(وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ):
(أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، وعن عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عليها وعِندها رجلٌ قاعِدٌ، فَسَأَلَها عنه، فقالَتْ: هو أخِي من الرَّضاعة، فقال: «انظُرْنَ مَنْ إخْوانُكنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعة» مُتَّفقٌ عليه (^٢)، وعن أمِّ سلَمَةَ مرفوعًا: «لا يحرم من (^٣) الرّضاع إلاَّ ما فَتَقَ الأمْعاءَ، وكان قَبْلَ الفِطامِ» رواه التِّرمذي وصحَّحه (^٤)، ورواه (^٥) الدَّارَقُطْنيُّ والبَيهَقيُّ عن عمرَ (^٦)، ورواهُ سعيدٌ عن هُشَيمٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الله، ورواه سعيدٌ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ والبَيهَقيُّ عن ابن عبَّاسٍ،
_________________
(١) في (م): العادتين.
(٢) أخرجه البخاري (٥١٠٢)، ومسلم (١٤٥٥).
(٣) قوله: (من) سقط من (ظ).
(٤) أخرجه التِّرمذي (١١٥٢)، والنسائي في الكبرى (٥٤٤١)، وابن حبان (٤٢٢٤)، من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة ﵂، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وأن فاطمة لم تسمع من أم سلمة شيئًا، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الدارقطني وقفه، وصححه التِّرمذي وابن حبان والألباني. ينظر: علل الدارقطني ١٥/ ٢٥٥، البدر المنير ٨/ ٢٧٣، الإرواء ٧/ ٢٢١.
(٥) قوله: (ورواه) سقط من (م).
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٦)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٥٦٥٩)، عن عبد الله بن دينار، أنه قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ﵄، وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير؟ فقال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني كانت لي وليدة، وكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك، فقد والله أرضعتها، فقال عمر: «أوجعها، وائت جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير»، وإسناده صحيح.
[ ٨ / ٦٣٨ ]
قال البَيهَقِيُّ: هذا هو الصَّحيحُ أنَّه مَوقُوفٌ، ورواهُ ابنُ عَدِيٍّ وغَيرُه من حديثِ الهَيثَمِ بنِ جَمِيلٍ، عن ابن (^١) عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا يُحرِّمُ من الرَّضاع إلاَّ ما كان في الحَولَينِ»، والهَيثَمُ ثِقَةٌ حافِظٌ، وثَّقه أحمدُ، وإبراهيمُ الحَرْبِيُّ، والعِجْلِيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وغَيرُهم (^٢).
(فَلَوِ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ (^٣)؛ لَمْ يَثْبُتْ)؛ لأِنَّ شرْطَ ثُبوتِه كَونُه في الحَولَينِ، ولم يُوجَدْ، وقيَّده أبو الخَطَّاب بَعدَهما بساعةٍ.
وقال القاضي: لو شَرَعَ في الخامسة، فحالَ الحَولُ قبلَ كمالها؛ لم يَثْبُت التَّحريمُ.
_________________
(١) في (م): أبي.
(٢) حديث ابن مسعود ﵁ روي عنه مرفوعًا وموقوفًا: أخرجه أحمد (٤١١٤)، وأبو داود (٢٠٦٠)، والدارقطني (٤٣٦١)، من طريق سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، ولفظه: «لا يحرم من الرضاع، إلا ما أنبت اللحم، وأنشز العظم»، وإسناده ضعيف الهلالي وأبوه مجهولان، وأخرجه أبو داود (٢٠٥٩)، بسند صحيح موقوفًا، وأخرجه سعيد بن منصور (٩٧٤)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٥٦٦٥)، من طريق مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله ﵁ موقوفًا، وإبراهيم لم يسمع ابن مسعود لكنه في حكم المتصل، كما نص على ذلك بعض الأئمة، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٨٩٥)، وابن أبي شيبة (١٧٠٢٩) من طرق أخرى صحيحة. وحديث ابن عباس ﵄ روي مرفوعًا وموقوفًا أيضًا: أخرجه ابن عدي (٨/ ٣٩٩)، والدارقطني (٤٣٦٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٦٩)، من طريق الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وأعله ابن عدي والدارقطني والبيهقي بالوقف، تفرد برفعه الهيثم بن جميل، وثقه جماعة، وقال ابن عدي: (ليس بالحافظ، يغلط على الثقات)، وخالفه جماعة من الثقات فوقفوه على ابن عباس ﵄، أخرجه عبد الرزاق (١٣٩٠٣)، والبيهقي (١٥٦٦٨)، وصحح إسناد المرفوع ابن القيم، وقال العراقي: (إسناده جيد). ينظر: زاد المعاد ٥/ ٤٩٣، طرح التثريب ٧/ ١٣٢، التلخيص الحبير ٤/ ٨، صحيح أبي داود ٦/ ٢٩٩.
