأِنَّ أبا الأمِّ يُدْلِي إلَيها بالأُبُوَّة، والأخُ يُدْلِي بالبُنُوَّة، والأبُ يُقدَّمُ على الاِبنِ في الوِلايَة، فيُقدَّمُ في الحَضانَة؛ لأنَّها (^٢) وِلايَةٌ.
والوجْهُ الثَّاني: لا حقَّ لهم فيها، ويَنتَقِلُ الأمرُ إلى الحاكم؛ لأِنَّهم لَيسُوا مِمَّنْ يَحْضُنُ بنَفْسِه، ولا لهم وِلايَةٌ؛ لِعَدَمِ تعْصِيبِهم، أشْبَهُوا الأجانِبَ.
(وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ)؛ لِعَجْزِه عنها بخِدْمةِ مَولاهُ، وظاهره (^٣): ولو كان فيه جُزْءٌ رقيقٌ؛ لأِنَّه لا يَملِكُ نَفْعَه الذي يُحصِّلُ الكفالة (^٤).
وفي «المغْنِي»، و«الشَّرح» في مُعْتَقٍ بعضُه (^٥): قِياسُ قَولِ أحمدَ يَدخُلُ في مُهايَأَةٍ؛ أيْ: له الحَضانةُ في أيَّامه.
وفي «الفنون»: لم يَتعرَّضُوا لأِمِّ ولدٍ (^٦)؛ فلها حضانةُ وَلَدِها مِنْ سيِّدِها، وعَلَيهِ نَفَقَتُها؛ لِعَدَمِ المانِعِ، وهو الاِشْتِغالُ بزَوجٍ وسيِّدٍ.
وقال في «الهَدْيِ»: لا دليلَ على اشْتِراطِ الحُرِّيَّة (^٧).
(وَلَا فَاسِقٍ)؛ لأِنَّه لا يوفي (^٨) الحَضانَةَ حقها (^٩)، ولا حضانةَ للولد؛ لأِنَّه
_________________
(١) في (م): الأب.
(٢) في (ظ): ولأنها.
(٣) قوله: (وظاهره) سقط من (م).
(٤) في (م): الكفاية.
(٥) زيد في (م): الذي يحصل الكفالة.
(٦) في (م): ولده.
(٧) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤١٢.
(٨) في (م): لا يؤمن.
(٩) قوله: (حقها) سقط من (م).
[ ٩ / ٤١ ]
يَنشَأُ على طريقتِه، وخالَفَ صاحِبُ «الهَدْيِ» (^١)؛ لأِنَّه لا يُعرَفُ أنَّ الشَّرعَ فرَّقَ لذلك، وأقرَّ النَّاسَ، ولم يبَيِّنْه بيانًا واضِحًا عامًّا، ولاِحتياط (^٢) الفاسِقِ وشَفَقَتِه على وَلَدِه.
(وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)، بَلْ ضرره (^٣) أعْظَمُ؛ لأِنَّه يَفتِنُه عن دينه، ويُخرِجُه عن الإسلام بتعليمه الكفرَ وتربِيَته عليه، وفي ذلك كلِّه ضَرَرٌ، فكان منفيًّا.
(وَلَا امْرَأَةٍ (^٤) مُزَوَّجَةٍ)، اقْتَصَرَ عليه الخِرَقِيُّ والحلواني (^٥)، وكذا أطْلَقَه أحمدُ (^٦)؛ لقَوله ﵇: «أنْتِ أحقُّ به ما لم تَنكِحِي» (^٧)، فجَعَلَ اسْتِحْقاقَها مشروطًا (^٨) بِعَدَمِ النِّكاح.
وشَرْطُه: أنْ تكونَ مُزَوَّجةً (لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ)، وكذا في «المحرَّر» و«الوجيز»؛ لأِنَّها تَشتَغِلُ عن الحَضانة بحُقوقِ الزَّوج، وظاهِرُه: ولو رَضِيَ الزَّوجُ.
قال صاحِبُ «الهَدْيِ»: لا يَسقُطُ إنْ رَضِيَ؛ بِناءً على أنَّ سُقوطَها لِمُراعاةِ حقِّ الزَّوج (^٩).
ومُقْتَضاهُ: أنَّها إذا كانَتْ مُزَوَّجَةً بنَسيبٍ للطِّفل؛ لم يَمنَعْ ذلك من الحضانة.
_________________
(١) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤١١.
(٢) في (م): لاحتياط.
(٣) في (م): ضرورة.
(٤) في (م): لمرأةٍ.
(٥) قوله: (والحلواني) سقط من (م).
(٦) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٤٣.
(٧) سبق تخريجه ٩/ ٣٥ حاشية (١).
