العاقِلَةُ: جَمْعُ عاقِلٍ، وهو المؤدِّي للدِّيَة، يُقالُ: عَقَلْتُ فُلانًا، إذا أعطيتَه (^٢) دِيَتَه، وعَقَلَتُ عن (^٣) فُلانٍ إذا غَرِمْتَ عنه دِيَتَه.
وأصْلُه مِنْ عَقْلِ الإبل بالعَقْلِ، وهي الحِبالُ التي تُثْنَى بها أيْدِيها إلى ركبها.
وقِيلَ: اشْتِقاقُه مِنْ العَقْلِ، وهو المنْعُ؛ لأِنَّهم يمنَعُونَ عن القاتِل، والعَقْلُ المنْعُ، ويُسَمَّى بعضُ العُلُوم عَقْلًا؛ لأِنَّه يَمنَعُ من الإقدام على (^٤) المضارِّ.
وقِيلَ: لأِنَّهم يَتحمَّلونَ العَقْلَ، وهو الدِّيَةُ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأِنَّها تَعقِلُ لِسانَ وَلِيِّ المقْتولِ.
وهي: مَنْ غَرِمَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثرَ، بسببِ جِنايَةِ غَيرِه.
(وَمَا تَحْمِلُهُ)؛ أي (^٥): ما تَحمِلُه العاقِلةُ، هل يَجِبُ عَلَيها ابْتِداءً، أوْ على القاتِلِ ثُمَّ تَحمله عنه؟ فيه قَولانِ؛ كما قِيلَ في فِطْرةِ الزَّوجة والوَلَد ونحوِهما ممن (^٦) يُخرِجُ عنه غيره (^٧)، هل تَجِبُ عليه ابْتِداءً، أوْ على المخرِجِ؟
ومَن لا عاقِلَةَ له هل تَجِبُ في ذِمَّتِه الدِّية (^٨) أوْ لا (^٩)؟ عَلَى قَولَينِ.
_________________
(١) زاد في (ظ) و(ن): (وما تحمله).
(٢) في (م): يقال: عقلت إذا أديته عطيته.
(٣) في (م): من.
(٤) في (م): إلى.
(٥) قوله: (أي) سقط من (م).
(٦) في (ظ): مما.
(٧) في (م): غير.
(٨) في (م) و(ن): ألبتة.
(٩) قوله: (أو لا) سقط من (م).
[ ٩ / ٣٦٠ ]
(عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ: عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ)، وهم: الأحرارُ، العاقِلُونَ، البُلَّغُ، الأغْنِياءُ على المشهور؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه، قال: «قَضَى النَّبيُّ ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأة على عَصَبَتِها مَنْ كانوا، لا يَرِثُونَ منها شَيئًا إلاَّ ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها، وإنْ قتلت (^١) فَعَقْلُها بين (^٢) وَرَثَتِها» رواه أبو داودَ (^٣)، ولأِنَّهم عَصَبَةٌ أشْبَهُوا سائرَ العَصَباتِ.
يُحقِّقُه (^٤): أنَّ العَقْلَ مَوضُوعٌ على التَّناصُرِ، وهم مِنْ أهْلِه، ولأِنَّ العَصَبةَ في تَحمُّلِ العَقْلِ في (^٥) الميراث في تقديمِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وكَونُ البعيدِ عَصَبةً لأِنَّه يَرِثُ المالَ إذا لم يكُنْ وَارِثٌ أقربَ منه، فهو كالقَرِيب، وكَونُ عَصَباتِ الإنسان في (^٦) الوَلاء مِنْ العاقِلةِ؛ لِعُمومِ قَولِه ﵇: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ». (^٧)
(إِلاَّ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، آبَاءَهُ وَأَبْنَاءَهُ)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز» (^٨)، قال ابنُ المنَجَّى: وهو المذْهَبُ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ امْرأتَينِ مِنْ هُذَيلٍ قَتَلَتْ إحداهما الأخرى، ولكلِّ واحدة منهما زَوجٌ وَوَلَدٌ، فَجَعَلَ رسولُ الله ﷺ دِيَةَ المقتولة (^٩) على عاقِلَةِ القاتِلَة (^١٠)، وبرَّأَ زَوجَها وَوَلَدَها،
_________________
(١) في (م): قلت.
(٢) في (م) و(ن): من.
(٣) تقدم تخريجه ٩/ ١٣١ حاشية (٣).
(٤) في (م): تحققه، وفي (ن): محققة.
