(وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ الذِي وَجَبَتْ فِيهِ) لا غَيرُ، رُوِيَ عن عمرَ (^١)، وابنِه (^٢)، وابنِ مسعودٍ (^٣)، وأمِّ سَلَمَةَ (^٤)، وغَيرِهم؛ لقَولِه ﵇ لِفُرَيعةَ: «امكثي (^٥) في بَيتِكِ حتَّى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه»، فاعتدتْ أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، فلمَّا كان عُثْمانُ أرْسَل إليَّ فسأَلَنِي عن ذلك، فأخْبرتُه، فاتَّبَعَه، وقَضَى به، رواه مالِكٌ، وأحمدُ، وأبو داودَ، وصحَّحه التِّرمذي (^٦).
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٥٩١)، وابن أبي شيبة (١٨٨٥٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥٠٤)، عن عمرو بن شعيب، عن ابن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يردُّ المتوفى عنهنَّ أزواجهنَّ من البيداء، يمنعهنَّ الحج». وأخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٢)، وابن أبي شيبة (١٨٨٤٨)، وسعيد بن منصور (١٣٤٣)، عن مجاهد، عن ابن المسيب نحوه. وأسانيده صحاح، وروي من وجوه أخرى عن عمر ﵁.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٥٩٢)، وعبد الرزاق (١٢٠٦٣)، وحرب الكرماني في مسائله (٢/ ٦١٢)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥٠٥)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «لا تبيت المتوفى عنها زوجها، ولا المبتوتة إلا في بيتها»، إسناده صحيح، وروي عنه من وجوه أخرى.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٦٨)، وسعيد بن منصور (١٣٤١)، وابن أبي شيبة (١٨٨٥٩)، والطبراني في الكبير (٩٦٥٨)، عن علقمة قال: سأل ابنَ مسعود ﵁ نساء من همدان نُعي إليهن أزواجهن، فقلن: إنا نستوحش. فقال عبد الله: «تجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل». وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٠)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥١٤)، عن إبراهيم، عن رجل من أسلم، عن أم سلمة ﵂، أن امرأة سألتها توفي عنها زوجها، فقالت: إن أبي وجع، قالت: «كوني أحد طرفي النهار في بيتك». وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨٨٦٤)، والطحاوي في معاني الآثار (٤٥٨٩)، عن إبراهيم مرسلًا. إسناده ضعيف؛ للجهالة أو الانقطاع.
(٥) في (م): اسكني.
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٥٩١)، وأحمد (٢٧٠٨٧)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والتِّرمذي (١٢٠٤)، والنسائي (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وابن حبان (٤٢٩٣)، من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن الفريعة بنت مالك بن سنان ﵂، وعمة سعد ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: (مقبولة)، وصحح حديثها التِّرمذي والذهلي وابن حبان والحاكم وابن القيم، وقال ابن عبد البر: (حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق)، وضعفه عبد الحق الإشبيلي تبعًا لابن حزم، وضعفه الألباني. ينظر: التمهيد ٢١/ ٣١، زاد المعاد ٥/ ٦٠٤، البلوغ (١١٢١)، الإرواء ٧/ ٢٠٦.
[ ٨ / ٦٠١ ]
وقال جابِرُ بنُ زَيدٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ: تَعْتدُّ حَيثُ شاءَتْ، ورواه البَيهَقيُّ عن عليٍّ (^١)، وابنِ عبَّاسٍ (^٢)، وعائشةَ (^٣).
وجَوابُه: ما سَبَقَ.
وسَواءٌ كان المنزِلُ لِزَوجها، أوْ غَيرِه.
فإنْ أتاها الخَبَرُ في غَيرِ مَسْكَنِها؛ رَجَعَتْ إليه فاعتدَّتْ فيه (^٤).