(٨) في (م): مشروطه.
(٩) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤٣٢.
[ ٩ / ٤٢ ]
وقِيلَ: لا حَضانَةَ لها وإنْ تزوَّجَتْ بنسيب (^١)؛ إلاَّ أنْ يكونَ جَدًّا للطِّفل، والأَشْهَرُ: وقَرِيبَه، وهو مَعْنَى قَولِ بعضِهم: ونسيبَه، ويتوجَّهُ احْتَمالٌ: ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ.
وعَنْهُ: لها حضانةُ الجاريةِ فَقَطْ إلى سَبْعِ سنينَ؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ عليًّا وجعفرًا وزَيدَ بنَ حارثةَ تَنازَعُوا في حَضانةِ بنتِ حمزةَ، فقال عليٌّ: بنتُ عمِّي، وقال زَيدٌ: بنتُ أخِي - لأِنَّه ﵇ آخَى بَينَهما -، وقال جعفرٌ: بنتُ عَمِّي وخالَتُها عِنْدِي، فقال النَّبيُّ ﷺ: «الخالَةُ أُمٌّ»، وسلَّمَها إلى جعفرٍ، رواه أبو داودَ بنحوِه (^٢)، فجَعَلَ لها الحَضانةَ وهي مُزَوَّجةٌ؛ لأِنَّ الحاضِنةَ إذا تزوَّجَتْ بمن (^٣) هو مِنْ أهْلِ الحَضانة؛ كالجَدَّة المزوَّجَةِ بالجَدِّ؛ لم تَسقُطْ؛ لأِنَّه يُشارِكُها في الوِلادَة والشفقة عليه (^٤)، أشْبَهَ الأمَّ إذا كانت مُزَوَّجةً بالأب.
وظاهِرُه: لا يُعتَبَرُ الدُّخولُ في الأصحِّ؛ لأِنَّه بالعَقْدِ مَلَكَ مَنافِعَها، واسْتَحَقَّ زَوْجُها مَنْعَها من الحَضانة، أشْبَهَ ما لو دَخَلَ بِها.
والثَّاني: لا تسقط (^٥) إلاَّ بالدُّخول؛ لأنَّ (^٦) به تشتغل (^٧) عن الحَضانة.
فرعٌ: كلُّ عَصَبَتَينِ تَساوَيَا وأحدهما (^٨) متزوِّجٌ بمن (^٩) هي أهلٌ للحضانة (^١٠)؛ قُدِّمَ بذلك.
_________________
(١) في (م): بنسب.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٩)، وأبو داود (٢٢٧٨).
(٣) في (م): ممن.
(٤) قوله: (عليه) سقط من (ظ).
(٥) في (م): لا يسقط.
(٦) في (م): لأنه.
(٧) في (م): يشتغل.
(٨) في (ظ): أو أحدهما.
(٩) في (م): ممن.
(١٠) في (م): الحضانة.
[ ٩ / ٤٣ ]
(وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ)؛ فأسْلَمَ الكافِرُ، وعَقَلَ المجنونُ، وعَتَقَ الرَّقِيقُ، وعُدِّلَ الفاسِقُ؛ (رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا)؛ لأِنَّ سببَها قائمٌ، وإنَّما امْتَنَعَتْ لِمانِعٍ، فإذا زال المانِعُ؛ عاد الحقُّ بالسَّبَبِ السَّابِقِ المُلازِمِ؛ كالزَّوجة إذا طُلِّقَتْ. وعَنْهُ: لا يَعودُ حقُّها في طلاق (^١) رجعيٍّ بعدَ العِدَّة، وصحَّحه في «المستوعب»؛ لأِنَّ الزَّوجيَّةَ قائِمةٌ، بدليل أنَّه (^٢) يَلحَقُها طَلاقُه وظِهارُه، فلذلك لا تعودُ إليه قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها.
وجوابُه: أنَّها مُطلَّقةٌ، فعاد حقُّها من الحضانة كالبائن، ونَظِيرُها: لو وَقَفَ على أوْلادِه، فمَن تزوَّج من البنات فلا حقَّ لها، قاله القاضي.
وهل يَسقُطُ حقُّها بإسِقاطها؟ فيه احْتِمالانِ.
فائدةٌ: هل الحَضانةُ حقٌّ للحاضِنِ، أوْ عَلَيهِ؟ فيه قَولانِ.
وهل لِمَنْ له الحضانة أنْ يُسقِطَها ويَنزِلَ عنها؟ فيه قَولانِ.
