(وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِالسَّيْفِ) في العُنُق، وإنْ كان القَتْلُ بغَيرِه، (فِي إِحْدَى (^١) الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و«الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، واخْتارَه الأصْحابُ؛ لِمَا رَوَى النُّعمانُ بنُ بَشِيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا قَوَدَ إلاَّ بالسَّيف» رواهُ ابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والبيهقي (^٢) مِنْ غَيرِ طريقٍ، وقال أحمدُ: لَيسَ إسْنادُه بجيد (^٣)، ولأِنَّ القِصاصَ أحدُ بَدَلِ النَّفس، فَدَخَلَ الطَّرَفُ في حُكْم الجملة؛ كالدِّية، ونَهَى عن المُثْلَة، ولأِنَّ فيه زيادةَ تعذيبٍ، وكما لو قَتَلَه بالسَّيف.
قال في «الاِنْتِصار» وغَيره في قَوَدٍ: وحقُّ الله لا يَجُوزُ في النَّفس إلاَّ بسَيفٍ؛ لأِنَّه أوْحَى (^٤)، لا بِسِكِّينٍ، ولا في طَرَفٍ إلاَّ بها؛ لِئَلاَّ يَحِيفَ،
_________________
(١) في (م): أحد.
(٢) قوله: (والبيهقي) سقط من (م).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٦٦٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٠٨٨)، من حديث النعمان بن بشير ﵁، وفي سنده: جابر الجعفي وهو ضعيف، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٦٨)، والبزار (٣٦٦٣)، والدارقطني (٣١٧٤)، من طريق مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁، والمبارك مدلس وقد عنعنه، وقال أبو حاتم: (حديث منكر)، وأعله البزار بالإرسال، وله طرق أخرى من حديث علي وابن مسعود وأبي سعيد ﵃، وكلها ضعيفة، وضعف الحديث جماعة منهم أحمد وأبو حاتم وابن رجب وابن الملقن وابن حجر، قال ابن القيم: (وحديث «لا قود إلا بالسيف» قال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد، والثابت عن الصحابة أنه يفعل به كما فعل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنة والقياس وآثار الصحابة). ينظر: علل ابن أبي حاتم ٤/ ٢٢٨، إعلام الموقعين ١/ ٢٤٧، جامع العلوم والحكم ١/ ٤٣٨، البدر المنير ٨/ ٣٩٠، التلخيص الحبير ٤/ ٦١.
(٤) في (م): أرجى.
[ ٩ / ١٤٧ ]
وأنَّ (^١) الرَّجمَ بحجرٍ (^٢)، لا يَجُوزُ بسَيفٍ.
(وَالْأُخْرَى: يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ (^٣)، وقَتْلُه بسيف (^٤)، وقاله الأكثرُ، واخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (^٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النّحل: ١٢٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤]، ولأِنَّه «﵇ رضَّ رأسَ يهوديٍّ …» الخبرَ (^٦)، ولقوله ﷺ: «مَنْ حرَّقَ حرَّقْناهُ، ومَن غرَّق غرَّقناه» رواه البَيهَقيُّ مِنْ حديثِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ، وفي إسْنادِه مَقالٌ (^٧)، ولأِنَّ القِصاصَ موضُوعٌ على المُماثَلَةِ، ولَفْظَه مُشْعِرٌ به (^٨)، فيجب (^٩) أنْ يَسْتَوْفِيَ منه ما فَعَلَ؛ كما لو ضَرَبَ العُنُقَ آخَرُ غَيرُه.
وعَلَيها: إنْ ماتَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه، وفي «الاِنْتِصار» احْتِمالٌ، أو الدِّيَةُ بغَيرِ رِضاهُ.
(فَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ؛ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ) لِمَا عَرَفْتَ.
(وَإِنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ غَرَّقَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) مِنْ أنواع القتل غَيرَ ما اسْتُثْنِيَ؛ (فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ (^١٠)؛ لِمَا ذَكَرْنا، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ.
_________________
(١) في (ن): لأن.
(٢) قوله: (بحجر) سقط من (م).
(٣) في (م): يفعل.
(٤) أي: يجوز أن يفعل به كما فعل، ويجوز قتله بسيف. ينظر: الفروع ٩/ ٤٠٤.
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٥١، الفروع ٩/ ٤٠٤.
(٦) أخرجه البخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢).
(٧) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٥٩٩٣)، وفي المعرفة (١٧١٨٥)، وفي إسناده مجاهيل، قاله البيهقي، وابن عبد الهادي. ينظر: تنقيح التحقيق ٤/ ٤٩٤، البدر المنير ٨/ ٣٨٩.
(٨) قوله: (به) سقط من (م).