(٣) في (م): للحظة.
[ ٨ / ٦٣٩ ]
وجوابه: أنَّ ما وُجِدَ من الرَّضْعة في الحَولَينِ كافٍ (^١) في التَّحريم، بدليلِ ما لو انْفَصَل مِمَّا بعدَه.
واغتفر (^٢) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ما لو رَضَعَ قبلَ الفِطام، قال: أوْ كبيرٌ لحاجةٍ (^٣)، نحو: جعله مَحْرمًا؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ: أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهيل (^٤) بن عمرو جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله إنَّ سالِمًا مَولَى أبي حُذَيفةَ مَعَنَا في بَيتِنا، وقد بَلَغَ ما تَبلُغُ الرِّجالُ، وعَلِمَ ما تَعلَمُ الرِّجالُ، فقال: «أرْضِعِيهِ تَحرُمِي عليه» رواه مسلِمٌ (^٥).
وجَوابُه: بأنَّه (^٦) خاصٌّ به دُونَ سائرِ النَّاس؛ جَمْعًا بَينَ الأدِلَّةِ.
وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّ الاِعْتِبارَ بالحَولَينِ، فلو فُطِمَ قبلَهما، ثُمَّ ارْتَضَعَ فيهما حَصَلَ التَّحريمُ، ولو لم يُفطَمْ حتَّى جاوَزَهما، ثُمَّ ارْتَضَعَ قَبْلَ الفِطام؛ لم يَثبُتْ.
(الثَّانِي: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو الصَّحيحُ، وهو قَولُ عائشةَ (^٧)، وابنِ مسعودٍ (^٨)، وابنِ الزُّبَير (^٩)، وغَيرِهم؛ لِمَا رَوَتْ
_________________
(١) في (م): كان.
(٢) في (م): واعتبر.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ٣٤/ ٦٠، الاختيارات ص ٤٠٨.
(٤) في (م): سهل.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٥٣).
(٦) في (م): أنه.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١٢)، والدارقطني (٤٣٩٣)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٣٢)، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «لا يحرم دون خمس رضعات معلومات»، إسناده صحيح، صححه ابن حجر، وسقط من إسناده عند عبد الرزاق ذكر عروة وهو في بقية المصادر.
(٨) لم نقف عليه بهذا المعنى، والمروي عنه خلافه كما سيأتي عن علي ﵁. ينظر: مختصر الخلافيات ٤/ ٣٠٦، الفتح ٩/ ١٤٧.
(٩) لعل مراده ما أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١٩)، وسعيد بن منصور (١٣٩١٩)، والدارقطني (٤٣٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٤٢)، عن عمرو بن دينار، أنه سمع ابن عمر ﵂ سأله رجل، أتحرم رضعة أو رضعتان؟ فقال: «ما نعلم الأخت من الرضاعة إلا حرامًا»، فقال رجل: إن أمير المؤمنين - يريد ابن الزبير - يزعم أنه لا تحرم رضعة ولا رضعتان. فقال ابن عمر: «قضاء الله خير من قضائك وقضاء أمير المؤمنين»، وإسناده صحيح، وصححه البيهقي.
[ ٨ / ٦٤٠ ]
عائشةُ قالَتْ: «كان فِيما نَزَلَ من القُرْآن: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ يُحرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهي فِيما يُقرَأُ من القرآن (^١)» رواه مسلمٌ، ورواهُ مالِكٌ عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلةَ بنتِ سهيل (^٢): «أرْضِعِي سالِمًا خمسَ رَضَعاتٍ» (^٣).
(وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ)، وبه قال أبو عُبَيدٍ، وأبو ثَورٍ؛ لقَولِه ﷺ: «لا تُحرِّمُ المَصَّةُ، ولا المَصَّتانِ» (^٤)، وفي لفظ: «لا تُحرِّمُ الإمْلاجَةُ، ولا الإمْلاجَتانِ» رواهما مُسلِمٌ (^٥)، ولأِنَّ ما (^٦) يُعتبَرُ فيه العددُ يعتبر (^٧) فيه الثَّلاثُ؛ كالعادة في الحَيض.
(وَعَنْهُ: وَاحِدَةٌ)، وهي قَولُ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ (^٨)، وقالَهُ أكثرُ العلماء، وزَعَمَ اللَّيثُ: أنَّهم أجْمَعُوا على ذلك، كما يُفْطِرُ به الصَّائمُ، وعُمومُ الكتاب
_________________
(١) قوله: (عشر رضعات معلومات يحرمن …) إلى هنا سقط من (م).
(٢) في (م): سهل.
(٣) أخرجه مسلم (١٤٥٢)، والرواية الأخرى أخرجها مالك (٢/ ٦٠٥)، ومن طريقه الشافعي كما في المسند (ص ٣٠٧)، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٧)، وأحمد (٢٥٦٥٠)، وابن حبان (٤٢١٥)، وسنده صحيح. ينظر: التمهيد لابن عبد البر ٨/ ٢٦٣.
(٤) أخرجه مسلم (١٤٥٠)، من حديث عائشة ﵂.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٥١)، من حديث أم الفضل ﵂.
(٦) في (ظ): ما لا.
(٧) في (م): ويعتبر.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩٢٤)، عن ليث، عن مجاهد، عن علي وابن مسعود ﵄، قالا في الرضاع: «يحرم قليله وكثيره»، وليث بن أبي سليم ضعيف، ومجاهد لم يسمع منهما. وأخرجه الطبراني في الكبير (٩٦٩٩)، من طريق قتادة، عن النخعي عنهما نحوه.
[ ٨ / ٦٤١ ]
والسُّنَّة تَشهَدُ لذلك، ولأِنَّه فِعْلٌ يَتعلَّقُ به التَّحريمُ المؤبَّدُ، فلم يُعتبَرْ تَعدادُ الرَّضَعات؛ كتحريمِ أمَّهات النِّساء.
وعن حَفْصةَ: عَشْرٌ، رواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ (^١)، ورواهُ أيضًا عن عائشةَ (^٢) وابنِ عبَّاسٍ (^٣)، ورجالُه ثِقاتٌ.
والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ عليه (^٤)، بخِلافِ غَيرِه، فإنَّه ثابِتٌ بالعُموم أوْ بالمفْهومِ، والصَّريحُ راجِحٌ عليهما، والمطلَقُ من كلامِ الله تعالى مقيَّدٌ بسنَّةِ نبيه ﷺ، وقال ابنُ المنذِر: لم يَقِفِ اللَّيثُ على الخلاف في هذه المسألةِ (^٥).
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٣)، وعنه الشافعي كما في المسند (ص ٢٢١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٤٠)، عن نافع، أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته، أن حفصة أم المؤمنين ﵂: «أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد، إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها، وهو صغير يرضع، ففعلت فكان يدخل عليها»، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٣)، وعنه الشافعي كما في المسند (ص ٢٢١)، والبيهقي في الكبرى (١٥٦٣٨)، عن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر، أخبره أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به، وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، فقالت: «أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي»، إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٦٤٦)، من طريق وهيب، أخبرنا إبراهيم بن عقبة، أنه سأل عروة بن الزبير عن المصة والمصتين قال: «كانت عائشة ﵂ لا تحرم المصة ولا المصتين ولا تحرم إلا عشرًا فصاعدًا»، قال: فأتيت سعيد بن المسيب فسألته عن الرضعة والرضعتين فقال: أما إني لا أقول فيها كما قال ابن الزبير وابن عباس ﵃، قال: قلت: كيف كانا يقولان؟ قال: كانا يقولان: «لا تحرم المصة ولا المصتان ولا تحرم دون عشر رضعات فصاعدًا»، رجاله ثقات، وأخرجه سعيد بن منصور (٩٦٨)، عن الدراوردي، عن إبراهيم بن عقبة نحوه، وفيه: كانا يقولان: «لا تحرم المصة والمصتان»، وليس فيه قوله: «ولا تحرم دون عشر رضعات فصاعدًا»، قال البيهقي: (ورواية غيره عن ابن عباس في مذهبه أصح)، فقد روي عن ابن عباس ﵄ وأنه يحرم في القليل والكثير من الرضاع، أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٦٤٥)، وأخرج ابن أبي شيبة (١٧٠٣٧)، نحوه من وجه آخر.