(٥) كذا في النسخ الخطية، وفي المغني ٨/ ٣٩١ والشرح الكبير ٢٦/ ٥٢: كهم في.
(٦) في (م) و(ن): من.
(٧) سبق تخريجه ٧/ ٩ حاشية (١).
(٨) قوله: (في «الوجيز») سقط من (م).
(٩) في (م): المقتول.
(١٠) في (م): القاتل.
[ ٩ / ٣٦١ ]
فقال عاقِلَةُ المقتولة (^١): ميراثها لنا، فقال النَّبيُّ ﷺ: «لَا، مِيراثُها لِزَوجِها وَوَلَدِها» رواه أبو داودَ (^٢)، وهذا يَقتَضِي أنَّ الأوْلادَ لَيسُوا من العاقِلَةِ، وكذا الآباءُ؛ قِياسًا لِإحْدَى العَمُودَينِ على الآخَرِ، ولأِنَّ مالَ وَلَدِه وولده (^٣) كَمالِه، وخرج منه (^٤) الإخْوةُ بدليلٍ؛ لأنَّ (^٥) الخِرَقِيَّ خَصَّ العاقِلَةَ بالعمومة (^٦) وأوْلادِهم.
(وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا)، قدَّمه في «الكافي» و«الرِّعاية»، واخْتارَه أبو بكرٍ والشَّريفُ، بَلْ والأكثرُ؛ لأِنَّهم أحقُّ من العَصَباتِ بمِيراثِه، فكانوا أَوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه.
وعنه: هم عَصَبَتُه إلاَّ أبْناءَه إذا كان امرأةً، قال في «المحرَّر»: وهو الأصح (^٧)، نَقَلَ حَرْبٌ: الابن لا يَعقِلُ عن (^٨) أمِّه (^٩)؛ لأِنَّه مِنْ قَومٍ آخَرِينَ.
وفي «المستوعب»: إلاَّ أنْ يكونَ الاِبنُ من عَصَبَةِ أُمِّه، فيكونُ مِنْ
_________________
(١) في (ن): المقتول.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٧٥)، وابن ماجه (٢٦٤٨)، وأبو يعلى الموصلي (١٨٢٣)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٧٣)، وإسناده ضعيف، فيه: مجالد بن سعيد، قال ابن حجر: (وصححه النووي في الروضة بهذا اللفظ، وفيه ما فيه، لأن مجالدًا ضعيف لا يحتج بما ينفرد به)، ولفظ البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١)، من حديث أبي هريرة ﵁: «فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها». ينظر: التلخيص الحبير ٤/ ٩١.
(٣) في (م): وولد. وفي المغني ٨/ ٣٩١، والشرح الكبير ٢٦/ ٥٣: ووالده.
(٤) قوله: (منه) سقط من (ظ).
(٥) في (م): أن.
(٦) في (م): بالعموم.
(٧) في (م): الأوضح.
(٨) قوله: (عن) سقط من (م).
(٩) ينظر: الفروع ١٠/ ٦.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
عاقِلَتِها، وكذا في «البُلْغَةِ».
وعُلِمَ منه (^١): أنَّ العَصَباتِ مِنْ الإخْوَةِ مِنْ الأمِّ وذَوِي الأرْحامِ والنِّساء لَيسُوا مِنْ العاقِلةِ بغَيرِ خِلافٍ (^٢)؛ لأِنَّهم لَيسُوا من أهْلِ النُّصرة، وعُمْدَةُ العَقْلِ النُّصْرة، ولَيسُوا منها؛ كأهل (^٣) المحَلَّةِ وَالدِّيوَانِ.
(وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ حَمْلَ العاقِلة مُوَاسَاةٌ، فلا يَلزَمُ الفقيرَ كالزَّكاة، ولأِنَّه وَجَبَ على العاقِلة تخفيفًا عن القاتِلِ، فلا يَجوزُ التَّثْقِيلُ عليه؛ لأِنَّه كُلْفَةٌ ومَشقَّةٌ.
(وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ) حَمْلُ شَيْءٍ منها؛ لأِنَّ الحَمْلَ للتَّناصُر، وهما (^٤) لَيسَا مِنْ أهلها.
وقِيلَ: يَحمِلُ الممَيِّزُ؛ لأِنَّه قارَبَ البُلوغَ.
(وَلَا امْرَأَةٍ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ)؛ لاِحْتِمالِ كَونِه امرأةً، فيَحمل (^٥) جِنايَةَ عَتِيقِهما مَنْ يَحمل (^٦) جنايتهما (^٧).