وقال ابنُ المسيِّب، والنَّخَعيُّ: لا تَبرَح من (^٥) مكانها الذي أتاها فيه نَعْيُ زَوجِها.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٦)، والشافعي في الملحق بالأم (٧/ ١٨٢)، وسعيد بن منصور (١٣٥١)، وابن أبي شيبة (١٨٨٧٧)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥٠٨)، عن الشعبي قال: «كان عليٌّ يُرحِّل المتوفى عنها زوجها». رجاله ثقات، ورواية الشعبي عن علي متكلم فيها. وأخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٧)، عن أيوب أو غيره مرسلًا. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨٨٧٤)، عن الحكم مرسلًا. وأخرجه سعيد بن منصور (١٣٥٠)، عن الحسن مرسلًا. وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا.
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٣١، ٥٣٤٤)، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: «نسخت هذه الآية عدتها في أهلها فتعتد حيث شاءت»، لقول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال ابن حجر في الفتح ٨/ ١٩٥: (ووهم من زعم أنه معلق)، وقد أخرجه الطبري في التفسير (٤/ ٤٠٦)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥٠٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥)، وابن أبي شيبة (١٤٦٤٢)، والطحاوي في معاني الآثار (٤٥٩٦)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥٠٩)، عن عطاء: «أن عائشة حجت بأختها أم كلثوم في عدتها»، إسناده صحيح. وروي من وجوه أخرى.
(٤) قوله: (فيه) سقط من (م).
(٥) قوله: (من) ضرب عليه في (م).
[ ٨ / ٦٠٢ ]
وجَوابُه: «امْكُثِي في بَيتكِ»، واللَّفْظُ الآخَرُ قضيَّةٌ في عَينٍ، ولا عُمومَ لها، ولا يُمكِنُ حَمْلُه على العموم، فإنَّه قد يأتيها الخبرُ وهي في السُّوق، والطَّريق، والبَرِّيَّة، ولا يَلزَمُها الاعتداد فيه (^١)، قال أحمدُ في روايةِ ابنِ هانِئٍ: وسُئِلَ عن امرأةٍ ماتَ زَوجُها وهي مريضةٌ، أتَحوَّلُ إلى بَيتِ أمِّها؟ قال: لا يَجُوزُ (^٢).
(إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ إِلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ؛ بِأَنْ يُحَوِّلَهَا مَالِكُهُ، أَوْ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا)، أوْ لم تَجِدْ ما تَكتَرِي به إلاَّ مِنْ مالها، أوْ طَلَبَ به أكثرَ من أُجْرةِ مِثْلِه، ذَكَرَه في «المغْنِي»، (فَتَنْتَقِلُ)؛ لأِنَّها حالةُ عُذْرٍ.
فإنْ تعذَّرت (^٣) السُّكْنَى؛ سَكَنَتْ حَيثُ شاءَت، اخْتارَه القاضي والمؤلِّفُ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: أنَّها تَنتَقِلُ إلى أقْرَبِ ما يُمكِنُها النُّقْلةُ إليه، وقَطَعَ به في «المحرر» (^٤)، و«المستوعب»، و«الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كنَقْل الزَّكاة في مَوضِعٍ لا يَجِدُ فيه أهْلَ السُّهْمانِ.
وجَوابُه: أنَّ الواجِبَ سَقَطَ؛ كما لو سَقَطَ الحجُّ للعجز عنه، ويُفارِقُ أهلَ السُّهْمانِ، فإنَّ القَصْدَ نَفْعُ الأقْرَبِ.
فلو اتَّفَقَ (^٥) الوارِثُ والمرأةُ على نَقْلِها؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ السُّكْنَى هنا حقٌّ لله تعالى، بخِلافِ سُكْنَى النِّكاح، لكِنْ لهم نَقْلُها لِطُولِ لِسانها، وأذاهم بالسَّبِّ ونحوِه، وهو قَولُ الأكْثَرِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ …﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ١]، وهو اسْمٌ للزِّنى وغيرِه من الأقْوال الفاحِشةِ.
_________________
(١) قوله: (فيه) سقط من (ظ).
(٢) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٢٤٢.
(٣) في (م): تعذر.
(٤) في (م): «المجرد».
(٥) في (ظ): أنفق.
[ ٨ / ٦٠٣ ]
وقِيلَ: يَنتَقِلُونَ هم.