(٤) قوله: (عليه) سقط من (م).
(٥) لم نقف عليه في كتب ابن المنذر المطبوعة، وهو من قول ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٢٤٩.
[ ٨ / ٦٤٢ ]
(وَمَتَى أَخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ ثُمَّ تَرَكَهُ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ؛ فَهِيَ رَضْعَةٌ)، كذا قاله (^١) أبو بكرٍ في حَدِّ الرَّضْعة، وقدَّمه في «الفروع» وغيره؛ لأِنَّ المَرجِعَ فيها إلى العُرف؛ لأِنَّ الشَّرعَ ورَدَ بها مُطلَقًا، ولم يحدها (^٢) بزمنٍ ولا مِقْدارٍ، فدلَّ على أنَّه ردَّهم إلى العُرْف، فإذا ارْتَضَعَ ثُمَّ قَطَعَ باخْتِياره، أوْ قُطِعَ عليه؛ فهي رَضْعةٌ.
(فَمَتَى (^٣) عَادَ؛ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى)؛ لأِنَّ العَودَ ارْتِضاعٌ، فكان رَضْعةً أخرى؛ كالأُولَى، (بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ قَرُبَ)، إذ العِبْرةُ بتَعْدادِ الرَّضَعات، وذلك مَوجودٌ فيهما، ولأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بالرَّضْعة، ولم يَحُدَّها بزمانٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ القريبُ كالبعيد.
(وَسوَاَءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا، أَوْ لِأَمْرٍ يُلْهِيهِ)؛ لأِنَّ الفَصلَ مَوجُودٌ في الكلِّ، (أَوْ لاِنْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيْرِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا)، اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو ظاهِرُ كلامِه في روايةِ حنبلٍ (^٤)، فإنَّه قال: أمَا تَرَى الصَّبيَّ يَرضَعُ من الثَّدْي، فإذا أدْرَكَه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ ويَسْتَرِيحَ، فإذا فَعَلَ ذلك فهِيَ رَضْعةٌ، ولأِنَّ اليسيرَ من السَّعوط والوَجُور رَضْعةٌ، فكذا هُنَا.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٌ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ؛ فَهُمَا رَضْعَةٌ)؛ لأِنَّ القَطْعَ لا يُنسَبُ إليه، فلا (^٥) يُحتَسَبُ عليه، (إِلاَّ أَنْ يَطُولَ (^٦) الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا)، فيكونان رضْعَتَينِ؛ لأِنَّ جَعْلَهما رَضْعةً يُلْغِي (^٧) الزَّمانَ مع طُوله، أو انتقاله (^٨) من امرأةٍ
_________________
(١) في (م): قال.
(٢) في (م): ولم يجدها.
(٣) في (م): ومتى.
(٤) ينظر: الشرح الكبير ٢٤/ ٢٣٥.
(٥) في (م): ولا.
(٦) في (م): يكون.
(٧) في (م): يكفي.
(٨) في (م): وانتقاله.
[ ٨ / ٦٤٣ ]
إلى غَيرِها؛ لأِنَّ الآكِلَ لو قَطَعَ الأكلَ للشُّرْب أوْ عارِضٍ وعاد (^١) في الحال؛ كان أَكْلةً واحدةً، فكذا الرَّضاعُ.
والأوَّلُ أَوْلَى.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: حَدُّ الرَّضْعة أنْ يمصَّ (^٢)، ثُمَّ يُمْسِكَ عن الاِمْتِصاص لِتَنفُّسٍ أوْ غَيرِه، سَواءٌ أخرج (^٣) الثَّدْيَ من (^٤) فِيهِ أوْ لم يُخرِجْ؛ لقوله ﵇: «لا تُحرِّمُ المَصَّةُ، ولا المَصَّتانِ» (^٥)، يَدُلُّ على أنَّ لكلِّ مَصَّةٍ أثَرًا، ولأِنَّ القليلَ من الوَجور والسَّعوط رَضْعةٌ، فالاِمْتِصاصُ أَوْلَى.
