(وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ) عُرْفًا، ولو آبِقٌ، وأَمَةٌ ناشِزٌ، (قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ)، مِنْ غالِبِ قُوتِ البلد، سَواءٌ كان قُوتَ سيِّدِه، أوْ دُونَه، أوْ فَوْقَه، وأُدْمُ مِثْلِه بالمعروف، (وَكِسْوَتُهُمْ) مُطلَقًا؛ أيْ: لأِمْثالِ الرَّقيق في ذلك البلدِ الذي هو فيه، وكذا (^١) المسلمين (^٢)؛ لِمَا رَوَى أبو هريرةَ مرفوعًا قال: «للمَمْلوك طَعامُه وكُسْوتُه بالمعروف، ولا يُكلَّفُ من العَمَلِ ما لا يطيق (^٣)» رواهُ الشَّافِعيُّ والبَيهَقيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ (^٤).
واتَّفَقُوا على وُجوبِ ذلك على السَّيِّد (^٥)؛ لأِنَّه أخصُّ النَّاس به، فوَجَبَتْ نَفَقَتُه عليه كبهيمتِه، ومحلُّه: ما لم يكُنْ للرَّقيق صَنعةٌ يتكسَّبُ بها.
(وَ) له (تَزْوِيجُهُمْ إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ)؛ كالنَّفقة؛ لقوله تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، والأمْرُ يَقتَضِي الوُجوبَ، ولأِنَّه يُخافُ مِنْ تَرْكِ إعْفافِه الوُقوعُ في المحظور، وهو مُخيَّرٌ بَينَ تَزْويجِه، أوْ تمليكِه أَمَةً.
ولا يَجوزُ تزويجه (^٦) إلاَّ باخْتِيارِه إذا كان كبيرًا.
(إِلاَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا)؛ لأِنَّ المقصودَ قضاءُ الحاجة (^٧)، وإزالةُ
_________________
(١) في (م): وكذلك.
(٢) كذا في النسخ الخطية، وصوابه كما يدل عليه في الفروع ٩/ ٣٢٢: السكنى.
(٣) في (ظ): ما لا تطيق.
(٤) أخرجه الشافعي في مسنده (ص ٣٠٥)، والبيهقي في الكبرى (١٥٧٧٢)، وهو عند مسلم (١٦٦٢).
(٥) ينظر: مراتب الإجماع ص ٨٠، المغني ٨/ ٢٥٢.
(٦) قوله: (أو تمليكه أمة، ولا يجوز تزويجه) سقط من (م).
(٧) في (م): حاجة.
[ ٩ / ٢٢ ]
ضَرَرِ الشَّهوة، وإنْ شاء زوَّجها إذا طَلَبَتْ ذلك.
وظاهِرُه: ولو مُكاتَبةً بشَرْطِه.
وفي «المستوعب»: يَلزَمُه تزويجُ المُكاتَبةِ بطَلَبِه، ولو وَطِئَها وأُبِيحَ بالشَّرْط، ذَكَرَه ابنُ البَنَّاء؛ لِمَا فيه من اكْتِسابِ المَهْرِ، فمَلَكه كأنْواعِ التَّكسُّب، وظاهِرُ كلامهم خِلافُه، وهو أظْهَرُ لِمَا فيه من إسْقاطِ حقِّ السَّيِّد، وإلغاء الشَّرْطِ.
وعلى الأوَّل: إنْ أَبَى أُجْبِرَ عليه، وتُصدَّقُ في أنَّه لا يَطَأُ على الأصحِّ.
فرعٌ: مَنْ غاب عن أمِّ ولده (^١) زوِّجت، نَصَّ عليه (^٢)، لحاجةِ نفقةٍ، وكذا: أوْ وطءٍ عندَ مَنْ جَعَلَه كنفقة (^٣)، وفي «الانتصار»: يُزوِّجُها مَنْ يَلِي مالَه، أوْمَأَ إليه في روايةِ بَكْرٍ (^٤).
ويَلزَمُه نفقةُ ولدِ أمَتِه الرَّقيق، دُونَ زَوجها، ويَلزَمُ حرَّةً نفقةُ وَلَدِها مِنْ عبدٍ، نَصَّ عليه (^٥)، ومُكاتَبةً نفقةُ ولدها وكَسْبُه لها، ويُنفِقُ على مَنْ بعضُه حُرٌّ بقَدْر رِقِّه، وبَقيَّتُها عليه.