(٩) في (م): فوجب، وفي (ن): فيجوز.
(١٠) قوله: (لما عرفت ذلك، وإن قتله بحجر …) إلى هنا سقط من (م).
[ ٩ / ١٤٨ ]
وعَنْهُ: يُفعَلُ به كفِعْلِه إنْ كان فِعْلُه مُوحِيًا (^١).
وعَنْهُ: أوْ مُوجِبًا لِقَوَدِ طَرَفِه لو انْفَرَدَ.
فعلى (^٢) المذهب: لو فَعَلَ لم يَضمَنْ، وأنَّه لو قَطَعَ طَرَفَه، ثُمَّ قَتَلَه قبلَ البُرْء (^٣)؛ ففي دخولِ قَوَدِ طَرَفِه في قَوَدِ نفسه لدخوله في الدِّيَة؛ رِوايَتانِ، قال في «التَّرغيب»: فائدتُه: لو عَفَا عن النَّفس؛ سَقَطَ القَوَدُ في الطَّرَف؛ لأِنَّ قَطْعَ السِّراية كانْدِمالِه، ومتى (^٤) فَعَلَ به الولي (^٥) كما فَعَلَ؛ لم يَضمَنْه بشَيءٍ وإنْ حرَّمْناهُ، وإنْ زاد أوْ تَعدَّى بقَطْعِ طَرَفِه؛ فلا قَوَدَ، ويَضْمَنُه بِدِيَتِه، عَفَا عنه أوْ لا، وقِيلَ: إنْ لم يَسْرِ القَطْعُ.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَمَاتَ؛ فُعِلَ بِهِ كَفِعْلِهِ)؛ للكتاب والسُّنَّةِ، واعْتِبارِ المماثَلة، (فَإِنْ مَاتَ وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ)؛ لأِنَّ ذلك مُستَحَقٌّ لكَونه تَرتَّبَ على فعله (^٦) القَتْلُ، فإذا لم يَحصُلْ بمِثْلِ ما فَعَلَ؛ تعيَّن ضَرْبُ العُنُق؛ لكَونه وسيلةً إلى اسْتِيفاء القَتْل المسْتَحَقِّ عليه.
(وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْتَلُ)؛ لأِنَّ القِصاصَ أحدُ بَدَلَي (^٧) النَّفس، فدَخَلَ القَطْعُ وغَيرُه في القتل؛ كالدِّية.
(وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ أيْ: لا يُقتَصُّ منه في الطَّرَف روايةً واحدةً؛ لِإفْضائه إلى الزِّيادة، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ تخريجُه على الرِّوايتَينِ، ولَيسَ هذا بزيادةٍ؛ لأِنَّ فَواتَ النَّفس بسِرايةِ فِعْله، وهو كفعله،
_________________
(١) في (م): موجبًا.
(٢) في (م): وعلى.
(٣) في (م): البراءة.
(٤) في (م): ومن.
(٥) في (م): والولي.
(٦) في (م): عليه فعل.
(٧) في (ن): بدل.
[ ٩ / ١٤٩ ]
أشْبَهَ ما لو قَطَعه (^١)، ثمَّ قَتَلَه.
(وَإِنْ قَتَلَهُ بِمُحَرَّمٍ فِي نَفْسِهِ؛ كَتَجْرِيعِ (^٢) الْخَمْرِ، وَاللِّوَاطِ، وَنَحْوِهِ)؛ كالسِّحر؛ لم يَقتُله بمثله، وِفاقًا (^٣)؛ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ هذا مُحرَّمٌ لِعَينه، فوجَبَ العُدولُ عنه إلى القتل بالسَّيف؛ لأِنَّ قَتْلَه بمثلِ فِعْله غَيرُ مُمْكِنٍ.
وإن (^٤) حرَّقَه؛ فقال بعضُ أصحابنا: لا يُحرَّقُ؛ للنَّهيِ عنه (^٥)، وقال القاضي: الصَّحيحُ أنَّ فيه روايتَينِ؛ كالتغريق (^٦).
والثَّانية: يُحرَّقُ، وقاله مسروق وقتادةُ، وحَمَلوا النَّهْيَ على غَيرِ القِصاص.
(وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ على فِعْله تَعَدٍّ عليه، فلم يَجُزْ؛ كما لو لم يكن قاتِلًا، (وَلَا قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ)؛ لأِنَّ ذلك زيادةٌ على ما أتى به، (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ لأِنَّ القِصاصَ عقوبةٌ تُدْرَأُ بالشُّبهة، وهي هنا مُتحَقِّقةٌ؛ لأِنَّه مُستَحِقٌّ لإتلافِ الطَّرَف ضِمْنًا لاِسْتِحْقاقه إتلافَ الجملة.