(وَالسَّعُوطُ)، هو (^٦) أنْ يُصَبَّ في (^٧) أنفه اللَّبَنُ مِنْ إناءٍ أوْ غَيرِه فيَدخُلَ حَلْقَه، (وَالْوَجُورُ) هو أنْ يَصُبَّه في حلْقِه من غَيرِ الثَّدْي، قاله (^٨) في «الشَّرح»؛ (كَالرَّضَاعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي الأَصَحُّ وِفاقًا (^٩)، لِمَا رَوَى ابنُ مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا رَضَاعَ إلاَّ ما أنشر (^١٠) العَظْمَ، وأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رواه أبو داود وغَيرُه (^١١)، ولأِنَّ هذا يَصِلُ إليه اللَّبَنُ، كما يَصِلُ بالاِرْتِضاع.
_________________
(١) في (م): عاد.
(٢) في (م): يمضي.
(٣) في (ظ): خرج.
(٤) قوله: (من) سقط من (م).
(٥) أخرجه مسلم (١٤٥٠)، من حديث عائشة ﵂.
(٦) في (م): وهو.
(٧) في (م): من.
(٨) في (م): قال.
(٩) ينظر: المبسوط ٥/ ١٣٤، المدونة ٢/ ٢٩٥، الأم ٥/ ٢٩، الشرح الكبير ٢٤/ ٢٣٦.
(١٠) في (م): نشر. قال الخطابي في معالم السنن ٣/ ١٨٦: ("أنشر العظم" معناه: ما شد العظم وقواه، والإنشار بمعنى الإحياء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾، ويروى: "أنشز العظم" بالزاي معجمة).
(١١) سبق تخريجه ٨/ ٦٣٩ حاشية (٢).
[ ٨ / ٦٤٤ ]
والثَّانيةُ: لا يُحرِّمُ، اخْتارَها أبو بكرٍ، وقالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ في السَّعوط؛ لأِنَّ هذا لَيسَ برضاعٍ، أشْبَهَ ما لو حَصَلَ مِنْ جُرْحٍ في بَدَنِه.
وعلى الأولى (^١): إنَّما يُحرِّمُ مِنْ ذلك ما يُحرِّمُ بالرّضاع، وهو خَمْسٌ على الأَشْهَرُ، فإنَّه فَرعٌ على الرَّضاع، فيَأخُذُ حُكْمَه.
والاِعْتِبارُ بشُرْبِ الطِّفْلِ له، فأمَّا إنْ سَقاهُ جُرْعةً بَعْدَ أخْرَى مُتَتابِعةً؛ فرَضْعةٌ في ظاهِرِ قَولِ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ المعتَبَرَ في الرَّضعة العُرْفُ، وهم لا يَعُدُّونَ هذا رَضَعاتٍ.
ويَحتَمِلُ أنْ يُخرَّجَ على (^٢) ما إذا قَطَعَتْ عليه الرَّضاعَ.
(وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ)، وهو كلَبَنِ الحيَّة، نَصَّ عليه (^٣)، اخْتارَه أبو بكرٍ، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه يُنبِتُ اللَّحْمَ، ونَجاسَتُه لا تُؤثِّرُ؛ كما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ، وكما لو حُلِبَ منها في حياتها فشَرِبَه بَعْدَ مَوتِها.
وقال الخَلاَّلُ: لا ينشر (^٤) الحُرْمةَ، وتوقَّفَ عنه أحمدُ في روايةِ مُهَنَّى (^٥)؛ لأِنَّه لَبَنٌ لَيسَ بمَحَلٍّ للوِلادة، أشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُل.
(وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ) بغَيرِه، سواءٌ اخْتَلَطَ بشرابٍ أوْ غَيرِه، (ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، واخْتارَه القاضِي، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ (^٦) ما تعلَّقَ الحُكْمُ به لم يُفرَّقْ فيه بَينَ الخالِص والمَشُوبِ؛ كالنَّجاسة في الماء، والنَّجاسة الخالِصةِ.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا)، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ؛ لأِنَّ
_________________
(١) في (م): الأول.