(وَلَا يُكَلِّفُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ)؛ لحديثِ أبي ذَرٍّ: «ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإنْ كلَّفْتُموهم فأعِينُوهم» رواه البخاريُّ (^٦)، ولأِنَّه مِمَّا يَشُقُّ عليه (^٧)، والمرادُ: مَشقَّةً كبيرة (^٨).
_________________
(١) في (ظ): ولد.
(٢) ينظر: الفروع ٩/ ٣٣٠.
(٣) في (م): كنفقته.
(٤) ينظر: الفروع ٩/ ٣٢٩.
(٥) ينظر: الفروع ٩/ ٣٣٠.
(٦) أخرجه البخاري (٢٥٤٥)، ومسلم (١٦٦١).
(٧) قوله: (عليه) سقط من (م).
(٨) في (ظ): كثيرة.
[ ٩ / ٢٣ ]
ولا يَجوزُ تكليفُ الأَمَةِ بالرَّعْيِ؛ لأِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَع؛ لِبُعدِها عمَّن يَذُبُّ عنها.
وقد ذَكَرَ صاحِبُ «المحرَّر» عن نَقْلِ أسْماءَ النَّوى على رأسها للزُّبَيرِ مِنْ نحوِ ثُلَثَيْ فَرسَخٍ من المدينة (^١): أنَّه حجَّةٌ في سَفَرِ المرأة السفر (^٢) القصيرَ بغَيرِ مَحرَمٍ، ورَعْيُ جاريةِ (^٣) الحَكَم (^٤) في معناه، وأَوْلَى.
وقال غَيرُه: يَجُوزُ ذلك قَولًا واحِدًا؛ لأِنَّه لَيسَ بسَفَرٍ شرعًا ولا عُرْفًا، ولا يُتأَهَّبُ له أُهْبته (^٥).
(وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ)؛ لأِنَّ العادةَ جارِيَةٌ بذلك.
(وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا) وُجوبًا، قاله جماعةٌ؛ لأِنَّ نَفَقَتَهم تَجِبُ بالملك، ولهذا تجب (^٦) مع الصِّغَر.
وظاهِرُ كلامِ آخَرِينَ: يُستَحَبُّ، قال (^٧) في «الفروع»: وهو أظْهَرُ.
قال ابنُ شِهابٍ في كَفَنِ الزَّوجة: العَبْدُ لا مالَ له، فالسَّيِّدُ أحقُّ بنَفَقَتِه ومُؤنَتِه، ولهذا: النَّفقةُ المخْتَصَّةُ بالمرض يلزمه (^٨)؛ من الدَّواء وأُجْرَةِ الطَّبيب،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٥١)، ومسلم (٢١٨٢)، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: «كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ».
(٢) قوله: (السفر) سقط من (م).
(٣) في (م): الجارية.
(٤) كذا في النسخ الخطية، وتبعه في الكشاف، والذي في الفروع: جارية معاوية بن الحكم. وهو الصواب، والحديث أخرجه مسلم (٥٣٧).
(٥) في (م): أهبة.
(٦) في (م): يجب.
(٧) في (م): قاله.
(٨) في (م): يلزم.
[ ٩ / ٢٤ ]
بخِلافِ الزَّوجةِ.
(وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً)، بوَزْنِ غُرْفَة، وهي النَّوبَةُ، (إِذَا سَافَرَ بِهِمْ)؛ لِئلاَّ يُكلِّفَهم ما لا يُطِيقونَ، ومَعْناهُ: يُركِبُه تارةً ويُمْشِيهِ أُخْرَى.
(وَإِذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ؛ أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى؛ أَطْعَمَهُ مِنْهُ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «إذا كَفَى أحدَكم خادِمُه طَعامَه حَرَّهُ ودُخانَه؛ فلْيُجْلِسْه معه، فإنْ أَبَى؛ فليُرَوِّح (^١) له اللُّقْمةَ واللُّقْمَتَينِ» (^٢)، ومَعْنَى الترويح (^٣): غَمْسُها في المَرَقِ والدسم (^٤) ودَفْعُها إليه، ولأِنَّ الحاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُه إلى ذلك، ولكِنْ لا يَأكُلُ إلاَّ بإِذْنِه، نَصَّ عليه (^٥).