وعَنْهُ: تَعقِلُ امْرأةٌ وخنثى بولاءٍ.
(وَلَا رَقِيقٍ)؛ لأِنَّه أسْوأُ حالًا من الفقير.
(وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي حَمْلُ (^٨) شَيْءٍ)؛ لأِنَّ حَمْلَها للنُّصْرة، ولا نُصْرَةَ لِمُخالِفٍ له في دِينِه.
_________________
(١) زيد في (م) و(ن): غير.
(٢) ينظر: المغني ٨/ ٣٩٠.
(٣) في (م): كل هل.
(٤) قوله: (وهما) سقط من (م).
(٥) في (ظ) و(ن): فتحمل.
(٦) في (ن): تحمل.
(٧) في (م): جنايتيهما.
(٨) في (م): يحمل.
[ ٩ / ٣٦٣ ]
(وَعَنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ) المُعتَمِل؛ أي: المحْتَرِفَ، (يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ)، حكاها أبو الخَطَّاب، وهي (^١) قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لأنَّه من أهلِ النُّصْرة، فكان من العاقِلةِ كالغَنِيِّ.
وظاهِرُه: أنَّ المريضَ والشَّيخَ يَحمِلُونَ، وصرَّح به في «الرِّعاية».
وفي هَرِمٍ، وزَمِنٍ، وأعْمَى؛ وَجْهانِ.
فلو عُرفَ نَسَبُ قاتِلٍ مِنْ قَبيلةٍ (^٢)، ولم يُعلَمْ مِنْ أيِّ بُطونِها؛ لم يَعقِلُوا عنه، ذَكَرَه في «المُذهب».
(وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ)؛ للخبر، ولأِنَّهم اسْتَوَوْا في التَّعصيب والإرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحمُّلِ العَقْلِ؛ كالحاضِرينَ.
(وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»؛ لأنَّ (^٣) خَطَأَه يَكثُرُ، فيُجْحِفُ بهم، ولأِنَّه نائبٌ عن الله، فكان أرْشُ جِنايَتِه في مالِ الله، وكخطأ (^٤) وكيلٍ.
وعليها (^٥): للإمام عَزْلُ نَفْسِه، ذَكَرَه القاضِي وغَيرُه.
(وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ)؛ أيْ: على (^٦) عاقِلَتِهما، قدَّمه السامَرِّي؛ لِقَولِ عليٍّ لِعُمَرَ: «دِيَتُه عليكَ؛ لأِنَّك أفْزَعْتَها» (^٧)، ولأِنَّه جانٍ، فكان خَطَؤُه على
_________________
(١) في (ن): وهو.
(٢) في (ظ): قتيله. والمثبت موافق للفروع ١٠/ ٦.
(٣) في (م): ولأن.
(٤) في (م): وخطأ.
(٥) في (ظ) و(ن): وعليهما. والمراد: على هذه الرواية.
(٦) قوله: (على) سقط من (م) و(ن).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٨٠١٠)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (١١/ ٢٢٧)، عن الحسن البصري قال: «أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها، فقيل لها: أجيبي عمر، فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر، قال: فبينا هي في الطريق فزعت فضربها الطلق فدخلت دارًا، فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ … فذكره»، قال ابن كثير: (هذا مشهور متداول، وهو منقطع، فإنَّ الحسن البصري لم يُدرك عمر)، وعلقه الشافعي في الأم (٦/ ١٨٧)، وعنه البيهقي في الكبرى (١١٦٧٢). ينظر: مسند عمر ٢/ ٢٦٥، التلخيص الحبير ٤/ ١٠٢.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
العاقِلة؛ كغيره، وكخَطَئِهما في غَيرِ حُكْمٍ.
وكذا الخِلافُ: إنْ زاد سَوطًا؛ كخَطَأٍ في حدٍّ أوْ تعزيرٍ، أوْ جَهِلا حملًا (^١)، أوْ بانَ مَنْ حُكِمَ بشَهادَتِه غَيرَ أهْلٍ.
(وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ):
الأصحُّ: أنَّهم يَتعاقَلُونَ؛ لأِنَّ قَرابَتَهم تقتضي (^٢) التَّوريثَ، فاقْتَضَت التَّعاقُلَ، ولأِنَّهم مِنْ أهْلِ النُّصرة؛ كالمسلمين.