وفي «التَّرغيب»، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: إنْ قُلْنا لا سُكْنَى لها؛ فعليها الأُجْرةُ، وأنَّه لَيس للورثة تحويلُها منه، وظاهِرُ «المغني» وغَيره خِلافُه.
(وَلَا تَخْرُجُ لَيْلًا)؛ لِمَا رَوَى مُجاهِدٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «تَحَدَّثْنَ (^١) عِنْدَ إحْداكنَّ، حتَّى إذا أَرَدْتُنَّ النَّومَ؛ فَلْتَأْتِ كلُّ واحِدةٍ إلى بَيتِها» (^٢)، ولأِنَّ اللَّيلَ مَظنَّةُ الفَساد.
وظاهِرُه: ولو لحاجةٍ، وهو وَجْهٌ، وقِيلَ: بلى، وظاهِرُ «الواضح» مُطلَقًا.
(وَلَهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا لِحَوَائِجِهَا)؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، قال الحُلْوانيُّ: مع وُجودِ مَنْ يَقضِيها، وقِيلَ: مُطلَقًا، نَصَّ عليه، نَقَلَ حنبلٌ: تَذهَبُ بالنَّهار، ونَقَلَ أبو داودَ: لا تَخرُجُ، قلتُ: بالنَّهار؛ قال: بلى، لكِنْ لا تبيت (^٣)، قلت: بعضُ اللَّيل، قال: يَكونُ أكثرُه بيتها (^٤).
(وَإِنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي النُّقْلَةِ إِلَى بَلَدٍ لِلسُّكْنَى فِيهِ، فَمَاتَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ؛ لَزِمَهَا الْعَوْدُ إِلَى مَنْزِلِهَا)؛ لأِنَّها مُقِيمَةٌ بعدُ، والاِعْتِدادُ في مَنزِلِ الزَّوج واجِبٌ.
(وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ؛ فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ) على المذهب؛ لِتَساوِيهما، ولأِنَّ في (^٥) وُجوبِ الرُّجوع مَشقَّةً.
_________________
(١) في (م): تحدث.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٧)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥١٢)، عن مجاهد مرسلًا، وضعفه الإشبيلي والألباني لإرساله، وقواه ابن القيم. ينظر: الأحكام الوسطى ٣/ ٢٢٧، زاد المعاد ٥/ ٦١٥، الإرواء ٧/ ٢١١.
(٣) في (ظ): لا يثبت.
(٤) في (م): أكثر بيتها. ينظر: مسائل أبي داود ص ٢٥٣، والفروع ٩/ ٢٦١.
(٥) قوله: (في) سقط من (م).
[ ٨ / ٦٠٤ ]
وقِيلَ: بلى في الثَّاني (^١)؛ كما لو وَصَلَتْه.
وهكذا حكمُ ما لو أذِنَ لها في النُّقلة مِنْ دارٍ إلى أخْرَى.
وسَواءٌ مات قَبْلَ نَقْلِ مَتاعِها مِنْ الدَّار، أوْ بَعدَه؛ لأِنَّه مَسْكَنُها، ما لم تَنتَقِلْ عنه.
(وَإِنْ سَافَرَ بِهَا (^٢)، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ؛ لَزِمَهَا الْعَوْدُ)؛ لأِنَّها في حُكْمِ الإقامة، (وَإِنْ تَبَاعَدَتْ)؛ أي (^٣): بعدَ مسافة القَصْر؛ (خُيِّرَتْ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ)؛ لِتَساوِيهما.
وكلُّ مَوضِعٍ يَلزَمُها السَّفرُ، فهو مشروطٌ بوُجودِ مَحرَمٍ يُسافِرُ مَعَها؛ للخَبَر.
(وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ)، نقول: المعتدَّة لَيس لها الخُروجُ لِحَجٍّ ولا غيره (^٤)، رُوِيَ عن عمرَ وعُثْمانَ (^٥)، وقاله الأكثرُ.
