(الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي)؛ لأِنَّ المَجْنِيَّ عليه إذا لم يكُنْ مُكافِئًا للجاني، فيكونُ آخِذه (^١) آخِذًا به لأِكثرَ مِنْ الحقِّ.
(وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ (^٢)؛ لقوله ﵇: «المؤمِنونَ تَتَكافَأُ دِماؤهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أدْناهم، ولا يُقتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وفي لفظٍ (^٣): «ولا يُقتَلُ مُسلِمٌ بكافِرٍ»، وعن عليٍّ قال: «مِنْ السُّنَّة ألاَّ يُقتَلَ مُؤمِنٌ (^٤) بكافِرٍ» رواهُ أحمدُ (^٥)، ولأِنَّ الكافِرَ مَنقُوصٌ بالكُفْر، فلا يُقتَلُ به المسْلِمُ؛ كالمسْتَأْمَنِ.
لا يُقالُ: الآياتُ والأخبار (^٦) الدَّالَّةُ على قَتْلِ المسْلِمِ بمِثْلِه شامِلةٌ لِقَتْلِ المسْلِمِ بالكافِرِ؛ لأِنَّه يَجِبُ تخصيصُها بما ذُكِرَ.
_________________
(١) قوله: (آخذه) سقط من (م).
(٢) في (م): اليدين.
(٣) قوله: (وفي لفظ) في (م): ولفظه لمسلم.
(٤) في (م): مسلم. وكتب فوقها في (ظ): مسلم.
(٥) هذا حديث واحد عن علي ﵁، فاللفظ الأول: أخرجه أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٤٥)، والحاكم (٢٦٢٣)، وصححه الحاكم وابن عبد الهادي وابن الملقن، وله طرق أخرى صحيحة عن جماعة من الصحابة، وأخرج البخاري (٦٩١٥)، قطعة منه وهو قوله: «لا يقتل مسلم بكافر». واللفظ الآخر أخرجه الدارقطني (٣٢٥٤)، من طريق جابر، عن الشعبي عن علي ﵁ قال: «من السنة ألاّ يقتل مؤمن بكافر، ومن السنة ألاَّ يقتل حر بعبد»، وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف، ولم نقف عليه في المسند، وكذا ذكر الألباني، وقد عزاه ابن قدامة لأحمد. ينظر: المغني ٨/ ٢٧٤، تنقيح التحقيق ٤/ ٤٦٠، البدر المنير ٩/ ١٥٨، الإرواء ٧/ ٢٦٨.
(٦) في (ن): الأخبار والآيات.
[ ٩ / ١٠١ ]
وقد رَوَى البَيْلماني (^١): «أقاد مسلِمًا بذِمِّيٍّ»، قيل (^٢): قال أحمدُ: لَيسَ له إسناد (^٣)، وقال أيضًا (^٤): هو مُرسَلٌ، وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: البَيْلماني (^٥) ضعيفٌ إذا أسْنَدَ؛ فكَيفَ إذا أرْسَلَ (^٦).
(والْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ)؛ لقَولِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ: «لا يُقتَلُ حرٌّ بعبدٍ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (^٧)، ولأِنَّهما شَخْصانِ لا يَجْري بَينَهما القِصاصُ في الأطراف السَّليمةِ، فلم يَجِبْ في النَّفس؛ كالأُبوَّة، ولأِنَّه مَنقوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقتَلْ به الحُرُّ؛ لِرُجْحانِه عليه بوَصْفِ الحرِّيَّة.
(فَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ (^٨) الحُرِّ أَوِ العَبْدِ (^٩)
_________________
(١) في (م): السلماني.
(٢) في (ظ): قتل.
(٣) في (م): إسناده. وينظر: المغني ٨/ ٢٧٤.
(٤) في (م): القاضي.
(٥) في (م): السلماني.
(٦) أخرجه الدارقطني (٣٢٥٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٩١٧)، من طريق إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: «أنا أكرم من وفى بذمته»، وأخرجه من وجه آخر بلفظ: «أقاد مسلمًا قتل يهوديًا»، وفي لفظ: «أقاد مسلمًا بذمي»، والأسلمي متروك الحديث، وأعله الدارقطني والبيهقي بالإرسال قال الدارقطني: (والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي ﷺ، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله).
