(وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا)؛ لقوله ﵇ لِهِلالِ بنِ أُمَيَّةَ: «قُمْ فاشْهَدْ أرْبَعَ شهاداتٍ» (^١)، ولأِنَّه أبْلَغُ في الرَّدْع، فيَبدَأُ الزَّوجُ فيَلْتَعِنُ وهو قائمٌ، فإذا (^٢) فرغ قامت المرأةُ، فالْتَعَنَتْ.
(بِحَضْرَةِ (^٣) جَمَاعَةٍ)؛ لحُضورِ ابنِ عبَّاسٍ (^٤)، وابنِ عُمَرَ (^٥)، وسَهْلِ ابنِ سعدٍ (^٦) مع حَداثةِ أسْنانِهم، فدلَّ على (^٧) أنَّه حضَرَ جمْعٌ كثيرٌ؛ لأِنَّ الصِّبْيانَ إنَّما يَحضُرونَ تَبَعًا للرِّجال؛ إذِ اللِّعانُ مَبْنِيٌّ على التَّغليظ للرَّدْع والزَّجْر، وفِعْلُهُ في الجماعة أبْلَغُ في ذلك.
ويُستَحَبُّ ألاَّ يَنقُصُوا عن أربعةٍ؛ لأِنَّ بيِّنةَ الزِّنى التي شُرِعَ اللِّعانُ من أجْلِ الرَّمْيِ به أربعةٌ، ولَيسَ بواجِبٍ بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (^٨).
(فِي الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ)، هذا (^٩) قَولُ أبي الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «المستوعب» و«المحرَّر» و«الوجيز».
ففي الزَّمان: بَعْدَ العصر؛ لقول الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ
_________________
(١) تقدم تخريجه ٨/ ٤٧٨ حاشية (١).
(٢) في (م): وإذا.
(٣) في (م): بمحضر.
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٤٧)، وذكر قصة هلال بن أمية، وفيه ما يدل على حضوره.
(٥) أخرجه البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣)، وذكر القصة، وفيه ما يشير إلى حضوره.
(٦) أخرجه البخاري (٦٨٥٤)، ومسلم (١٤٩٢)، عن سهل بن سعد، قال: «شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة»، وهذا لفظ البخاري.
(٧) قوله: (على) سقط من (م).
(٨) ينظر: المغني ٨/ ٨٤.
(٩) في (م): هو.
[ ٨ / ٤٨٥ ]
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، والمرادُ: صلاةُ العصر في قَولِ المفسِّرِينَ (^١)، وقال أبو الخَطَّاب: وبَينَ الأَذَانَينِ؛ لأِنَّ الدُّعاءَ بَينَهما لا يُرَدُّ.
وفي المكان: بمكَّةَ، بَينَ الركن (^٢) الذي فيه الحَجَرُ الأسودُ والمقامُ، وهو المسمَّى بالحَطِيم، ولو قِيلَ: بالحِجْر لَكانَ أَوْلَى؛ لأِنَّه من البيت.
وبالمدينة: عِنْدَ المنبَر مِمَّا يَلِي القبرَ الشَّريفَ؛ لقوله ﵇: «ما بَينَ قَبْرِي ومِنْبَرِي رَوضةٌ من رياضِ الجَنَّة» (^٣).
وببيت (^٤) المقْدِسِ: عندَ الصَّخرة.
وفي سائر البلدان: في جَوامِعها.
وهل يَجوزُ أنْ يَرتَقِيَا على المنابِر أوْ لا، وإنْ كان في النَّاس كَثْرَةٌ؟ فيه احْتِمالٌ، أو وجهٌ (^٥)، قاله في «الواضح».
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٧٥.
(٢) في (م): الركنين.
(٣) روي عن جماعة من الصحابة، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد (١١٦١٠) وأبو يعلى الموصلي (١٣٤١) والطحاوي في مشكل الآثار (٢٨٧٩)، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبي سعيد ﵃ مرفوعًا، وإسناده منقطع، أبو بكر ثقة لكن روايته عن جد أبيه منقطعة، قاله ابن كثير، وأخرجه النسائي في الكبرى (٤٢٧٦)، من حديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا، وسنده حسن، فيه عمار بن معاوية الدهني وهو صدوق، وروي هذا اللفظ في طرق أخرى لا تخلو من مقال، والصحيح لفظ البخاري (١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠): «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، من حديث عبد الله بن زيد المازني، ومن حديث أبي هريرة ﵄ عند البخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١)، ورجح القرطبي وابن تيمية والألباني أن اللفظ رُوي بالمعنى، والصحيح ما عند البخاري ومسلم، وأن لفظة: «قبري» شاذة. ينظر: قاعدة جليلة في التوسل (ص ١٤١)، مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٢٥، التكميل لابن كثير ٣/ ٧٩، الفتح ٣/ ٧٠، السنة لابن أبي عاصم تحقيق الألباني ٢/ ٣٤٠.
