(وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوةِ)، أوْ بِبَعْضِها؛ (خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ) على الأصحِّ، وهو قَولُ عمرَ، وعليٍّ، وأبي هُرَيرةَ (^١)، واخْتَارَه الأكثرُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولَيسَ الإمْساكُ مع تَرْكِ الإنْفاق إمْساكًا بمعروفٍ، فتعيَّنَ التَّسريحُ، وقال النَّبيُّ ﷺ: «امْرأَتُك تَقُولُ: أطْعِمْنِي وإلاَّ فَارِقْنِي» رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيهَقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، ورَواهُ الشَّيخانِ مِنْ قَولِ أبي هُرَيرةَ (^٢)، ورَوَى الشَّافعيُّ وسعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن أبي الزِّناد، قال: سألتُ سَعِيدَ بنَ المسيِّب عن الرَّجُل لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته، قال: «يُفرَّقُ بَينَهما»، قال (^٣) أبو الزِّناد لسعيدٍ: سنَّةٌ؟ قال سعيدٌ: «سنة» (^٤)، ولأِنَّ هذا أَوْلَى بالفَسْخ من العجز بالوطء.
وهو على التَّراخِي أو الفَور؛ كخِيارِ العَيب.
_________________
(١) قول عمر ﵁ سبق تخريجه ٨/ ٦٩٥ حاشية (٦)، ولم نقف على قول علي ﵁، وسيأتي قول أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٧٤٢٩)، والبزار (٩٠٢٠)، والطبراني في الأوسط (٩٢٥١)، والدارقطني (٣٧٨١)، والبيهقي في المعرفة (٢٨٨٨)، والصواب أنه موقوف من قول أبي هريرة ﵁ كما أخرجه البخاري (٥٣٥٥)، وهو عند مسلم (١٠٤٢)، بنحوه وليس فيه الموقوف، ورجح وقفه ابن حجر في الفتح ٩/ ٥٠١.
(٣) في (م): وقال.
(٤) قوله: (قال سعيد: سنة) سقط من (م). والأثر أخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٢٦٦)، وعبد الرزاق (١٢٣٥٦)، وسعيد بن منصور (٢٠٢٣)، وابن أبي شيبة (١٩٠١٣)، والدارقطني (٣٧٨٢)، والبيهقي في الكبرى (١٥٧٠٧)، وصحح إسناده ابن الملقن، وقال ابن حجر: (هو مرسل قوي). ينظر: خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٥٥، بلوغ المرام (١١٤٧).
[ ٨ / ٧٠٨ ]
وذَكَرَ ابنُ البَنَّاء وجْهًا: يُؤجَّلُ ثلاثًا.
ولها المقامُ، ولا تمكِّنُه (^١)، ولا يَحبِسُها.
فلو وَجَدَ نفقةَ يَومٍ بِيَومٍ، أو وَجَدَ في أوَّلِ النَّهار ما يُغدِّيها، وفي آخِرِه ما يُعَشِّيهَا، أوْ كان صانِعًا يَعمَلُ في الأسبوع ما يَبِيعُه في يَومٍ بقَدْرِ كِفايَتِها في الأُسبوع كلِّه؛ فلا فَسْخَ.
وكذا إنْ تعذَّرَ عليه الكَسْبُ في بَعْضِ زمانه، أو البَيعُ؛ لأِنَّه يُمكِنُه الاِقْتِراضُ إلى زوالِ المانِعِ.
فإنْ عَجَزَ عنه أيَّامًا يسيرةً، أو مَرِضَ مَرَضًا يُرجَى زوالُه في أيَّامٍ يسيرةٍ؛ فلا فَسْخَ، وإنْ كثُرَ فلها الفَسْخُ.
(وَتَكُونُ النَّفَقَةُ)؛ أيْ: نفقةُ فقيرٍ وكُسْوتُه ومَسكَنٌ؛ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ)، ما لم تَمنَعْ نَفْسَها؛ لأِنَّ ذلك واجِبٌ على الزَّوج، فإذا رَضِيَتْ بتأخيرِ حقِّها فهو في ذِمَّتِه؛ كما لو (^٢) رَضِيَتْ بتأخيرِ مَهْرِها، ويُجبَرُ قادِرٌ على التَّكسُّبِ على الأصحِّ.
(فَإِذَا (^٣) اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ؛ فَلَهَا ذَلِكَ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ وجوب (^٤) النَّفقة يَتجدَّدُ كلَّ يَومٍ، فيتجدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُها حقَّها فيما لم يَجِبْ لها؛ كإسْقاطِ شُفْعَتِها قَبْلَ البَيعِ.
فإنْ تَزوَّجَتْه عالِمةً بعسرته (^٥)، أوْ شَرَطَ ألاَّ يَنفِقُ، ثُمَّ عنَّ لها (^٦) الفَسْخُ؛
_________________
(١) في (م): ولا تمكينه.
(٢) قوله: (لو) سقط من (م).
(٣) في (م): فإن.
(٤) في (م): الواجب.
(٥) في (م): بعسره.
(٦) في (م): فلها.
[ ٨ / ٧٠٩ ]
مَلَكَتْهُ، فلَوْ أسقطت (^١) النَّفقةَ المستقْبَلةَ؛ لم تسقط (^٢).
وقال القاضِي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه لَيسَ لها الفَسْخُ؛ لأِنَّها رَضِيَتْ بعَيبه.
فإنْ رَضِيَتْ بالمقام مع ذلك؛ لم يَلزَمْها التَّمكينُ من الاِسْتِمْتاع؛ لأِنَّه لم يُسلِّمْها عِوَضُه؛ كالمشْتَرِي إذا أعْسَرَ بثَمَنِ المبيع، وعليه تَخلِيَتُها لِتَكتَسِبَ وتُحصِّلَ (^٣) ما تُنفِقه (^٤) عليها وإنْ كانَتْ مُوسِرةً؛ لأِنَّه إنَّما يَملِكُ حَبْسَها إذا كفاها (^٥) المؤنةَ.
(وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ)، وقالَهُ عَطاءٌ والزُّهْرِيُّ؛ لأِنَّه إعْسارٌ عن حقِّ الزَّوجة، فلم تملك (^٦) الفَسْخَ؛ كما لو أعْسَرَ عن دَينٍ لها عليه، فعلى هذا: لا تملِكُ فِراقَه، ويرفع (^٧) يَدَهُ عنها لِتَكْتَسِبَ؛ لأِنَّه حقٌّ لها عليه.
(وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا.
(وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ)؛ فلا فَسْخَ؛ لأِنَّ البَدَنَ قد قامَ بِدُونِها، والنَّفقةُ الماضيةُ دَينٌ، (أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ الْأُدْمِ) في الأصح (^٨) فيه، (أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ؛ فَلَا فَسْخَ)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ تَسقُطُ باعتباره، ويُمكِنُ الصَّبرُ عنها.
وفي «الانتصار»: احْتِمالٌ في الكلِّ مع ضَرَرِها.
_________________
(١) في (م): أسقط.
(٢) في (م): لم يسقط.
(٣) في (ظ): يحصل.
(٤) في (م): ينفقه.
(٥) في (ظ): أكفاها.
(٦) في (م): فلم يملك.
(٧) في (ظ): ترفع.
(٨) زيد في (م): لما.
[ ٨ / ٧١٠ ]
(وَتَكُونُ الْبَقِيَّةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ)؛ لأِنَّها نفقةٌ تَجِبُ على سبيلِ العِوَضِ، فثبتت (^١) في الذِّمَّة؛ كالنَّفقة الواجِبة للمرأة قُوتًا، وهذا فيما عدا الزائد على نفقةِ المعْسِر، فإنَّ ذلك يَسقطُ بالإعسار.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ)؛ أيْ: زيادةُ يَسارٍ وتَوسُّط (^٢)؛ لأِنَّه مِنْ الزَّوائد، فلم يَثبُتْ في ذِمَّته؛ كالزَّائد عن الواجب عليه.
وقال ابنُ حَمْدانَ: غَيرُ الأُدْم.
تَتِمَّةٌ: إذا اعْتادَت الطَّيِّبَ والنَّاعِمَ، فعَجَزَ عنها؛ فلها الفَسْخُ، قال ابنُ حَمْدانَ: فبالأُدْم أَوْلَى.
(وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى)؛ أيْ: بأُجْرَتِه، (أَوِ الْمَهْرِ)، قد تقدَّم في الصَّداق؛ (فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ):
أحدُهما: لا فَسْخَ، وقاله القاضِي؛ لأِنَّ البُنْيةَ (^٣) تَقُومُ بدونه.
والثَّاني: لها الفَسْخُ، وقالَهُ ابنُ عَقِيلٍ، وهو أشهر (^٤)؛ لأِنَّ المسكنَ (^٥) مِمَّا لا بُدَّ منه؛ كالنَّفقة.
(وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَرَضِيَتْ) به (^٦)، نَقُولُ: نَفَقةُ الأمةِ (^٧) المزوَّجة حقٌّ لها ولسيِّدها لكلِّ (^٨) واحدٍ منهما طَلَبُها، ولا يَملِكُ واحِدٌ منهما إسْقاطَها؛ لِمَا في ذلك من الإضْرارِ.
_________________
(١) في (ظ): فيثبت.
(٢) في (م): أو توسط.
(٣) في (م): البينة. والمثبت موافق للمغني ٨/ ٢٠٥، والشرح الكبير ٢٤/ ٣٧٤.
(٤) في (م): الأشهر.
(٥) في (م): السكن.
(٦) كتب على هامش (م): لم يكن لسيدها الفسخ.
(٧) قوله: (نقول نفقة الأمة) في (م): بقول نفقة.
(٨) في (م): ولكل.
[ ٨ / ٧١١ ]
فعلى هذا: إنْ أعْسَرَ الزَّوجُ بها؛ فلها الفَسْخُ كالحُرَّة.
وإنْ لم تَفْسَخْ، فقال القاضِي: لسيِّدها الفَسْخُ؛ لأِنَّ عليه ضررًا في عَدَمِها؛ لِمَا يَتعلَّقُ بفَواتها مِنْ فَواتِ ملْكِه وتَلَفِه.
فإن (^١) أنْفَقَ عليها سيِّدُها مُحتَسِبًا بالرُّجوع؛ رَجَعَ على الزَّوج، رَضِيَتْ أوْ كَرِهَتْ.
وقال أبو الخَطَّاب، وهو المنصوصُ (^٢): لَيسَ لسيِّدها الفَسْخُ إذا كانَتْ راضِيةً؛ لأنَّها (^٣) حقٌّ لها، فلم (^٤) يَملِكْ سيِّدُها الفسخ (^٥)؛ كالفَسْخ بالعيب.
(أَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ)؛ لأِنَّه فَسْخٌ لنكاحها، فلم يَملِكْه الوليُّ؛ كالفَسْخ بالعَيب.
(وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه فَسْخٌ لِفَواتِ العوض (^٦)، فَمَلَكَه؛ كفَسْخِ البَيعِ لتَعذُّرِ الثَّمَنِ.
_________________
(١) في (م): وإن.
(٢) ينظر: الفروع ٩/ ٣٠٤.
(٣) في (م): لأنه.
(٤) في (م): فلا.
(٥) قوله: (الفسخ) سقط من (م).
(٦) في (ظ): الغرض.
[ ٨ / ٧١٢ ]