(الثَّالِثُ: ذَاتُ الْقُرُوءِ التِي فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا)، ولو بطلقةٍ ثالثةٍ إجماعًا (^١)، (وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً) أوْ بعضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، (وَقُرْآنِ إِنْ كَانَتْ أَمَةً)، في قَولِ أَكْثَرِ العُلماء؛ لِمَا رُوِيَ عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «طَلاقُ الأَمةِ تَطْلِيقتَانِ وعِدَّتُها حَيضَتانِ» رواه أبو داودَ والتِّرمذي، وقال: (حديثٌ غريبٌ لا نَعرِفُه مرفوعًا إلاَّ مِنْ حديثِ مُظاهِرِ بنِ أسْلَمَ، ولا يُعرَفُ له في العِلْم غيرُ هذا الحديث)، وعن ابنِ عمر (^٢) نحوُه، رواهُ ابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ من روايةِ عطيَّة، وهو ضعيفٌ (^٣)، وهو قول (^٤) عمرَ (^٥)،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٣٢/ ٣٤٢: (فإن كان هذا إجماعًا؛ فهو الحق، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وإن كان من العلماء من قال: إن المطلقة ثلاثًا إنما عليها إلا الاستبراء، لا الاعتداد بثلاث حيض؛ فهذا له وجه قوي). وقال ابن القيم في زاد المعاد ٥/ ٥٩٧: (ليس في المسألة إجماع، فذهب ابن اللَّبَّان الفرضي صاحب الإيجاز وغيره إلى أن المطلقة ثلاثًا ليس عليها غير استبراء بحيضة، ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال: مسألة: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا بعد الدخول؛ فعدتها ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبان: عليها الاستبراء بحيضة، دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول وعلق تسويغه على ثبوت الخلاف). وينظر: إعلام الموقعين ٢/ ٥٤، الاختيارات ص ٤٠٦.
(٢) في (م): أبي عمرو.
(٣) سبق تخريجه من حديث عائشة ﵂ ٨/ ١٨٥ حاشية (٥)، وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه ابن ماجه (٢٠٧٩)، والدارقطني (٣٩٩٤)، والبيهقي (١٥١٦٦) مرفوعًا، وضعفاه، وصححا الموقوف، وسيأتي. ينظر: الإرواء ٧/ ١٥٠.
(٤) قوله: (وهو قول) في (م): وقول.
(٥) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٤٥٢)، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «عدة الأمة إذا لم تحض شهران، وإذا حاضت حيضتين»، صححه الألباني في الإرواء ٧/ ١٥٠. وأخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٢)، والشافعي في الأم (٥/ ٢٣٢)، وسعيد بن منصور (١٢٧٧)، والدارقطني (٣٨٣٠)، والبيهقي في الكبرى (١٣٨٩٥)، بلفظ: «تعتد الأمة حيضتين، فإن لم تحض فشهرين» أو قال: «فشهر ونصف»، شك ابن عيينة. صححه ابن الملقن في البدر ٨/ ٢٢١، والحافظ في التلخيص ٣/ ٤٩٩، قال أحمد في مسائل عبد الله ص ٣٧٦: (أقول بقول عمر: إن لم تكن تحيض فشهرين، وإن كانت تحيض بحيضتين).
[ ٨ / ٥٤٨ ]
وعليٍّ (^١)، وابنِ عمرَ (^٢)، ولا يعرف (^٣) لهم في الصَّحابة مُخالِفٌ، وكالحَدِّ.
وكان (^٤) القياسُ يَقتَضِي أنْ تكون (^٥) حيضةً ونصفًا؛ كما كان حدُّها على النِّصف من الحرَّة، إلاَّ أنَّ الحَيضَ لا يَتبَعَّضُ، فَوَجَبَ تكميلُه كالمطلَّقة، ولهذا قال عمر: «لو أستطيع أنْ أجعلَ العدَّةَ حَيضةً ونصفًا لَفَعَلْتُ» رواه البَيهقِيُّ (^٦)، ولا يصحُّ (^٧) للجهالة، أو الانقطاع.
والمُدبَّرةُ والمُكاتَبةُ وأمُّ الولد كالأمَة.
(وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، القرء (^٨) في كلامِ العرب يقع على
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٧٦٨)، عن الحسن، عن علي ﵁: «عدة الأمة حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف»، مرسل.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٥٧٤)، وعنه الشافعي في الأم (٥/ ٢٧٤)، والدارقطني (٣٩٩٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥١٦٤)، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: «عدة الحرة ثلاث حيض، وعدة الأمة حيضتان»، إسناده صحيح.