(٤) في (م): وبيت.
(٥) قوله: (أو وجه) في (م): أوجه.
[ ٨ / ٤٨٦ ]
وحائضٌ ونحوُها ببابِ المسجد (^١)؛ لتحريمِ مُكْثِها فيه (^٢)، فلو رَأَى الإمامُ تأخيرَه إلى انْقِطاعِ الدَّم وغُسْلِها؛ لم يَبعدْ.
والوجْهُ الثَّاني: لا يُستَحَبُّ التَّغليظُ مُطلَقًا، قاله القاضي، وقدَّمه في «الكافي»؛ لأِنَّ الله تعالى أطْلَقَ الأمْرَ به، ولأِنَّه ﵇ أمَرَ الرَّجلَ بإحْضارِ امرأته (^٣)، ولم يَخُصُّه بزمنٍ، ولو خَصَّه لَنُقِلَ.
وأطْلَقَ الخِلافَ في «الفروع»، وخَصَّهما في «التَّرغيب» بالذِّمَّة.
وظاهِرُه على الأوَّل: ولو كانا كافِرَينِ، فعلى هذا يَحضُرُهم في أوقاتهم المعظَّمةِ، وبُيوتِ عباداتهم (^٤)؛ كالكنائس لأِهْلِ الكتاب، وبُيوتِ النَّار للمجوس، ويَحتَمِلُ أنْ يُغلَّظَ بالمكان (^٥).
(وَإِذَا بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ؛ أَمَرَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ، وَامْرَأَةً تَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِي الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَعِظُهُ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ قال: ««يشهد (^٦) أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقِينَ»، ثُمَّ أمَرَ به فأُمْسِكَ على فيه، فوَعَظَه، وقال: «ويْحَكَ، كلُّ شَيءٍ أهْوَنُ عليكَ من لعنةِ الله»، ثُمَّ أرْسَلَهُ، فقال: «لعنةُ الله عليه إنْ كانَ من الكاذبِين»، ثُمَّ دَعَا بها فشَهِدَتْ أربعَ شهادات بالله إنَّه لمنَ الكاذبِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بها فأُمْسِكَتْ على فيها فَوَعَظَها، وقال: «ويْلَكِ، كلُّ شَيءٍ أهْوَنُ عليكِ من غَضَبِ الله» أخْرَجَه الجُوزَجانِيُّ (^٧).
_________________
(١) في (م): مسجد.
(٢) قوله: (فيه) سقط من (م).
(٣) كما في البخاري (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢)، من حديث سهل ﵁: «قد أنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها».
(٤) في (ظ): عبادتهم.
(٥) زيد في (م): فإن كانت المسلمة حائضًا وقفت على باب المسجد. وأشار في (ظ) أنها في نسخة. وقد تقدمت العبارة.
(٦) في (ظ): تشهد.
(٧) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤١٨٣)، وإسناده صحيح، وأخرجه النسائي (٣٤٧٢)، بنحوه مختصرًا. قال ابن الملقن: (إسناده جيد)، قال ابن حجر: (ورجاله ثقات)، وصحح إسناده الألباني، وذكرا أنهما لم يقفا على ذكر وضع اليد على فم المرأة ووعظِها، وهي عند ابن أبي حاتم كما سبق، وأخرجه أحمد (٢١٣١)، وأبو داود (٢٢٥٦)، بنحوه، وسنده لا بأس به. ينظر: التوضيح ٢٥/ ٤٤٤، البلوغ (١٠٩٧)، التلخيص الحبير ٣/ ٤٩٤، الإرواء ٧/ ١٨٦، التكميل لصالح آل الشيخ ص ١٤٨.
[ ٨ / ٤٨٧ ]
وظاهِرُه: أنَّ الواعِظَ هو الحاكِمُ، وحَكاهُ في «الرِّعاية» قَولًا.
(فَيَقُولُ: اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ) للَّعنة، أو الغضب (^١) من الله، (وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآْخِرَةِ)؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عبَّاسٍ قال: «لَمَّا كانَتِ الخامِسةُ قِيلَ لِهلالِ بنِ أُمَيَّةَ: اتَّقِ الله (^٢)، فإنَّها الموجِبَةُ، وفيه: فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهون من عذاب الآخِرَةِ» (^٣)؛ لأِنَّ عذابَ الدُّنيا مُنقَطِعٌ، وعذاب الآخرة دائمٌ؛ لِيَتُوبَ الكاذِبُ منهما، ويَرتَدِعَ عمَّا عَزَمَ عليه.
(وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ) أوْ نائبِه، وقد تقدَّم أنَّ هذا شرطٌ لصحَّةِ اللِّعانِ، فإنْ تحاكَما إلى رجلٍ يَصلُحُ للقضاء فحكَّماه بَينَهما فَلَاعَنَ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ اللِّعانَ مَبْنِيٌّ على التَّغليظ، فلم يَجُزْ لغَيرِ الحاكِمِ؛ كالحَدِّ.
وحَكَى المؤلِّفُ: أنَّه يَنفُذُ في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وسواءٌ كان الزَّوجانِ حُرَّينِ، أوْ مَمْلوكَينِ في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال الشَّافِعِيُّ: للسَّيِّد أنْ يُلاعِنَ بَينَ عبده وأَمَتِه؛ كالحَدِّ (^٤).
وجَوابُه: أنَّه لا يَملِكُ إقامَتَه على أَمَتِه المزوَّجةِ، ثُمَّ لا يُشْبِهُ اللِّعانُ الحَدَّ؛ لأِنَّه زَجْرٌ وتأديبٌ، واللِّعانُ إمَّا شَهادةٌ أوْ يمينٌ، فافترقا.
(فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً)، بفَتْح الخاء وكَسْرِ الفاء؛ يَعْنِي: شديدةَ الحَياء،
_________________
(١) في (م): والغضب.
(٢) قوله: (اتق الله) سقط من (م).
(٣) سبق تخريجه ٨/ ٤٨٧ حاشية (٧).
(٤) ينظر: الحاوي ١١/ ١٣٤، البيان ١٠/ ٤٥٠.
[ ٨ / ٤٨٨ ]
وهي ضدُّ البَرْزَة؛ (بَعَثَ مَنْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي: نائبَه وعُدولًا، فلو اقْتَصَرَ على نائبه؛ جاز؛ لأِنَّ الجَمْعَ غيرُ واجِبٍ؛ كما يَبعَثُ مَنْ يَستَحْلِفُهما في الحقوق، ولأِنَّ الغَرَضَ يَحصُلُ ببعث (^١) مَنْ يَثِقُ الحاكِمُ به، فلا ضَرورةَ إلى إحضارها وتَرْكِ عادتها مع حصول (^٢) الغَرَض بِدُونِه.
وفي «عيون المسائل»: للزَّوج أنْ يُلاعِنَ مع غَيْبتها وتُلاعِنَ مع غَيبتِه.
(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ (^٣) نِسَاءَهُ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ)، على المذهب سواءٌ قَذَفَهُنَّ بكلمةٍ، أوْ كَلِماتٍ؛ لأِنَّه قاذِفٌ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ، أشْبَهَ ما لو لم يَقذِفْ غَيرَها.
ويَبدَأُ بِلِعانِ التي تَبدَأُ بالمطالَبةِ، فإنْ طالَبْنَ جميعًا، وتَشاحَحْنَ؛ فالقُرْعةُ، وإنْ لم يَتَشاحَحْنَ؛ بَدَأَ بمَنْ شاء منهنَّ، ولو بَدَأَ بواحدةٍ منهنَّ من غَيرِ قرعةٍ مع المشاححة؛ جاز.
(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ لِعَانُ وَاحِدٌ)؛ لأِنَّ اللِّعانَ تابِعٌ للقَذْف، والقَذْفُ وإنْ تعدَّد فكَلِمَتُه واحدةٌ، فعلى هذا: (يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)؛ لأِنَّ حَلِفَهُنَّ جملةً لا يُمكِنُ.
(وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ (^٤)؛ لأِنَّه قَذْفٌ واحِدٌ، فخَرَجَ عن عُهْدَته بلِعانٍ واحِدٍ، كما لو قَذَفَ واحِدةً، (وَإِنْ قَذَفَهُنَّ بِكَلِمَاتٍ؛ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ)؛ كما لو قَذَفَ كلَّ واحدةٍ بعدَ لِعَانِ الأخرى.
_________________
(١) قوله: (من يستحلفهما في الحقوق، ولأن الغرض يحصل ببعث) سقط من (م).
(٢) في (م): حضور.
(٣) في (م): رجل.
(٤) قوله: (لعان واحد) سقط من (م).
[ ٨ / ٤٨٩ ]
وعنه: إنْ طالَبُوا عندَ الحاكِمِ مطالبةً واحدةً؛ فحَدٌّ واحِدٌ، وإلاَّ فحُدودٌ، حكاها في «المستوعب».
[ ٨ / ٤٩٠ ]