(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) الصومَ لكبرٍ، أوْ مرضٍ ولو رُجِيَ زوالُه، أوْ يَخافُ زيادتَه أوْ بُطْأَه، قال جماعةٌ: أوْ لِشَبَقٍ؛ (لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، إجْماعًا (^١)، وسَنَدُه الآيةُ الكريمةُ والخبرُ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجوزُ الاِنْتِقالُ إليه لأجل السَّفر؛ لأِنَّه لا يُعجِزُه عن الصِّيام، وله نهايةٌ يَنتَهِي إليها، وهو من أفعاله الاِخْتِياريَّة، بخلاف المرض.
(مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ)، وحاصِلُه: أنَّ مَنْ أُعْطِيَ الزَّكاةَ لحاجته جاز إعْطاؤُه مِنْ طعامها، والمساكينُ هم الذين تُدفَعُ إليهم الزَّكاةُ لحاجتهم، ويَدخُلُ فيه الفقراءُ؛ لأنهم وإنْ كانوا صِنْفَينِ فهم صِنْفٌ واحدٌ.
واقْتَصَرَ في «الهَدْي» (^٢) عليهما؛ لظاهِر القرآن.
وشرطه: الإسلامُ، وهو قَولُ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه شَرْطٌ في دَفْعِ الزَّكاة إليه، والكفَّارةُ جاريةٌ مَجْراها.
وذَكَرَ أبو الخَطَّاب وغَيرُه في ذِمِّيٍّ تخريجًا (^٣) من عتقه، وخرَّج الخَلاَّلُ دَفْعَها إلى كافرٍ، قال ابنُ عَقِيلٍ: لعلَّه من المؤلَّفة، ولأِنَّه مِسْكِينٌ من أهل دار الإسلام، فأجْزَأَ الدَّفعُ إليهم منها؛ كالمسلم، وقال الثَّوريُّ: يُعطِيهم إذا لم يَجِدْ غَيرَهم.
وجَوابُه: أنَّهم (^٤) كُفَّارٌ، فلم يَجُزْ إعْطاؤهم منها؛ كمساكينِ أهلِ الحرب،
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع ص ٨٢.
(٢) ينظر: زاد المعاد ٥/ ٣٠٧.
(٣) في (م): يخرج.
(٤) في (م): لأنهم.
[ ٨ / ٤٦١ ]
والآيةُ مخصوصةٌ بهذا.
والحرِّيَّةُ؛ فلا يَجوزُ دَفْعُها إلى عبدٍ، ولا مُكاتَبٍ، ولا أمِّ ولدٍ؛ لِوجوبِ نَفَقَتِهم على السَّيِّد.
ولا فَرْقَ فيه بَينَ الكبير والصَّغير؛ لأِنَّه مسكينٌ، فجاز إطْعامُه كالكبير (^١)، وهذا إذا أكَلَ الطَّعامَ، فإنْ لم يأكُلْه؛ لم يُدفَعْ إليه في ظاهِرِ الخِرَقيِّ، وقاله (^٢) القاضي، وهي أشْهَرُ الرِّوايتَينِ، قاله المجْدُ، وهو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف؛ كزكاةٍ في روايةٍ نَقَلَها جماعةٌ (^٣).
وسَواءٌ كان محجورًا عليه أوْ لا، لكن (^٤) مَنْ لا حَجْرَ عليه يَقبِضُ لنَفْسِه أوْ وكيلِه، والمحجورُ عليه؛ كالصَّغير والمجنونِ يَقبِضُ له وَلِيُّه.
والأخْرى: يُدفَعُ إلى الصَّغير الذي لم يَطعَمْ، ذَكَرَها أبو الخَطَّاب المذهبَ، وقالَهُ أكْثَرُ الفقهاء؛ لأِنَّه مُسْلِمٌ حرٌّ (^٥) مُحْتاجٌ، أشْبَهَ الكبيرَ.
(وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ)؛ لأِنَّه عبدٌ.
واختار الشَّريفُ: جوازَ دَفْعِها إليه، واختاره (^٦) في «المحرَّر» وغيره.
وقال أبو الخَطَّاب: يَتخرَّجُ دَفْعُها إليه، بِناءً على جواز إعتاقِه؛ لأِنَّه يأخُذُ من الزَّكاة لِحاجَتِه، أشْبَهَ المسكين (^٧).
