(وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ):
(أَحَدُهَا: الْأَمْنُ مِنَ الحَيْفِ)، إذْ هو جَورٌ وظُلْمٌ، وإذا لم يُمكِن (^١) القِصاصُ إلاَّ به لم يَجِبْ فِعْلُه، (بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ)؛ لأِنَّ المُماثَلةَ في غَيرِ ذلك غيرُ مُمْكِنةٍ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَسْتَوْفِيَ أكثرَ من الحقِّ.
(أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ؛ كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ)، دُونَ القَصَبةِ؛ لأِنَّ ذلك حَدٌّ يَنتَهِي إليه، فهو كاليد.
ويُؤخَذُ البعضُ بالبعض، فيُقدَّرُ ما قَطَعَه بالأجزاء؛ كالنِّصف والثُّلث، ولا يُؤخَذُ بالمساحة؛ لأِنَّه يُفضِي إلى أخْذِ جميعِ أنفِ الجاني لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المجنيِّ عليه لكِبَرِه، وكذا في الأُذُن واللِّسان والشَّفة.
وقِيلَ: لا يُؤخَذُ بعضُ اللِّسان بِبَعْضٍ.
(فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ)؛ أيْ: قَصَبَةَ أنفه (^٢)، (أَوْ قَطَعَ مِنْ (^٣) نِصْفِ السَّاعِدِ أَوِ السَّاقِ؛ فَلَا قِصَاصَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو المنصوصُ عن أحمدَ (^٤)، وفي الخبر: أنَّ رجلًا ضَرَبَ آخَرَ على ساعِدِه بالسَّيف، فقطعها (^٥) من غَيرِ مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبيَّ ﷺ، فأَمَرَ له بالدِّية، فقال: إنِّي أُريدُ القِصاصَ، قال (^٦): «خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ الله (^٧) لك فيها»
_________________
(١) في (م): لم يكن.
(٢) في (م): الأنف.
(٣) قوله: (من) سقط من (م).
(٤) ينظر: زاد المسافر ٤/ ٤٣٢، المغني ٨/ ٤٥٧.
(٥) في (م): وقطعها.
(٦) في (ن): فقال.
(٧) قوله: (الله) ليس في (م).
[ ٩ / ١٧٥ ]
رواه ابنُ ماجَهْ (^١)، ولأِنَّ القَطْعَ لَيسَ مِنْ مَفْصِلٍ، فلا يُؤمَن فيه الحَيفُ.
فلو قَطَعَ يَدَه من الكُوعِ، ثُمَّ تآكَلَتْ إلى نِصْفِ الذِّراع؛ فلا قَوَدَ؛ اعْتِبارًا بالاستقرار (^٢)، قاله القاضي، قال في «المحرَّر»: وعندي (^٣) يُقتَصُّ ههُنا من الكُوع.
(وَفِي الآْخَرِ يُقْتَصُّ مِنْ حَدِّ الْمَارِنِ، وَمِنَ (^٤) الْكُوعِ وَالْكَعْبِ)؛ لأِنَّه دُونَ حقِّه؛ لعَجْزِه عن اسْتِيفاءِ حقِّه، أشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمَةً واسْتَوْفَى مُوضِحةً.
وكذا الخِلافُ ما لو قَطَعَ مِنْ عَضُدٍ أوْ وَرِكٍ.
(وَهَلْ يَجِبُ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِي) عليهما (^٥) ولو خَطَأً؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «الفروع»:
أحدُهما: لَيسَ له ذلك، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه يَجمَعُ في عُضْوٍ واحِدٍ بَينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ.
والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّه حقٌّ له تعذَّرَ اسْتِيفاؤه، فَوَجَبَ أرْشُه كغَيرِه.
(وَيُقْتَصُّ مِنَ الْمَنْكِبِ إِذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً)؛ لأِنَّه مَفصِلٌ يُؤمَنُ فيه الحيف، فَوَجَبَ؛ كالقَطْع من الكُوع، ويَرجِعُ في الخَوفِ في (^٦) هذا إلى أهلِ الخِبْرة، فإنْ خِيفَ؛ فله أنْ يَقتَصَّ مِنْ مِرْفَقِه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٦٣٦)، والبزار (٣٧٩٢)، والبيهقي في الكبرى (١٦١٠٢)، من طريق دهثم بن قران قال: حدثني نمران بن جارية، عن أبيه به، إسناده ضعيف جدًّا، دهثم بن قران العكلي متروك، قال ابن عبد البر: (ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيفٌ أعرابيٌّ ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية أعرابي أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة). ينظر: الاستذكار ٨/ ١٨٦، الإرواء ٧/ ٢٩٥.
(٢) في (م): في الاستقرار.
(٣) قوله: (وعندي) سقط من (م).
(٤) في (م): من.
(٥) في (م): عليها.
(٦) في (م): الجوف من.
[ ٩ / ١٧٦ ]
ومتى خالَفَ واقْتَصَّ مع خَشْيةِ الحيف، أوْ مِنْ مأمومةٍ، أوْ جائفةٍ، أوْ نصفِ ذراعٍ، ونحوِه؛ أجْزَأَ، وإن اخْتارَ الدِّية؛ فله دِيَة اليد وحكومةٌ لِمَا زاد.
