(الرَّابِعُ: أَلاَّ يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ)؛ لأِنَّه لو لم يكُنْ مِنْ شروطه لَقُتِلَ به، واللاَّزِمُ مُنتَفٍ، (فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ)، نَصَّ عليه (^١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَا يُقتَلُ والِدٌ بوَلَدِه» رواه ابنُ ماجهْ، والتِّرْمذِيُّ، مِنْ روايةِ إسماعيلَ ابنِ مسلِمٍ المَكِّيِّ، ورواهُ أحمدُ، والتِّرمذِيُّ، وابن ماجَهْ، من روايةِ حجَّاجِ بنِ أرطاة، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عمرَ (^٢)، قال ابنُ عبد البَرِّ: (هو حديثٌ مشهورٌ عِنْدَ أهلِ العِلْمِ بالحِجاز والعراق، يُستغنى (^٣) بشُهْرَتِه وقَبولِه والعَمَلِ به عن الإسناد، حتَّى يكونَ الإسْنادُ في مِثْلِهِ
_________________
(١) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥١٤، مسائل ابن هانئ ٢/ ١١، مسائل عبد الله ص ٤٠٩، زاد المسافر ٤/ ٤٠٨.
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجه (٢٦٦١)، والدارقطني (٣٢٧٥)، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وعُدَّ هذا الحديث من مناكيره. وأخرجه أحمد (١٤٧)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «لا يقاد والد من ولد»، هذا لفظ أحمد، وعند ابن ماجه: «لا يقتل الوالد بالولد»، ويرويه عن عمرو: ابن لهيعة وهو ضعيف، وحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، وذكر ابن المبارك وابن معين أنه يدلس عن عمرو بن شعيب، وأن بينهما العرزمي وهو متروك. وأخرجه الترمذي (١٣٩٩)، من طريق إسماعيل بن عياش، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سراقة بن مالك بن جعشم ﵁ قال: «حضرت رسول الله ﷺ يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه»، وإسماعيل والمثنى ضعيفان. وهذا الحديث اختلف فيه أهل العلم، فحكم عليه بالاضطراب الترمذي والإشبيلي، وصححه ابن الجارود والألباني، وذكر ابن عبد البر أنه خبر مستفيض عند أهل العلم. ينظر: ميزان الاعتدال ١/ ٢٤٩، تنقيح التحقيق ٤/ ٤٧٢، التلخيص الحبير ٤/ ٥٤، بلوغ المرام (١١٦٢)، الإرواء ٧/ ٢٦٩.
(٣) في (م): فيستغنى.
[ ٩ / ١١٣ ]
مع شُهْرَتِه تَكلُّفًا (^١) (^٢)، وقال ﵇: «أنْتَ ومالُكَ لأِبِيكَ» (^٣)، فمقتضى (^٤) هذه الإضافةِ تمليكُه إيَّاه، فإذا لم تثبت حقيقةُ الملكِيَّةِ؛ ثبتت (^٥) الإضافةُ شبهةً (^٦) في إسقاطِ القِصاص.
وظاهِرُه: ولو اخْتَلَفَا دِينًا وحُرِّيَّةً؛ لأِنَّه كان سببًا في إيجاده، فلا يكون سببًا في إعْدامِه، إلاَّ أنْ يكونَ ولدَه (^٧) مِنْ رضاعٍ أوْ زِنًى، فإنَّه يُقتَلُ به.
قال في «عيون المسائل»: ولا يَلزَمُ الزَّاهِدَ العابِدَ، فإنَّ معه من الدِّين والشَّفقة ما يَردَعُه عن القتل (^٨)؛ لأِنَّ رادِعَه حُكْمِيٌّ، وهو ضعيفٌ، ورادع الأب (^٩) طَبْعِيٌّ، وهو أقوى (^١٠)، بدليلِ أنَّه لا يُمكِنُه إزالَتُه.
(وَإِنْ سَفَلَ)؛ أيْ: لا يُقتَلُ والِدٌ بِوَلَدِه وإنْ نَزَل؛ لأِنَّ الجَدَّ وإنْ عَلَا والِدٌ، فيَدخُلُ في الحديث، ولأِنَّ ذلك حكمٌ يَتعَلَّقُ بالوِلادة، فاسْتَوَى فيه القريبُ والبعيدُ؛ كالمَحْرَمِيَّة، والمعْتَقِ عليه إذا مَلَكَه، فوَجَبَ تَساوِيهما في الحُكم.
(وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ (^١١) سَوَاءٌ)؛ لأِنَّها أحَدُ (^١٢) الوالِدَينِ فيشملها
_________________
(١) في (ن): مكلفًا، وهو سقط من (م).
(٢) ينظر: التمهيد ٢٣/ ٤٣٧.
(٣) سبق تخريجه ٣/ ٣٨٩ حاشية (٤).
(٤) في (م) و(ن): بمقتضى.
(٥) في (ن): تثبت. وفي المغني ٨/ ٢٨٥: بقيت.
(٦) في (ن): بشبهة.
(٧) في (م): ولدًا.
(٨) قوله: (عن القتل) سقط من (م).
(٩) قوله: (الأب) سقط من (ظ) و(ن).
(١٠) في (م): قوي.
(١١) في (م): هذا.
(١٢) قوله: (لأنها أحد) في (م): لأنهما.
[ ٩ / ١١٤ ]
الخبرُ، ولأِنَّها أَوْلَى بالبِرِّ منه، فعلى هذا: الجَدَّةُ وإنْ عَلَتْ، مِنْ قبل (^١) الأب والأمِّ؛ كالأمِّ، ولو قال: وأمٌّ كأبٍ في ذلك؛ لكان (^٢) أَوْلَى.
وعَنْهُ: تُقتل (^٣) أمٌّ به، نَقَلَها مُهَنَّى في أمِّ الولد قتلت (^٤) سيِّدَها عَمْدًا: تُقتَلُ، قال: من (^٥) يَقتُلُها؟ قال: ولدُها (^٦)، وكالأخِ.
وعنه: يُقتَلُ أبٌ به، وقالَهُ ابنُ عبد الحَكَم، وابن (^٧) المنْذِرِ؛ للعُمومات، وكالأجْنَبين.
وقال مالك: إنْ قَتَلَه حذفًا (^٨) بالسَّيف ونحوِه؛ لم يُقتَلْ به، وإنْ أضْجَعَه وذَبَحَه قُتِلَ به (^٩).
وجَوابُه: أنَّ الأبَ يُفارِقُ سائرَ النَّاس، فإنَّهم لو قَتلُوا بالحذف (^١٠) بالسَّيف؛ وَجَبَ عليهم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه.
وقِيلَ: يُقتَلُ أبو أمٍّ بولَدِ بِنْتِه، وعَكْسُه.
وفي «الرَّوضة»: لا تقتل (^١١) أمٌّ، والأصح (^١٢): وجَدَّةٌ.
_________________
(١) في (ن): في قتل.
(٢) في (م): فكان.
(٣) في (ن): يقتل.
(٤) قوله: (قتلت) سقط من (م).
(٥) في (ن): ومن.
(٦) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ص ٥٠٣، المغني ٨/ ٢٨٦.
(٧) زيد في (م): عبد.
(٨) في (ن): خذفًا. قال في الصحاح ٤/ ١٣٤١: (حذفت رأسه بالسيف: إذا ضربته فقطعت منه قطعة).
(٩) ينظر: التهذيب في اختصار المدونة ٤/ ٥٤٧، المعونة على مذهب عالم المدينة ١/ ١٣٠١.
(١٠) في (ن): بالخذف.
(١١) في (ن): لا يقتل.
(١٢) في (م): في الأصح.
[ ٩ / ١١٥ ]
وفي «الانتصار»: لا (^١) يجوزُ للابن قَتْلُ أبيه برِدَّةٍ وكُفْرٍ بدارِ حرب (^٢)، ولا رَجْمُه بِزِنًى، ولو قُضِيَ عليه بِرَجْمٍ.
وعَنْهُ: لا قَوَدَ بقتلٍ (^٣) في دارِ حَرْبٍ، فتَجِبُ دِيَةٌ، إلاَّ لغير (^٤) مُهاجِرٍ.