وجوابُه: بأنَّه لَيسَ في معنى المسكين؛ لأِنَّ حاجتَه مِنْ غيرِ جنسِ
_________________
(١) في (م): وكالكبير.
(٢) في (م): وقال.
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ١٩٩.
(٤) في (م): وإن.
(٥) قوله: (حر) سقط من (م).
(٦) في (ظ): اختاره.
(٧) في (ظ): المسلمين.
[ ٨ / ٤٦٢ ]
حاجتهم، والكفَّارةُ إنَّما هي للمساكين للآية، ولأِنَّ المسكينَ يُدفَعُ إليه ليقيمَ (^١) كِفايَتِه، والمكاتَبُ إنَّما يأخُذُ لِفَكاكِ رَقَبَتِه، وكفايتُه من (^٢) كَسْبِه.
(وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ)؛ لأِنَّ الزَّكاة لا تُدفَع إليهم، فكذا الكفَّارةُ.
وفي دَفْعِها إلى الزَّوج وجْهانِ؛ بناءً على دَفْعِ الزَّكاة إليه.
(وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا)؛ أي: ظاهِرُه الفَقرُ، (فَبَانَ غَنِيًّا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الشَّرح»: وجْهانِ؛ بِناءً على الرِّوايتَينِ في الزَّكاة، وظاهِرُه: أنَّه إذا بان كافِرًا، أوْ عبدًا؛ أنَّه لا يُجزِئُه وَجْهًا واحدًا.
(وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالى أوْجَبَ إطعامَ ستِّينَ مِسْكينًا، ولم يُطعِمْ إلاَّ مسكينًا واحِدًا، (إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ، فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ من (^٣) عدم الوِجْدان لغيره معذورٌ.
(وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) مُطلَقًا، اختاره في «الانتصار»؛ لظاهِرِ الآية، وقال لمَن احتجَّ لعدمٍ (^٤) بزكاةٍ ووصيَّةٍ للفقراء، وخمس (^٥) الخُمُس؛ بأنَّ فيه نَظَرًا، وصحَّحها أيضًا في «عيون المسائل»، وقال: اختارها أبو بكرٍ، واحتجَّ ابنُ شِهابٍ: بأنَّه مال أُضِيفَ إلى عددٍ محصورٍ (^٦)، فلم يَجُزْ صَرْفُه إلى واحدٍ؛ كما لو قال: للهِ عليَّ أنْ أُطْعِمَ ستِّينَ مسكينًا، أوْ وصَّى لهم.
_________________
(١) في (ظ): ليتم.
(٢) قوله: (وكفايته من) في (م): في.
(٣) في (ظ): مع.
(٤) في (م): لمعدوم.
(٥) في (م): أو الخمس.
(٦) في (م): مخصوص.
[ ٨ / ٤٦٣ ]
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ وَإِنْ (^١) وُجِدَ غَيْرُهُ)، اختارها (^٢) ابن بطَّةَ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوفِ قوتَ (^٣) يومِه من هذه الكفَّارة، فجاز أنْ يُعْطَى منها؛ كاليوم الأوَّل.
(وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحَدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ؛ أَجْزَأَهُ) على المذهب؛ لأِنَّه دَفَعَ القدرَ الواجبَ إلى العدد الواجب، فأجزأه (^٤)، كما لو دَفَعَ ذلك إليه في يَومَينِ.
(وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ)؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى قوتَ يوم (^٥) من كفَّارةٍ، فلم يَجُزْ أنْ يُدفَعَ إليه ثانيًا؛ كما لو دَفَعَها إليه (^٦) من كفَّارةٍ واحدةٍ.
فعلى هذا: يُجزِئُه عن إحدى (^٧) الكفَّارتَينِ، ويَرجِعُ في الأخرى إنْ كان أعْلَمَه أنَّها كفَّارةٌ، وإلاَّ فلا.
ويتخرَّجُ: ألاَّ يَرجِعَ بشيءٍ؛ كالزَّكاة.
والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ، فإنَّ اعْتِبارَ عدَّةِ المساكين أَوْلَى من اعتبار عدد الأيَّام.
فإن (^٨) دفع إلى السِّتِّينَ من كفَّارتَينِ؛ فرِوايَتانِ.
(وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ: مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ)، وهو التَّمرُ والزَّبيبُ والبُرُّ والشَّعير ونحوُها، وإخراجُ الحبِّ أفضلُ؛ للخروجِ من الخِلاف، وهي حالةُ
_________________
(١) في (م): إن.
(٢) في (م): اختاره.
(٣) في (م): فوق.
(٤) في (ظ): فأجزأ.
(٥) قوله: (يوم) سقط من (م).
(٦) قوله: (ثانيًا كما لو دفعها إليه) سقط من (م).
(٧) في (م): على أحد.
(٨) في (م): وإن.
[ ٨ / ٤٦٤ ]
كمالِه (^١)؛ لأِنَّه يُدَّخَرُ ويُتهيَّأ لمنافعه كلِّها، بخلافِ غيره.
ونَقَلَ ابنُ هانئ (^٢): التَّمرُ والدَّقيق أحبُّ إليَّ ممَّا سواهما.
وفي «التَّرغيب»: التَّمرُ أعْجَبُ إلى أحمدَ.
فإنْ أخْرَجَ دقيقًا جاز؛ لأِنَّه أجزاء الحبِّ (^٣)، وقد كفَاهم مُؤنتَه، وهيَّأه لهم، بخلاف الهريسة؛ فإنَّها تَفسُدُ عن قُرْبٍ، وفي السَّوِيق الخلافُ السَّابقُ.
(وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ)، المنصوصُ: الإجزاءُ (^٤)، اخْتارَه الخِرَقيُّ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، والمُطْعِمُ للخبز من أوْسَطِ ما يُطعِم أهلَه، ولأِنَّه مُهيَّأٌ للأكل.
والثَّانية: لا، وهو ظاهر «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأِنَّه خَرَجَ عن حال الكمال والادِّخار، أشْبَهَ الهَرِيسَةَ.
قال القاضي وأصحابُه: الأَوْلى الجَوازُ، وفي «المغني»: هو أحسَنُ، وهذا من أوْسَط ما يُطعِمُ أهْلَه، ولَيسَ الاِدِّخارُ مقصودًا في الكفَّارة، فإنَّها مُقدَّرةٌ بما يَقُوتُ المسكينَ في يومه، وهذا مُهيَّأ للأكل المعتاد للاقْتِيات به، وأمَّا الهَريسةُ فإنَّها خَرَجَتْ عن (^٥) الاقتياتِ المعتادِ إلى حَيِّز (^٦) الإدام.
(فَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ كالذُّرَةِ، والأَرُزِّ؛ (أَجْزَأَهُ مِنْهُ)، في قَولِ أبي الخَطَّاب، والمؤلِّفِ وغيرِهما؛ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]) وهذا مِمَّا يُطعِمُه أهلَه، فَوَجَبَ أنْ يُجزِئَه بظاهر النَّصِّ.
_________________
(١) في (م): كمال.
(٢) زيد في (م): في. وينظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ٧٤.
(٣) في (م): لحب.
(٤) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ١٨٩.
(٥) في (م): من.
(٦) في (م): حين.
[ ٨ / ٤٦٥ ]
فإنْ أخْرَجَ عن قُوتِ بلده أجْوَدَ منه؛ فقد زاده (^١) خَيرًا.
واعْتَبَرَ في «الواضح»: غالِبَ قُوتِ بلدِه.
وأوْجَبَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وَسَطَه قَدْرًا ونَوعًا مُطلَقًا، بلا تقديرٍ (^٢).
(وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ)، سَواءٌ كان قُوتَ بلده، أوْ لم يكُنْ؛ لأِنَّ الخَبَرَ وَرَدَ بإخراج هذه الأصنافِ في الفطرة، فلم يَجُزْ غَيرُه؛ كما لو لم يكُنْ قوتَ بلده.
والأول (^٣) أجْوَدُ.
(وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ) أوْ دقيقِه (أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ)، وقاله زَيدٌ (^٤)، وابنُ عبَّاسٍ (^٥)، وابنُ عمرَ (^٦)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، حدَّثنا إسماعيلُ، وحدَّثنا أيُّوبُ عن ابنِ يزيدَ المدني (^٧)، قال: جاءتِ امرأةٌ من بَنِي بَياضَةَ بنصفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أطْعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكانَ مُدِّ
_________________
(١) في (م): زاد.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٥٢، الفروع ٩/ ٢٠١.