والثَّانيةُ: لَا؛ لأِنَّ حَمْلَ العاقِلَةِ يَثْبُتُ على خِلافِ الأصل؛ لِحُرْمَةِ قَرابَةِ المسلمين، فلا يُقاسُ عليهم غَيرُهم؛ لِعَدَمِ المساواة في الحُرْمَة.
فإنِ اخْتَلَفَت الملَّةُ؛ كاليهود والنَّصارى؛ فَوَجْهانِ، وفي «التَّرغِيبِ» رِوايَتانِ، بِناءً على تَورِيثِهم وعَدَمِه.
(وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ، وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذِمِّيٍّ)؛ لِعَدَمِ التَّوارُث، وكمُسْلِمٍ وكافِرٍ.
وقِيلَ: بلى إنْ تَوَارَثا.
وقال ابنُ حَمْدانَ: يَعقِلُ المعاهَدُ إنْ بَقِيَ عَهْدُه إلى أصْلِ الواجِبِ، وإلاَّ فلا.
تذنيبٌ: المرتَدُّ لا يُعقَلُ عنه (^٣)؛ لأِنَّه لَيسَ بمُسلِمٍ فيَعقِلَ عنه المسلمونَ، ولا ذِمِّيٍّ فيَعقِلَ عنه (^٤) أهلُ الذِّمَّة، فتكون جنايَتُه في ماله، وفيه وَجْهٌ.
_________________
(١) في (م): أو حمل حملٍ، وفي (ن): أو جهلا جهلًا.
(٢) في (ظ) و(ن): يقتضي.
(٣) قوله: (عنه) سقط من (م).
(٤) قوله: (المسلمون ولا ذمي فيعقل عنه) سقط من (م).
[ ٩ / ٣٦٥ ]
(وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ (^١) لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ (^٢) الْجَمِيعَ؛ فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأنَّ (^٣) بَيتَ المال لا يَعقِلُ عنه، وكمن (^٤) رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أسْلَمَ أوْ كَفَرَ قَبْلَ إصابتِه في الأصحِّ.
وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّه (^٥) يكونُ في بَيتِ المال؛ كمسلمٍ (^٦).
ولم يُرجِّحْ في «الفروع» شَيئًا.
(وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ المسلمينَ يَرثون مَنْ لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه (^٧) عند (^٨) عَدَمِ عاقِلَتِه؛ كعَصَباتِه.
والثَّانيةُ: لا تَحمل العَقْلَ بحالٍ (^٩)، رجَّحها في «المغْنِي» و«الشَّرح»؛ لأِنَّ بَيتَ المال فيه (^١٠) حقٌّ للصِّبْيان والنِّساء والمجانِينِ ومَن لا عقل (^١١) عليه، فلا يَجوزُ صَرْفُه فيما لا يَجِبُ عليهم.
فعلى الأوَّل: تكون (^١٢) حالَّةً (^١٣)، تُؤخذ (^١٤) دَفْعةً واحدةً؛ لأِنَّه ﵇ أدَّى
_________________
(١) في (م) و(ن): لم يكن.
(٢) في (ظ) و(ن): يحمل.
(٣) في (م): لأنه.
(٤) في (م): كمن.
(٥) في (م): رواية.
(٦) قوله: (كمسلم) سقط من (م).
(٧) قوله: (عنه) سقط من (م).
(٨) قوله: (عند) سقط من (ن).
(٩) قوله: (العقل بحال) في (م): العاقلة.
(١٠) في (م): في. وسقطت من (ظ).
(١١) في (م) و(ظ): لا يعقل.
(١٢) في (ن): يكون.
(١٣) في (م): حالته.
(١٤) في (ن): يوجد.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
دِيَةَ الأنصاريِّ دَفْعةً واحِدةً (^١)، وكذا عمرُ (^٢)، ولأِنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتلَفٍ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقِلة تَخفِيفًا، ولا حاجةَ إلى ذلك في بَيتِ المَالِ.
وقيل (^٣): تؤخذ (^٤) في ثَلاثِ سِنِينَ؛ كالعاقِلةِ.