(وَلَا يَسْتَرْضِعُ (^٦) الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا)؛ لأِنَّ فيه إضْرارًا بِوَلدِها؛ للنَّقص مِنْ كِفايَته وصرف (^٧) اللَّبَن المخلوقِ (^٨) له إلى غَيرِه مع حاجته إليه؛ كنَقْصِ الكبير عن كِفايَتِه.
(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا (^٩) فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ)؛ لأِنَّه مِلْكه، وقد اسْتَغْنَى عنه الولَدُ، فكان له اسْتِيفاؤه؛ كما لو مات ولدُها وبَقِيَ لَبَنُها.
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، ولفظ الحديث وفي المغني ٨/ ٢٥٣ والشرح الكبير ٢٤/ ٤٤١: فَلْيُرَوِّغْ.
(٢) أخرج مسلم (١٦٦٣)، نحوه، وأخرجه الشافعي كما في المسند (ص ٣٠٥) بلفظ: «فإن أبي فليروغ له لقمة»، وعند الحميدي (١١٠١)، والطحاوي في شرح المعاني (٧٣١٥)، «فليأخذ لقمة فليروغها».
(٣) في (م): التوريج. وصوابه كما في كتب المذهب: الترويغ.
(٤) في (م): والمدسم.
(٥) ينظر: الفروع ٩/ ٣٢٥.
(٦) في (ظ): ولا تسترضع.
(٧) في (م): وفرق.
(٨) في (م): المحلوب. والمثبت موافق للشرح الكبير ٢٤/ ٤٤٢.
(٩) قوله: (فيها) سقط من (م).
[ ٩ / ٢٥ ]
ولا يَجوزُ له إجارتُها بلا إذْنِ زَوجٍ، قال المؤلِّفُ: لاِشْتِغالها عنه برَضاعٍ وحضانةٍ، وهذا إنما يَجيءُ إذا آجَرَها في مُدَّةِ حقِّ الزَّوج، فلو آجَرَها في غيره (^١)؛ توجَّهَ الجَوازُ، وإطْلاقُه مُقيَّدٌ (^٢) بتعليله، وقد يَحتَمِلُ ألاَّ يَلزَمَ تقييدُه به، فأمَّا إنْ ضَرَّ ذلك بها؛ لم يَجُزْ.
(وَلَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى الْمُخَارَجَةِ)، ومَعْناهُ: أنْ يَضرِبَ عليه خَراجًا معلومًا يُؤدِّيهِ إلى سيِّدِه، وما فَضَلَ للعبد؛ لأِنَّ ذلك عَقْدٌ بينهما (^٣)، فلا يُجبَرُ عليه؛ كالكتابة.
(فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ)، بشَرْطِ أنْ يكونَ قَدْرَ كَسْبِه فأقلَّ بعدَ نَفَقَتِه؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أبا طَيبةَ حَجَمَ النَّبيَّ ﷺ، فأعْطاهُ أجْرَه، وأَمَرَ مَوالِيَه أنْ يُخفِّفُوا عنه من خَراجِه» (^٤)، وكان كثيرٌ من الصَّحابة يَضرِبونَ على رقيقهم خَراجًا، ورُوِيَ: «أنَّ الزبير (^٥) كان له (^٦) ألفُ مَمْلوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم دِرهَمٌ كلَّ يَومٍ» (^٧)، و«جاءَ أبو لُؤلُؤَةَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّاب، فسألَه أنْ يَسألَ المُغِيرةَ بنَ شُعْبَةَ أنْ يُخفِّفَ عنه مِنْ خَراجِه» (^٨).
_________________
(١) في (م): صغره.
(٢) في (م): فقيد.
(٣) في (م): عنهما.
(٤) أخرجه البخاري (٢٢١٠)، ومسلم (١٥٧٧)، من حديث أنس ﵁.
(٥) في (م): للزبير.
(٦) قوله: (كان له) مكانه بياض في (م).
(٧) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٧٨٧)، والزبير بن بكار كما في الفتح (٦/ ٢٣٠)، وابن عساكر في التاريخ (١٨/ ٣٩٩)، عن مغيث بن سمي به، ورجال إسناده ثقات.
(٨) أخرجه عبد الرزاق (٩٧٧٥)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٤٥)، عن الزهري مرسلًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٠٧٤)، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب وأشياخٍ، عن عمر نحوه، وفيه: محمد بن عمرو صدوق له أوهام، وأبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن لم يسمعا من عمر، لكنه مرسل جاء من وجهين، فيقوى الاحتجاج به. ينظر: جامع التحصيل ص ٢٩٨.
