لا يَلزَمُ قاتِلًا حَربِيًّا، قاله في «التَّرغيب» وغَيره، ولا قاتِلًا نِساءَ حَرْبٍ وذُرِّيَّتَهم، ومَن لم تَبلُغْه الدَّعْوةُ.
قال الخَطَّابيُّ: مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعْوةُ تَجِبُ فيه الكفَّارةُ والدِّيَةُ، وفي وُجوبِ الدِّيَة خِلافٌ بَينَ العلماء (^١).
وجَوابُه: بأنَّه لا أيْمانَ لهم ولا أمانَ، وإنَّما مُنِعَ مِنْ قَتْلِهم؛ لاِنْتِفاعِ المسلمين بهم بصيرورتهم (^٢) أرِقَّاءَ.
(وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ؛ رِوَايَتَانِ):
(إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ وَالْقَاضِي).
(وَالأُخْرَى: فِيهِ الْكَفَّارَةُ).
أَمَّا العَمْدُ؛ فالمشْهورُ في المذْهَبِ: أنَّه لا كَفَّارَةَ فيه، قدَّمه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِمُفهومِ قَولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، واحْتَجَّ جماعةٌ بقَولِه تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النِّسَاء: ٩٣]، فَمَنْ زَعَمَ أنَّ ذلك يَسقُطُ بالتَّكفير؛ احْتاجَ دَليلًا يَثْبُتُ بمِثْلِه نَسْخُ القرآن، زاد في «عيون المسائل»: وأين (^٣) الدَّليلُ القاطِعُ على أنَّه إذا تاب (^٤) أو كَفَّرَ قد شاء الله أنْ يَغفِرَ له، ولا فَرْقَ في العَمْد المُوجِبِ للقِصاص وغَيرِه.
والثَّانيةُ: تجب (^٥)، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لِمَا رَوَى واثلة
_________________
(١) ينظر: معالم السنن ٢/ ٢٦٢.
(٢) في (م): وصيرورتهم.
(٣) في (ن): وإن.
(٤) في (ن): مات.
(٥) في (م): يجب.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
ابنُ الأسْقَعِ، قال: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ بصاحِبٍ لنا قد أوْجَبَ القَتْلَ، فقال: «أعْتِقُوا عنه رَقبةً، يُعتِقِ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا منه مِنْ النَّارِ» رواه أبو داودَ بإسْنادٍ ضعيفٍ (^١)، ولأِنَّها إذا وَجَبَتْ في قَتْلِ الخطأ؛ فلأن تَجِبَ في العَمْد بطَرِيقِ الأَوْلَى.
والأُولى (^٢) أصحُّ؛ لأِنَّه تعالى (^٣) ذَكَرَ قَتْلَ الخطأ وأَوْجَبَ فيه الكفَّارةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ العَمْد مِنْ غَيرِ ذِكْرِ كفَّارةٍ فيه، مع أنَّ سُوَيدَ بنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رجلًا، فأوْجَبَ النَّبيُّ ﷺ القَوَدَ، ولم يُوجِبْ كفَّارةً.
وحديثُ واثلة يَحتَمِلُ أنَّه كان خَطَأً، وسَمَّاه مُوجِبًا؛ لأِنَّه فوت (^٤) النَّفسَ بالقَتْل، ويَحتَمِلُ أنَّه كان شِبْهَ عَمْدٍ، ويَحتَمِلُ أنَّه أمَرَهم به تَبرُّعًا.
وأمَّا شبه (^٥) العَمْد: فالأصحُّ أنَّها تَجِبُ فيه، جَزَمَ به في «الكافي» و«المستوعب» وغيرُهما، وفي «المغْنِي»: تَجِبُ فيه الكفَّارةُ، ولا أعْلَم لأِصْحابِنا فيه قَولًا؛ لأِنَّه أُجرِيَ مُجْرَى الخطأ في نَفْسِ القصاص، وحَمْلِ العاقِلةِ دِيَتَه، وتأجيلِها في ثلاثِ سِنِينَ، فَجَرَى مَجراهُ في وُجوبِ الكفَّارة.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦٠١٢)، وأبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧١)، وابن حبان (٤٣٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٤٨٠)، من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن الديلمي، عن واثلة بن الأسقع ﵁ به، والغريف بن عياش الديلمي مجهول لم يرو عنه إلا إبراهيم، وضعف الحديث الألباني، وصححه ابن حبان والحاكم وابن الملقن، وله شاهد عند البخاري (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. ينظر: البدر المنير ٨/ ٥٠٣، الإرواء ٧/ ٣٣٩.
(٢) في (م): والأول.
(٣) في (ظ) و(ن): يقال.
(٤) في (م): موت، وفي (ن): قوت.
(٥) قوله: (عمد ويحتمل أنه أمرهم به تبرعًا وأما شبه) سقط من (م).
[ ٩ / ٣٨٨ ]
والثَّانيةُ: لا تَجِبُ، وبعَّدها ابنُ المنجى (^١)، واختارها أبو بكرٍ؛ لأِنَّ دِيَتَه مُغَلَّظَةٌ.
تذنيبٌ: مَنْ لَزِمَتْه؛ ففي ماله، وقِيلَ: ما حَمَلَه بَيتُ المال مِنْ خَطَأِ إمامٍ وحاكِمٍ؛ ففيه (^٢).
ويُكفِّرُ عن (^٣) غَيرِ مكلفٍ (^٤) وَلِيُّه، نَقَلَ مُهَنَّى: القَتْلُ له كفَّارةٌ، وكذا الزِّنى، ونَقَلَ الميمونيُّ: لَيسَ بَعْدَ القَتْل شَيءٌ أشدَّ من الزِّنى (^٥).
_________________
(١) في (ن): منجى.
(٢) قوله: (ففيه) سقط من (ن).
(٣) في (م): من.
(٤) في (م): مكان.
(٥) ينظر: الفروع ١٠/ ١٥. وكتب في هامش (ظ): (بلغ بأصله رحمه الله تعالى).
[ ٩ / ٣٨٩ ]