(٢) قوله: (على) سقط من (م).
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٣٧.
(٤) في (م): لا تنشر.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٣٧.
(٦) في (م): لأنه.
[ ٨ / ٦٤٥ ]
المَشُوبَ لَيسَ بلَبَنٍ خالِصٍ، فلم يُحرِّمْ كالماء.
(وَقَالَ (^١) ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ؛ حَرَّمَ)، وذَكَرَه في «عُيونِ المسائلِ» الصَّحيح من المذْهَب؛ لأِنَّ الحُكمَ للأغْلَبِ في كثيرٍ من الصُّوَر، فكذا هُنَا، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يَغلِبِ اللَّبَنُ لم يُحرِّمْ؛ لأِنَّه يَزُولُ بذلك الاِسْمُ والمعنى المرادُ.
وهذا كله إذا كانت صفاتُ اللَّبَنِ باقيةً، ذَكَرَه في «المغْنِي» و«الشَّرح»، فلو صبَّه في ماءٍ كثيرٍ لم يَتغيَّرْ به؛ لم يَثبُت التَّحريمُ؛ لأِنَّ هذا لَيسَ بمُشوبٍ، ولا يَحصُلُ به التَّغذِّي، ولا إنبات (^٢) اللَّحْم، ولا إنْشار العَظْم.
وقال القاضي: يُحرِّمُ؛ لأِنَّ أجزاءَ اللَّبن (^٣) حَصل في بطنِه، أشْبَهَ ما لو كان ظاهِرًا.
وجَوابُه: أنَّ هذا لَيسَ برَضاعٍ ولا هو في مَعْناهُ.
فرعٌ: إذا عُمِلَ اللَّبنُ جُبْنًا؛ حرَّمَ في الأصحِّ؛ لأِنَّه واصِلٌ من الحَلْق يَحصُلُ به إنْباتُ اللَّحْم.
وعنه: لا؛ لِزوالِ الاِسْم، وإذا قُلْنا: الوجُورُ لا يُحرِّمُ؛ فهذا أَوْلَى.
(وَالحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ (^٤)، وقدَّمه في «المستوعب» و«الرِّعاية»، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ هذا لَيسَ برَضاعٍ، ولا يَحصُلُ به التَّغذِّي، فلَمْ يَنشُرِ الحُرْمةَ؛ كما لو قَطَرَ في إحْليلِه، وكما لو وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ.
(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ)، وابْنُ أبي مُوسَى: (يَنْشُرُهَا)؛ لأِنَّه سبيلٌ يَحصُلُ
_________________
(١) في (م): قال.
(٢) في (م): ولا نبات.
(٣) في (م): للبن.
(٤) ينظر: المغني ٨/ ١٧٤.
[ ٨ / ٦٤٦ ]
بالواصل (^١) منه الفِطْرُ، فيتعلَّقُ به التَّحريمُ؛ كالرَّضاعِ.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ إذِ الفَرْقُ بَينَ الفِطر والرَّضاع ثابِتٌ مِنْ حَيثُ إنَّ الرَّضاعَ يُعتبَرُ فيه إنْشار العَظْم، وإنبات (^٢) اللَّحْم، وهو مَفْقودٌ في الحقنة (^٣) مَوجُودٌ في الرّضاع.
وهذا كلُّه لبنُ أنثى تمَّ لها تِسْعُ سِنينَ، وإنْ ثابَ بعدَها فقد حاضَتْ وبَلَغَتْ، وإنْ ثابَ بِدونِ حَمْلٍ وَوَطْءٍ، وقُلْنا يَنشُرُ الحُرْمَةَ؛ صار المرتَضِعُ ابنًا لها (^٤).
وإنْ شَكَّتِ المرْضِعةُ في الرَّضاع أوْ كَمالِه في الحَولَينِ، ولا بَيِّنةَ؛ فلا تحريمَ.
فرعٌ: إذا حَلَبَ مِنْ نِسْوةٍ وسَقَى طِفْلًا؛ فهو كما لو رَضَعَ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ.
_________________
(١) في (م): بالوصال.
(٢) في (م): أو إنبات.
(٣) في (م): بالحقنة.
(٤) في (م): لهما.
[ ٨ / ٦٤٧ ]