(٣) في (م): ولا نعرف.
(٤) في (م): وكأن.
(٥) في (م): يكون.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٤)، والشافعي في الأم (٥/ ٢٣٢)، وسعيد بن منصور (١٢٧١)، وابن أبي شيبة (١٨٧٧٥)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٥٣)، عن عمرو بن أوس، عن رجل من ثقيف، عن عمر ﵁. فيه رجل مبهم. وأخرجه سعيد بن منصور (١٢٧١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٥٤)، عن عمرو بن أوس، عن عمر ﵁. وهذا منقطع.
(٧) في (م): ولا تصح.
(٨) في (ظ): القروء.
[ ٨ / ٥٤٩ ]
الحَيض والطُّهر جميعًا، فهو من الأسماء المشترَكة، قال الخليلُ: يُقالُ: أقْرأَت المرأةُ إذا دَنا حَيضُها، وأقْرَأَتْ إذا دنا طَهرُها (^١).
وقال أحمدُ بنُ يحيى ثَعْلب (^٢): القروءُ (^٣) الأوقات، فقد يكونُ حَيضًا، وقد يَكونُ طُهْرًا، والقَولُ بأنَّه الحَيضُ هو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّه يُطلَقُ تارةً ويُرادُ به الاِنتِقالُ، يقال (^٤): قَرَأَ النَّجْمُ؛ أي (^٥): انتقل من مَحَلٍّ إلى آخَرَ، ويُرادُ به الجَمْعُ، يُقالُ: ما قَرَأَت النَّاقَةُ؛ أيْ: لم تَجمَعْ في بطنها ولدًا، فالأخْذُ به أَوْلَى؛ لأِنَّ فيه جمعًا بَينَ حقيقتَينِ.
وهذا هو الأَظْهَرُ عن أحمدَ (^٦)، صحَّحه في «المستوعب»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و«الفروع»، وهو قَولُ عمرَ (^٧)، وعليٍّ (^٨)، وابنِ عبَّاسٍ (^٩)، ورُوِيَ عن أبي بكر (^١٠)، وعثمانَ، وأبي موسى (^١١)، وعبادةَ، وأبي الدَّرداء (^١٢)، قال أحمدُ في رواية الأثرم: (كنتُ أقولُ: إنَّه الأَطْهارُ، ثُمَّ
_________________
(١) لم نجده من كلام الخليل. وينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٢٨٠.
(٢) ينظر: التمهيد ١٥/ ٨٦.
(٣) في (م): القرء.
(٤) قوله: (يقال) سقط من (م).
(٥) في (م): إذا.
(٦) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٣٢، الروايتين والوجهين ٢/ ٢٠٩.
(٧) تقدم تخريجه ٨/ ٣٤٣ حاشية (٤).
(٨) تقدم تخريجه ٨/ ٣٤٣ حاشية (٥).
(٩) أخرجه الطبري في التفسير (٤/ ٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٩٨)، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قال: «ثلاث حيض»، مرسل؛ عطاء لم يسمع من ابن عباس ﵄.
(١٠) قوله: (بكر) سقط من (م).
(١١) في (م): وابن أبي موسى.
(١٢) الآثار الواردة عن أبي بكر وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء ﵃ تقدم تخريجها ٨/ ٣٤٣ حاشية (٣). وأثر عثمان ﵁: أخرجه عبد الرزاق (١٠٩٨٧)، والطبري في التفسير (٤/ ٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٩٦)، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: أرسل عثمان إلى أبي يسأله عنها، فقال أبي: «فإني أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة» قال: فلا أعلم عثمان إلا أخذ ذلك. وأبو عبيدة لا يُعرف سماعه من عثمان ﵃. وأخرجه البيهقي في المعرفة (١٥١٨٦)، عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن عفان وابن عمر قالا: «إذا دخلت في الحيضة الثالثة؛ فلا رجعة له عليها»، وإسناده صحيح. وقد أورد ابن الملقن وابن حجر هذا الأثر ولم يقفا عليه. ينظر: البدر المنير ٨/ ٢٢٠، التلخيص ٣/ ٤٩٨.
[ ٨ / ٥٥٠ ]
وقفتُ؛ لقَولِ الأكابِر) (^١)، ولأِنَّه لم يُعهَدْ في لسان الشَّرع اسْتِعْمالُه بمَعْنَى الطُّهر في مَوضِعٍ، واسْتُعْمِل بمَعْنَى الحَيضِ في غيرِ حديثٍ (^٢).