(٧) أثر علي سبق تخريجه ٩/ ١٠١ حاشية (٥)، وأما أثر ابن عباس ﵄ فهو حديث مرفوع، أخرجه الدارقطني (٣٢٥٢)، والبيهقي من طريقه في الكبرى (١٥٩٣٩)، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد»، وإسناده ضعيف جدًّا، فيه جويبر بن سعيد الأزدي وهو ضعيف، وقال الذهبي: (تركوه)، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، قاله النسائي وغيره. ينظر: الكاشف ١/ ٢٩٨، تنقيح التحقيق ٤/ ٤٦٧.
(٨) في (م): أو الذمي.
(٩) في (م): والعبد.
[ ٩ / ١٠٢ ]
بِمِثْلِهِ)؛ لحصولِ المُكافَأَةِ بَينَهما، ويُقتَلُ الذِّمِّيُّ بمِثْلِه، اتَّفَقَتْ أدْيانُهم أو اخْتَلَفَتْ، نَصَّ عليه في النَّصرانيِّ يُقتَلُ بالمجُوسِيِّ (^١)، وذِمِّيٌّ بمُسْتَأْمَنٍ وعَكْسه، والعبدُ المسلمُ بمِثْلِه في قَولِ أكثرِهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى …﴾ الآية [البَقَرَة: ١٧٨]، وكتَفاوُتِ الفَضائِلِ؛ كالعِلْمِ والشَّرَف، لا مُكاتَبٍ بعَبْدِه، ويُقتَلُ بعَبْدِه ذي الرَّحِم المُحرَّمِ في الأَشْهَرِ.
فإنْ قتَلَ رقيقٌ مسلمٌ رقيقًا مسلِمًا كذِمِّيٍّ (^٢)؛ ففي جَوازِ القَوَد وَجْهانِ، وإنْ تَساوَت القِيمةُ.
وإنْ قَتَل عبدٌ ذِمِّيٌّ عبدًا مسلِمًا؛ قُتِلَ به.
ويُقتَلُ قِنٌّ بمُكاتَبٍ في الأصحِّ، فإنْ كانا لسيدٍ (^٣)؛ فلا قَوَدَ في وَجْهٍ.
ويُقتَلُ كلٌّ منهما بالمدبَّر، وأمِّ الوَلَد، وبالعَكْس.
فرعٌ: إذا قَتَلَ مَنْ بَعضُه حُرٌّ مِثْلَه، أوْ أكثرَ منه حُرِّيَّةً؛ قُتِلَ به (^٤) في الأصحِّ، ولا يُقتَلُ بعبدٍ، ولا يُقتَلُ به حرٌّ.
(وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى)، بغَيرِ خِلافٍ (^٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائدة: ٤٥]، و«لأِنَّه ﵇ قَتَلَ يهوديًّا رضَّ رأسَ جاريةٍ بَينَ حَجَرَينِ» (^٦)، ولأِنَّهما شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحِدٍ منهما بِقَذْفِ الآخَرِ، فقُتِل (^٧) به؛ كالرَّجُل بالرَّجُل.
(وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)، في قَولِ عامَّتِهم؛ لأِنَّها دُونَه.
_________________
(١) ينظر: أحكام أهل الملل ص ٣١٦، زاد المسافر ٤/ ٤٠٤.
(٢) كذا في النسخ الخطية، وفي الفروع ٩/ ٣٧٢: لذمي.
(٣) في (م): فإذا كان السيد.
(٤) في (م): قتل فيه. وفي (ن): فقتل به.
(٥) ينظر: الإقناع في مسائل الإجماع ٢/ ٢٧٤.
(٦) أخرجه البخاري (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢)، من حديث أنس ﵁.
(٧) في (ن): يقتل.
[ ٩ / ١٠٣ ]
(وَعَنْهُ: يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، ثَنَا هُشَيمٌ، أنَا يُونُسُ، عن الحَسَن، عن عليٍّ، قال: «يُقتَلُ الرَّجُلُ بالمرأة، ويُعْطَى أوْلياؤه نصفَ الدية» (^١)، ولأِنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَتِه، فَوَجَبَ أنْ يُعْطَى ذلك؛ ليَحصُلَ (^٢) التَّساوِي.
(وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلاَّ أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهُمَا)؛ لأِنَّه بَدَلُ مالٍ، فيعتبر (^٣) فيه التَّساوِي؛ كالقيمة، (وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ).
والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ للنَّصِّ، ولأِنَّه قِصاصٌ، فلا يُعتَبَرُ فيه التَّساوِي في القيمة؛ كالأحرار.
ولم يَتعرَّض المؤلِّفُ للخُنْثَى، وحاصِلُه: أنَّه يُقتَلُ كلُّ واحِدٍ من الذَّكَر والأنْثَى بالخُنْثى، ويُقتَلُ بهما؛ لأِنَّه إمَّا رجلٌ أو امرأةٌ.
(وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ)؛ لأِنَّه «﵇ قَتَلَ يهودِيًّا بجاريةٍ» (^٤)، ولأِنَّه إذا قُتِلَ بمِثْلِه؛ فمَنْ فوقه (^٥) أَوْلَى.
(وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ)؛ لأِنَّه أكملُ (^٦) منه، أشْبَهَ قَتْلَ الكافِرِ بالمسْلِم.
_________________
(١) قوله: (إذا قتل بالأنثى لما روى سعيد …) إلى هنا سقط من (م). والأثر: لم نقف عليه عند سعيد بن منصور، وأخرج الطبري في تفسيره (٣/ ٩٩)، عن قتادة، عن الحسن، أن عليًا ﵁، قال في رجل قتل امرأته: «إن شاؤوا قتلوه وغرموا نصف الدية»، ورجاله ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من علي، ويقويه ما أخرجه أيضًا الطبري (٣/ ١٠٠)، من طريق سماك، عن الشعبي، قال في رجل قتل امرأته عمدًا، فأتوا به عليًّا ﵁، فقال: «إن شئتم فاقتلوه، وردوا فضل دية الرجل على دية المرأة»، وسماك صدوق في روايته عن غير عكرمة.
(٢) في (م): فيحصل.
(٣) في (م): يعتبر.
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٧٦)، ومسلم (١٦٧٢)، من حديث أنس ﵁.
(٥) في (م): قومه.
(٦) في (م): كمل.
[ ٩ / ١٠٤ ]
(وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ)؛ لأِنَّ المرتدَّ كافِرٌ، فيُقتَلُ بالذِّمِّيِّ كالأصليِّ؛ ولأنَّ (^١) المرتَدَّ أسْوَأُ حالًا من الذِّمِّيِّ؛ لأِنَّه مُهدَرُ الدَّم، بخِلافِ الذِّمِّيِّ.
فَعَلَى هذا: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يَبْقَى على رِدَّتِه، أوْ يَعودَ إلى الإسلام، ونَبَّهَ عَلَيهِ بقَولِه: (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ (^٢)؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في القِصاص بحالِ الجِنايَة، وحالةُ المرتدِّ والذِّمِّيِّ سَواءٌ بالنِّسبة إلى نَفْسِ الكُفْر.
(وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) مطلقًا (^٣)، في قَولِ أكثرِ العلماء، منهم عمرُ (^٤)، وعُثْمانُ (^٥)،
_________________
(١) في (م): لأن.
(٢) ينظر: المحرر ٢/ ١٢٥.
(٣) قوله: (مطلقاٌ) سقط من (م).
(٤) روي عن عمر ﵁ من أوجه منها: ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٤٧٠)، بسند صحيح عن النزال بن سبرة: أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من أهل الحيرة فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: «أن اقتلوه به»، فقيل لأخيه حنين: اقتله، قال: «حتى يجيء الغضب» قال: فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين، قال: فكتب عمر: «أن لا تقيدوه به»، قال: فجاءه الكتاب وقد قتل. وأخرجه بمعناه محمد بن الحسن في الحجة (٤/ ٣٥٥)، ومن طريقه الشافعي في الأم (٧/ ٣٣٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٩٢٨)، عن إبراهيم النخعي: أن رجلًا من بكر بن وائل قتل رجلًا من أهل الحيرة …، وهو منقطع بين إبراهيم وعمر ﵁. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٥٠٩)، من طريق ليث، عن مجاهد، قال: «قدم عمر بن الخطاب الشام فوجد رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة فهمَّ أن يقيده»، فقال له زيد بن ثابت: «أتقيد عبدك من أخيك»، فجعل عمر ديته. وليث بن أبي سليم ضعيف، ومجاهد لم يدرك عمر ﵁.