وأنَّه لا يَجِبُ عليه خِدْمةُ الولد (^٣) أيَّامَ حَضانَتِه إلاَّ بأُجْرةٍ؛ إنْ قُلْنا: الحقُّ له، وإلاَّ وَجَبَتْ عليه خِدْمَتُه مَجَّانًا، وللفقير الأُجْرةُ، على القَولَينِ.
وإنْ وَهَبَت الحضانةَ للأب، وقُلْنا: الحقُّ لها؛ لَزِمَت الهِبةُ، ولم تَرجِعْ فيها، وإنْ قُلْنا: الحقُّ عليها؛ فلها العَودُ إلى طَلَبها، ذَكَرَه في «الهَدْيِ»، ونَسَبَه إلى (^٤) كلامِ أصحابِ مالِكٍ (^٥).
_________________
(١) قوله: (في طلاق) سقط من (م).
(٢) في (م): أنها.
(٣) قوله: (الولد) سقط من (م).
(٤) زاد في (ظ): أنه.
(٥) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤٠٤.
[ ٩ / ٤٤ ]
(وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ (^١) إِلَى بَلَدٍ (^٢) بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ؛ فَالأَبُ (^٣) أَحَقُّ)، هذا هو المشهورُ، سَواءٌ كان المقيمُ هو الأَبَ، أوْ المنتَقِلُ؛ لأِنَّه اخْتُلِفَ في (^٤) مَسكَنِهما، فكان الأبُ أحقَّ؛ كما لو انتَقَلَتْ مِنْ بلدٍ إلى قرية (^٥).
(وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ)، وقيَّدَها في «التَّرغيب» و«المستوعب»: بإقامَتِها؛ لأِنَّها أتَمُّ شَفَقَةً، أشْبَهَ ما لو لم يُسافِرْ واحدٌ منهما.
وقِيلَ: للمُقيمِ منهما.
وقال في «الهَدْي»: إنْ أراد المنتَقِلُ مُضارَّةَ الآخَرِ، وانْتِزاعَ الولَدِ؛ لم يُجَبْ إليه (^٦)، بَلْ يُعمَلُ ما (^٧) فيه مصلحةُ الولد، وهو مُرادُ الأصْحابِ.
لكِنَّ الأوَّلَ هو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ الأبَ هو الذي يقوم (^٨) بتأديبِ ولَدِه، وتَخريجِه، وحِفْظِ نَسَبِه، فإذا لم يكُنْ في بَلَدِه؛ ضاعَ، أشْبَهَ ما لو كان في قريةٍ.
والبعيدُ هو مَسافة القَصر، جَزَمَ به الأكْثَرُ؛ لأِنَّ ما دُونَه في حُكْمِ القريب، ونَصُّه: ما لم يُمْكِنْه العَودُ في يَومِه (^٩)، اخْتارَه في «المغْنِي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ مُراعاةَ الأب له مُمْكِنةٌ في ذلك، بخِلافِ ما زاد.
_________________
(١) في (م): القفلة.
(٢) قوله: (بلد) سقط من (م).
(٣) زيد في (م): للأم.
(٤) قوله: (في) سقط من (م).
(٥) في (م): قريبة.
(٦) في (ظ): عليه. وينظر: زاد المعاد ٥/ ٤١٤.
(٧) في (م): بما.
(٨) في (م): يقدم.
(٩) ينظر: الفروع ٩/ ٣٤٥.
[ ٩ / ٤٥ ]
(فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ)؛ لأِنَّه لا مَعْنَى في انْتِزاعه، وهو صُوَرٌ:
مِنْهَا: إذا كان السَّفرُ لِحاجةٍ ثُمَّ يَعُودُ، فالمقيمُ أَوْلَى؛ لأِنَّ في المسافَرَةِ بالطِّفل إضْرارًا به.
وقِيلَ: لِلأمِّ. وقِيلَ: مع قُرْبِه.
ومِنْهَا: إذا كان الطَّريقُ أو البلدُ الذي يَنتَقِلُ إليه مَخُوفًا؛ فالمقيمُ أحقُّ؛ لأِنَّ في السَّفَر خَطَرًا وتَغريرًا بالولد.
ومِنْهَا: إذا كان للسُّكْنَى مع قُرْبِه، فكذا، وقِيلَ: للأمِّ، فلو انتَقَلَا جميعًا إلى بلدٍ واحِدٍ فالأمُّ على حَضانَتِها، وكما لو أَخَذَه الأبُ، ثُمَّ اجْتَمَعا، فإنَّه يَعُودُ حقُّها.
فرعٌ: غَيرُ الأب مِنْ العَصَباتِ، وغَيرُ الأمِّ مِمَّنْ له الحَضانةُ؛ يَقُومُ مقامَهما (^١) في ذلك.
_________________
(١) في (م): مقامها.
[ ٩ / ٤٦ ]