(الثَّالِثُ (^١): أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاِسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي (^٢) إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، والقَتْلُ المفْضِي إلى التَّعدِّي، فيه إسْرافٌ، وفي «المحرَّر»، و«الوجيز»، و«الفروع»: الجانِي، وهو أحْسَنُ.
(فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ لَمْ تُقْتَلْ (^٣)، وحُبِستْ، فإذا وَلَدَتْ؛ جُلِدَتْ وأُقِيدَ منها في الطَّرَف، (حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ، وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ)، بغَيرِ خلاف نعلمه (^٤)؛ لِمَا رَوَى ابنُ ماجَهْ بإسْنادِه، عن عبدِ الرَّحمن بنِ غَنْمٍ، قال: حدثنا معاذُ بن جبَلٍ، وأبو عُبَيدةَ بن الجراح (^٥)، وعُبادةُ بن الصَّامِت، وشَدَّاد بن أوْسٍ، قالوا: إنَّ رسولَ الله ﷺ، قال: «إذا قَتَلَت المرأةُ عَمْدًا؛ فلا تُقتَلُ حتَّى تَضَعَ ما في بطنها (^٦) إنْ كانَتْ حامِلًا، وحتَّى تكفل (^٧) ولدَها، وإنْ زَنَتْ لم تُرجَمْ حتَّى تَضَعَ ما في بطنها، وحتَّى تكفل (^٨) ولدَها» (^٩)، ولأِنَّه يُخافُ على ولدها، وقَتْلُه حرامٌ، والولدُ يتضرَّر
_________________
(١) قوله: (الثالث) سقط من (م).
(٢) في (م): الفداء.
(٣) في (م): لم يقتل.
(٤) قوله: (نعلمه) سقط من (ظ). وينظر: الاستذكار ٨/ ٧٩، المغني ٩/ ٤٦.
(٥) قوله: (ابن الجراح) سقط من (م).
(٦) زيد في (م): وحتى.
(٧) في (ن): يكفل.
(٨) في (ن): يكفل.
(٩) أخرجه ابن ماجه (٢٦٩٤)، والطبراني في الكبير (٧١٣٨)، وفي سنده ثلاثة ضعفاء وهم: عبد الله بن صالح كاتب الليث، وابن لهيعة، وعبد الرحمن الإفريقي، وضعفه البوصيري والألباني، ويشهد له ما أخرجه مسلم (١٦٩٥)، في خبر الغامدية، وفيه أنها قالت: لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: «إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي»، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه». ينظر: مصباح الزجاجة ٣/ ١٣٨، الإرواء ٧/ ٢٨٢.
[ ٩ / ١٣٧ ]
بترك اللِّبَأ ضررًا كثيرًا، وقال في «الكافي»: لا يَعِيشُ إلاَّ به.
(ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ (^١)؛ قُتِلَتْ؛ لأِنَّ تأخيرَ قَتْلِها إنَّما كان للخوفِ على ولدها، وقد زال ذلك، وفي «الترغيب»: يلزم (^٢) برضاعه بأُجْرةٍ.
(وَإلاَّ)؛ أي (^٣): إذا لم يُوجَدْ مَنْ يُرضِعُه؛ (تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ) لحَولَينِ؛ للخبر، والمعْنَى: إلاَّ أنْ يكونَ فيما دُونَ النَّفس، والغالِبُ عَدَمُ ضَرَرِ الاِسْتِيفاء منها، ولأِنَّ القتلَ إذا أُخِّر من أجْلِ سَقْط الحمل؛ فلأن يُؤخَّرَ من أجل حفظ الولد بطريقِ الأولى (^٤).
وظاهِرُه: أنَّه (^٥) إذا أمْكَنَ سَقْيُه لَبَنَ شاةٍ؛ فإنَّها تُترَكُ، وصرَّح في «المغْنِي» و«الشَّرح»: بأنَّها تُقتَلُ؛ لأِنَّ (^٦) له ما يَقومُ به.
وظاهره (^٧): أنَّها لا تؤخَّر (^٨) لمرَضٍ وحرٍّ وبَرْدٍ، وقيل: بلى (^٩)؛ كمَنْ خِيفَ تَلَفُها؛ لحديث عليٍّ (^١٠)، رواهُ مُسْلِمٌ (^١١).