فإنْ خَرَجَتْ فماتَ في الطَّريق؛ رَجَعَتْ إنْ كانَتْ قريبةً؛ لأِنَّها في حُكْمِ الإقامة، وإنْ تَباعَدَتْ مَضَتْ في سَفَرِها، ولأِنَّه أمْكَنَها الاِعْتِدادُ في مَنزِلها قَبْلَ أنْ تَبعُدَ؛ فَلَزِمَها؛ كما لو لم تفارق (^٦) البنيانَ.
فإنِ اخْتارَت البعيدةُ الرُّجوعَ؛ فلها ذلك إذا كانت تَصِلُ إلى منزلها في عدَّتها.
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي الفروع ٩/ ٢٦٢: وقيل: وفي الثاني، وعبارة صاحب الإنصاف ٢٤/ ١٥٨: وقيل: يلزمها العدة في البلد الثاني.
(٢) كتب في هامش (ظ): (أو سافرت بإذنه لغير نقلة).
(٣) في (م): إلى.
(٤) في (م): ولا لغيره.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧١)، وابن أبي شيبة (١٨٨٤٩)، عن مجاهد قال: «كان عمر وعثمان ﵄ يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة»، وتقدم عن عمر ﵁ بإسناد صحيح ٨/ ٦٠١ حاشية (١).
(٦) في (م): لم يفارق.
[ ٨ / ٦٠٥ ]
ومتى كان عليها في الرُّجوع خَوفٌ، أوْ ضَرَرٌ؛ فلها المضِيُّ في سَفَرِها؛ كالبعيدة.
ومتى رَجَعَتْ، وقد بَقِيَ عليها شَيءٌ من عدَّتها؛ لَزِمَها أنْ تأتيَ به في مَنزِلِ زَوجِها، بغَيرِ خِلافٍ بَينَهم (^١)؛ لأِنَّه أمْكَنَها الاِعْتِدادُ، فهو (^٢) كما لو لم تُسافِرْ منه.
(فَأَحْرَمَتْ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ؛ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا)، سَواءٌ كان (^٣) حجَّةَ الإسلام أوْ غَيرَها.
إذا أحْرَمَتْ بها قَبْلَ مَوته؛ فإنْ لم يُمكن (^٤) الجَمْعُ؛ لَزِمَها المضِيُّ فيه، وذكره (^٥) في «التَّبصرة» عن أصحابنا، ولأِنَّهما عِبادَتانِ اسْتَوَيَا في الوُجوب وضِيقِ الوقت، فوجَبَ تَقْديمُ الأَسْبَقِ منهما؛ كما لو سَبَقَت العِدَّةُ، ولأِنَّ الحجَّ آكَدُ؛ لأِنَّه أَحَدُ أرْكانِ الإسلام، والمشقَّة بتفويته تَعظُمُ، فوَجَبَ تقديمُه.
وفي «المحرَّر»: هل تُقدَّم مع القُرْب العِدَّةُ، أوْ أسْبَقُهما؟ فيه رِوايَتانِ.
وإنْ أمكن (^٦)؛ لَزِمَها العَودُ، ذكره (^٧) المؤلِّفُ وغَيرُه.
وفي «المحرر»: تُخيَّر (^٨) مع البُعْدِ، وتُتِمُّ تتمةَ (^٩) العِدَّةِ في مَنزِلِها إنْ عادَتْ بَعْدَ الحجِّ، وتَتَحلَّلُ لِفوتِه بعُمْرةٍ.
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ١٦٨.
(٢) قوله: (فهو) سقط من (م).
(٣) زيد في (م): في.
(٤) في (م): لم يكن.
(٥) في (م): وذكر.
(٦) في (م): أو إن يكن. والمراد: إن أمكن الجمع بين العدة والحج.
(٧) في (م): وذكر.
(٨) في (م): يخير.
(٩) قوله: (تتمة) سقط من (م).
[ ٨ / ٦٠٦ ]
وإنْ أحْرَمَتْ بعدَ مَوتِه، وخَشِيَتْ فَواتَه؛ فاحْتِمالانِ.