وظاهِرُ النَّصِّ يَقتَضِي وجوبَ التَّربُّص بثلاثةٍ كاملةٍ، ومَن جعل القروءَ (^٣) الأطهارَ؛ لم يُوجِبْ ثلاثةً، ولأِنَّ العِدَّةَ اسْتِبْراءٌ، فكانت بالحيض؛ كاسْتِبْراء الأَمَةِ.
(وَلَا تَعْتَدُّ بِالْحَيْضَةِ التِي طَلَّقَهَا فِيهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِثَلَاثٍ كَامِلَةٍ بَعْدَهَا)، لا
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ١٠١.
(٢) من ذلك ما أخرجه أحمد (٢٧٣٦٠)، وأبو داود (٢٨٠)، والنسائي (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠)، من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ مرفوعًا: «إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء»، وفي سنده: المنذر بن المغيرة المدني، قال أبو حاتم عنه: (مجهول، ليس بمشهور)، وضعفه ابن عبد البر وابن القطان، وصححه ابن حزم وابن القيم وابن الملقن والألباني. وأخرج أحمد (٢٤٩٧٢)، والنسائي (٢٠٩)، عن عائشة ﵂ في خبر أم حبيبة بنت جحش ﵂، وفيه أن رسول الله ﷺ قال لها: «إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض»، وأخرج النسائي (٢١٠)، من وجه آخر عن عائشة، وفيه: «فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها»، وقال ابن الملقن: (رجاله ثقات). ينظر: التمهيد ١٥/ ٩٨، بيان الوهم ٤/ ١٣٢، زاد المعاد ٥/ ٥٧٣، ميزان الاعتدال ٤/ ١٨٢، البدر المنير ٣/ ١٢٥، تهذيب الكمال ٢٨/ ٥١١، صحيح أبي داود ٢/ ٣٨.
(٣) في (م): القرء.
[ ٨ / ٥٥١ ]
نَعلَمُ فيه خلافًا (^١)، ورواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ رجالُه ثِقاتٌ، عن ابنِ عمرَ (^٢)، ولأِنَّ المطلَّقةَ فيها لم يَبقَ منها ما يَتِمُّ مع اثنتَينِ ثلاثةٌ كامِلةٌ، فلا يُعتَدُّ بها، ولأِنَّ الطَّلاقَ في الحَيض إنَّما حَرُمَ للضَّرر بتطويلِ العِدَّة، فلو اعتدَّت بالحَيضة المطلَّقِ فيها لكانت العدَّةُ حِينَئِذٍ أقْصَرُ.
(وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ حَلَّتْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمها (^٣) في «الكافي» و«الرِّعاية»، واختارها أبو الخَطَّاب؛ للآية، وقد كَمَلَت القروء (^٤) بوجوب الغسل عليها، ووجوب الصَّلاة، وفِعْل الصِّيام وصحَّته منها (^٥)، ولأِنَّه لم يَبْقَ حكمُ العدَّة في الميراث، ووقوع الطَّلاق بها، واللِّعان، والنَّفقة، فكذا هُنَا.
(وَالْأُخْرَى: لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ)، اختاره الخِرَقِيُّ، والقاضي، والشَّريفُ، والشِيرازيُّ؛ اعتمادًا على أنَّ هذا قَولُ أكابِرِ الصَّحابة، قال أحمدُ (^٦): رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يَقولُ: «إذا انْقَطَعَ الدَّمُ من الحَيضة الثَّالثة؛ فقد بانَتْ منه» (^٧)، وهو أصحُّ في النَّظَر، قِيلَ له: فلِمَ لا تَقولُ به؟
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ١٠٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٧٥٢)، وابن معين في تاريخه برواية الدوري (٤٤٨٧)، وابن الأعرابي في معجمه (١٧٥١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٤٠٢)، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه. رجاله ثقات، إلا أن ابن معين استغربه لتفرد عبد الوهاب، فقال: (هذا غريب ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي)، وعبد الوهاب ثقة، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ص ٥٢: (وحسبك بهذا الإسناد إذا صح).
(٣) في (م): قدمه.
(٤) في (م): القرء.
(٥) في (م): فيها.
(٦) ينظر: مسائل حرب - الطهارة ص ٦١٨، شرح الزركشي ٥/ ٥٤٢.