(٣) في (م): والولد.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٢٠٦)، والدارقطني (٤٣٣٦)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٧٢)، من طريق أبي سلمة، عن زيد بن ثابت ﵁، قال: «مد من حنطة لكل مسكين»، وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٦٠٧٢)، وابن أبي شيبة (١٢٢٠٥)، والدارقطني (٤٣٣٥) والبيهقي في الكبرى (١٩٩٧٤)، من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في كفارة اليمين: «لكل مسكين مد من حنطة ريعه إدامه»، وإسناده صحيح.
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٤٧٩)، وعبد الرزاق (١٦٠٧٣)، وابن أبي شيبة (١٢٢٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٧٣)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة»، وأخرجه الدارقطني (٤٣٣٤)، بلفظ: «كفارة اليمين مد حنطة لكل مسكين»، وإسناده صحيح.
(٧) في (م): المري.
[ ٨ / ٤٦٦ ]
بُرٍّ» (^١)، وعلى هذا يُحمَلُ ما رُوِيَ عن أبي سَلَمَةَ عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعْطاهُ مِكْتَلًا فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «أطْعِمْ ستِّينَ مِسْكينًا، وذلك لِكُلِّ مسكينٍ مُدٌّ» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وهو للتِّرْمذِيِّ بمَعْناهُ (^٢).
(وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ)؛ لقوله ﵇: «فإنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ»، وهو مَرسَلٌ جيِّدٌ، ولأِبي داودَ عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن قال: (يَعْنِي بالعَرَقِ (^٣): زِنْبِيلًا يأخُذ خمسةَ عَشَرَ صاعًا) (^٤)،
_________________
(١) لم نقف عليه في كتب أحمد المطبوعة، وذكره في المغني (٨/ ٣١)، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٥٠٥)، من طريق أيوب، عن أبي يزيد المدني به، وعلقه البيهقي في الكبرى (٧/ ٦٤٤)، وضعفه الألباني بالإرسال؛ لأن أبا يزيد تابعي. ينظر: الإرواء ٧/ ١٨١، التكميل لصالح آل الشيخ ص ١٤٧.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٣٣٠)، والدارقطني (٣٨٥٤)، والبيهقي في المعرفة (١٤٩٩٢)، من طريق شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن سلمان بن صخر باللفظ الذي ذكره المصنف، لكن طريق الدارقطني ليس فيه ذكر أبي سلمة، وإسناده رجاله ثقات، وأخرجه التِّرمذي (١٢٠٠)، من طريق أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن سلمان بن صخر، فذكره، وليس فيه: «وذلك لكل مسكينًا مد»، وحسنه التِّرمذي، وقال: (يقال: سلمان بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر البياضي)، وقد سبق تخريجه موسعًا ٨/ ٤٢٤ حاشية (٢).
(٣) في (م): الفرق.
(٤) هذه الرواية في حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة ﵂، وقد سبق تخريجه ٨/ ٤١٠ حاشية (١)، وأخرج أبو داود (٢٢١٦)، والتِّرمذي (١٢٠٠)، هذه الرواية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفيه: قال: يعني بالعرق: زنبيلًا يأخذ خمسة عشر صاعًا، وعند التِّرمذي: «أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا إطعام ستين مسكينًا»، وحسنه التِّرمذي وقد سبق قريبًا، وأخرج أبو داود قبله (٢٢١٥)، من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد نحوه إلا أنه قال: «والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعًا»، قال أبو داود: (وهذا أصح من حديث يحيى بن آدم)، ورواية يحيى بن آدم التي ضعفها أبو داود، أخرجها برقم (٢٢١٤)، وفيها: «والعرق ستون صاعًا»، وهذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة، قال ابن القطان: (مجهول الحال)، وقال الذهبي: (لا يعرف)، ووثقه ابن حبان. ينظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٦، نيل الأوطار ٦/ ٣١٢.
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وإذَن العرقان (^١) ثلاثون صاعًا، فيكون لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، ولأِبي داودَ في روايةٍ: «العَرَق (^٢) مِكْتَلٌ يَسَعُ ثلاثينَ صاعًا»، وقال: هذا أصحُّ (^٣).