(وَإِنْ لَمْ تَخْشَ، وَهِيَ فِي بَلَدِهَا، أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْهُ (^١) يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ؛ أَقَامَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي مَنْزِلِهَا)؛ لأِنَّه أمْكَنَها الجَمْعُ بَينَ الحَقَّينِ مِنْ غَيرِ ضررِ الرُّجوع، فلم يَجُزْ إسْقاطُ أحدِهما، (وَإِلاَّ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا)؛ أيْ: إذا لم تَكُنْ في بلدها، ولا قريبةً منه؛ لأِنَّ في (^٢) الرُّجوع عليها مَشقَّةً وحَرَجًا، وهو مُنتَفٍ شَرْعًا.
(وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْرَمَتْ، أَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ لَمْ تَخْشَ (^٣) الفَوَاتَ)؛ لأِنَّ العِدَّةَ سابِقةٌ على الإحرام، والسَّابِقُ هو المقدَّمُ.
فرعٌ: لا سُكْنَى للمُتوَفَّى عنها إذا كانَتْ حائِلًا روايةً واحدةً، وإنْ كانَتْ حامِلًا فرِوايَتانِ؛ لأِنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ لها ثُمُنَ التَّرِكة أوْ رُبُعَها، وجَعَلَ باقِيها للورثة، والمسكَنُ من التَّركة؛ فَوَجَب ألاَّ يُستَحَقَّ منه أكثرُ مِنْ ذلك.
وأمَّا إذا كانَتْ حامِلًا، وقُلْنا: لها السُّكْنَى؛ فَلأِنَّها حامِلٌ مِنْ زَوجِها؛ قِياسًا على المطلَّقة.
وإنْ قُلْنا: لا سُكْنَى لها، فتبرَّعَ الوارِثُ أوْ غَيرُه بسُكْناها؛ لَزِمَها السُّكْنَى به.
وإن قُلْنا: لها السُّكْنَى (^٤)؛ ضَرَبَتْ بقَدرِ أُجْرته مع الغرماء، والحامِلُ تَضرِبُ بأقلِّ مُدَّتِه، وإنْ رَجَعَتْ فله دُونَ الفَضْل على الغرماء (^٥)، وإنْ وَضَعَتْ
_________________
(١) قوله: (منه) سقط من (م).
(٢) قوله: (في) سقط من (م).
(٣) في (ظ): لم يحسن.
(٤) أي: وتعذر المسكن أو كان المسكن لغير الميت؛ استؤجر لها من بيت مال الميت. ينظر: الكافي ٣/ ٢٠٨.
(٥) كذا في النسخ الخطية، وعبارة الكافي ٣/ ٢٠٨: وإن وضعت لأقل من ذلك ردَّت الفضل على الغرماء.
[ ٨ / ٦٠٧ ]
لأِكْثَرِها؛ رَجَعَتْ عليهم بالنَّقص.
(وَأَمَّا المَبْتُوتَةُ) مُطلَقًا (فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهِ)؛ لِمَا رَوَتْ فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ: أنَّ أبا عمرو (^١) بنَ حَفْصٍ طلَّقها الْبَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إلَيها بشَيءٍ فسَخِطته، فقال: واللهِ ما لَكِ عَلَينا مِنْ شَيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله ﷺ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال لها: «لَيسَ لكِ عليه نَفَقةٌ، ولا سُكْنَى»، وأَمَرَها أنْ تَعتَدَّ عِنْدَ أمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قال: تلك امرأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي في بَيتِ أمِّ مَكْتومٍ (^٢)» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣)، وإنْكارُ عُمرَ وعائِشةَ ذلك يُجابُ عنه (^٤).
(وَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ)، إذا كان مَأْمُونًا، قال أصْحابُنا: سَواءٌ قُلْنا: لها السُّكْنَى أوْ لَا، بل يَتخيَّرُ الزَّوجُ بَينَ إقْرارِها في مَوضِعِ طَلاقِها، وبَينَ نَقْلِها إلى مسكن (^٥) مِثْلِها؛ لحديثِ فاطمةَ، والمُسْتَحَبُّ إقْرارُها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ …﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ١].
وعنه: تَعتَدُّ حَيثَ كانَتْ ساكِنةً وقْتَ الفُرْقةِ، ولا يَثبُتُ في غَيرِه.