تذنيبٌ: إذا (^٥) ادَّعى اثْنانِ نَسَبَ لَقِيطٍ، ثُمَّ قتلاه (^٦) قَبْلَ لُحوقِه بأحدهما؛ فلا قَوَدَ، فإنْ رَجَعَ أحدُهما عن الدَّعْوَى، أوْ ألحقته (^٧) القافَةُ بغيره؛ انْقَطَعَ نَسَبُه منه وعليه القَوَدُ، وإنْ رَجَعَا عنها؛ لم يُقبَلْ منهما؛ لأِنَّ النَّسَبَ حقٌّ للولد.
فإنْ بَلَغَ انْتَسَبَ إلى أحدهما، وقُلْنا: يَصِحُّ انْتِسابُه، فهل يُقتَلُ الآخَرُ به؟ فيه وجْهانِ.
وإن اشْتَرَكَ اثْنانِ في وَطْءِ امرأةٍ، فأتَتْ بولدٍ يُمكِنُ أنْ يكونَ منهما، فَقَتَلاهُ قَبْلَ لُحوقه بأحدهما؛ فلا قَوَدَ، ولو أنْكَرَ أحدُهما النَّسَبَ؛ لم يُقتَلْ به؛ لبقاءِ فِراشِه مع إنْكارِه.
(وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو الصَّحيحُ؛ للآية، والأخبار (^٨)، ومُوافَقَةِ القِياسِ.
والثَّانيةُ: لا يُقتَلُ به (^٩)؛ لأِنَّه ممَّن لا تقبل (^١٠) شهادتُه لِحَقِّ النَّسَب، فلا
_________________
(١) في (م): ولا.
(٢) في (م): الحرب.
(٣) قوله: (بقتل) سقط من (م).
(٤) في (م): بغير.
(٥) قوله: (إذا) سقط من (ظ) و(ن).
(٦) في (م): قتلا.
(٧) في (م): أو الحقيقة، وفي (ن): وألحقته.
(٨) سبق تخريجها قريبًا.
(٩) قوله: (به) سقط من (م).
(١٠) في (ن): لا يقبل.
[ ٩ / ١١٦ ]
يُقتَلُ به؛ كالأب مع ابنه (^١).
وجوابُه: بأنَّ قِياسَه على الأب مُمْتَنِعٌ؛ لتأكُّدِ حرْمَته، ولأِنَّه إذا قُتِلَ بالأجنبيِّ؛ فَبِأَبِيهِ أَوْلَى، ولأِنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقتَلُ به؛ كالأجنبي (^٢).
لا يُقالُ: قد رَوَى سُراقَةُ مرفوعًا أنَّه قال: «لا يُقادُ الأب (^٣) من ابْنَه، ولا الاِبْنُ مِنْ أبيه»، ورُوِيَ عنه: «أنَّه كان يُقِيدُ الاِبْنَ من أبيه (^٤)»؛ لأِنَّهما خَبَرانِ لا يُعرَفانِ (^٥)، ولا يُوجَدانِ في الكُتُب المشهورةِ، وإنْ كان لهما أصْلٌ؛ فهما مُتعارِضانِ، فيَتَعَيَّنُ سُقوطُهما، والعَمَلُ بالنُّصوص الواضِحة غَيرهما.
(وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ)؛ سَقَطَ القِصاصُ؛ لأِنَّه لو (^٦) لم يَسقُطْ لَوَجَبَ للولد على الوالد، وهو ممنوعٌ؛ لأِنَّه إذا لم يَجِبْ بالجناية عليه؛ فَلِئَلاَّ يَجِبَ بالجناية على غَيرِه بطريقِ الأَوْلَى.
(أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّه لو لم يَسقُطْ لوجب (^٧) القِصاصُ له (^٨) على نفسه، وهو ممنوعٌ.
(فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ)؛ فلا قَوَدَ؛ لأِنَّه لو وَجَبَ لوجب (^٩) لولده عليه، وإذا لم يَجِبْ للولد بالجناية عليه فغَيرُه أَوْلَى.
وسَواءٌ كان الولدُ ذَكَرًا أوْ أُنْثَى، أوْ كان للمقتول مَنْ يشاركه (^١٠) في
_________________
(١) قوله: (مع ابنه) سقط من (م).
(٢) قوله: (فأبيه أولى، ولأنه يحد بقذفه، فيقتل به كالأجنبي) سقط من (ن).
(٣) في (م): أب.
(٤) زيد في (ن): لأمهما.
(٥) سبق تخريجه ٩/ ١١٣ حاشية (٢).