وعنه: مدٌّ من كلِّ واحدٍ؛ لحديثِ عَطاءٍ عن (^٤) أوسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاهُ خمسةَ عَشَرَ صاعًا من شَعيرٍ إطْعامُ ستِّينَ مسكينًا» رواه أبو داودَ، وقال: عَطاءٌ لم يُدرِكْ أَوْسًا (^٥)، وروى (^٦) الأثرمُ عن أبي هريرةَ في حديثِ المُجامِعِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى بعَرَق (^٧) فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «خُذْهُ وتصدَّقْ به» (^٨)، ولأِنَّه إطْعامٌ واجِبٌ، فلم يَختَلِفْ باخْتِلافِ أنْواعِ المخرَج؛ كالفِطْرة.
وجَوابُه: بأنَّه يَحتَمِلُ أنَّه لم يَجِدْ سِواهُ، ولذلك لَمَّا أخْبَرَه بحاجته إليه أمَرَه بأكْلِه، وفي المتَّفَق عليه قريبٌ من نحو (^٩) عشرينَ صاعًا، ولَيسَ ذلك مذهَبًا لأِحَدٍ.
_________________
(١) في (م): الفرقان.
(٢) في (م): الفرق.
(٣) سبق ٨/ ٤٦٧ حاشية (٥).
(٤) في (م): ابن.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٢١٨)، والبيهقي في الكبرى (١٥٢٨٦)، وأعله أبو داود بالانقطاع فقال: (وعطاء لم يدرك أوسًا، وهو من أهل بدر، قديم الموت، والحديث مرسل، وإنما رووه عن الأوزاعي، عن عطاء، أن أوسًا)، وكذا ضعفه الإشبيلي والألباني، لكن قوّاه برواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفيها: «خمسة عشر صاعًا» وقد سبق ذكرها، ويقويه أيضًا ما في حديث المجامع في نهار رمضان: «بعرق فيه تمر خمسة عشر صاعًا»، وهذا اللفظ عند أحمد (٦٩٤٤)، وأخرجه أبو داود (٢٣٩٣)، وابن حبان (٣٥٢٦)، والدارقطني (٢٣٠٣)، وصححه ابن حبان والدارقطني، وهو في الصحيحين لكن ليس فيه تعيين المقدار، بل فيه ذكر العرق والمكتل. ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦٤٤، الأحكام الوسطى ٣/ ٢٠٥، الفتح ٤/ ١٦٩، صحيح أبي داود ٦/ ٤٢١.
(٦) في (م): روى.
(٧) في (م): بفرق.
(٨) سبق تخريجه في الذي قبله.
(٩) قوله: (نحو) سقط من (م).
[ ٨ / ٤٦٨ ]
(وَلَا مِنَ الْخُبْزِ) - إذا قُلْنا بإجزائه - (أَقَلُّ مِنْ رَطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ)؛ أي: مع عدم العلم بأنَّه مُدٌّ؛ لأِنَّ الغالَبَ أنَّ ذلك لا يبلُغُ مُدًّا؛ لأِنَّه ثلاثةُ أسْباعِ الدِّمَشْقِيِّ، وهو به خمسُ أواقٍ وسُبُعُ أُوقِيَّةٍ، فإنْ كان من الشَّعير؛ فلا يُجزِئُ إلاَّ ضِعْفٌ، (إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ) من الحِنطة؛ فيُجزِئُ؛ لأِنَّه الواجِبُ.
وظاهِرُ ما سَبَقَ: أنَّه لا يَجِبُ الأُدْمُ، بل هو مُستَحَبٌّ، نَصَّ عليه (^١).
وعنه: بلى، وذَكَر قولَ ابنِ عبَّاسٍ: «بأُدْمِه» (^٢).
وذَكَرَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين روايةً، وأنَّه (^٣) لا يَجِبُ التَّمليكُ في قياس المذهب؛ كزَوْجةٍ، وأنَّ (^٤) الأُدْمَ يَجِبُ إذا كان يُطعِمُه أهْلَه (^٥).
(وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ)؛ لم يُجزِئْه، نَقَلَها الميمونيُّ والأثرمُ (^٦)، وهو قَولُ الأكثر، منهم عمرُ (^٧)، وابنُ عبَّاسٍ (^٨)؛ لأِنَّ الواجِبَ هو الإطعامُ، وإعطاءُ (^٩) القيمة ليس بإطْعامٍ، فهو باقٍ في عُهْدةِ الواجب.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٩/ ١٩٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٦٠٧٢)، وابن أبي شيبة (١٢٢٠٥)، والدارقطني (٤٣٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٧٤)، عن ابن عباس، قال في كفارة اليمين: «مدٌّ من حنطة لكل مسكين، رُبعه إدامه»، إسناده صحيح.
(٣) في (م): ولأنه.
(٤) في (م): أن.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٣٤/ ٨٨، الاختيارات ص ٣٩٦.
(٦) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ١٩٢.
(٧) لعل مراده ما أخرجه عبد الرزاق (١٦٠٧٥)، وابن أبي شيبة (١٢١٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٧٨)، من طريق شقيق، عن يسار بن نمير، قال: قال لي عمر ﵁: «إني أحلف أنْ لا أعطي رجالًا، ثم يبدو لي، فأعطيهم، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو نصف صاع من قمح»، وإسناده صحيح.
(٨) لعل مراده ما سبق تخريجه في حاشية (٢) عن ابن عباس ﵄.
(٩) في (م): وإعطاؤه.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
(أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) مُطْلَقًا في ظاهر المذهب؛ لأِنَّ المنقولَ عن الصَّحابة إعْطاؤهم، ولحديث كعبٍ في فِدْيةِ الأذى (^١)، ولأِنَّه مالٌ وَجَبَ للفقراء شرعًا، أشْبَهَ الزَّكاةَ.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ (^٢)، أمَّا أوَّلًا؛ فلأِنَّ المقصودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكين، وهو يَحصُلُ بدَفْع القيمة، وأمَّا ثانيًا؛ فالإجْزاءُ مَشْروطٌ بإذا (^٣) أطْعَمَهم القَدْرَ الواجِبَ لهم.
ولم يَقُل الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بالواجب (^٤)، وهو ظاهِرُ نقْلِ أبي داودَ وغَيرِه، فإنَّه قال: أشْبِعْهم، قال: ما أُطْعِمُهم؛ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إنْ قَدَرْتَ، أوْ مِنْ أوْسَطِ طعامِكم (^٥)، وأَطْعَمَ أنسٌ في فِدْيةِ الصيام (^٦)، قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كثيرًا (^٧).
فعلى المذهب: لو قدَّمَ إليهم مُدًّا، وقال (^٨): هذا بَينَكم فقَبِلوه، فإنْ قال
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١)، من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٢) في (م): يجزئ.
(٣) في (م): فإذا.
(٤) ينظر: الفروع ٩/ ٢٠٠.
(٥) ينظر: مسائل أبي داود ص ١٣٥.
(٦) في (م): الطعام. أثر أنس ﵁: علقه البخاري بصيغة الجزم (٦/ ٢٥)، ووصله ابن أبي شيبة (١٢٢١٧)، عن ابن سيرين: «أن أنسًا ﵁ مرض قبل أن يموت، فلم يستطع أن يصوم، فكان يجمع ثلاثين مسكينًا، فيطعمهم خبزًا ولحمًا أكلة واحدة». وأخرج عبد بن حميد كما في فتح الباري (٨/ ١٨٠)، عن النضر بن أنس، عن أنس ﵁: «أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر فأطعم مسكينا كل يوم»، وأخرجه أبو المعالي الفراوي كما في جزئه السباعيات (ص ١١٤)، وذكره في الفتح أيضًا، عن حميد عن أنس نحوه.
(٧) ينظر: المغني ٨/ ٣٢.
(٨) في (م): فقال.
[ ٨ / ٤٧٠ ]
بالسَّوية (^١)؛ أجْزَأَ، وإلاَّ فَوَجْهانِ.
وقال القاضِي: إنْ عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كلِّ واحد (^٢) قَدْرُ حقِّه؛ أجْزَأَ، وإلاَّ فلا.
_________________
(١) في (م): بالتسوية.
(٢) قوله: (واحد) سقط من (م).
[ ٨ / ٤٧١ ]