(٥) أخرجه عبد الرزاق كما في المحلى (١٠/ ٢٢٣)، ورواه عنه أحمد كما في أحكام أهل الملل للخلال (١/ ٣١١)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الدارقطني (٣٢٨٩)، والبيهقي في الكبرى (١٥٩٣١)، عن ابن عمر ﵄: أن رجلًا مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا، فرفع إلى عثمان: فلم يقتله، وغلظ عليه الدية مثل دية المسلم»، وإسناده صحيح، قال ابن حزم: (هذا في غاية الصحة عن عثمان). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٧٤٧٥)، عن الحسن، قال: سئل عثمان عن رجل يقتل يهوديًّا أو نصرانيًّا، قال: «لا يقتل مسلم بكافر، وإن قتله عمدًا»، والحسن روايته عن عثمان مرسلة.
[ ٩ / ١٠٥ ]
وعليٌّ (^١)، وزَيدٌ (^٢)؛ لقوله ﵇: «لا يُقتَلُ مسلِمٌ بكافِرٍ» رواهُ البخاريُّ (^٣).
وظاهِرُه: ولو ارْتَدَّ، ولأِنَّه مَنقُوص بالكفر، فلا (^٤) يُقتَلُ به المسلِمُ؛ كالمسْتَأْمَنِ.
وقِيلَ: يُقتَلُ به؛ للعُمومات، وأنَّ (^٥) الخبر (^٦) في الحربيِّ؛ كما يُقطَعُ بسَرِقةِ ماله.
وفي (^٧) كلامِ بعضهم: حكمُ المال غَيرُ حُكْمِ النَّفْس، بدليلِ القَطْع بسَرِقةِ مالِ زانٍ مُحصَنٍ، وقاتِلٍ في محاربة (^٨)، ولا يُقتَلُ قاتِلُهما.
والفَرْقُ: أنَّ مالَهما باقٍ على العِصْمة؛ كمالِ غَيرِهما، وعِصمةُ دَمِهِما زالَتْ.
وعَجِبَ أحمدُ مِنْ قَولِ الشَّعبيِّ والنَّخَعِيِّ: أنَّه يُقتَلُ المسْلِمُ بالمجوسيِّ،
_________________
(١) سبق تخريجه ٩/ ١٠١ حاشية (٥).
(٢) تقدم في أثر عمر عند عبد الرزاق، وأخرج البيهقي في الكبرى (١٥٩٢٦)، عن مكحول: أن عبادة بن الصامت ﵁ دعا نبطيًّا يمسك له دابته عند بيت المقدس فأبى فضربه فشجه، فاستعدى عليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: «ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟»، فقال: يا أمير المؤمنين أمرته أن يمسك دابتي فأبى، وأنا رجل فيَّ حدة فضربته، فقال: «اجلس للقصاص»، فقال زيد بن ثابت: «أتقيد عبدك من أخيك؟»، فترك عمر ﵁ القود وقضى عليه بالدية. وإسناده صحيح. ينظر: نصب الراية ٤/ ٣٣٧.
(٣) أخرجه البخاري (١١١)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) في (م): ولا.
(٥) في (ن): ولأن.
(٦) في (م): الحر.
(٧) في (م): في.
(٨) في (م): وقال في محاربته.
[ ٩ / ١٠٦ ]
واسْتَشْنَعَه (^١)؛ لأِنَّه لَيسَ بمحقون (^٢) الدَّمِ.
(وَلَا حُرٌّ (^٣) بِعَبْدٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، فدلَّ على أنَّه لا يُقتَلُ به الحرُّ، ولِمَا رَوَى أحمدُ عن عليٍّ أنَّه قال: «من السُّنَّة أن (^٤) لا يُقتَلَ حرٌّ بعبدٍ»، وعن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثلُهُ، رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٥)، ولأِنَّه لا يُقطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه مع التَّساوِي في السَّلامة، فلا يُقتَلُ به؛ كالأبِ مع ابْنِه.
ويتوجَّه: عَكْسُه، وهو قَولُ ابنُ المسيِّب والنَّخَعِيِّ، ولأِنَّه آدَمِيٌّ مَعصومٌ أشْبَهَ الحرَّ.
وجَوابُه: أنَّه مَنقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقتَلْ به الحُرُّ؛ كالمكاتَبِ إذا مَلَكَ ما يُؤدِّي.