_________________
(١) في (م): أقطعه.
(٢) في (م): كتحريم، وفي (ن): لتجريع.
(٣) ينظر: بدائع الصنائع ٧/ ٢٤٥، التاج والإكليل لمختصر خليل ٨/ ٣٣٠، الحاوي ١٢/ ١٤٠، الفروع ٩/ ٤٠٤.
(٤) في (م): فإن.
(٥) قوله: (عنه) سقط من (م). والحديث أخرجه أحمد (١٦٠٣٤)، وأبو داود (٢٦٧٣)، من حديث حمزة الأسلمي ﵁، وفيه: «فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار»، وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٧).
(٦) في (م): كالتعريف.
[ ٩ / ١٥٠ ]
(وَتَجِبُ (^١) فِيهِ)؛ أيْ: في الزائد (^٢) (دِيَتُهُ)؛ لأِنَّ ذلك حصل (^٣) بالتَّعَدِّي، أشْبَهَ ما لو لم يكن المقطوعُ مُكافِئًا، (سَوَاءٌ عَفَا عَنْهُ أَوْ قَتَلَهُ (^٤)؛ لأِنَّ اسْتِحْقاقَ إتْلافِ الطَّرَف مَوجودٌ في حالتي العَفْو والقتل.
لَواحِقُ:
إذا كان الجاني قطَع يدَه، فقطع المستوفي رجلَه؛ فقيل: كقطعِ يده؛ لاستوائهما، وقيل: دِيَة رِجْله؛ لأِنَّ الجانيَ لم يَقْطَعْها.
وإن استحقَّ قَطْعَ إصبعٍ، فقَطَعَ ثنتين؛ فحكمُه حكمُ القطع ابتداءً.
وإنْ ظنَّ وليُّ دمٍ (^٥) أنَّه اقتصَّ في النَّفس، فلم يكن، وداوَاه أهله حتَّى بَرِئَ؛ فإنْ شاء الوليُّ دَفَعَ إليه ديةَ فِعْله وقَتَلَه، وإلاَّ تَرَكَه، هذا رأيُ عمرَ، وعلي (^٦)، ويَعْلَى بن أميَّةَ، ذَكَرَه أحمدُ (^٧).
_________________
(١) في (م): ويجب.
(٢) قوله: (في الزائد) في (م): الزيادة.
(٣) في (م): يصله.
(٤) قوله: (أو قتله) في (م): أقتله.
(٥) في (م): دمه.
(٦) قوله: (وعلي) سقط من (م).
(٧) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٤٢٩. والأثر: أخرجه عبد الرزاق (١٧٩١٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٨٩٢)، عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن الحسن، أن حُييَ بن يعلى أخبره، أنه سمع يعلى يخبر: أن رجلًا أتى يعلى، فقال: قاتل أخي، فدفعه إليه يعلى، فجدعه بالسيف، حتى رأى أنه قد قتله وبه رمق، فأخذه أهله، فداووه حتى برء فجاء يعلى، فقال: قاتل أخي، فقال: «أو ليس قد دفعته إليك؟!»، فأخبره خبره فدعاه يعلى، فإذا به قد سلك، فحشيت جروحه فوجد فيه الدية، فقال له يعلى: «إن شئت فادفع إليه ديته واقتله، وإلا فدعه»، فلحق بعمر فاستأدى على يعلى فكتب عمر إلى يعلى، أن اقْدَمْ عليَّ، فقدم عليه فأخبره الخبر، فاستشار عمر علي بن أبي طالب، فأشار عليه بما قضى به يعلى، فاتفق عمر وعلي على قضاء يعلى، أن يدفع إليه الدية ويقتله، أو يدعه فلا يقتله وقال عمر ليعلى: «إنك لقاض»، ثم رده على عمله. وشيخ ابن جريج ذكره البخاري في التاريخ (٧/ ٨٨)، فقال: (يحدث عن حيي بن يعلى، روى عنه ابن جريج)، ولم نقف له على ترجمة تبين حاله.
[ ٩ / ١٥١ ]
وإذا اقتصَّ بآلةٍ كالَّةٍ أو (^١) مسمومةٍ، فسَرَى، فقال القاضي: عليه نصفُ الدِّية؛ لأِنَّه تَلِفَ بفعلٍ (^٢) جائزٍ ومُحرَّمٍ؛ كما لو جَرَحَه في ردَّته وإسلامه فمات منهما.
ويَحتَمِلُ: يَلزَمه ضمانُ السِّرايَة كلِّها؛ لأِنَّ هذا الفِعْلَ كلَّه مُحرَّمٌ.
_________________
(١) قوله: (أو) سقط من (م).
(٢) في (م): بتعد.
[ ٩ / ١٥٢ ]