(٧) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٢٧)، وحرب الكرماني - تحقيق السريع - (٧٢٠)، وابن حزم (١٠/ ٣٠)، وإسناده حسن.
[ ٨ / ٥٥٢ ]
قال: ذلك يَقولُ به عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ (^١)، فأنا أهيبُ (^٢) أنْ أُخالِفَهم؛ يعني: اعْتِبار الغُسْل، ويُرشِّحُه: أنَّ الظاهِرَ إنَّما تركوه (^٣) عن توقيفٍ ممَّن له البَيانُ، ورُوِيَ عن أبي بكرٍ، وعثمانَ، وأبي موسى، وعبادةَ، وأبي الدَّرداء (^٤).
وظاهِرُه: ولو فرَّطَتْ في الغُسْل سِنِينَ، حتَّى قال به شريكٌ عِشْرينَ سنةً، وحَكاهُ في «الهَدْيِ» روايةً (^٥).
لكِنْ إذا طلَّقها وهي حامِلٌ، فَوَضَعَتْ بعدَ ذلك؛ انْقَضَتْ عدَّتُها وإنْ لم تَغتَسِلْ، نَصَّ عليه (^٦).
وعنه: أنَّها في عدَّتها، وله (^٧) رَجْعَتُها حتَّى يمضي (^٨) وقتُ الصَّلاة التي طَهُرَتْ في وقْتِها، وجَزَمَ به في «الوجيز».
فعلى هذا: تَنقَطِعُ بقيَّةُ الأحكام مِنْ قَطْعِ الإرث، والطَّلاقِ، واللِّعانِ، والنَّفقةِ بانْقِطاعِ الدَّم، رِوايةً واحدةً، وجَعَلَها ابنُ عَقِيلٍ على الخلاف (^٩).
(وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: القُرْءُ الأَطْهَارُ)، وهو قَولُ زَيدٍ (^١٠)،
_________________
(١) تقدم تخريج هذه الآثار ٨/ ٣٤٣.
(٢) في (ظ): انتهيت. في شرح الزركشي ٥/ ٥٤٢: أتهيب.
(٣) في (م): تركه.
(٤) تقدم تخريج هذه الآثار ٨/ ٣٤٣ حاشية (٣).
(٥) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٥٣٥.
(٦) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٣٥٠، مسائل ابن هانئ ١/ ٢٤١.
(٧) في (ظ): وإن.
(٨) في (ظ): تمضي.
(٩) قوله: (على الخلاف) في (م): كالخلاف.
(١٠) أخرجه مالك (٢/ ٥٧٧)، والشافعي في الأم (٥/ ٢٢٤)، وعبد الرزاق (١١٠٠٣)، وسعيد بن منصور (١٢٢٦)، وابن أبي شيبة (١٨٨٩٠)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٨٥)، وغيرهم من طرق عن سليمان بن يسار، عن زيد ﵁ قال: «إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها»، وإسناده صحيح.
[ ٨ / ٥٥٣ ]
وابنِ عمرَ (^١)، وعائشةَ (^٢)، رواه الشَّافِعِيُّ عنهم بإسْنادٍ جيِّدٍ، وقال الشَّافِعِيُّ: أنا مالِكٌ، عن ابن شِهابٍ، سَمِعْتُ أبا بكرِ بنِ عبدِ الرَّحْمن يَقولُ: «ما أدْرَكْتُ أحدًا من فُقهائنا إلاَّ وهو يقولُ هذا» (^٣)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورَجَعَ إليه أحمدُ (^٤)، قال في روايةِ الأثْرَمِ: رأيتُ الأحاديثَ عمَّن قال: القروء (^٥) الحِيَضُ تَختَلِفُ، والأحاديثُ عمَّنْ قال: إنَّه الأطْهارُ صِحاحٌ قَوِيَّةٌ (^٦).
والعُمْدةُ في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]؛ أيْ: في عِدَّتهنَّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبيَاء: ٤٧]؛ أي: في يوم القيامة، والمشْروعُ الطَّلاقُ في الأطْهار، لا في الحِيَض إجْماعًا، وحديث ابن عمر: «أنَّه طلَّق امرأتَه، وهي حائضٌ، وأمَرَه النَّبيُّ ﷺ بمُراجَعَتِها» (^٧)، ولأِنَّها عدَّةٌ عن طلاقٍ مُجرَّدٍ مُباحٍ؛ فوَجَبَ أنْ يُعتَبَرَ عُقيبَ الطَّلاق؛ كعِدَّة الآيِسة والصَّغيرة.
