(وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ)، لَا بنية التَّقرُّب؛ لأِنَّه حقٌّ على سَبِيلِ الطُّهْرة، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّة؛ كالزَّكاة.
(وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ وَالصِّيَامُ)؛ لحديثِ «الْأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ» (^١)، ولقوله (^٢): «لَا عَمَلَ إلاَّ بِنِيَّةٍ» (^٣)؛ لأِنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتبَرَّعًا به، وعن كفَّارةٍ أخرى، أوْ عن نَذْرٍ (^٤)، فلم يَنصرِفْ إلى هذه الكفَّارة إلاَّ بنيَّةٍ.
وصِفَتُها: أنْ يَنوِيَ العِتْقَ، أو الصِّيامَ، أو الإطعامَ عن الكفَّارة، فإنْ زاد: (الواجِبَة)؛ فتأكيدٌ، وإنْ نَوَى وجوبَها، ولم يَنْوِ الكفَّارةَ؛ لم يُجزِئْه؛ لأِنَّ الوجوبَ يَتَنوَّعُ، فَوَجَبَ تمييزُه.
وموضعُها (^٥) مع التَّكفير، أوْ قَبْلَه بيسيرٍ.
فإنْ كانت الكفَّارةُ صيامًا؛ اشْتُرِطَ نيةُ (^٦) الصِّيام عن الكفَّارة في كلِّ ليلةٍ؛ للخَبَرِ (^٧).
(فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لم يَلزَمْه تعيينُ سببِها، سَواءٌ عَلِمَها أوْ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٢) في (م): ولقول.
(٣) أخرج هذه الرواية البيهقي في الكبرى (١٧٩)، من حديث أنس ﵁، قال ابن حجر: (وفي سنده جهالة)، وجاء موقوفًا على عمر ﵁، بسند منقطع، ذكره ابن رجب. ينظر: جامع العلوم والحكم ص ٦٨، التلخيص الحبير ١/ ٤٠٠.
(٤) في (م): أو نذر.
(٥) في (م): في موضعها.
(٦) في (م): فيه.
(٧) وهو حديث حفصة ﵂: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وسبق تخريجه ٣/ ٥١٤ حاشية (٣).
[ ٨ / ٤٧٢ ]
جَهِلَها، فإنْ عيَّنَه فغَلطَ؛ أجْزَأَهُ عمَّا يَتداخَلُ، وهي الكفَّاراتُ من جِنْسٍ، (فَنَوَى عَنْ كَفَارَتَيْنِ (^١)؛ أَجْزَأَهُ)؛ لأِنَّ النِّيَّةَ تعيَّنتْ لها، ولأِنَّه نَوَى عن كفَّارته، ولا مُزاحِمَ لها؛ فَوَجَبَ تعليقُ النِّيَّة بها.
(وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ)؛ كما لو ظاهَرَ من نِسائِه الأَرْبَعِ؛ (فَنَوَى إِحْدَاهَا (^٢)؛ أَجْزَأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (^٣)، فإذا أعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه؛ أجْزَأَه عن إحداهنَّ، وحلَّت له واحدةٌ غَيرُ مُعيَّنةٍ؛ لأِنَّه واجِبٌ من جِنْسٍ واحدٍ، فأجْزَأَتْه نيَّةٌ مُطلَقةٌ، كما لو كان عليه صَومُ يَومَينِ من رمَضانَ.
وقياسُ المذْهَبِ: أنَّه يُقرِعُ بَينَهنَّ، فيُخرِجُ المحلَّلةَ منهنَّ بالقُرْعة، وقاله أبو ثَورٍ.
وقال بعضُ العلماء: له أنْ يَصرِفَها إلى أيَّتِهنَّ شاء فتَحِلُّ.
فعلى الأوَّل (^٤): لو كان الظِّهارُ من ثلاثٍ نسوةٍ، فأعْتَقَ، ثمَّ صام، ثُمَّ أطْعَمَ؛ حلَّ الجميعُ من (^٥) غير قُرْعةٍ؛ لأِنَّ التَّكفيرَ حصل عن الثَّلاث؛ أشْبَهَ ما لو أعتق ثلاثةَ أعْبُدٍ عن الجميع دَفْعةً واحدةً.
(وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ)؛ كظِهارٍ، وقَتْلٍ، ويمينٍ، فأعتق رقبةً عن أحدها (^٦)، ولم يُعيِّنْه؛ (فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، وصحَّحه في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّها عبادةٌ واجبةٌ، فلم تفتقر (^٧)
_________________
(١) في (ظ): كفارتي.
(٢) قوله: (فنوى إحداها) هو في (ظ): فنواها.
(٣) ينظر: المغني ٨/ ٤٤.
(٤) في (م): القول.
(٥) في (م): في.
(٦) في (م): أحدهما.
(٧) في (م): فلم يفتقر.
[ ٨ / ٤٧٣ ]
صحَّةُ أدائها إلى تعيينِ سببها (^١)؛ كما لو كانَتْ من جِنْسٍ، قال ابنُ شِهابٍ: بِناءً على أنَّ الكفَّاراتِ كلَّها من جنسٍ، ولأِنَّ آحادها (^٢) لا يَفتَقِرُ إلى تعيينِ النِّيَّة، بخِلافِ الصلوات (^٣).
(وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وحُكِيَ عن أحمدَ (^٤)؛ لأنَّهما (^٥) عِبادَتانِ من جِنْسَينِ؛ كما لو وَجَبَ عليه صَومٌ من قضاءٍ ونَذْرٍ، وكتيمُّمه لأجناس (^٦)، وكوجهٍ في دم (^٧) نُسُكٍ ودمٍ محظورٍ، وكعتقِ نذرٍ وعتقِ كفَّارةٍ في الأصحِّ، قاله في «التَّرغيب».
(فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَسِيَ سَبَبَهَا؛ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ)، قاله أبو بكرٍ؛ لأِنَّ تعيينَ السَّببِ لَيسَ شرطًا، فإذا أخرج كفَّارةً؛ وقَعَتْ عن كفَّارته، فيخرج (^٨) عن العُهْدة.
(وَعَلَى الثَّانِي) - لا بدَّ من تعيينِ السَّبب -: (تَجِبُ (^٩) عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ)؛ كما لو نَسِيَ صلاةً من خَمْسٍ، وكما لو عَلِمَ أنَّ عليه يَومًا لا يَعلَمُ هل هو قضاءٌ، أوْ نذرٌ؛ فإنَّه يَلزَمُه صَومُ يَومَينِ، فإنْ كان عليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ لا يَدْرِي أهي مِنْ كفارةٍ (^١٠)، أوْ نَذْرٍ، أوْ قَضاءٍ؛ لَزِمَه صَومُ تسعةِ أيَّامٍ، كلُّ
_________________
(١) قوله: (سببها) سقط من (م).
(٢) في (م): سببها.
(٣) في (م): الصلاة.
(٤) قال في المغني ٨/ ٤٤: (وحكاه أصحاب الشافعي عن أحمد).
(٥) في (م): لأنها.
(٦) في (م): كقيمة الأجناس.
(٧) في (م): عدم.
(٨) في (ظ): فتخرج.
(٩) في (م): يجب.
(١٠) في (م): كفارات.
[ ٨ / ٤٧٤ ]
ثلاثةٍ عن واحدةٍ من الجهات.
واخْتارَ في «الانتصار»: إن اتَّحد السَّببُ فنوعٌ، وإلاَّ فجنسٌ.
قال في «الفروع»: ولو كفَّرَ مرتدٌّ بغَيرِ الصَّوم؛ فنَصُّه: لا يَصِحُّ (^١)، وقال القاضي: المذهَبُ صحَّتُه.
مسألةٌ: إذا كان عليه (^٢) كفَّارتانِ، فأعْتَقَ عنهما عَبدَينِ؛ فله أقْسامٌ:
(١) أن يقول: أعتقت هذا عن هذه الكفارة، وهذا عن الأخرى؛ فيجزئه إجماعًا (^٣).
(٢) أن يقولَ: أعتقتُ هذا عن إحداهما، وهذا عن الأخرى، من غير تعيينٍ؛ فإن (^٤) كانا من جنس (^٥)؛ جاز، وإنْ كانا من جنسَينِ؛ خُرِّج على (^٦) الخلاف في اشْتِراطِ السَّبب.
(٣) أنْ يقولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارتَينِ؛ أجزآه إنْ كانا من جنسٍ، وإلاَّ فالخِلافُ.
(٤) أنْ يُعتِقَ كلَّ واحدٍ منهما جميعًا (^٧)، فيكون مُعتِقًا عن كلِّ واحدةٍ من الكفَّارتَينِ نصفَ العَبدَينِ، وفيه الخلافُ السَّابقُ.
وذَكَرَ القاضي وجهًا ثالثًا: إنْ كان باقِيهما حرًّا (^٨) جاز؛ لأِنَّه حَصَل تكميلُ الأحكام والتَّصرُّف.
_________________
(١) ينظر: الفروع ٩/ ٢٠٢.
(٢) قوله: (عليه) سقط من (م).
(٣) ينظر: المغني ٨/ ٤٥.
(٤) في (م): فإذا.
(٥) زيد في (م): وإلا.
(٦) في (م): عن.
(٧) كذا في النسخ الخطية، وفي المغني ٨/ ٤٥، والشرح الكبير ٢٣/ ٣٦٦: عنهما جميعًا.
(٨) في (م): جزء.
[ ٨ / ٤٧٥ ]
فرعٌ: لا يَجوزُ تقديم (^١) الكفَّارة على سببها؛ كتقديم (^٢) الزَّكاة على الملْكِ، وإنْ كفَّر بعدَ السَّبب، وقَبْلَ الشَّرط؛ جاز، فلو كفَّر عن الظِّهار بعدَه، وقبلَ العَود؛ جاز؛ لأِنَّه حقٌّ مالي (^٣)؛ فجاز تقديمُه قبلَ شَرْطه؛ كالزَّكاة.
فلو قال لعبده: إنْ تظهَّرتُ فأنتَ حرٌّ عن ظِهاري، ثُمَّ قال لاِمْرأته: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي؛ عَتَقَ؛ لوجود الشَّرط.
وهل يُجزِئُه عن الكفَّارة؟ فيه وجْهانِ.
_________________
(١) في (م): تقدم.
(٢) في (م): كتقدم.
(٣) في (م): مال.
[ ٨ / ٤٧٦ ]