[ ٩ / ٢٦ ]
فإنْ لم يكُن له كَسْبٌ، أوْ وَضَعَ عليه أكثرَ مِنْ كَسْبِه؛ لم يَجُزْ.
وفي «التَّرغيب»: إنْ قدَّر خَراجًا بقَدْرِ كَسْبِه؛ لم يُعارَضْ.
وهو كعبدٍ (^١) مأذونٍ له في التَّصرُّف في (^٢) هديَّةِ طعامٍ، وإعارةِ مَتاعٍ، وعَمَلِ دَعْوةٍ.
وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَملِكُ ذلك، وأنَّ فائدةَ المُخارَجَة: تَرْكُ العَمَلِ بَعْدَ الضريبة (^٣).
(وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ)، نَصَّ عليه (^٤)؛ كزَوجةٍ، وقالَهُ في «عُيونِ المسائل» وغَيرِها في أمِّ الولد، وهو ظاهِرُ كلامِهم، سَواءٌ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذلك لِعَجْزٍ أوْ غَيرِه؛ لأِنَّ بقاءَ ملْكِه عَلَيه مع الإخْلال بِسَدِّ أمْرِه؛ إضْرارٌ به، وإزالةُ الضَّرَر واجِبةٌ، وقد رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (^٥): «جارِيَتُك تَقولُ: أطْعِمْنِي واسْتَعْمِلْنِي إلى مَنْ تَتْرُكُنِي؟» رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ، ورواه (^٦) البخاريُّ مِنْ قَولِ أبي هُرَيرةَ (^٧).
ونَقَلَ أبو داودَ عنه (^٨): أَتُبَاعُ الجارِيةُ وهو يَكْسُوها ويُطعِمُها؟ قال: لا،
_________________
(١) في (م): بعيد.
(٢) قوله: (في) سقط من (م).
(٣) في (م): الضربة.
(٤) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٧٨.
(٥) قوله: (قال) سقط من (م).
(٦) في (م): رواه.
(٧) أخرجه أحمد (١٠٧٨٥)، والنسائي في الكبرى (٩١٦٦)، والدارقطني (٣٧٨١)، وهي من قول أبي هريرة ﵁، كما أخرج البخاري (٥٣٥٥)، وفيه: «تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني»، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: «لا، هذا من كيس أبي هريرة». ينظر: الفتح ٩/ ٥٠١.
(٨) في (م): وعنه.
[ ٩ / ٢٧ ]
إلاَّ أنْ تحتاجَ إلى زَوجٍ (^١)؛ لأِنَّ الملكَ للسَّيِّد، فلا يُجبَرُ على إزالَتِه مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ، كما لا يُجبَرُ على طَلاقِ زَوجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيعِ بهيمةٍ مع الإنْفاقِ عَلَيها.
(وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ)، عبدًا كان أوْ أَمَةً، (بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ)، أيْ: له تأديبُهما بالتَّوبيخ والضَّرب؛ كما يُؤدِّبُ ولَدَه وامْرأتَه في النُّشوز، ولا بأْسَ بالزِّيادة على ذلك؛ للأخبار الصَّحيحة.
ولَيسَ له ضَرْبُه على غَيرِ ذَنْبٍ، ولا أنْ يَضرِبَه ضَرْبًا مُبرِحًا إنْ أَذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ مرفوعًا: «مَنْ لَطَمَ غُلامَه؛ فكفَّارَتُه عِتْقُه» رواه مسلِمٌ (^٢). ونَقَلَ حَرْبٌ (^٣): لا يُضرَبُ إلاَّ في ذَنْبٍ بعدَ عَفْوِه مرَّةً أوْ مَرَّتَينِ، ولا يَضرِبُه شديدًا.
ونَقَلَ حنبلٌ (^٤): لا يَضرِبُه إلاَّ في ذنب عظيمٍ؛ لقوله ﵇: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فلْيَجْلِدْها» (^٥)، ويُقيِّده (^٦) إذا خاف عليه، ويضربه (^٧) غيرَ مُبرِّحٍ، فإنْ وافَقَه وإلاَّ باعَهُ؛ لقَولِه ﵇: «لا تُعذِّبُوا عِبادَ الله» (^٨).
(وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)، نَصَّ عليه (^٩)، وهو قَولُ قُدَماءِ
_________________
(١) ينظر: مسائل أبي داود ص ٣٧٨.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٥٧)، وأخرجه أحمد (٤٧٨٤)، باللفظ الذي ذكره المصنف.
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ٣٢٦.
(٤) ينظر: الفروع ٩/ ٣٢٦.
(٥) أخرجه البخاري (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) في (م): ويعقدها.
(٧) في (م): بضرب.
(٨) أخرجه ابن حبان (٤٣١٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم (١٦٦٢).
(٩) قوله: (نص عليه) سقط من (م). وينظر: مسائل أبي داود ص ٣٢٤.
[ ٩ / ٢٨ ]
الأصحاب (^١)، من غير بِناءٍ على رِوَايَتَي الملْكِ وعَدَمِه، بل الخِرَقِيُّ وجماعةٌ قالوا: إنَّه لا يَملِكُ، ويُباحُ له التَّسَرِّي.
نَقَلَ أبو طالِبٍ (^٢): أيَتَسَرَّى العَبْدُ؟ قال: نَعَمْ، قال ذلك ابنُ عُمَرَ (^٣)، وابنُ عبَّاسٍ (^٤)، وغيرُ واحِدٍ من التَّابِعينَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأهلُ المدينة على هذا.
قِيلَ لأِبي عبدِ الله: فمن (^٥) احْتَجَّ بهذه الرِّوايةِ (^٦): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ … (٢٩)﴾ [المعَارج: ٢٩]، فأي (^٧) ملْكٍ للعبد (^٨)؟ قال: إذا ملَّكَه مَلَكَ، يقول (^٩) النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ اشْتَرَى عبدًا وله مالٌ» (^١٠)؛
_________________
(١) في (م): الصحابة.
(٢) ينظر: شرح الزركشي ٥/ ١٣٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٣٦)، وابن أبي شيبة (١٦٢٨٠)، عن نافع قال: «كان ابن عمر ﵄ يرى لمملوكه سراري، لا يعيب ذلك عليهم»، وإسناده صحيح، وأخرج نحوه سعيد بن منصور (٢٠٨٤)، من وجه آخر.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٤٣)، من طريق عمرو بن دينار، أن أبا معبد مولى ابن عباس ﵄ أخبره، أن عبدًا كان لابن عباس، وكانت له امرأة جارية لابن عباس، فطلقها فبتَّها، فقال ابن عباس: «إنك لا طلاق لك، فارجعها»، فأبى، فقال ابن عباس: «هي لك، فاستحللها بملك اليمين» فأبى. وإسناده صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (١٢٨٤٤)، عن ابن عباس قال: «لا بأس أن يتسرى العبد»، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٠٨٦)، عن العباس بن عبيد الله بن عباس، عن عمه ابن عباس «أنه أذن لغلام له أن يتسرى، فاشترى ثلاث جوار ثمن ألفين ألفين»، وعباس بن عبيد الله مقبول.
(٥) في (م): لمن.
(٦) كذا في النسخ الخطية، وفي شرح الزركشي ٥/ ١٣٢: الآية.
(٧) في (م): فأما.
(٨) في (م): العبد.
(٩) في (م): فقول.
(١٠) أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣)، من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: «من ابتاع عبدًا وله مال، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع».
[ ٩ / ٢٩ ]
فقد جَعَلَ له ملْكًا (^١)، وابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ أعْلَمُ بكتابِ الله مِمَّنْ احْتَجَّ بهذه الآيةِ، ولأنَّه (^٢) يَملِكُ في النِّكاح؛ فمَلَكَ التَّسَرِّيَ كالحرِّ (^٣)، ولأِنَّه آدَمِيٌّ؛ فيملك (^٤) المالَ كالحُرِّ، وذلك لأِنَّه بآدَمِيَّتِه يَتمَهَّدُ لأِهْلِيَّةِ الملك إذا كان اللهُ تَعالَى خَلَقَ الأَمْوالَ لِلآدَمِيِّينَ؛ ليستعينوا (^٥) بها على القِيام بِوَظائِفِ التَّكاليف، وإذا ثَبَتَ الملْكُ للجَنِينِ مع كَونِه نطفةً لا حَياةَ فيها باعْتِبارِ مآلِه إلى الآدَمِيَّة؛ فالعَبْدُ الّذي هو آدَمِيٌّ مُكلَّفٌ أَوْلَى.