(٦) قوله: (لو) سقط من (م).
(٧) قوله: (لوجب) سقط من (م).
(٨) قوله: (له) سقط من (ن).
(٩) قوله: (لوجب) سقط من (م).
(١٠) في (م): يساويه.
[ ٩ / ١١٧ ]
الميراث؛ لأِنَّه لو ثَبَتَ القَوَدُ لَوَجَبَ له جُزْءٌ منه، ولا يُمكِنُ وجوبُه، وإذا سَقَطَ بعضُه سَقَطَ كلُّه؛ لأِنَّه لا يتبعَّضُ؛ كما لو عَفَا أحدُ الشَّريكَينِ.
(أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا، أَوْ وَلَدُهُ؛ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّها تَرِثُ النِّصفَ إنْ كان الأخُ لأِبَوَيهَا أوْ أبيها، والسُّدسَ إنْ كان لأُمِّها إذا كان معها مَنْ يَرِثُ بقيَّةَ المال، والجميعَ إنْ لم يكُنْ معها أحدٌ، وهو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف، فلمَّا ماتَتْ؛ وَرِثَ شَيئًا من الدَّم، أوْ وَرِثَ وَلَدُه ذلك، وهو مُقْتَضَى سقوطِ القصاص (^١)، سواءٌ كان لها ولدٌ مِنْ غَيرِه أوْ لَا؛ لأِنَّه لا يَتبعَّض (^٢).
وعنه: لا يسقط (^٣) بإرْثِ الولد، اختاره بعضُهم.
فإنْ لم يكُنْ للمقتول ولدٌ منهما (^٤)؛ وَجَبَ القِصاصُ في قَولِ أكثرِهم؛ لأِنَّهما شَخْصانِ مُتَكافِئانِ يُحَدُّ كلٌّ منهما بقَذْفِ الآخَرِ، فيُقتَلُ به؛ كالأجنَبِيَّينِ.
(وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ (^٥)، فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ)؛ لأِنَّ أخويه (^٦) يَستحِقَّانِ دمَ أبيهِما، فإذا قَتَلَ أحدُهما صاحبَه؛ وَرِثَ القاتِلُ الأوَّلُ ما (^٧) كان يَستَحِقُّه المقتولُ؛ لأِنَّه أخوه، فعلى هذا: يَستَحِقُّ نصفَ دَمِه؛ لأِنَّ دَمَ الأب بَينَ الأخَوَينِ نِصفانِ، ضرورةَ أنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ.
وإنْ قَتَلَ الثَّاني الأوَّلَ، ثُمَّ الثَّالِثُ الرَّابِعَ؛ قُتِلَ الثَّالِثُ دُونَ الثَّاني؛ لِإرْثِه
_________________
(١) قوله: (القصاص) سقط من (م).
(٢) في (م): لا تبعيض.
(٣) في (ن): لا تسقط.
(٤) في (م): منها.
(٥) في (م): وأخاه.
(٦) في (ن): إخوته.
(٧) في (م): من.
[ ٩ / ١١٨ ]
نصفَ دَمِه عن الرَّابِع، وعليه نصفُ دِيَةِ الأوَّل للثَّالِثِ.
(وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ أَبَاهُ، وَالآْخَرُ أُمَّهُ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ)، وهو (^١) قاتِلُ الأب؛ لأِنَّه وَرِثَ بعضَ دمِ نَفْسِه، وذلك ثُمُن (^٢) دمِ الأبِ، (وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ وَيَرِثُهُ)، إذا قَتَلَ أكبرُ الأخوَينِ لأِبَوَينِ أباهما، وأصْغَرُهما أمَّهما مع الزَّوجيَّةِ؛ فلا قَوَدَ على الأكبر؛ لِمَا ذَكَرْنا؛ لِإرِثِه ثُمُن (^٣) دمِه عن أمِّه، وعليه سبعةُ أثْمانِ دِيَةِ أبيه للأصغر، وله قتله (^٤) وإرْثُه في الأصحِّ؛ لأِنَّ القَتْلَ بحقٍّ لا يَمنَعُ المِيراثَ.
وإنْ كانَتْ بائنًا، أوْ قَتَلاهُما معًا مُطلَقًا؛ فلكلِّ واحِدٍ قَتْلُ أخيه.