(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ (^٥)؛ أيْ: فإذا تعذَّرَ؛ سَقَطَتْ، نَقَلَه الجَماعةُ (^٦)، وهو المرادُ بقوله: (فَلَا شَيْءَ عَلَى القَاتِلِ (^٧)؛ لأِنَّ الدِّيَةَ لَزِمَت العاقِلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَب (^٨) بها غَيرُهم، ولا يُعتَبَرُ تَحمُّلُهم ولا رِضاهُم بها، فلا تَجِبُ على غَيرِ مَنْ وَجَبَتْ عليه؛ كما لو عُدِمَ القاتِلُ، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحدٍ.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ)؛ لِعُمومِ قَولِه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، ولأِنَّ مُقتَضَى الدليل وُجوبُها على الجاني جَبْرًا للمَحَلِّ الذي (^٩) فَوَّتَه، وإنَّما سَقَطَ عنه؛ لِقِيامِ العاقِلةِ مَقامَه في جَبْرِ المحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك؛ بَقِيَ واجِبًا عليه بمقتضى (^١٠) الدَّليل، ولأِنَّ الأمْرَ تَرَدَّدَ بَينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣١٧)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٥٤)، وابن حزم في المحلى (١١/ ١٠٧)، عن الثوري، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، أن رجلًا قتل في الكعبة فسأل عمر عليًّا ﵄ فقال: «من بيت المال».
(٣) في (م): وليس.
(٤) في (ن): يوجد.
(٥) في (ن): لم يكن.
(٦) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٣٤٥، زاد المسافر ٤/ ٣١٨.
(٧) في (م): العاقل.
(٨) في (ن): لا تطالب.
(٩) في (ظ): بالذي.
(١٠) في (ن): مقتضى.
[ ٩ / ٣٦٧ ]
إبْطالِ دَمِ المقْتُولِ وبَينَ إيجابِ دِيَتِه على المتْلِفِ، ولا يجوز الأوَّلُ؛ لِمُخالَفَة الكتاب والسُّنَّة وأُصُولِ الشَّرِيعةِ، فيتعيَّن (^١) الثَّاني، ولأِنَّ إهْدارَ الدَّمِ المضْمُونِ لا نَظِيرَ له، وإِيجابَ الدِّيَة على قاتل (^٢) الخَطَأِ له نَظائِرُ، (وَهُوَ أَوْلَى) مِنْ إهْدارِ دَمِ الأحرار في أغْلَبِ الأحوال، فإنَّه لا يَكادُ توجد (^٣) عاقِلةٌ تَحمِلُ الدِّيَة كلَّها، ولا سَبِيلَ إلى الأخْذِ مِنْ بَيتِ المال، فتَضِيعَ الدِّماءُ، والدِّيَةُ تَجِبُ على القاتِلِ، ثُمَّ تَتَحمَّلُها العاقِلَةُ، وإنْ سَلَّمْنا وُجُوبها عَلَيهِم ابْتِداءً، لكِنْ مع وُجودهم، (كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ)؛ لأِنَّه لا عاقِلَةَ له تَحمِلُها (^٤).
(وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ؛ كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَتَلَ (^٥) السَّهْمُ إِنْسَانًا؛ فَدِيَتُهُ (^٦) فِي مَالِهِ)؛ أيْ: إذا تَغَيَّرَ دِينُ جارِحٍ حالَتَيْ جَرْحِ وزُهُوقٍ، فالمذْهَبُ: تَحمِلُه العاقِلَةُ حالَ الجَرْحِ.
وقِيلَ: أرْش الجُرْحِ والزِّيادةِ بالسِّرايَة في مالِه.
وقِيلَ: الكلُّ في ماله، وهو المرجَّحُ هُنا؛ لأنَّه (^٧) قتيلٌ (^٨) قُتِلَ في دارِ الإسلام، مَعْصومٌ، تَعذَّر (^٩) حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، فَوَجَبَ على قاتله (^١٠).
_________________
(١) في (ظ): فتعين.
(٢) في (م): القاتل.
(٣) في (ن): يوجد.
(٤) في (ن): بحملها.
(٥) قوله: (ثم قتل) في (م): قبل.
(٦) في (م): فدمه.
(٧) في (ن): لأن.
(٨) في (م): قبل.
(٩) في (ن): فعذر.
(١٠) في (م): عاقلته.
[ ٩ / ٣٦٨ ]
(وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ؛ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا (^١)، وصُورَتُها: إذا رَمَى مَنْ عَلَيْهِ ولَاءٌ لموالي (^٢) أمِّه، فانْجَرَّ وَلاؤه إلى مَوالِي أبيه، ثُمَّ وَقَعَ سَهْمُه في شَخْصٍ؛ فالدِّيَة في ماله، ولهذا قال في «المحرَّر» و«الفروع»: فهو كمُتغيِّرِ (^٣) دِينٍ.
_________________
(١) في (م): هنا.
(٢) في (م): لمولى.
(٣) في (م): وهو كتغير.
[ ٩ / ٣٦٩ ]