وظاهِرُه: أنَّه إذا تسرَّى (^٦) بغيرِ إذْنِه؛ أنَّ الولَدَ ملْكٌ للسَّيِّد.
فإنْ أذِنَ له فيه، وأطْلَقَ؛ تَسَرَّى بواحدةٍ فَقَطْ؛ كالتَّزويج، وإنْ أَذِنَ له في أكثرَ مِنْ واحِدةٍ؛ فله التَّسَرِّي بما شاءَ، نَصَّ عليه (^٧)؛ لأِنَّ مَنْ جازَ له التَّسَرِّي؛ جاز له بغَيرِ حَصْرٍ؛ كالحُرِّ.
(وَقِيلَ: يَنْبَنِي (^٨) ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ)، كذا بَناهُ القاضي وعامَّةُ مَنْ بَعدَه.
احْتَجَّ المانِعُ: بأنَّ العبدَ لا يَملِكُ المالَ، والوَطْءَ لا يكونُ إلاَّ في نكاحٍ أوْ ملْكِ يمينٍ؛ للنَّصِّ.
واحْتَجَّ المجيز (^٩):
_________________
(١) ينظر: شرح الزركشي ٥/ ١٣٢.
(٢) في (م): ولا.
(٣) في (م): كالحرة.
(٤) في (م): يملك.
(٥) في (م): يستعينوا.
(٦) في (م): اشترى.
(٧) ينظر: المغني ٧/ ٨٧.
(٨) في (ظ): يبنى.
(٩) في (ظ): المخبر.
[ ٩ / ٣٠ ]
بما سَلَفَ؛ إذِ الشارع (^١) يُثبِتُ من الملك (^٢) ما فيه مصلحةُ العباد، ويَمْنَعُ ما فيه فَسادُهم، والعبدُ مُحتاجٌ إلى النِّكاح، فالمصلحةُ تَقتَضِي ثبوتَ ملك (^٣) البُضْعِ له (^٤)، وإلاَّ فكون (^٥) العبد يَملِكُ مُطلَقًا؛ إضْرارٌ بالسَّيِّد، ومَنْعُه مطلَقًا؛ إضْرارٌ به، فالعَدْلُ ثُبوتُ قَدْرِ الحاجة، وقَولُهم: إنَّه لا يَملِكُ المالَ؛ ممنوعٌ.
(وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّ الهِبةَ إنْ لم تَصِحَّ؛ فظاهِرٌ، وإنْ صحَّتْ؛ فالعبدُ محجور عليه؛ لأِنَّه لا يَملِكُ هِبَةَ ما في يَدِه، ولا شَكَّ أنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تنقيصِ المالِ مرَّةً، وإلى الإعْدام أخرى؛ لأِنَّها ربَّما حَمَلَتْ، وذلك تنقيصٌ، ولذلك جُعِلَ عَيبًا في المَبِيع، وربُّما ماتَتْ منه، وذلك إعْدامٌ.
فإنْ أَذِنَ له في التَّسرِّي؛ لم يَصِحَّ رُجوعُه فيه، نَصَّ عليه في روايةِ محمَّدِ ابنِ ماهان، وإبراهيمَ بنِ هانِئٍ (^٦)؛ كالنِّكاح، قال ابنُ حَمْدانَ: حَيثُ يَجِبُ إعْفافُه، ولأِنَّه ملَّكَه بُضْعًا أُبِيحَ له وَطْؤه؛ كما لو زَوَّجَه.
فرعٌ: إذا مَلَكَ المعتَقُ بعضُه بجُزْئِه الحُرِّ؛ فله وَطؤها بِلا إِذْنِ سيِّدِه في الأَقْيَسِ، ولا يتزوج (^٧) إلاَّ بإذنه (^٨).
_________________
(١) في (م): إذا تسارع.
(٢) في (م): المال.
(٣) قوله: (ملك) سقط من (م).
(٤) قوله: (له) سقط من (م).
(٥) في (ظ): فكذا.
(٦) ينظر: مسائل ابن هانئ ١/ ٢٢٠، المغني ٧/ ٨٨.
(٧) في (م): ولا ينزل.
(٨) في (م): بإذن سيده.
[ ٩ / ٣١ ]