فإنْ تَنازَعَا في السَّبْقِ بالاِسْتِيفاءِ؛ قُدِّمُ مَنْ قَرَعَ، ويَحتَمِلُ: أنْ يُبدَأَ بقَتْلِ القاتِلِ الأوَّلِ، واخْتارَه ابنُ حمْدانَ. (وَإِنْ (^٥) قَتَلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَادَّعَى كُفْرَهُ أَوْ رِقَّهُ (^٦)؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّه محكومٌ بإسْلامِه بالدَّار، ولهذا يُحكَمُ بإسْلامِ اللَّقِيطِ، ولأِنَّ الأصلَ الحُرِّيَّةُ، والرِّقُّ طارِئٌ.
(أَوْ ضَرَبَ (^٧) مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ؛ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ)؛ لم يُقبَلْ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ الحياةُ؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَه وادَّعَى أنَّه كان مِثْلَه؛ لأِنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ.
وذَكَرَ في «الواضح» عن أبي بكرٍ: لا يَضمَنُه.
_________________
(١) في (ن): لذلك ولو.
(٢) في (م): عن.
(٣) في (م): ثم.
(٤) في (م): قتل.
(٥) في (ن): فإن.
(٦) قوله: (أو رقه) سقط من (م).
(٧) في (ن): ضربه.
[ ٩ / ١١٩ ]
وأطْلَقَ ابنُ عَقِيلٍ في مَوتِه وجْهَينِ.
وسأل القاضِيَ: أفلا يُعتَبَرُ بالدَّم وعدِمه؟ قال: لا، لم يَعتَبِرْه الفُقَهاءُ، قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ: يُعتَبَرُ.
(أَوْ قَتَلَ رَجُلًا فِي دَارِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ دَخَلَ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ)؛ وَجَبَ القِصاصُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (^١)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ ما يَدَّعِيهِ، سَواءٌ وُجِدَ في دار القاتِلِ أوْ غيرها (^٢)، معه سِلاحٌ أوْ لَا؛ لِمَا رُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه سُئِلَ عمَّنْ وَجَدَ مع امْرأتِه رجلًا آخَرَ فقتله (^٣)، فقال: «إنْ لم يأْتِ بأربعةٍ؛ فلْيُعْطَ بِرُمَّتِه» رواه سعيدٌ ورجالُه ثِقاتٌ (^٤).
قال في «الفروع»: ويتوجَّه عَدَمُه في معروفٍ بالفساد.
وظاهِرُه: أنَّ الوليَّ إذا اعْتَرَفَ بذلك؛ فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ؛ لقَولِ عمرَ، رواه سعيدٌ، وهو مُنقَطِعٌ (^٥)،
_________________
(١) ينظر: المغني ٨/ ٢٧٠.
(٢) في (ن): غير ما.
(٣) في (ن): يقتله.
(٤) أخرجه مالك (٢/ ٧٣٧)، والشافعي في مسنده (ص ٢٧٦)، والبيهقي من طريقه في الكبرى (١٧٠١٢)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٧٤).
(٥) أخرجه سعيد كما ذكره في المغني (٨/ ٢٧٠)، فقال: روي عن عمر ﵁ أنه كان يومًا يتغدى، إذ جاءه رجل يعدو، وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني ضربت فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه ضرب بالسيف، فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر سيفه، فهزه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا فعد. وأخرج ابن أبي شيبة (٢٧٧٩٣)، والبيهقي بمعناه في الكبرى (١٧٦٤٩)، عن عبيد بن عمير: أن رجلًا أضاف ناسًا من هذيل فذهبت جارية لهم تحتطب، فأرادها رجل منهم على نفسها، فرمته بفهر فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر فقال: «ذاك قتيل الله، والله لا يودى أبدًا»، وإسناده قوي، قال ابن كثير: (إسناد جيد)، وقال ابن الملقن: (وهو أثر جيد رواه البيهقي بإسناد حسن).
[ ٩ / ١٢٠ ]
ورُوِيَ عن الزُّبَيرِ نحوُه (^١)، ولأنَّ (^٢) الخَصْمَ اعْتَرَفَ بما يُبِيحُ قَتْلَه، فسقط (^٣) حقُّه؛ كما لو أقرَّ بقَتْلِه قِصاصًا.
(أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)، وأنْكَرَه الآخَرُ؛ (وَجَبَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّ سببَ القِصاص قد وُجِدَ، وهو الجَرْحُ، والأصْلُ عَدَمُ ما يَدَّعِيهِ الآخَرُ، (وَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ).
وفي «المذهب» و«الكافي»: تَجِبُ الدِّيَةُ، ونقل (^٤) أبو الصَّقْر وحنبلٌ (^٥) في قَومٍ اجْتَمَعُوا في دارٍ (^٦)، فجَرَحَ وقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وجُهِلَ الحالُ: أنَّ على عاقِلةِ المجْروحِينَ دِيَةَ القتلى (^٧) يُسقَطُ منها أرْشُ الجِراح، قَضَى به عليٌّ ﵁، رواه أحمدُ (^٨).
وهَلْ على مَنْ لَيسَ به جُرْحٌ مِنْ دِيَةِ القَتْلَى شيءٌ؟ فيه وَجْهانِ، قالَهُ ابنُ حامِدٍ.
_________________
(١) لم نقف عليه، ذكره ابن قدامة في المغني (٨/ ٢٧١)، وروي عن الزبير، أنه كان يومًا قد تخلف عن الجيش، ومعه جارية له، فأتاه رجلان فقالا: أعطنا شيئًا. فألقى إليهما طعامًا كان معه، فقالا: خل عن الجارية. فضربهما بسيفه، فقطعهما بضربة واحدة. ينظر: مسند الفاروق ٢/ ٢٧٩، والبدر المنير ٩/ ١٧.
(٢) في (م): لأن.
(٣) في (ن): سقط.
(٤) في (م): وقال.
(٥) ينظر: الفروع ٩/ ٣٧٨.
(٦) في (ن): داره.
(٧) في (ن): القتل.
(٨) رواه أحمد في رواية أبي الصقر وحنبل عنه كما في الفروع (٩/ ٣٧٨) حدثنا هشيم، أنبأنا الشيباني، عن الشعبي قال: أشهد على عليٍ أنه قضى به. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٣٢٩)، عن هشيم به، ولفظه: «أشهد على عليٍّ أنه قضى في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم بعضًا، فقضى بعقل الذين قتلوا على الذين جرحوا، وطرح عنهم من العقل بقدر جراحهم»، وإسناده صحيح.
[ ٩ / ١٢١ ]
فرعٌ: ادَّعى زِنَى مُحصَنٍ بشاهدَينِ، نَقَلَه ابنُ منصور (^١)، ونقل أبو (^٢) طالِبٍ بأربعةٍ؛ قُبِلَ (^٣)، وإلاَّ ففيه باطِنًا وجْهَانِ، وقِيلَ: وظاهرًا (^٤).
لكِنَّ كلامَ أحمدَ وغَيرِه لا فَرْقَ بَينَ كَونِه مُحصَنًا أوْ لَا، رُوِيَ عن عمرَ وعليٍّ (^٥)، وصرَّح به الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ (^٦)؛ لأِنَّه لَيسَ بِحَدٍّ، وإنَّما هو عُقوبةٌ على فِعْلِه، وإلاَّ لاعتبرت (^٧) شروطُ الحَدِّ.
وقال الشَّافعيُّ: له قَتْلُه فِيمَا بَينَه وبَينَ الله تعالى إذا كان مُحصَنًا (^٨).
وللمالِكِيَّة قَولانِ في اعْتِبارِ إحْصانِه (^٩).
_________________
(١) قوله: (يسقط منها أرش الجراح، قضى به …) إلى هنا في (م): شيء.
(٢) قوله: (أبو) سقط من (م).
(٣) في (ظ): قتل. وفي (م): قتلى. وينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٢٧٢، الفروع ٩/ ٣٧٧.
(٤) في (م): فظاهرًا.
(٥) سبق تخريجهما ٩/ ١٢٠ حاشية (٤)، (٥).
(٦) ينظر: الاختيارات ص ٤١٩، الفروع ٩/ ٣٧٨.
(٧) في (م): اعتبرت.
(٨) ينظر: البيان ١٢/ ٧٧.
(٩) ينظر: الشرح الكبير ٢/ ٤٠١.
[ ٩ / ١٢٢ ]