(إِلاَّ أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ، أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ، وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (^٦).
وحاصِلُه: أنَّ الاِعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجوب؛ كالحَدِّ، فعلى هذا: إذا قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أوْ جَرَحَه، ثُمَّ أسْلَمَ الجارِحُ، وماتَ المجْروحُ، أوْ قَتَلَ عَبْدٌ عبدًا، أوْ جَرَحَه، ثمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارحُ (^٧)، ومات المجروح؛ وَجَبَ القِصاصُ؛ لأِنَّهما متكافئان (^٨) حالَ الجِنايَةِ، ولأِنَّ القِصاصَ قد وَجَبَ، فلا
_________________
(١) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٤٤٥، المغني ٨/ ٢٧٣.
(٢) في (م): محقون.
(٣) قوله: (ولا حر) في (م): والآخر.
(٤) في (ظ): أنه.
(٥) سبق تخريجهما ٩/ ١٠٢ حاشية (٧).
(٦) ينظر: مسائل صالح ٢/ ٢٤٩، أحكام أهل الملل ص ٢٦٨.
(٧) في (ظ): الخارج.
(٨) في (م): يتكافآن.
[ ٩ / ١٠٧ ]
يَسقُطُ بما طَرَأَ؛ كما لو جُنَّ، ذَكَرَه الأَصْحابُ.
وقِيلَ: لا يُقتَلُ به، وقاله (^١) الأَوْزاعِيُّ؛ كما لو كان مُؤمِنًا حالَ قَتْلِه.
والأوَّلُ أقْيَسُ، لا (^٢) يُقالُ: لِمَ اعْتُبِرَت المكافَأةُ عِنْدَ ذلك؟ لأِنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ، فكان الاِعْتِبارُ فيها (^٣) بحالِ الوُجوب دُونَ الاِسْتِيفاءِ، ولأِنَّ القِصاصَ حقٌّ (^٤) وَجَبَ عليه قَبْلَ إسْلامِه وعِتْقِه، فلم يُسقِطه (^٥) الإسلامُ؛ كسائِرِ الحُقوقِ.
(وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَ حُرٌّ (^٦) عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ وَعَتَقَ، وَمَاتَ؛ فَلَا قَوَدَ)؛ لأِنَّ المكافأةَ معدومةٌ حالةَ الجِنايَةِ، (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ)، قدَّمه في «المحرَّر»، و«الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في الأَرْشِ بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية (^٧)، بدليلِ ما لو قَطَعَ يَدَيْ رَجلٍ ورِجلَه (^٨)، فَسَرَى إلى نفسه ففيه دِيَةٌ واحدةٌ؛ اعْتِبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية، ولو اعْتُبِر حالُ الجناية؛ وجبت (^٩) دِيَتانِ.
وللسيِّد أقلُّ الأَمْرَينِ من نصفِ قِيمتِه، أوْ نصفِ ديةِ حرٍّ، والباقي لورثته.
وقِيلَ: الدِّيةُ لسيِّده؛ لوجوبها عليه قَبْلَ العتق، وما زاد منها على أرْشِ الجناية إرْثٌ.
_________________
(١) في (م): وقال.
(٢) في (ن): لأن لا.
(٣) في (م): فيهما.
(٤) في (م): قد.
(٥) في (م): فلم يسقط.
(٦) قوله: (حر) سقط من (م).
(٧) قوله: (الجناية) سقط من (ن).
(٨) في (ن): ورجليه.
(٩) في (م): وجب.
[ ٩ / ١٠٨ ]
(وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ)، والقاضي وأصحابِه، وابنِ حامِدٍ فيما حكاه ابنُ عَقِيلٍ عنه (^١) في «التذكرة»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: (عَلَيْهِ فِي الذِّمِّيِّ دِيَةُ ذِمِّيٍّ، وَفِي الْعَبْدِ: قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ).
وديةُ مسلِمٍ لوارثٍ مسلِمٍ؛ لأِنَّ حكمَ القِصاص مُعتَبَرٌ بحال الجناية، فكذا إذا أسْلَمَ أوْ عَتَقَ.