وجوابُه: بأنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]: ثلاثٌ
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٥٧٨)، وعنه الشافعي في الأم (٥/ ٢٢٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٨٧)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها»، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٥٧٦)، وعنه الشافعي في الأم (٥/ ٢٢٤)، والطحاوي في معاني الآثار (٤٤٩٢)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٨٢)، عن عروة، عن عائشة: «إنما الأقراء الأطهار»، وأخرجه سعيد بن منصور (١٢٢٥)، وحرب في مسائله (٧١٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٣٨٣)، عن عمرة، عن عائشة ﵂: «إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه»، وهذه أسانيد صحاح، وروي عن عائشة ﵂ من وجوه أخرى.
(٣) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٤) ينظر: التمهيد ١٥/ ٩٠.
(٥) في (م): القرء.
(٦) ينظر: المغني ٨/ ١٠١.
(٧) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).
[ ٨ / ٥٥٤ ]
مُستَقْبِلاتٌ لِعدَّتهنَّ؛ كما تقولُ: لَقِيتُه لِثَلاثٍ بَقِينَ من الشَّهر، أيْ: مستقبِلات (^١) لثلاثٍ، وقال ابن عمرَ: «وقَرَأَ النَّبيُّ ﷺ: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُلِ عدَّتهنَّ» رواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ (^٢).
(وَتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا)؛ لأِنَّ (^٣) الطَّلاقَ إنَّما حَرُمَ في الحيض دَفْعًا للضَّرر عنها بتطويل العِدَّة عليها، فلو لم تَعتَدَّ ببقيَّةِ الطُّهر قُرْءًا؛ كان الطَّلاقُ في الطُّهر أضرَّ بها وأطْوَلَ عليها.
وقال الزُّهْرِيُّ: إنَّها (^٤) تعتدُّ بثلاثةِ قروء (^٥) سوى الطُّهر الذي طلَّقَها فيه.
(ثُمَّ إِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ)، أوْ الأَمَة في الثَّانية؛ (حَلَّتْ)، قاله ابنُ عمرَ، وزيدٌ، وعائشةُ، رواه عنهم الأثرمُ (^٦)؛ لأِنَّها لو لم تَحِلَّ بذلك؛ لَأدَّى إلى إيجابِ أكثرَ من ثلاثةِ قروءٍ (^٧)، وذلِكَ مُخالِفٌ للنَّصِّ.
وقِيلَ: لا تَنقَضِي العدَّةُ حتَّى يَمْضِيَ من الدَّم يَومٌ وليلةٌ؛ لِجَوازِ أنْ يكونَ الدَّمُ دمَ (^٨) فسادٍ، فلا تَنقَضِي العدَّةُ حتَّى يَزولَ الاِحْتِمالُ، ولَيسَ من العدَّة في الأصحِّ.
وإن (^٩) طلَّقَها في سَلْخِ طُهْرٍ، أوْ علَّقه (^١٠) على سَلْخِه، فأوَّلُ عِدَّتها أوَّلُ
_________________
(١) قوله: (لعدتهن، كما تقول: لقيته …) إلى هنا سقط من (م).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٧١)، وأبو داود (٢١٨٥)، والنسائي (٣٣٩٢).
(٣) في (م): ولأن.
(٤) في (م): إنما.
(٥) في (م): قرء.
(٦) تقدم تخريج هذه الآثار ٨/ ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٧) في (م): قرء.
(٨) قوله: (دم) سقط من (م).
(٩) في (م): فإن.
(١٠) في (م): علقها.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
طُهْرٍ يأتي بعدَ حيضةٍ.
فرعٌ: كلُّ فُرقةٍ بَينَ زَوجَينِ بعدَ الدُّخول؛ فعدَّتُها عدَّةُ طلاقٍ في قَولِ أكثرِ العلماء.
وعن ابنِ عبَّاسٍ (^١): عدَّةُ الملاعَنَة تسعةُ أشْهُرٍ.
وعن عُثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وإسْحاقَ: عدَّةُ المُخْتَلِعة بحَيضةٍ (^٢)، ورواهُ ابنُ القاسِم عن أحمدَ (^٣)، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في بقيَّة الفُسوخ (^٤)، وأوْمَأَ إليه في روايةِ صالِحٍ (^٥)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ امرأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ من زَوجها، فأمَرَها النَّبيُّ ﷺ أنْ تعتدَّ بحَيضةٍ» رواه
_________________
(١) علقه ابن المنذر في الإشراف ٥/ ٣٦١، ولم نقف عليه موصولًا.