ولا تُفارِقُ البلدَ على الأصحِّ فيهما. وعَنْهُ: هي (^٦) كمُتَوَفًّى عَنْها.
وإنْ شاءَ إسْكانَها في منزله، أوْ غَيرِه إنْ صَلَحَ لها؛ تحصينًا لِفِراشِه، ذَكَرَه القاضي وغيرُه، وإنْ لم يَلزَمْه نفقتها (^٧) كمُعتدَّةٍ لِشُبْهةٍ، أوْ نكاحٍ، أوْ مُسْتَبْرَأَةٍ لِعْتقٍ.
_________________
(١) في (م): عمر.
(٢) كذا في النسخ الخطية، وصوابه كما في المصادر الحديثية وكتب المذهب: ابن أم مكتوم.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠)، ولم يخرجه البخاري، بل انفرد بإخراجه مسلم. ينظر: تحفة الأشراف ٨/ ١٠، ١٢/ ٤٦٣، تنقيح التحقيق ٤/ ٤٤٧.
(٤) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٥) في (م): سكنى.
(٦) قوله: (هي) سقط من (م).
(٧) قوله: (لم يلزمه نفقتها) في (م): لم تلزمه.
[ ٨ / ٦٠٨ ]
وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَلزَمُها.
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ شاءَه، وأنْفَقَ عليها؛ فله ذلك (^١).
وإنْ سَكَنَتْ عُلْوَ دارٍ، وسَكَنَ بَقيَّتَها، أوْ بَينَهما بابٌ مُغلَقٌ، أوْ مَعها مَحرَمٌ؛ جاز.
ورَجْعيَّةٌ في لُزومِ المنزل؛ كمُتَوَفًّى عنها، نَصَّ عليه (^٢).
تذنيبٌ: له الخَلْوةُ مع زوجتِه، وأَمَته، ومَحرَمِ أحدهما، وقِيلَ: مع زوجته فأكثرَ (^٣)، قال في «التَّرغيب»: وأصْلُه النِّسوةُ المنفَرِداتُ هل لهنَّ السَّفرُ مع أمْنٍ بلا مَحرَمٍ؟
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَحرُمُ سَفَرُه بأُخْتِ زَوجتِه، ولو مَعَها (^٤).
ولا يَخلُو الأجنبي (^٥) بأجنَبيَّاتٍ، ويَتوجَّهُ وَجْهٌ، قال القاضي: مَنْ عُرِفَ بالفِسْق مُنِعَ من الخَلوة بأجنبيَّةٍ، والأَشْهَرُ يَحرُمُ مُطلَقًا، إجْماعًا (^٦).
وفي «آداب صاحِبِ النَّظْم»: أنَّه يُكرَهُ الخلوة بالعَجوز، وهو غَريبٌ، وإطلاقُ الأصحاب تحريم (^٧) الخَلوة بمَن لِعَورته حُكْمٌ.
فأمَّا مَنْ لا عَورةَ له كدُونِ سَبعٍ؛ فلا تحريمَ.
وله إرْدافُ مَحرَمٍ، ويتوجَّهُ في غَيرِها مع الأمن وعَدَمِ سُوءِ الظَّنِّ؛ خِلافٌ (^٨).
_________________
(١) ينظر: الاختيارات ص ٤٠٦، الفروع ٩/ ٢٦٤.
(٢) ينظر: المحرر ٢/ ١٠٨.
(٣) كذا في النسخ الخطية، وفي الفروع ٩/ ٢٦٤ والإنصاف: ٢٤/ ١٦٨: ومع أجنبية فأكثر.
(٤) ينظر: الاختيارات ص ٤٠٦، الفروع ٩/ ٢٦٥.
(٥) في (م): الأجنبية.
(٦) ينظر: شرح مسلم للنووي ٩/ ١٠٩، مجموع الفتاوى ١١/ ٥٠٥.
(٧) في (م): يحرم.
(٨) في (ظ): (بلغ مقابلة بأصل المؤلف رحمه الله تعالى).
[ ٨ / ٦٠٩ ]