نَقَلَ حنبلٌ: يأخُذُ قِيمتَه وقْتَ جِنايَتِه (^٢)، وكذا دِيَتُه، نَقَلَه حَرْبٌ (^٣)، إلاَّ أنْ يُجاوِزَ أرْشَ الجناية؛ فالزِّيادة للوَرَثَة، وإنْ وجب (^٤) بهذه الجنايةِ قَوَدٌ؛ فطَلَبُه للورثة (^٥) على هذه، وعلى الأخرى: للسَّيِّد.
فرعٌ: قَتَلَ أوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أوْ عبدٌ عبدًا، ثمَّ أسْلَمَ أوْ عَتَقَ مُطلَقًا؛ قُتِلَ به (^٦) في المنصوص (^٧)؛ كجُنونه في الأصحِّ، وعَدَمُ قَتْلِ مَنْ أسْلَم ظاهرُ (^٨) نقلِ بكرٍ (^٩)؛ كإسلامِ حربيٍّ قاتِلٍ.
وكذا إنْ جَرَحَ مُرتَدٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أسْلَمَ.
ولَيسَتِ التَّوبةُ بَعْدَ الجُرْحِ، أو بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الإصابة مانِعةً من (^١٠) القَوَدِ في ظاهِرِ كلامِهم، وجَزَمَ به شَيخُنا (^١١)، كما بَعْدَ الزُّهوقِ، ذَكَرَه في «الفروع».
_________________
(١) قوله: (عنه) سقط من (م).
(٢) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٤٤٧.
(٣) ينظر: الفروع ٩/ ٣٧٥.
(٤) في (م): وجبت.
(٥) في (م): لورثته.
(٦) في (ظ): قبل منه.
(٧) ينظر: الفروع ٩/ ٣٧٤.
(٨) في (م): فظاهر.
(٩) في (ن): أبي بكر. والمثبت موافق للفروع ٩/ ٣٧٤.
(١٠) قوله: (من) سقط من (م).
(١١) في (م): (وجزم شيخنا). والمراد به شيخ الإسلام ابن تيمية. ينظر: الفروع ٩/ ٣٧٤.
[ ٩ / ١٠٩ ]
(وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ؛ فَلَا قَوَدَ)؛ لعدَمِ المكافَأةِ، (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ) للوَرَثةِ، ولا شَيءَ للسَّيِّد، (إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، لا نِزاعَ في وجوبِ ديةِ حرٍّ مسلِم إذا مات من الرَّمْية؛ لأِنَّ الإتْلافَ حَصَلَ لِنَفْسِ حرٍّ مُسلِمٍ، فتعين (^١) أن لا قَوَدَ، قاله الخِرَقيُّ، والقاضِي، وابنُ حامِدٍ؛ إذ (^٢) الرَّمْيُ جزءٌ من الجناية، ولا رَيبَ في انْتِفاءِ المكافَأَة حالَ الرَّمْيِ، وإذا عُدِمَت المكافأةُ في بعضِ الجِنايَة؛ عُدِمَتْ في كلِّها؛ إذ الكلُّ يَنتَفِي بانْتِفاءِ بعضِه، وكما لو رَمَى مُرتَدًّا فأسلم (^٣).
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: (عَلَيْهِ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّه قَتَلَ مُكافِئًا له عمدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ القَوَدُ؛ كما لو كان حرًّا مسلِمًا حالَ الرَّمْيِ، ولأِنَّ الاِعْتِبارَ بالإصابة، بدليلِ ما لو رَمَى فلم يُصِبْه حتَّى ارْتَدَّ، وكقتله (^٤) مَنْ عَلِمَه أوْ ظَنَّه ذِمِّيًّا أوْ عبدًا، فكان قد أسْلَمَ أوْ عتق (^٥)، أوْ قاتِلَ أبيه، فلم يَكُنْ في الأصحِّ.
وفي «الرَّوضة»: إذا رَمَى مُسلِمٌ ذِمِّيًّا؛ هل يَلزَمُه ديةُ مُسلِمٍ أوْ دِيةُ كافِرٍ؟ فيه رِوايَتانِ؛ اعتبارًا بحال (^٦) الإصابة أو الرَّمْيةِ، ثمَّ بَنَى مسألةَ العبد على الرِّوايتَينِ في ضَمانِه بدِيَةٍ أوْ قيمة (^٧)، ثُمَّ بَنَى عليهما مَنْ رَمَى مُرتدًّا أوْ حربِيًّا فأسْلَمَ قَبْلَ وُقوعه؛ هل يَلزَمُه دية (^٨) مسلمٍ، أوْ هَدرٌ؟
_________________
(١) في (ن): فيتعين.