(٢) أثر عثمان وابن عمر ﵃: أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٤٦٢)، عن نافع، عن ابن عمر، أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان، فقال: «تعتد بحيضة»، وكان ابن عمر يقول: «تعتد ثلاث حيض» حتى قال هذا عثمان، فكان يفتي به ويقول: «خيرنا وأعلمنا»، إسناده صحيح. وروي عن ابن عمر ﵄ خلافه: أخرجه مالك في رواية يحيى الليثي (٢/ ٥٦٥)، وفي رواية أبي مصعب الزهري (١٦١٤)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٤٨٥٨)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «عدتها عدة المطلقة». وأخرجه أبو داود (٢٢٣٠)، حدثنا القعنبي، عن مالك به بلفظ: «عدة المختلعة حيضة»، كذا في رواية اللؤلؤي، ورواية ابن داسَه موافِقة لما سبق: «عدة المختلعة عدة المطلقة». وأخرج ابن أبي شيبة (١٨٤٦١)، أخبرنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: «عدة المختلعة حيضة». هذه أسانيد صحاح، وقد اعتبر ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ٣٧٧ أن الأصح من فتوى ابن عمر ﵄ أنها كالمطلقة، وصحح الألباني كلا القولين عنه، وأن القول الذي رجع إليه أنها حيضة، وهو ما قرره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣٢/ ٣٣٥. وأثر ابن عباس ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٤٦٤)، ولفظه: «عدتها حيضة»، فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
(٣) ينظر: المغني ٨/ ٩٧.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٣٢/ ١١٠.
(٥) ينظر: مسائل صالح ٣/ ١٣٣.
[ ٨ / ٥٥٦ ]
أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذي، وقال: حسن (^١) غريبٌ (^٢).
وجَوابُه: عمومُ الآية، وكفُرْقةِ غَيرِ الخُلْع، وحديثُهم قال أبو بكرٍ: هو ضعيفٌ مُرسَلٌ، وقَولُ عُثمانَ وابنِ عبَّاسٍ قد خالَفَهُ عمرُ (^٣) وعليٌّ (^٤)، وقَولُهما أَوْلَى، والصَّحيحُ عن ابن عمرَ: «أنَّ عدَّتَها عدَّةُ المطلَّقة» رواه مالِكٌ (^٥).
_________________
(١) في (م): حديث. والمثبت موافق للسنن.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢٩)، والتِّرمذي (١١٨٥)، والحاكم (٢٨٢٥)، من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، ولم يخرجه النسائي كما ذكره المزي، ورواه عبد الرزاق عن معمر مرسلًا، وأعله بعضهم بالإرسال، وكلا الإسنادين مدارهما على عمرو بن مسلم الجندي، قال الذهبي: (ليَّنه أحمد وغيره، ولم يُترك، وقوَّاه ابن معين)، وقال ابن حجر: (صدوق له أوهام)، وله شاهد أخرجه التِّرمذي (١١٨٥)، والنسائي (٣٤٩٧)، وابن الجارود (٧٦٣)، عن الربيع بنت معوذ ﵂، وفيه: «فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة»، وفي لفظ: «أن تعتد بحيضة»، وضعفهما ابن عبد البر، وحسنه التِّرمذي، وصححه الحاكم وابن القيم والألباني. ينظر: التمهيد ٢٣/ ٣٧٤، تحفة الأشراف ٥/ ١٥٩، الكاشف ٢/ ٨٨، إعلام الموقعين ٢/ ٥٣، صحيح أبي داود ٦/ ٤٢٨.
(٣) ذكره المروزي في اختلاف الفقهاء ص ٣٠٠، قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ٨٤: (والحديث عن عمر وعلي من قولهم ليس بالقوي)، وضعف إسناده شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٣٢/ ٣٣٥، ولم نقف على لفظه، إلا أن يُراد ما روي عنه من أن الخلع طلاق، فإن كان كذلك، فقد قال ابن حجر في التلخيص ٣/ ٤٣٣: (أما مذهب عمر؛ فلا يُعرف، وقد اعترف بذلك الرافعي في التذنيب).
(٤) قال عليٌّ ﵁: «عدة المختلعة مثل عدة المطلقة»، وتقدم تخريجه ٨/ ٥٦ حاشية (٢).
(٥) تقدم تخريجه ٨/ ٥٥٦ حاشية (٢).
[ ٨ / ٥٥٧ ]