فإنْ قَطَعَ مِنْ نصف (^١) الذِّراع؛ ففي جواز قَطْع الأصابع وجْهانِ، فإنْ قَطَعَ منها (^٢)؛ لم يكُنْ له حكومةٌ في الكفِّ؛ لأِنَّه أمكنه (^٣) أخْذُه قِصاصًا؛ كما لو (^٤) كانت الجنايةُ من الكوع.
وإنْ قُطِعَتْ من العَضُد؛ لم يَملِكْ قَطْعَها من الكُوع؛ لأِنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ الذِّراع قِصاصًا؛ كما لو قُطِعَ من المِرفَق، وفي «الشَّرح» وَجْهانِ.
مسألةٌ: إذا قَطَعَ بعضَ أُذُنِه، فالتصق (^٥)؛ فله أرْشُ الجُرْح، ولا (^٦) قَوَدَ فيه.
وإنْ شقَّها فألْصَقَها صاحِبُها، فالْتَصَقَتْ؛ فكذلك.
وإنْ قَطَعَها فأبانَها، فألْصَقَها صاحِبُها، فالْتَصَقَتْ؛ فله القَوَدُ في قَولِ القاضي؛ لأِنَّه وَجَبَ بالإبانة.
وقال أبو بكرٍ: لا قَوَدَ فيها؛ لأِنَّها لم تبقَ (^٧) على الدَّوام، أشبه الشَّقَّ، وعلى هذا: له أرْشُ الجُرح، فإنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذلك قريبًا أوْ بعيدًا؛ ردَّ الأَرْشَ ومَلَكَ القَوَدَ، أوِ الدِّيةَ إن (^٨) اختارها على القَولَينِ.
(وَإِذَا أَوْضَحَ إِنْسَانًا)، أوْ شجَّه دُونَ مُوضِحَةٍ، أوْ لَطَمَه، (فَذَهَبَ ضَوْءُ
_________________
(١) في (م): قصب.
(٢) زيد في (م): ما.
(٣) في (م): أمكن.
(٤) زيد في (م): قطع من المرفق.
(٥) في (م): فالنصف.
(٦) في (م): فلا.
(٧) في (ن): لم يبق.
(٨) في (م): وإن.
[ ٩ / ١٧٧ ]
عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ؛ فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ)؛ أي (^١): فُعِلَ به (^٢) كما فَعَلَ؛ لأنَّه (^٣) يُمكِنُ القَوَدُ منه من غير حيفٍ؛ لأنَّ له (^٤) حَدًّا يَنتَهِي إليه.
(فَإنْ ذَهَبَ ذَلِكَ وَإِلاَّ اسْتَعْمَلَ فِيهِ (^٥) مَا يُذْهِبُهُ)؛ أيْ: ما (^٦) يُذهِبُ ضَوءَ عَينِه، إلى آخِرِهِ، (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ (^٧)؛ لأِنَّه يَستَوفِي حقَّه مِنْ غَيرِ زيادةٍ، فيَطرَحُ في العَين كافورًا، أوْ يُقرِّبُ منه مرآة (^٨)، أوْ يُحمِّي له حديدةً أوْ مرآة (^٩)، ثُمَّ يُقطِّرُ عليها ماء (^١٠)، ثُمَّ يُقطِّرُ منه في العين ليَذهَبَ بَصَرُها.
ولا يَقتَصُّ منه مِثْلَ شجَّته، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (^١١)، ولا يَقتَصُّ منه باللَّطْمة؛ لأِنَّ المماثَلةَ فيها غَيرُ مُمْكِنَةٍ، ويعالجه (^١٢) بما (^١٣) يُذهِبُ بَصَرَه مِنْ غَيرِ أنْ يقلع (^١٤) عَينَه.
وقال القاضي: له أنْ يَلطُمَه مِثْلَ لَطْمَته، فإنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَينِه؛ وإلاَّ أذْهَبَه بما ذُكِرَ.
_________________
(١) في (م): أو.
(٢) قوله: (به) سقط من (م).
(٣) زيد في (م): لا.
(٤) قوله: (له) سقط من (ظ).
(٥) قوله: (فيه) سقط من (م) و(ن).
(٦) قوله: (أي: ما) في (م): أو.
(٧) في (م): أو أنفه أو أذنه.
(٨) في (م): مرارة.
(٩) في (م): امرأة.
(١٠) قوله: (ثم يقطر عليها ماء) سقط من (م).
(١١) ينظر: المغني ٨/ ٣٣٠.
(١٢) في (م): ومعالجته، وفي (ن): ومعالجة.
(١٣) في (ن): ما.
(١٤) في (م): تقلع.
[ ٩ / ١٧٨ ]
ولا يَصِحُّ؛ لأِنَّ اللَّطْمةَ لا يُقتَصُّ منها مُنفرِدةً، فكذا إذا سَرَتْ إلى العَينِ؛ كالشَّجَّة دُونَ المُوضِحة.
ولا قَوَدَ إلاَّ أنْ تكونَ اللَّطْمةُ تَذهَبُ بالبصر غالِبًا، قاله القاضِي.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القَوَدُ بكلِّ حالٍ.
(فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ (^١) إِلاَّ بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ؛ سَقَطَ) القَوَدُ؛ لِتعذُّرِ المُماثَلةِ، ولأِنَّ تَوهُّمَ الزِّيادة يُسقط (^٢) القَوَدَ، فحَقيقَتُه أَوْلَى، وتَتَعَيَّنُ الدِّيةُ.
_________________
(١) في (م): لم تكن.
(٢) في (ظ): تسقط.
[ ٩ / ١٧٩ ]