(٢) في (ظ) و(م): إذا.
(٣) قوله: (وعليه دية حر مسلم ) إلى هنا سقط من (م).
(٤) في (م): وقتله.
(٥) في (م): أعتق.
(٦) في (م): حال.
(٧) في (ن): يديه أو قيمته.
(٨) قوله: (دية) سقط من (م).
[ ٩ / ١١٠ ]
فرعٌ: إذا رَمَى كافِرًا فأصابه (^١) السَّهمُ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ؛ كانَتْ دِيَتُه لورثته المسلمين، وفي «الشَّرح»: وجوبُ المال مُعتَبَرٌ بحال الإصابة؛ لأِنَّه بَدَلٌ عن المحلِّ، فيُعتبَرُ عن المحلِّ الذي فاتَ بها، فيَجِبُ بقدره (^٢)، وقد فات بها نفسُ مسلِمٍ حرٍّ، والقِصاصُ جزاءُ الفعل، فيُعتَبَرُ الفِعْلُ فيه (^٣) والإصابة معًا؛ لأِنَّها طَرَفاهُ، فلذلك (^٤) لم يَجِب القصاصُ بقَتْلِه، قال في «الرِّعاية»: في الأصحِّ.
(وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ)، جَزَمَ به الشَّيخانِ وصاحِبُ «الوجيز»؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ يُكافِئُه بغَيرِ حقٍّ، أشْبَهَ ما لو عَلِمَ حالَه.
(وَإِنْ كَانَ (^٥) يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا)، فَبانَ أنَّه قد أسْلَمَ؛ (فَكَذَلِكَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ)؛ لأنَّه (^٦) قَتَلَ مُكافِئًا عُدْوانًا عَمْدًا، والظَّاهِرُ: أنَّه لا يُخلَّى في دار الإسلام إلاَّ بَعْدَ إسْلامِه، بخِلافِ مَنْ في دارِ الحرب.
(قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَلاَّ يَلْزَمَهُ) القِصاصُ؛ لأِنَّه لم يَقصِدْ قَتْلَ معصومٍ، فلم يَلزَمْه قِصاصٌ؛ كما لو قَتَلَ في دار الحرب مَنْ يَعتَقِدُه حربيًّا بعْدَ أنْ أسْلَمَ، ولا يَلزَمُه (إِلاَّ الدِّيَةُ)؛ لأِنَّ الاِرْتِدادَ سلَّطَه عليه، وَوَجَبَت الدِّيةُ؛ لِئَلاَّ يفوت (^٧) القصاص لا (^٨) إلى بَدَلٍ.
_________________
(١) في (م): خاصًا به.
(٢) في (م) بمقدره.
(٣) في (م): منه.
(٤) في (م): فكذلك.
(٥) زيد في (م): من.
(٦) في (م): لأن.
(٧) زيد في (م): في.
(٨) قوله: (لا) سقط من (ظ).
[ ٩ / ١١١ ]
تنبيهٌ: يُقتَلُ المكلَّفُ بطفلٍ ومجنونٍ، والعالِمُ والشَّريفُ بضِدِّهما، والصَّحيحُ بالمريض ولو قارَبَ الموت، والسَّمِينُ بالهَزِيل، وكذا فِيما دُونَ النَّفس.
مسألةٌ: إذا (^١) قَتَلَ حرٌّ مسلمٌ في دار الحرب مَنْ عَلِمَه أوْ ظنَّه حربيًّا، فبان أنَّه قد أسْلَمَ؛ فهَدرٌ.
فلو دَخَلَها مسلمٌ بأمانٍ، فقَتَلَ بها حربيًّا قد (^٢) أسْلَمَ وكَتَمَ إيمانَه؛ ففي وجوبِ الدِّيَة رِوايَتانِ.
وكذلك الحُكْمُ لو قَتَلَ هذا المستأمن بدارِ الحرب مسلِمًا قد دَخَلَها بأمانٍ، ولم يَعلَمْ إسْلامَه؛ فَعَلَى الأوَّلِ: يَجِبُ على المسلِمِ المسْتَأْمَنِ ديةُ ذِمِّيٍّ.
_________________
(١) في (م): وإذا.
(٢) في (م): قبل.
[ ٩ / ١١٢ ]