_________________
(١) في (ظ): ترضعه.
(٢) في (م): فلزم. وفي الفروع ٩/ ٤٠١: تلزم.
(٣) قوله: (أي) سقط من (م).
(٤) قوله: (ولأن القتل إذا أخر من أجل سقط الحمل …) إلى هنا سقط من (م).
(٥) قوله: (أنه) سقط من (م).
(٦) في (ن): لأنه.
(٧) في (م): فظاهره.
(٨) في (ن): أنه لا يؤخر.
(٩) في (ن): هي.
(١٠) قوله: (علي) سقط من (م).
(١١) أخرجه مسلم (١٧٠٥)، عن علي ﵁: أن أمةً لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: «أحسنت».
[ ٩ / ١٣٨ ]
(وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَالَ حَمْلِهَا)؛ لأِنَّ القِصاصَ في الطَّرَف لا يُؤمَنُ معه التَّعدِّي إلى تَلَفِ الولد، أشْبَهَ الاِقْتِصاصَ في النَّفس، بل يُقادُ منها فيه بمُجرَّدِ الوضع، صرَّح به في «الفروع» وغيره (^١)، وفي «المغني»: وسَقْيِ اللِّبأ (^٢)، وهو ظاهِرٌ، وفي «المستوعب» وغيره: ويَفرُغُ نِفاسُها، وفي «البلغة»: هي فيه كمريضٍ.
(وَحُكْمُ الْحَدِّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْقِصَاصِ)؛ لأِنَّه في معناه، وللخبر السَّابق.
واسْتَحَبَّ القاضي تأخيرَ الرَّجم مع وجود مُرضِعةٍ؛ لتُرْضِعَه بنفسها، وقيل: يَجِبُ، نَقَلَ الجماعةُ: تُترَك (^٣) حتَّى تَفطِمَه (^٤).
ولا تُحبَسُ لحدٍّ، قاله في «التَّرغيب» و«الرِّعاية»، بل لِقَوَدٍ (^٥)، ولو مع غيبة (^٦) وليِّ مقتولٍ، لا في مالٍ غائبٍ.
(فَإِنِ ادَّعَتِ الْحَمْلَ؛ احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا، فَتُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»؛ لأِنَّ للحمل أماراتٍ خفيَّةً تعلمها (^٧) مِنْ نَفْسِها دُونَ غيرها، فوجَبَ أنْ يُحتاطَ له كالحيض.
وعليه في «التَّرغيب»: لا قَوَدَ من منكوحةٍ مُخالِطةٍ لزوجها، وهو ممنوعٌ مِنْ وَطْئِها لأِجْلِ الظِّهار؛ ففيه احْتِمالانِ.
_________________
(١) قوله: (وغيره) سقط من (م).
(٢) قوله: (اللبأ) سقط من (م).
(٣) في (ن): يترك.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٧/ ٣٥٢٣.
(٥) في (م): بقود.
(٦) في (م): غيبته.
(٧) في (م) تعلم.
[ ٩ / ١٣٩ ]
(وَاحْتَمَلَ أَلاَّ يُقْبَلَ (^١) إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)، ولو امرأةً، ذَكَر في «الفروع»، وفي «المحرَّر» و«الشَّرح»: أنَّها تُرَى أهلَ الخِبْرة، فإنْ شَهِدتْ بحَمْلها؛ أُخِّرَتْ، وإنْ شهدت (^٢) ببراءتها لم تُؤخَّرْ؛ لأِنَّ الحقَّ حالٌّ عليها، فلا تؤخر (^٣) بمجرَّد دَعْواها، فإنْ أشْكَلَ على القَوابِل، أوْ لم يُوجَدْ مَنْ يَعرِفُ ذلك؛ أُخِّرتْ حتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُها؛ لأِنَّه إذا أسْقَطْنا القِصاصَ مِنْ خَوفِ الزِّيادة؛ فتأخيرُه أَوْلَى.
(وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ)؛ حَرُمَ، وأخْطَأَ السلطانُ (^٤) الذي مكَّنه من الاستيفاء، وعليهما (^٥) الإثمُ إنْ كانا عالِمَينِ، أوْ كان منهما تفريطٌ، وإلاَّ فالإثمُ على العالم والمفرِّط.
و(وَجَبَ (^٦) ضَمَانُ جَنِينِهَا عَلَى قَاتِلِهَا (^٧)؛ لأِنَّه المباشِرُ، فلو انْفَصَلَ ميتًا، أوْ حيًّا لوقتٍ لا يَعِيشُ في مِثْلِه؛ ففيه غُرَّةٌ، وإنِ انفصَلَ حيًّا لوقتٍ يعِيشُ مِثْلُه فيه، ثمَّ مات من الجناية؛ ففيه الدِّيَةُ.
ويُنظَرُ، فإنْ كان الإمامُ والوليُّ عالِمَينِ بالحَمْل وتحريمِ الاِسْتِيفاءِ، أوْ جاهِلَينِ بالأمْرَينِ، أوْ أحدِهما، أوْ كان الوليُّ عالِمًا بذلك دُونَ المُمَكِّنِ له من الاستيفاء (^٨)؛ فالضَّمانُ عليه وحدَه؛ لأِنَّه مُباشِرٌ، والحاكِمُ الذي مكَّنَه (^٩) صاحِبُ سببٍ.
_________________
(١) في (م): تقبل.
(٢) في (م): شهد.
(٣) في (ن): فلا يؤخر.
(٤) في (م): لسلطان.
(٥) في (م): وعليها.
(٦) في (م): وجب.
(٧) في (ظ): عاقلتها.
(٨) قوله: (أو جاهلين بالأمرين أو أحدهما … إلخ) سقط من (م).
(٩) في (م): يمكنه.
[ ٩ / ١٤٠ ]
وإنْ عَلِمَ الحاكِمُ دُونَ الوليِّ؛ فالضَّمانُ على الحاكِم وحْدَه؛ كالسَّيِّد إذا أمَرَ عبدَه الأعْجَمِيَّ الذي لا يَعرِفُ تحريمَ القَتْل به.
وإنْ كانا عالِمَينِ؛ ضَمِنَ الحاكِمُ فقطْ.
وإنْ كانا جاهِلَينِ؛ فقِيلَ: الضَّمانُ على الحاكم، وقِيلَ: على الوليِّ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و«الشَّرح»، وقِيلَ: يَضْمَنُه السلطان (^١)، إلاَّ أنْ يَعلَمَ المقتَصُّ وحدَه بالحمل (^٢) فيَضمَنُ.
(وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الذِي مَكَّنَهُ (^٣) مِنْ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه مكَّنَه من الإتْلاف، فاختَصَّ الضَّمانُ به؛ كما لو أمر (^٤) عبدَه الجاهِلَ بتحريمِ القَتْل (^٥)، فعلى هذا: هل الغُرَّةُ في بَيتِ المال، أوْ ماله (^٦)؟ فيه رِوايَتانِ.
فرعٌ: قال في (^٧) «الرِّعاية»: فإنْ قَتَلَها، فتلف (^٨) جنينُها؛ ضَمِنَه السُّلطانُ الممَكِّنُ منها بغُرَّة (^٩)، وعنه: في بَيتِ المال.
فإنْ رَمَتْه حيًّا، فمات بذلك؛ وَجَبَتْ دِيَتُه، أوْ قِيمتُه إنْ كان قِيمِيًّا من بَيتِ المال، وعنه: من عاقِلَتِه، وقِيلَ: يَضمَنُه قاتِلُها، وقِيلَ: إنْ عَلِمَ وحدَه بالحمل.
_________________
(١) قوله: (السلطان) سقط من (م).
(٢) في (م): بالحمل وحده.
(٣) في (م): يمكنه.
(٤) قوله: (أمر) مكانه بياض في (م).
(٥) زاد في (ظ): به.
(٦) في (ن): مما له.
(٧) قوله: (قال في) سقط من (م) و(ن).
(٨) في (م): وتلف.
(٩) في (م): بغير.
[ ٩ / ١٤١ ]